المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دموع ديم



المعتدل
03-12-2010, 09:25 PM
ديم بنت آبه ... الدموع الغالية/محمد ولد أبات ولد الشيخ

بينما كنت أتابع مع بعض الزملاء السهرة التي أقامها رئيس الجمهورية بمناسبة عيد الاستقلال، والتي حضرها الوزير الأول، ورئيس الجمعية الوطنية قطعا، والعلامة الجليل حمدا ولد التاه، والدبلوماسيين، والحكومة والصحافة والضيوف والمدعوين وكثير من "الفنانين".
بينما نحن كذلك في جو من البهجة والفرح، إذ فاجأتنا الفنانة العظيمة والكبيرة قدرا ومعنى، وهي تحاول كفكفت دموعها، التي ما لبثت أن انهمرت على خديها بشكل ظاهر لا يمكن إخفاؤه، وهي تغني على المسرح للوطن، أغنيتها الرائعة والشهيرة "موريتاني هيا وطني"، وقد بلغت الفنانة ذروة تأثرها وقمة ذرفها لدموعها وهي تغني تلك "الطلعة" التي أدخلتها في الأغنية لاحقا بشكل ذكي كمحاولة للسيطرة على الموقف الذي لم تعد السيطرة ممكنة عليه، لأن جيشا جرارا من المشاعر والعواطف قد زحف، مجتاحا تلك الإنسانة الحساسة، مستخدما أعتا أسلحة الدمار "صديق أ لا قط فصلني".
استمرت الفنانة في مقاومة تضعف شيئا فشيئا، ونحن جلوس أمام الشاشة، نعيش معها حزنها، نذرف لذرفها، نتنهد لتنهدها، تتجاذبنا نفس المشاعر، والعواطف ذاتها، صحيح أننا نجهل الباعث لها والداعي إليها، إلا أننا لم نشكك في صدقها، وكون القلب منبعها.
انهارت.. أم انتهت فقرتها الاحتفالية هذه.. نجهل تماما حقيقة ذلك.
عوضا عن متابعة بقية السهرة بدأنا الحديث - بعد انتظار طويل- حول تلك الدموع الغالية علينا جميعا، والعزيز علينا ذرفها؟
قال أحد الزملاء - الأكثر سطحية بينهم- "إنها تبكي ل أو على الوطن الذي كانت تغني له"، وكان الر د عليه قاسيا، إذ لا أحد يبكي على الوطن فهو ليس أم أحد أو أبوه، ثم إنه ما من داع للبكاء عليه فهو لم يمت بعد، وبرأي الأغلبية هو يتعافى الآن، وبرأي المعارضة يمكن تداركه، والحياد الإيجابي إيجابي، والسلبي مرفوض ومخالف للشرع والطبع، والفنان بطبيعته حالم لا يتصور منه غير الأمل، حتى في أدق المواقف وأصعب الظروف.
قال آخر "هذا احتمال بعيد لا يتوهم صدقه، فقد قالت لي جدتي أن للنساء الدموع، وأنهن لا يذرفنها إلا على الرجال، بل إنهن يسترخصنها في هذا المجال، وأنك إذا رأيت امرأة متأثرة تبكي فإن وراء تلك الدموع خيبة حب كبيرة، وإذا كانت تبكي علنا فتلك امرأة "غايرة" ".

لم يعر أحدنا هذه الفكرة اهتماما كبيرا واكتفينا بتمريرها دون تعليق، سوى قول صاحبنا السطحي ذلك "غايرة ممن وعلى من".

قال حكيمنا المثقل بهموم الزمن في محاولة لتأطير الحديث "لا شك أن تلك الدموع قد سبقها شيء".

لم يزد قول الحكيم الإشكال إلا غموضا، فنحن لم نرد أصلا أن ينقلب الفرح هما ولا نكدا، ولا نريدها قصة حزن يلوكها ويستغلها العابثون لتكون في الناس أقصوصة تروى.

"ترى ما هو ذلك الشيء الذي سبق تلك الدموع؟"، قال أحدهم، ... لا شك أن لفنانتنا حسا مرهفا، ومعروف عنها ترفعها عن كثير من الأمور، وتحفظ لها الذاكرة الجمعية الكثير من المواقف الإنسانية الجميلة، كقصة ذلك الجندي الفقير الذي اشترطت عليه خطيبته التي يحب غناء ديم في حفل زفافهما البسيط، والذي لجأ بدوره إلى فنانتنا الإنسانة، والتي لبت بكل سرور وبدون مقابل رغبة الحبيبة تلك، بل وقدمت لهما الهدايا، وغير ذلك كثير من القصص التي تحكى، وتدل على "كبر المعنى"، سواء تعلق الأمر بأبناء جلدتها مثل ما يروى من نكت، أو تعلق الأمر بأشياخها، أو بالمجتمع عموما، ولا غرابة فهي سليلة العز والتميز المطبوع بطابع الرفعة والوجاهة.
صحيح أن الطابع العام لمكانة وتعاطي فنانتنا مع المجتمع يفرض عليها مسؤولية كبيرة، تفرض بدورها الكثير من الضغط على هذه المرأة، التي لا تحتمل صوت إطلاق الرصاص، الذي اعتاد مجتمعنا على إطلاقه كمظهر من مظاهر الفرح.
قال آخر "إنكم تبالغون فالبيظان عندما يتنهولون يجهشون بالبكاء، وهذا طبيعي وكثير"، لم تلق تلك الفكرة أي استحسان فالأوتار لم تكن مضبوطة ولا منتظمة وقد أشارت فنانتنا نفسها إلى الحاجة إلى ضبطها أكثر من مرة، مما يفند تماما هذه الفكرة إذ لم يكن "الهول" الباعث مطلقا لتلك الدموع.
أضاف صاحب الفكرة "لعلها الموعظة إذن؟"، واستغرقنا كثيرا عند هذه النقطة، فالمعروف جدا أن فنانتنا غنت وبامتياز في جميع فترات الأحكام المتعاقبة على السلطة، والتي غدت نسيا بعد ذكر، وقد كانت فنانتنا العظيمة في نفس المكان تغني وتغني وتغني فهي مطلوبة لتميزها، مرغوبة لموهبتها، محبوبة لأخلاقها، مأمونة لطبعها، متناهية في عملها، مستقيمة في سلوكها، تسبقها شهرتها، وعلى المسرح تفرض هيبتها، ويعلن الضيوف تسليمهم لحنجرتها، ويتباهى الحكام بوطنيتها،...

ربما تكون الموعظة سببا وجيها لما كان، وما صارت إليه الأمور، فهو مدعاة للتفكر والتأمل (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، فهذا هو حال الدنيا، ولكن هذا كثير من الغوص لا نعتقد ملاءمته للحالة التي عندنا ففنانتنا مسرورة لما صارت إليه الأمور وهي منحازة بدورها ومنذ زمن بعيد للفقير والضعيف الذي تعلن الدولة انحيازها إليه.

الموعظة تعني عادة من بين أمور أخرى بعض التأثر بمآل غير مرغوب أو أسى وندم على مفقود، فهل أحست فنانتنا عدم الانتماء للوضع الجديد، أم هي الشفقة على عزيز بالأمس أصبح ذليلا اليوم أم هو مزيج من كل ذلك؟.
إذا كان الأمر كذلك فأيهم – أي الحكام – أثار تلك المشاعر لدى فنانتنا العظيمة، على رأي المتنبي (لك يا منازل في القلوب منازل أقفرت أنت وهن منك أواهل)،ولا شك أنه لختو وأم كلثوم وعائشة وصاديا ولالة وغيرهن... أطلال تهيج في النفس أنفاسا وأشجانا خصوصا أن جميع الحضور اصطحب السيدة حرمه، بالاضافة طبعا للظهور المتميز للسيدة الأولى.

قال السطحي "مهلا ألا يمكن أن يكون السبب منفصلا تماما كوفاة صديق مثلا، أو أي خبر جلل تفاجئت به قبل صعودها المسرح، أو مضايقات في الحضور، أو ترتيب الأدوار، أو أي سبب من هذا القبيل".

على كل حال كل شيء له سبب، وفي الدموع الكثير من الاعتذار والأسف إن لم يكن الندم، ولكن يبقى اللغز الذي أثارته تلك "الطلعة"، يمثل معاناة شخصية من خيبة الأمل أو الغدر أو الفهم الخطأ أو على الأرجح بعض هذا وذاك، نعم ألم تدر أكاذيب السياسة حول فنانتنا عن كل رئيس مخلوع أو معزول أو منقلب عليه؟ ألم تتأثر تلك المساحات في القلب بتلك المسافات من القصر؟ أجل "فكل ذي قولة قالها"! و "كل أخي ميلة مالها"!

ألم يان للموريتانيين أن يميزوا؟ بين الأدوار المختلفة – والمستقلة – للفن (إيغاون)، وبين الولاء والبراء؟، أليس صحيح أن كل بيعة تجب التي قبلها؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا تبكي فنانتنا العظيمة؟ ولماذا لم نرتب على كتفها؟ لماذا لم نمسح دموعها؟ ونأخذها بالحضن؟؟

حمد حامد القريش
07-02-2011, 08:15 AM
لا شك أن لفنانتنا حسا مرهفا، ومعروف عنها ترفعها عن كثير من الأمور،

وشهد شاهدا من اهلها لها كل التقدير والاحترام