المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الطبل في تاريخ البيظان وأدبهم



سيدي أحمد بن الأمير
06-11-2010, 09:00 PM
الطبل: هو آلة للطرب معروفة عند جميع الموريتانيين ويصنع من قدح خشبي كبير يشد فوقه جلد من جلود البقر في الغالب أو جلود الغنم في بعض الأحايين. ولإيقاعه أزيز شديد يتأثر له السامع خصوصا إذا كان ضاربه ماهرا، وتنفعل له النفس إذا كان ضربه موقعا. ويسمى ضربه أراتيم وهو لفظ صنهاجي من فعل: "يترتم" وتعني الضرب، ومن الملاحظ أن اللفظ قريب من الفظ الفرنسي (Rythme) الذي يعني الإيقاع الموسيقي.

أراتيم ودلالاته:
يضرب الطبل عند الموريتانيين قديما لإرشاد الضال والإعلام بالشيء الطارئ. فإذا أرادوا استدراك أمر مفاجئ ضربوه ضربا يسمى: "أراتيم الفزعة" أي المبادرة في ملاحقة المعتدي، ويضرب لاجتماع أهل الحل والعقد ويسمونه "أراتيم اجْماعه"، وعند الرحيل يضرب ثلاث مرات ويسمونه "اخبيط الرحيل" ويضرب أربعا لرد ذلك الرحيل إذا طرأ موجب رده. ويضرب ضربا خاصا لمجيء الضالة ويسمونه "الهدْي"، كما يضرب لتشهير العقود وللطلاق.

الطبل رمز من رموز السيادة
يعتبر انتزاع الطبل في الحروب وأخذه قهرا في عرف القبائل الموريتانية ذات الشوكة من مظاهر الانتصار وإغاظة العدو وإهانته؛ وهو أبلغ عندهم أحيانا من القتل والتنكيل. ويشكل الطبل رمزا من رموز السيادة وعنصرا هاما في نظام الإمارة أو القبيلة. وكان لكل إمارة بل لكل قبيلة طبلها وإذا كان الفخذ قويا يكون لرئيسه طبل أيضا. ويحتفظ الأمير أو شيخ القبيلة بالطبل ويرثه عنه من يتولى بعده. وقد أخذ أولاد امبارك طبل أهل اسويد من إدوعيش سنة 1215هـ، وفي سنة 1220هـ صال أمير إدوعيش محمد بن امحمد شين على أولاد امبارك بجيش جرار وحمل طبل سيدي أحمد بن المختار رئيس فاته من أولاد امبارك. وفي تاسع رجب سنة 1244هـ أغار أمير إدوعيش اسويد أحمد بن محمد بن امحمد شين على عمه زعيم اشراتيت اعلي بن امحمد شين منفردا عن مؤازريه فنهب أمواله وردم طبله. كما أخذ البرابيش طبل أولاد علوش سنة 1308هـ.
كان اللبْ بن اخنوف الإدوعيشي الأنباطي أول من اتخذ الطبل الكبير من إدوعيش فألح عليه صهره الأمير بكار بن أعمر أن يحمله إلى بيته فامتنع وكادا يقتتلان حتى صنع للأمير بكار طبلٌ كبيرٌ صنعه له "امبارك بولخنافر" فترك بكار للبْ طبله. وإذا اجتمعت أولاد امبارك يكون طبلهم عند أولاد العالية وخاصة أهل ممو بن هنون العبيدي. ويسمى طبل أهل هنون بن بهدل سلاطين أولاد امبارك الرزام. وتغنى به الزفانون: "يالرزام اتكلم، شرك ما فيه الهم". وطبل أولاد عمني من أولاد يحيى بن عثمان عند أهل هيبة بن التونسي بن الغريب بن عمني وهم خيمة النصف فيهم. وأول من اتخذ الطبل من أولاد الناصر بهدل بن امحمد بن حماد رئيس أولاد عبد الكريم وقد أخذ طبل أولاد بوفائدة لما هزموا في كساري سنة 1123هـ. وإذا اجتمعت الترارزة يكون طبلهم عند أولاد السيد من أولاد أحمد بن دمان. وأول من اتخذ الطبل من أمراء الترارزة الأمير المختار بن أعمر بن اعلي شنظورة، وكان سلطان المغرب المولى سيدي محمد بن عبد الله أهداه طبلا نحاسيا وقد تكسر في وقعة بين أولاد أحمد بن دمان وبني عمومتهم أهل عتام من أولاد دمان عند موضع من مواضع إيگيدي يسمي انبمبهْ.
وقد أصبح الطبل لشدة ارتباطه بالقبيلة وحياتها الحربية يطلق على الجيش فيقال القبيلة الفلانية سبعة طبول أو ستة أو خمسة كناية عن عدد الجيوش.

الطبل في الشعر الشعبي والفصيح والأمثال:
ورد ذكر الطبل في أشعار الموريتانيين العامية والفصحى فمن ذلك قول المطرب اعلي بن مانو في تهيدينة يمدح بها الأمير التروزي المختار بن أعمر بن اعلي شنظورة ويذكر طبله:

شِيخْ لمغافرَمن هون لاتْـــواتْ =الشًٌيخْ ول الشيخْ مول الطبــــلْ
الشًٌيخْ الل اشياخْت ما اططــاتْ=باشْياخْتْ اشْيْوخْ السابْگ اگبـــلْ
ويمدح المطرب المختار بن البو بن اعلي بن مانو الأمير سيدي بن محمد الحبيب أمير الترارزة بتهيدينة تعرف بالصولة يذكر فيها طبله منها:

ارْفدْن متْروْكل عجْــــــلان=گايدْن طبْل يزلــــــزل
إيل طوازْ اصْبحْ فرْحـــــان=أگظ امع البطْح مسْتگبـــل
وفي نفس النص يقول:

ادْبشْ جاهْ امعيطْ عجْــــلان=فم أريْتم كم امن اطبــــل
واحْساسْ أعياط الخوف اگـران=إل العصْرْ ارْكبْ واتْوكــل
ويقول المطرب سدوم بن انجرتو يمدح أمير البراكنة أحمد بن هيبة بن نغماش في تهدينة تعرف بالنفاضة ذاكرا طبله:

ءُ الفحولْ تتْعايطْ فالكفتــــاتْ=گايمينْ آزْغاريتْ جرشانْــه
ء وقتْ إخوظْ اطبلْه هديـــاتْ=ءُ هو اطبلْ اطبولْ أزمانْــه
وللشاعر محمد يگوى الفاضلي الديماني يصف رحيل محصر أولاد أحمد بن دامان ويذكر الطبل:

ضربوا الطبل للرحـيل ثلاثــا=واستمروا يقوضون الأثــــاثا
ثم شدوا رحالهم فـوق بـــزل=من بنات الجديل لسن غراثـــا
قدموا الخيل واقتفتها المطايـــا=صوب تنواكديل تهوي حثـــاثا
وإذا ضل او تخلف بعــــض=ضربوا الطبــل للرحيل ثـلاثا
ويقولون في المثل الشعبي "غمْزيتْ اطبلْ" يضرب للشخص الذي لا يكتم سرا كالطبل كلما لمسته ولو بخفة صوت. يقول امحمد بن أحمد يوره ناظما هذا المثل:

مغان بذات الطبْل لا غبها الوبــل=ولا غبَّ أياما مضين بها قبـــل
بها ابتل جفني والحشا متحـــرق=وروق اصطباري بينها والهوى عبل
غمزت بذات الطبل عينى عن البكا=فجادت بأضعاف كما يغمز الطـبل
ويقولون في المثل كذلك: "طبل ازْكاكنه" وهم مجموعة ماتت منهم سبعة وجلد طبلهم ما زال يشد علي قدحه، ويضرب هذا المثل للتحمس الشديد والطموح الأعمى.