مسابقة «أمير الشعراء» فتحت الآفاق أمام تجربة الشاعر الموريتاني
الشيخ جاكيتي سك: شعراؤنا بلا مشاريع

سكينة اصنيب

يعد الشاعر الموريتاني الشيخ جاكيتي سك واحد من أهم الشعراء الشباب الذين أثروا في شكل القصيدة الموريتانية. نجح في لفت الأنظار إليه بقصائده المتجددة التي تتضمن قيماً إنسانية وفنية وجمالية، وصوراً آسرة وبليغة، جعلته يحتل مكانة متقدمة بين شعراء جيله، فاعتبره النقاد خليفة لأحد هؤلاء العمالقة أحمد ولد عبد القادر وناجي محمد الإمام وكابر هاشم والخليل النحوي.

ورغم أنه ينتمي إلى أصول أفريقية، فقد استطاع نظم الشعر العربي في سن صغيرة، وهو بذلك مثال حي على التعايش بين القوميات الأفريقية والثقافة العربية الإسلامية في موريتانيا.
شارك الشيخ جاكيتي سك في نهائيات مسابقة “أمير الشعراء” عام 2008، حيث وصفته اللجنة حينها بمفاجأة البرنامج، من أهم قصائده “معراج وإسراء”، و”وجبات سريعة”، و”الوجود المستعار” و”مهاجرون”، و”سطحيات معمقة”، وله قصائد مشبوبة العاطفة في حب المرأة، والإنسان. صدر له ديوان شعري تحت عنوان “والجود المستعار” عن دار الفكر اللبنانية في نواكشوط .
في هذا الحوار، يطلعنا الشيخ جاكيتي سك على تجربته الإبداعية المتألقة وتأثير التمازج الثقافي بين عرب موريتانيا وأفارقتها على شعره، ورأيه في شكل القصيدة الموريتانية وواقع ومستقبل الحركة الشعرية في البلاد.
◆ يتفاعل الجمهور مع قصائدك كثيراً، ماذا استفدت من تجربة مسابقة “أمير الشعراء” التي وصلت إلى مراحلها النهائية؟

◆ أعتقد أن مسابقة أمير الشعراء لم تؤثر على شعري بقدر ما أثرت على مستوى انتشاره، فهي من الناحية الفنية لم تضف لي، بل جعلت الجمهور يتعرف إلي كشاعر طبعاً من خلال تلك القصائد التي وفقت في أن أُلائم فيها بين ذوق المتلقي العادي وذوق الناقد النخبوي، وطبعاً هذا هو المشروع الشعري الذي بدأت أعمل عليه منذ دخولي الساحة الشعرية الموريتانية، فكل المشاركات التي كنت أقدم في المهرجان الوطني للشعر كانت تشد إلي انتباه المتلقي والنخبة الموريتانية في آن، ولذلك كان حضوري دائماً في مختلف الأنشطة الثقافية التي تنظم على المستوى الوطني، ولكن بكل تأكيد مسابقة أمير الشعراء كمسابقة تلفزيونية زادت من بريق ذلك الألق.

ثقافتان
◆ أنت مثال على التمازج بين القوميات الأفريقية والثقافة العربية، كيف ساعدتك ازدواجية الهوية بأن تكون شاعراً مميزاً؟

◆ بل كيف ساعدتني هذه الازدواجية على أن أمتلك ناصية الإحساس بالثقافتين؛ لأنني أرى أن الإنسان كفرد كلما تعددت روافده الثقافية كلما ازداد وعيه بما حوله، والمبدع بشكل خاص في أي مجال يجد في التعدد الثقافي أرضا خصبة لإنتاج ما هو مختلف، ولذلك كان في شعري ذلك السبر الواعي للمشترك للإنساني، والشعور بالانتماء لثقافتين يعلمك أن لا تكون عنصرياً، كما يعلمك بأن الجوهر الإنساني هو الهوية الحقيقية فيكون لزاماً عليك حينها أن تقدم ما يقترب من الجوهر الإنساني فيفصح عن مكنونه دون مواربة.

◆ من هم أهم الشعراء الموريتانيين الذين تقرأ لهم كثيراً؟ وبمن تأثرت منهم؟

◆ الساحة الموريتانية مملوءة بكبار المبدعين ولكنها حتى الآن تفتقر إلى شاعر يمتلك مشروعاً شعرياً متكاملاً، ولذلك من الصعب أن يشدني شاعر معين، لأن الشعراء الموريتانيين لم يوفقوا في إحداث مدارس شعرية، ولذلك أنا طبعاً أقرأ لبعض أهم شعراء هذه الساحة ولكن الذي يشكل بالنسبة لي تجربة يمكن أن أقف عندها هو الشاعر محمد ولد عبدي الذي حاول في ديوانه الأول “الأرض السائبة” أن يؤسس لشعر موريتاني له بصمته، رغم أنه كتب بعد ذلك الديوان شعراً متجاوزاً ومنفتحاً على الرمز الإنساني المشترك ولكنه ظل متمسكاً بالبصمة الموريتانية، ورغم كل ذلك فهنالك بعض الشعراء الذين يكتبون قصيدة “الطفرة”، فتجد أحدهم يبدع في هذه ثم تعيده الذائقة التقليدية لينكص في تلك، وأما عن التأثر فلا أعتقد أن هنالك شاعراً بعينه يمكنني أن أقول إنني تأثرت به رغم أن هذا الرأي يجب أن يكون للناقد وليس لي، وأنا أقول ذلك لأن رافدي الشعري لم يكن مقتصراً على الشعر الموريتاني بقدر ما كنت أقرأ أكثر في الشعر العربي بل العالمي بشكل عام.

معادلة
◆ المعادلة الصعبة: شعر للجماهير وآخر للنخبة، كيف نجحت في كتابة قصيدة يتفاعل معها الجمهور ويرضى عنها النقاد؟

◆ أعتقد أن هذا هو ما يجب أن يعمل عليه أي شاعر معاصر؛ لأننا تعبنا من اللهاث خلف ذلك الصراع، ولذلك فأنا أعتقد أن ذكاء الشاعر هو ما يمكنه من كتابة قصيدة يجد فيها المتلقي العادي ما يروي شغفه للشعر ويجد فيها المثقف النخبوي ما يشفي غليله، فباعتماد الشاعر على الفكرة العبقرية الإبداعية في القصيدة والصورة الخيالية الشفافة والعمق والغموض الفني بدل الإبهام سيتمكن بكل تأكيد من الوصول لتلك الغاية، فحسب ما أرى لا يجب على الشاعر الذي يريد الإبداع الإنساني المشترك أن يكون منطوياً على تجربته، ولا يجب عليه أيضاً أن يكون من الإسفاف، بحيث يعتمد على الصور الواقعية الضحلة والسطحية في تناول أي موضوع، وأعتقد أن هذا ما نجح في اكتشافه الشاعر الكبير محمود درويش في آخر دواوينه، فكان شعره من القرب والعمق والشفافية والإبداع والغموض الفني، بحيث يفتح لك أفق التأمل ويشدك بلغته البسيطة التي تم اختيار كلماتها بعناية كدلالات لا ككلمات قاموسية فحسب.

◆ ما مناهج وأشكال القصيدة السائدة في موريتانيا؟

◆ أعتقد أن القصيدة السائدة في موريتانيا هي قصيدة ذوق فني تقليدي يتكئ عليه المتلقي الموريتاني، رغم أن القصيدة الحديثة أصبحت تفصح عن نفسها، بعد أن كانت تسترق النظر باستحياء ليكون لها موطئ قدم، ولكنني ألاحظ منذ بعض الوقت الذكاء الذي يستخدمه بعض الشعراء الموريتانيين المبدعين في كتابتهم للقصيدة العمودية التي تمتاح من الحداثة بشكل جلي.

◆ يتهم البعض القصيدة الموريتانية بأنها كلاسيكية جداً، حداء ووقوف على الأطلال، لماذا يرفض بعض الشعراء الموريتانيين الأساليب والتيارات الشعرية الحديثة؟

◆ أن يقال “القصيدة الموريتانية كلاسيكية جداً، حداء ووقوف على الأطلال” أعتقد أن ذلك فيه شيء من المبالغة في الظلم؛ لأنه هنالك فرق بين الموريتاني الهاوي المتخرج من محظرة حفظ فيها بعض القصائد من تاريخ الشعر العربي القديم وتعلم البحور الخليلية، ثم بدأ ينظم متخيلاً نفسه شاعراً، وبين الشاعر الحقيقي الذي يريد أن يقدم إبداعاً يدخل به إلى مصاف شعراء الساحة الوطنية على أقل تقدير، فالأول بإمكانك أن تصادفه في أي مكان فينظم ما يحاول أن يقنعك بأنه شعر، والثاني تجد شعره جاداً، فتكتشف بنفسك أنه شاعر بغض النظر عن مستوى إبداعه، وأعتقد أن كثرة النوع الأول هي التي شوهت صورة الشعر الموريتاني الحقيقي، الذي لا يقل شأناً عن نظيره في العالم العربي، حيث يساير مختلف الأساليب والتيارات الشعرية الحداثية مهما قل المبدعون فيه أو انقبضت الذائقة الجمعية إلى حد ما في وجهه.

ذائقة

◆ هل استطاع الشعراء الشباب الذين يكتبون بأساليب مختلفة إثبات جدارتهم والتميز عن الشعراء الكبار مثل سيدي محمد ولد بمبا ومحمد ولد الطالب وأبوبكر ولد المامي؟

◆ هناك الكثير من الشعراء الشباب الذين أقنعوا الذائقة الموريتانية في السنوات الأخيرة بأن هنالك ما يسمى شعراً حديثاً، ولذلك، فالمشكلة هي مشكلة ذائقة وتغيير هذه الذائقة يتم من خلال التكثيف من الأنشطة والقراءات التي تجعل المتلقي يطمئن على أن الشعر الحديث ليس غولاً يريد اجتثاث الموروث، بل هو نوع من الاتكاء الراقي على هذا الموروث العريق، وهذا ما أعمل عليه مع زملائي في منتدى القصيد الموريتاني، من خلال الأنشطة التي نقوم بها لِمامًا، ونعتقد أنها ستؤتي أكلها قريبا إن شاء الله، وأما عن تميزهم عن الشعراء الكبار فذلك ليس مطروحا لأننا نقف بكل اعتزاز على أكتاف أولئك العمالقة الذين مثلوا مرحلة مهدت لمرحلتنا.

◆ ماذا ينقص الأدب الموريتاني ليحقق الانتشار في المشرق؟

◆ ما ينقص الأدب الموريتاني هو انفتاح دور النشر في المشرق وانفتاح الإعلام المشرقي على هذا الأدب وعلى الثقافة الموريتانية بشكل خاص؛ لأن موريتانيا تتعرض لتهميش غير متعمد من طرف الأشقاء العرب نظراً لبعدها، وأعتقد أنه حان الأوان لتغيير هذه النظرة والأخذ بيد الأدب والثقافة الموريتانية بشكل عام وإدخالهما إلى ربوع الساحة المشرقية.

نخلة المدائن

شعر: الشيخ جاكيتي سك

جئت.. شنقيط أعلني ميلادي

واصرخي باسمي الوليد ونادي

جئت حيث الكثبان ديوان شعر

والمنارات ألسن وأيادِ

جئت فالأطلال التي استقبلتني

قسمات للعز.. للأمجادِ

فعلى الجدران التي هدها الدهر

حنينا للأمس شوق بادِ

وعلى المكتبات حزن الذين

اشتهروا قمة على الأندادِ

وعلى سمعة المحاظر تاج

فهنيءٌ لها شهي الرقادِ

وعلى المسجد العتيق سلامٌ

وسلام على رؤى الأحفادِ

جئت شنقيط كي أقبل كفيك

وكل الحنين والشوق زادي

ثورة الحب من دمي تتغذى

فأنا سيله وحضنك وادِ

ورمال البطحاء من بصمات

وشموخ النخيل من أبعادي

أنا صيرورة القوافل قد عدت

فعاد التاريخ للإنشادِ

عدت كي أمسح التجاعيد عن وجهك

كي أستريح من إجهادي

عدت يا نخلة المدائن فالدفءُ

هنا دفء كل.. كل البلادِ

جئت شنقيط أعلني ميلادي

واصرخي باسمي الوليد ونادي


http://www.almashhed.com/go.php?g=AFdX7y5AMGP