المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مواضيع الكاتب : الشيخ محمد



الشيخ محمد
08-04-2007, 12:14 AM
مـــوريتانيا .. مسكينــة .. كتبت عليك الذلة و المسكنة .. و لعنات تاريخ يأبى ولادة مستقبل على قــدره .. و إنما زفرات زمنية مقيتة على مقدار مثقف رضع المهانة و امتهن الإهانة و دنس الثقافة بتوظيفها لعبــادة معاني جوفاء خرقاء و مصالح لا نعرف لها مستقرا .. تميل حيث الأهــواء تميــل ..
و أي أهــواء .. و أي ميــلان .. تلك رقصة عرفناها من عهــد أخـــزم !

حتى و إن أعطــاك التاريخ "فرصـــة"! .. يأبى أدعياء الثقافة إلا أن يمارسوا تشويش الحقائق في خــداع مهين لكــرامة "شعب طيب" ... إنه تضييع الفرص ... و لتعــذروني إن قلــت لكم
"ان التاريخ قد لا يعطي مرتين!"...

* * *

حمــلة توظيف .. حبات رمـــل .. عمـــرة .. سبحـــة .. آمبول آمبول آمبول "صباحــا" ....!!!

و نضـــحك ....!

يقــول أحــدهــم : شــر البلية ما يضحــك !
فيجيبــه آخــــر : و لعـل الســم في الدسم !
رد عليـــــــــه : و لعــلها ... رسالــة !
أجـــابه : سأعطي إجــازة لـ "لعل" فأقـول "مــن المؤكـد أنها إهــانة!"
رد علـيه : و لــكنه الرئيــــس .... شخصيـــة عامـــة!!
أجابـــه : ليتــه كان وحـــده ... فالمــــعاني كانت أوســع من شخص سيــدي !
رد علـيه : إلا أنـــه منهــم .. و هـــم منه!
أجابـــه : أي منطـــق هذا .. و لم نعـــرف أنه منهــم إلا بعـــد نجاحــه ?!
رد عليـه : كنـــا نعـــرف !
أجابـــه : و لمـــاذا لم نسمـــع عنهــم قبل الآن ??!

سكــت الجمـــع .. و بقيت فـــردا أفكـــر في مسقبــل قريب و ماض أقـرب !
تــذكرت أشيــاء و أمـــور متفــرقة .. منها جهــوية أقحمنــا فيها لا نعـــرف لها بدايـــة و لا سببــا ..
و إنما وجدنا أنفسنــا في معمعــان معركـــة نقــاتل و نقتــل أنفسنــا .. و نمســك بسكيـــن صــدئة علاها براز الشيــاطين فنغرسهــا بغطرســة في نــون الجمـــــع ....!

و كـــان الحصـــاد .. و آتت تلك الجهــوية المقيتــة أكلهـــا !

و يبقــى الشعــب المسكــين تحت رحمـــة مختبــرات شياطين السياسة و صعاليـكها .. و هم يدركــــون يقينا أن لحظــة تفكير واحدة يقــوم بها هذا الشعب ستقضــي عليهــم .. لــذا لا داعـــي لأن يفــكر !! و لتتم محـاصرته و شغله بمعــارك وهمية يخــرج منها و قـــواه واهية .. ليدخـــل في أخـرى .. من بعــدها أخرى ........!

و يبقــى اللص واقفا يوزع الإبتسامــات بسخـــاء و يحــكم بين من كانــوا يطاردونه أيهـــم أســرع !

الشيخ محمد
01-05-2007, 12:46 AM
***

بقـدر ما تكبر فينا أظافر الوحشة و بعمـق علاقة الإنغــراس بيننا .. يكبــر فينا عشق الزوايا فنمــارس الهــروب من الظــلام إلـيه ..!

نحــول ملامحــنا قطعــا طينية طرية تعمــل فيها أصــابع الخــداع كيفما تشــاء !

في قمة الإكتئــاب نــرسم بسمة شاحبة ..!
و مــن أعمــاق الحــزن نــرسل برقية فرح كاذبة ..!

ربمــا نخدع أنفسنا .. و الكثيرين .. إلا أن البعض يدرك إلى أي حــد نمــارس الهــروب عن الحقيقة .. كم نحـــن أغــبياء!

***
تقــدمت نحـوي -كالعــادة- تحــمل على ظهــرها ثقــلا من تراكمات السنين .. إنحنــاءها يذكرني بنفسي في لحظــات أعــرفها .. و تجاعيد تمــلأ وجهها تلهــب ذكــائي و أنا أحــاول استنطاقها و تكوين حروف و كلمات .. متجاهلا نظــرة ترمقنــي بها .. وكلمة تصل أذني مبحوحة لم تكن تعنيني كثيرا .. ربما لأنهــا لا تحمــل جديدا !

***

حــتى الزمــن !.. نمــارس عليه الخــداع و هــو ينظــم خطــواته ذهــابا "إيابا" أمــام كهف الإنــزواء حيث نحــن !
نضغطه بالتـجاهل حتى نحــول السنيـن هنيهة مــن اللاشـــئ .. و نجعــل من آثار خطــاه ألاعيب صبيــان ... كم نحـــن صغــار!

***

- بني ... بني ... بني !!!!

انتظــرت حتــى الثــالثة .. الرابعة .. لا أدري .. أرد بلا مبــالات :

- نعـــم ..

أتــى صوتها كالعــادة غــير متذمــر يطبعــه الهــدوء دون ضعــف :

- كــم هــي الســاعة الآن ..?

و أضــافت ...

- تــرى هــل صــلاة العــشاء أقـيـمت أم لا ..?

نفــس السؤال في نفــس الوقت ...!

-الثــامنة و النصف .. بقيت خمــس دقائق !

نفــس الجــواب مع نفس فارق التوقيت و لحظــات مضت خــاطفة في جــولة بين عقارب الساعة ...!

- قــم بني و تهـيأ لنصــلي جمــاعة ..

كـــان الوضــوء هــو نفسه .. و بنفــس إحداثيــات الزمان و المكــان !
و الصــلاة هــي هـــي .. بنفــس الوقع و الرتابة .. و ربمــا بنفس الســور و الأدعــية !
***

و الإنـــسان مهمــا كانت درجة قربــه منا .. ينــال من لا مبالاتنا نصيبا وافــرا ..!
حــتى إيمــاننا يتحــول روتينا "ممـــلا" و عمــليات ميكانيكية تخـلو من روحــانية العــبادة ... كـــم نحــن مجــوفين!

***

لعـــلها خــزعبــلات .. فلا داعــي لأن تعــيروها إهتمــامكم!

الشيخ محمد
15-06-2007, 08:35 PM
آهة من إدمان الألم!.. و صمت إنسان حائر في إنسانيته!!

تأوهتها المسكينة و الجوع مخبوز بين شفتيها.. و عيناها الناشفتان تلتهمان الفراغ ليلعن نفسه و العدم الذي أوجده..

قصيرة أعمارنا لندرك كم هي قصيرة!!

رغم الألم و الصمت... و رغم الجوع... فهكذا أسعفها تفكيرها الجائع عمقا!

حافية من فراش الموت تنتظر الموت!!

هو حالها بعد أن غادرتها الحياة.. ليسكنها إنتظار موت رحيم...!!

***

كانت -أيام جوع مضى- تأكل كلاما.. أما الآن فصارت تقتات ظلاما يقطع كلام المفوهين أثناء خطب تتطاير شررا كالوعود!
... إثنينية الهيدروجين عرفت مبادئ التحرر فأعلنت الإستقلال عن غطرسة أحادي الأوكسجين!!.... إنها الديمقراطية!... هكذا أخبروها!! ليتأخر سؤالها عن "ذهب أسود" حلمت به -أيام جوع مضى- يزين جيدها!.. أضغاث أحلام! هم كانوا لها من المفسرين ...
..الذهب الأسود ... ظلام يعم السماء قبل الأرض!!
و الزينة... إشارة لمن يتقن الكلام في الظلام و هو عاجز عن ما سوى الكلام!.. يستمد قوته ممن يمارس الضعف حتى يقال "طيب"
و آخر يهوى العمل في الظلام و هو قادر على كل شئ عدا الكلام!!

.. رحمك الله أيها العزيز! و سنينك العجاف!!

***

صرخت.. فلم يجدوا لها من الإسعاف سوى صراخ أطلقوه في فضاء لا يحوي أذانا...!!

لعله كان من الأفضل أن يناولوها ما قالوا بإستحالته رمادا...!!

ربما يكون "المخدر" أرحم..... ربما!!


مُشرحة....وقابلة للتشريح .

الشيخ محمد
22-10-2007, 11:53 PM
الحذاء الحديدي..!!


ها أنا أقف عند معبر يستحيل عبوره دون صخب!.. أقف معوجا.. أعرجا.. حافيا من آخر حذاء حديدي..!!
أتلمس بذاكرة طفولية ملامح تاريخي المليئة بالنتوءات و الرتوش، و أحاول بوعي الناقص أن أتخيل ما يلفه الغمام الكثيف على الجانب الآخر من المعبر المحرم عبوره على الصامتين حتى و لو كانوا يملكون ألسنة اعتادت أن تلوك الحديد في صمت، و أن تلعق الكلام على ألسنة الآخرين..!
نظرت إلى قدمي -و هو أمر أعتدت عليه منذ أن نزعت اللثام!- لا لأرى انتفاخه و احمراره، و لا لأرى جروحا ملئت أتربة و غبارا.. و إنما لأفكر كيف غادره الحذاء و أنا واقف؟؟!!..
تواردت علي الأسئلة كأشد ما يكون إلحاحا : أيــن؟؟ متــى؟؟ و لمــاذا؟؟!!..
بما أن البحث عن الأجوبة في هذا الزمن أهون من البحث عن الأحذية.. بحثت و بحثت و في كل مرة لا أعثر إلا على قناعة زائدة بمواصلة البحث عن جواب..!

*** *** ***

حذائي الفقيد من الحديد..!
غنيت بها على طريقة المجانين في عاصمتنا غير أن المجانين أدركوا بوعيهم الناقص أنه هناك من يتربص بالأحذية.. فخلعوها و ما كانوا من النادمين.
سبحان الله..!!
لم أكن أتصور أنه هناك من يتربص بحديد حذائي..؟؟!
فيماذا ينفع حذائي الحديدي؟؟!..
فلا أحسبه قادرا على أكثر من تثبيتي على أرض كثيرا ما تمارس الإرتجاج من تحت أقدامي مع كل شهقة تاجر ، و لا على أكثر من سد أفواه جائعة تحاول الإنغراس من العطش.. و في الأخير أصبح سترا لأقدامي بعد أن تعرت هامتي.. و أماكن أخرى..!
تربصوا و تلصصوا فتركوني أوان غفلتي حافيا..!
"خفت عيشتهم!".. و ضاع عيشي..!!

ثم إني بكيت على بطني من شدة حاجتي إلى الحذاء!.. فما كنت من العابرين..!!



دمـــتم

الشيخ محمد
27-10-2007, 08:04 PM
السلام عليكم
***


كأي كائن نصف حي...
عانيت من سوء برمجة وخلل كهربائي في نقطة هي الأعلى في قائمة قطع الغيار التي تكونني..!

شيء عجيب..
لقد أصبح ما يخرج منها أكثر مما يدخلني عن طريقها.. رغم تعدد المداخل على سطحها!!
تلك مداخلٌ بلا مداخيل.. و هي نعمة ليس بإمكاني أن أتقيأ غير الإعتراف بها قسراً، فهناك من يفتخر بكونه بخيلاً..!!

أثناء نومي، طبعاً حينها تكون القائمة في وضعية التساوي و هي نعمة يحسدني عليها الكثير من الواقفين لتدوس أقدامهم رأسي فيزداد السوء و يتفاقم الخلل، أصدرُ أصواتاً غير مفهومة و مزعجة حد التذمر، إلا أن الآذان تطرب لها عندما تكون رمادية النكهة مبحوحة بفعل البخار الطري المتصاعد معها..!!

غريبٌ أنا.. أطمع في أن أجد من يستمع لشخيري، وهناك من يشخر بفخرٍ.. يقظة و مناماً..!!

إضافة إلى الشخير الغير محبب الذي أُصدِرُه، أقول كلاماً يكون مصدر نكتة لدى الواقفين فترفسني أقدامهم التي يحركونها عندما لا تسعفهم قهقهاتهم بالتعبير الكافي!
بعدَ أن ينتهي ضحكهم البهلواني، يستعيدون ما قلتُ من كلامٍ وأنا نائم و هم يستجدون الضحك بخبثٍ و أرجلهم لا تزال ترفس رأسي و السوء يزداد و الخلل يتفاقم!

من الكلام الذي يرددونه على أني قائله...

- كفى.. فلم أعد قادراً على الشرب ثانية، طعم اللبن يجعلني أشمئز!
قلتها و يدي مطبقةٌ على فمي و رأسي تهتز أفقياً و كأنها تريد محايدة شيء يريد أن يدخلني عن طريقها!

و منه أيضاً، أنني قلتُ بتذمرٍ..:

- و الله لقد ضقتُ ذرعاً بهذه الحبة البيضاء، أما في المخزنِ غيرُها؟!!

لم يزل الواقفون على رأسي يضحكون كلما بلغوا ((اللبن)) و ((الحبة البيضاء)) و ((المخزن))، و لا تزال أقدامهم ترفس رأسي، فلم أجد بُداً من أن أضحك بعدَ أن عرفت أن لا ((لبن)) و لا ((حبة بيضاء)) و لا ((مخزن))...!!



**

الشيخ محمد
01-03-2008, 07:36 PM
لو كان أبي هنا..!



ـ بني أتعلم أن "الحٌرية" شيء ثمين؟!
كانت نظرات الطفل الباردة لا تنبئ بفهمه كلام جده، كما أن نظرات الجد هي الأخرى لا توحي بأنه ينتظر تعليقا من الطفل أو حتى يتوقع إيماءة تشير إلى فهمه ما سمع، كان ذلك الشيء الوحيد الذي اتفقا على فهمه لحد الآن...
تركيز الطفل منصب على نصف البرميل الذي صنع منه شركا للطيور بحيث يضع تحته حبوبا و ماء و يتركه مسندا على عصا مربوطة بحبل يمتد إليه و هو جالس بعيدا مخفيا جسده الصغير وراء كومة من الحطب ممسكا بالحبل و منتظرا صيده، رغم أنه بعيد من أن يكون صبوراً و لكن كلام جده منحه جرعة من التشوق لمعرفة شيء عن هذه "الحرية" التي دوما يحدثه عنها فيقول تارة كلاما جميلا حتى يبدو و كأنه يغني مثل ذلك الرجل الكبير في السن الذي يأتي إلى القرية فتضرب له خيمة يسكنها مدة الأيام التي سيقضيها في القرية، و لا تخلو خيمة هذا الرجل من أناس يأتون لزيارته و الاستماع إليه و هو يحمل شيئا في يديه يتلاعب به فيصدر صوتا جميلا يطرب له زواره كما يطربون إلى غناء المرأة التي ترافقه و التي تحمل بدورها آلة مستديرة من الأسفل كقدح يخرج منه عمود طويل به أسلاك تحركها بأصابعها فتصدر أصواتا مثل التي تصدر من آلة الرجل..
و تارة أخرى يقول كلاما كثيرا تتحرك معه يديه و رأسه و تنتفخ عروقه و تبرز عينيه لينتهي منه منهكا تعبا، كل هذا عن الشيء المسمى "حرية"، حتى أنه في بعض المرات يقول عنها كلاما فيه الطيور و الريح و أشياء أخرى.. و الأغرب من كل هذا بالنسبة للطفل أن هذه "الحرية" لا يعرفها غير جده، فهو يذهب يوميا إلى مدرس القرءان ذلك الرجل الذي يشبه جده، جسده مليء بالتجاعيد و شعره أبيض و يده ترتجف و لكن الطفل يخاف يده أكثر من يد جده التي كان ينام عليها كل ليلة قبل أن يحمله إلى فراشه، و ترعبه تجاعيد جلده رغم أنها تشبه التي عند جده، و كلاهما لديه عصا طويلة غير أن مدرس القرءان يضربه بعصاه على العكس من جده الذي لم يضربه يوما، هذا الرجل لم يسمعه يوما يقول شيئا عن "الحرية" هذه..
و كذلك الرجل العجوز بجوارهم و الذي لديه إذاعة صوتها عال جدا يصله و هو يقرأ القرءان، و يصله و هو يلعب.. و يصله و هو في حضن جده يحاول النوم!! فهي دوما مشتعلة لا تطفأ إلا وقت النوم، هذا الرجل صاحب الإذاعة لم يسمعه يوما يتكلم عن "حرية" جده هذه، و هو الذي يعيد ما يسمع من كلام في الإذاعة على مسمع من الرجال في المسجد الذين يرفعون أصواتهم مرة بـ "الله أكبر"، و مرة تجدهم -و هي الغالبة- يقولون كلاما خافتا و تبدو على وجوههم علامات و تعبيرات رآها أول مرة على وجه جده عندما أخبره أن والده ذهب مسافرا إلى بلاد بعيدة و أنه سيعود... و لكنه لم يعد إلى حد الآن!
كل هؤلاء الرجال في المسجد لم يسمعهم يوما يتكلمون عن "الحرية" التي كثيرا ما يتكلم عنها جده، و لهذا أيقن أن الحرية هي معرفة خاصة بجده و لا يتمتع بها أحد غيره!
هب الطفل مسرعا بعد أن قام بسحب العصا ليسقط نصف البرميل مثيرا معه غبارا طار معه الطفل فرحا بإنجازه الهام و الذي انتظره لدقائق طويلة حسب أنه تعلم خلالها لغة الطيور حتى تمكن من إقناع الحمامة بالدخول في شركه!
وصل الطفل ليجد أمامه جده واقفا إلى جوار الشرك و هو يسأل:
ـ ماذا كنت تفعل هنا ؟
ـ كنت أضع شركا للإمساك بطير
ـ و لماذا تريد الإمساك بطير ؟
- أريد أن أرى "الحرية" التي قلت إنها عنده
ابتسم الجد في حنان و هو يقول:
- و هل أمسكت به ؟؟
- نعم.. أمسكت حمامة سأخرجها الآن
أجاب الطفل و هو يضجع على الأرض مدخلا يده من تحت نصف البرميل دون أن يرفعه عن الأرض، جال بيده لمدة من الوقت ليخرجها ممسكا بحمامة، كان الطفل في غاية الفرح و الزهو بإنجازه، و كذلك لأنه سيرى السر الذي لا يعرفه سوى جده من بين كل أهل القرية، فلن يحتاج الجد بعد هذا إلى أن يحدثه في كل وقت عن "الحرية" فيتعب نفسه بكل ذلك الكلام الجميل و المرهق و كل تلك الأشياء التي لا يفهمها، لن يحتاج إلى الاستماع أكثر، و لن يكون بمقدور أحد أن يقول له "الحرية" حمراء أو خضراء أو أنها بلا لون لأنه سيراها بأم عينيه، لذا كان فرحا يقفز بجوار جده و يقول:
- جدي هاهو الطير.. فأين هي "الحرية" التي قلت أنه يملك..؟!
- حاول أن تكتشفها.. أنظر جيدا
نظر الابن إلى الحمامة التي كانت تحاول الطيران من يده الصغيرة المطبقة بإحكام على أرجلها، قلبها و نظر إليها من كل ناحية و قال:
- لا أرى سوى الحمامة.. فأين هي الحرية يا جدي؟
- فكر.. فالأشياء ليست دوما بهذا الوضوح يابني..
أعاد الابن نظره إلى الحمامة و هو يحاول أن يرى شيئا غريبا يمكن أن يكون سرا كبيرا كالذي يعرف جده، خطرت له فكرة فقال:
- ربما أكلتها يا جدي.. إنها في بطنها سأشقه لأرى ما بداخله
- عندما تشق بطنها ستموت و عندما تموت الحمامة تموت "الحرية" التي تملك!
تحسر الابن و توسل إلى جده أن يريه "الحرية"، أخذ الجد الحمامة برفق و أرسلها إلى السماء ليبتلعها الفضاء بسرعة!
كان الابن حائرا متعجبا من جده الذي أطلق لتوه الحمامة التي تعب من أجل الإمساك بها حتى أنه خاطبها و تمكن من إقناعها بالدخول في شركه!، أطلقها دون أن يريه سره الكبير و حريته التي سيكلمه عنها كل وقت كما كان يفعل في الماضي..
قال الجد:
- أرأيت كيف طارت الحمامة؟
- و لكنها لن تعود!
- من يدري.. هي حرة في ذلك.. قد تعود و قد لا تعود!
رفع الابن عينيه إلى وجه جده قائلا:
- و أبي.. سيعود؟؟
أجاب الجد:
- هو الآخر حر..
أضاف الجد بعد لحظة صمت قصيرة:
- ... و لكن أتعلم أن "الحٌرية" أكبر من أن نحجزها في نصف برميل!
لم يكن الابن مرتاحا لتصرف جده الأخير و لا لرده على السؤال عن أبيه، و لكنه كان متأكدا من أن جده لا يريد له أن يشاركه سره الكبير..
-لو كان أبي هنا...
قالها الطفل و لم يكملها و انما اخذ يجري مبتعدا عن جده!

الشيخ محمد
03-04-2008, 11:30 PM
مسكين:p ....


ولد صامتا فأغروه بالكلام و استحثوه لينطق.. فنطق!
و عندما نطق، أرادوه أن يردد وراءهم ما به ينطقون.. فردد!
ثم نهروه بعد ذلك : .. ألا تقول شيئا مفيداً؟!
فعلم حينها أن هنالك شيئا آخر غير النطق.. فضحك!
و لكن.. ألا توجد غرابة في الأمر..؟!
ألم يكن يردد وراءهم، أم أنه أخطأ في مخارج الحروف، ربما!.. فهنالك لا يهم أن تكرر الأخطاء بقدر ما يهم أن تتقن فن التكرار و علم التقليد فالخطأ في ذلك شذوذ يعيذك منه الكل و تتدحرج منه الأصابع خلف ظهور أصحابها لتفقأ عين التراب..!
ربما كان الشذوذ نعمة عندما امتزج العين بالقاف!

كان صوته أكثر علوا و هو يقول لهم:

مطوا ألسنتكم و أرفقوا بأعينكم الواثبة من محاجرها.. فلن أعيدها بعد اليوم..!

*** *** ***

بعد لأي.. تدثر بدثار الصمت، فطابت له مجالس الصامتين، و اتسعت في صدره مساحة الاستماع لأحاديثهم و وشوشتهم الخافتة، و لكن رغم ذلك بقي مولعا بالثرثرة عن كرهه للكلام و حبه للصمت، حتى صار جسما غريبا، و خردة لا تشعر بالانتماء لمحيطها المعبأ آذانا تعشق السكون، و الاستماع إلى خيال الأصوات و ما وراءه، دون أن تحس بالمتعة و هي تستقبل ذات الأصوات..!
لماذا يبالغ دوما في الإفصاح عن الحب و الكره إلى الحد الذي يوقعه فيما يكره؟!.. لا يدري!
إنه لغز الرغبةِ المحير.. كبٌر معه عوزه إلى الحلول و فقره إلى التفسيرات!

*** *** ***

في إحدى لحظات الصمت التي تعتريه، أخبره "موسى(*)"، بخبر المرأة الحامل التي رفض جنينها الخروج إلى هذا العالم، لأن أمه تشتهي منظر غروب الشمس من فوق جبل سيناء الذي حكا لها عنه أحد الحجاج، أو هكذا بررت إحدى القابلات قرار الجنين، ليخرج الجنين في نهاية المطاف عندما تحققت أمنية الأم، و ذلك بمساعدة الرجل القصير صاحب اللحية الكثة مختطف الطائرة التي أقلت المرأة إلى جبل سيناء..!
نعم أسطورة :p !!!
و لكن الأساطير تخرج من رحم المجتمع، فتكون نتاجا لطريقة التفكير لدى أفراده!
أهكذا كنا نفكر؟!.. يا سبحان الله..!
كم كنا أنقياء و نحن في بطون أمهاتنا، نحس برغباتهن و نرفض العيش قبل أن تتحقق أمنياتهن..!
و الآن و نحن في "الخارج" صرنا نختزل كلامهن فيما نريد، لأننا نحسب أن "العقول" التي لدينا تدرك ما لا تدرك عقولهن.. يالسخافتنا!
لعلها صفة من بين أخريات نشترك فيها مع قبورنا..! :D

كل الود و التقدير
ــــــــــ
(*)موسى ولد ابنو/في رواية "الحب المستحيل"

الشيخ محمد
30-05-2008, 06:32 PM
...

كانت بلواه تأتيه من يده لتستقر في جوفه!
فلم يكن غريباً أن يصاب بسوء تغذيةٍ و سوء هضمٍ.. و سوء فهمٍ!
ترنح بغير عافيةٍ.. ثم راح يتحسس مواضع من جسمه المنكوب...

..!.

لم تكن الأرض كٌروية حين تحسس بطنه، و إنما حفرة عميقة بحجم غياب ما يسدها!
أما السماء فلم تعد تمطر لعابا بعد أن استبد بها العطش، و استباحتها مزن الجفاف كل تلك السنين العجاف!
و ما بين الاثنين لا يوجد شيء.. حتى السراب لازم الشمس في رحلة غيابها الطويلة، و كل تلك الأشياء التي كانت تداعب رؤيته،
و التي كانت تزداد جمالاً كلما أغمض عينيه، لم تعد موجودة!
أحس كأن شعر رأسه يشتعلٌ بنار هادئة، وقورة و مطمئنة، و أن العوالم من حوله صارت رمادية اللون شاحبة كالفراغ،
تمعن في الغياب إلى الحد الذي يجعلها أشباح موتٍ تتسلل إلى الحياة الليلية مع الضباب المنتشر حول القمر، و تهرب أمام قرص الشمس الأول!

.. حك رأسه و فرك عينيه و قال:
- تزحلقتٌ و رب الكعبة!!

..!.

كانت آخر صيحة سمعها بعد أن قال ما قال أنْ "دع بطنك في سلام!"
ابتسم ساخرا، لم يخفْ رغم هشاشة القلب المركون بين جنبيه، و رغم كم الترويع المنفوث في الصرخة!
لم يقل شيئاً لأنه كان قد ملها و مل النبش فيها، حتى أدرك أن التنقيب مهما كان صاخبا لن يجدي نفعا ما دام هنالك ثقب أسود يلتهم كل شيء.. بما في ذلك البطون و أصحابها!!!
أطاع الصيحة القادمة من فوقه مباشرة، ليجهل في أي موضع يتقوقع بطنه المتحجر كبقايا أواني خزفٍ تستجدي من يملأها بلا مَنٍ أو يكسرها بلا رَحمةٍ!

..!.

أيها الجائع قمْ و لا تتردد، فإن أمامك أياما طوالا أنت سيدها و بطلها، و لكن لا تنسى أن تدع بطنك في سلام!
نحن الأدرى بك و بمصلحتك، فتذكر أننا صنعنا منك عجوزاً هندياً فقيراً، تستطيع البقاء دون طعامٍ نصف عمركِ و النصف الآخر تقضيه في إنتظار جعجعة خططنا الإستعجالية،
علمناك أن لا تكون عجولاً بل صبوراً قانعاً خانعاً حلمك أن تموت فقيراً، فالفقراء يدخلون الجنة!
أرأيت كم نحنٌ أدرى بك و بمصلحتك، منحناك حسن الخاتمة و أدخلناك الجنة، و لكن أيها البائس و أنت في الجنة تذكر أن تدع بطنك في سلامٍ،
و فكر دوماً في أنك لم تخلق لتملأه فأنت أسمى و أكبرٌ من ذلك، لذا دعنا نحن نملأ البطون و تمتع أنت برياضة ترويض النفس و جهادها و النظر إلى وجه ربك الكريم!

..!.

أبشرْ.. فلقد أبدلنا حراسك بآخرين، و أعدنا إليك زبانيتك الأولْ!
لا أظنك نسيتهم و هم من أحسن إليك، فكفوك مؤونة قرض الحديد بأسنانك الهشة!
و جعلوا من أمعائهم مجناً يقيك وخز الشوك الملفوف في السمك، فكنسوا البحر منها ليكون طريقك إلى القاع معبداً و خال مما يمكن أن تعلق به!
كانوا يعلمون أنك تعاني من الزكام، و حساسيتك الزائدة قد تقتلك، فبادروا إلى أن يبعدوا عن أنفك النحيف روائح النفط الكريهة و حرائقه المضرة بصحتك،
و من تضحيتهم في سبيلك أن استنشقوه بنفسٍ واحدٍ و ما كانوا من النادمين!
الماء المتدفق نحوك من أدغال إفريقيا لا يحمل معه سوى ويلاتها و أمراضها كما أثبتت مختبراتهم بتجارب استمرت عشرين عاماً،
فكان القرار الصائب و بتوجيهات نيرة من الفخامة أن يتقلص هذا المد الإفريقي الموبوء، و ليتم بيع هذا المرض الفتاكـ لأقرب جارٍ عرف عنه حبه للأمراض و عشقه للأوبئة،
أما نحن فبلدنا سيبقى طاهراً من كل ما هو موبوء!!

..!.

نم قرير العين فبعد الليلة لن تضع يدك على بطنك و تتأوه، لأن أولائك الحماة قد عادوا و في جعبتهم كل وسائل حمايتك، عادوا و كلهم حماس متقدٌ و تفانٍ في خدمتك..
نواجذهم مشحوذة لقضم الحديد، و أمعاؤهم صارت أكثر صلابة لسحق أسراب السمك، و أنوفهم المعقوفة ازدادت خبرتها في (النشق) لتصل أعماق البحار و طبقات الأرض!!
آن لكـ أن تنام كما كنت في عهد "الطاعة" و "العافية".. مع زيادة في سريرك الترابي بأمتار إلى الأسفل، و قطعة قماش لم تكن لتحلم بأنظف منها و أنت مستيقظ!!


..!.


ــــــ
شكراً لأحد الأبناء;)

الشيخ محمد
04-06-2008, 12:21 PM
بسم الله..

مريضٌ أنا.. فمن لي بداءٍ غير الذي يتملكني، و غير التي تملكتني في الماضي الموبوء؟!!

أنا التائهٌ في دائه ذي الأوجه التسع و التسعين، فما أستقر على دواء، و صار تعاطي الداء بعد الداء هو
دوائي الناجع بعد أن رافقني اليأس من دواء لا يحمل في كنهه داءً خفياً يوجعني بوهم الشفاء، و يخنق
بداخلي الصحة ليبدلها بصحة واهية أراها تكذب كلما بقيتٌ وحيداً..!

.!.

مريضٌ أنا.. و كل الآذان تكذبني، ترميني بالحماقة تارة، و بالجنون تارة أخرى، و بين الحماقة و
الجنون أفقد نفسي حين لم أجد لها حيزاً تستقر إليه سوى قناعتي بأني مريض، و بأن مرضي أزلي
يأبى الزوال!

من لي بداءٍ غير دائي يجتث بداخلي اللغة، يمنحني كرتين من البلور حتى لا أرى هذه الأحرف، و لا
أعانق تلك الكلمات.. و حتى أنسى جيوب قلبي و دهاليزه، و أشلاء كلمات حٌجبت هنالك منها ما قلته وَ
ما سأقوله.. و ما سأظل أفكر دوماً في قوله!

.!.

صرتٌ عبداً لأوجاعي الدفينة، متفاخراً بعبوديتي الساذجة، و قناعتي الزائدة بتغييب إرادتي إمعاناً في
استرقاق نفسي، و مبالغة في تجرع أوجاعي علناً رغم تحجر الآذان و غطرستها، و رغم كبرياء كنت
و لا أزال أدعيها!

أحس دوماً برأسي قوقعةً يسكنها حلزون ناعم الملمس كريه المنظر، هشٌ و ضئيلٌ، و لكنه عصي على
الإنكسار حين يحتمي بقوقعته ليتركني أهشم رأسي فلا أناله بسوء..! :(

.!.

أغازل كل الآذان و لا آلو جهداً في الحصول على لحظة صمت أبث فيها من أنفاسي المحتبسة منذ
عصور الحزن الأولى!

.!.

مريضٌ أنا.. و أرى كل الكلام الحزين المليء بالوجع كلامي، و كل الآهات القادمة من بعيد آهاتي!
كل ترانيم الحزن مهما كانت عصية على عقلي المتشبع حزناً أحسبها عزفت على أوتاري!

أصادر آلام الآخرين فأحسها بعمقٍ لأدعي ملكيتها بوقاحة الحزن و جراءة الدمع، فأفقد دمعة مع كل حرف أليمٍ..!



ـــــ
دمتم و عافاني الله و إياكم:)

الشيخ محمد
28-11-2008, 06:23 PM
***


لم يعد باستطاعته تجاهل ذلك الهاتف اللعين، الذي يقض مضجعه بهمسات شيطانية كأنها ترنيمة سحرية تنضح شراً..!!

هب واقفاً وقليل من التردد يظهر عليه..

قال و هو يتصنع التحدي:

نعم سأكون عسكرياً..!

ولكـــن..

من أنا حتى أفكر في أن أكون عسكرياً..؟؟!

ولماذا أرى أحلامي وأحلام وطن كاملٍ ترضع الظلام في تجويف قبعة، وتٌقبل الأرض أمام أحذية خشنة؟!

أكثر الأسئلة إلحاحاً واستعصاءً تلك التي تأخذ من الواقع ترانيم وقعها لتكون دائمة الطرح لا تفارق المخيلة، ومن نفس الواقع تختار شيفرة الإجابة دون أن تسمح للعبارة القاصرة أن تدعي القدرة على التعبير عنها ولا فك أبسط أجزاء نظامها التشفيري!!

الأحداث بتلاحقها وتسارعها هي التي توجد مثل هذه الأسئلة، وهي التي تمنحها الإجابة!

الأحداث هي التي تمنحني القدرة على التفكير، والجرأة على استخدام الـ"سـ"ين حتى أكون فيما بعد قادراً على أن أشهر الـ"سـ"يف في وجه "العجزة" من أبناء جلدتي..!



*** *** ***

أنا مواطن من الدرجة الترابية.. كنت أرى السماء في كل الأوقات عاجزاً عن غير النظر من زاوية خجولة لا أتمتع فيها بأدنى قدرة على التمني ومراودة الأحلام عن نفسها..

أبقى طيلة العمر أرقب النجوم جازماً على استحالة الوصول هنالك مادامت كل تلك الترسانة من النيازك تحرس بوابة المعبد، و تصيب شظاياها كل من تسول له نفسه الولوج دون أن يكون عارفا للسر و قادراً على فك الشيفرة المنقوشة على الجدار..!!

أما اليوم فرأيتها من زوايا متعددة، ورأيت كيف تسلقتها العفاريت دون أن يصيبها نيزك واحد..

وهاهو الطريق أمامي لا يغشاه ضيق، فالشيفرة الأمنية بتقسيمها الثلاثي أسفرت لي عن سرها..

فلِمَ الإنتظار..؟؟!!

ثم إني تأبطت روحي وصحت..:

إلى السما.. إلى السما.. إلى السماء!



*** *** ***

عربيٌ أنا بطبيعتي وتربيتي، بانتمائي لمحيط لا يتأثر بعوامل التعرية، ولا يفقه تبادل الحرارة مع محيطه الخارجي..

أقدس القوي.. وأعبده!

إفريقيٌ بعقلي الباطن، بسطحيتي التي لا تفارقني حتى وإن كنت أدعي غيرها، وأركب ما لا طاقة لي على ترويضه..

أعتقد بالكائن الخرافي.. وأخافه!

ابن الصحراء بامتياز.. أتقن الارتجال، وأتقبل برحابة صدر لا يعرف الضيق كل المتغيرات، فأنا في النهاية أدرك أن لا وجود لغير الصحراء مهما تبدلت فما تلك سوى أثوابها التي لا تخفى، و التي لا يضرها إضرام النار فيها فما تحت الكثيب سوى الكثيب..

أنا الفري الذي أنجبته الكثبان عندما التقت في رحلتها الحربائية الأولى!

أعرف قيمة الطين.. وأقتاته!

ثلاثية "القوة" و "الخرافة" و "الطين" هي أركان المعبد الذي تسكنه آلــ"ـهَـ"ــتِي العسكرية، فكيف لا أحلم بأن أكون "عسكرياً"..

بأن أكون "الكائن السماوي" الفريد و"التمثال الأوحد" في المعبد والذي تتضرع إليه أفئدة المواطنين من الدرجة الترابية؟!!

ثم إني ما علمت لكم من كائنٍ سماوي غيري!



*** *** ***



إن لهذا المعبد "الرمادي" طعم الرماد ورائحته..!!

وإن بداخله قلوباً تحترق غلاً وحسداً منذ تأكدت "سماويتي الفريدة" وعلو قدري أمام الأساطين الأكثر قدماً، والتي تجهل أن للزمن معانٍ كثيرة تمنحنا القدرة على مده وقبضه حسب رغبتنا إن نحن أتقنا التعامل معها..

إنها مطاطية الزمن ومرونته..!

من تلك الزاوية نظرت فرأيت الكثير مما خفي عنهم، و قمت بالكثير مما استعصى عليهم، فيما بقي هم يلهثون عمراً ضائعا في عد السنين وإحصائها مراهنين على قانون أخرق لا يحمي إلا من ضرب به عرض الحائط!

أخرجتٌ الطاغية التاريخي من عاجه السحري عندما سولت له كبرياءه أن يحشرني في مهمة مستحيلة ضد العناكب السامة التي آلمت لدغاً دولة الجنرالات الأكبر في المنطقة..

لينتهي به الأمر معزولاً في فندق خليجي راقٍ يحطم شاشات التلفاز عندما تريه أصدقاء الأمس يلثمون نعال أعداء اليوم، في أكبر مشهد يجسد مقدار الحربائية التي تجري في دماء ساكنة هذا الوطن!

ثم أدخلت الجميع في أكبر مسرحية عرفها هذا الوطن المسكون بالممثلين الهواة الذين تنقصهم الأدوار، فما إن سنحت لهم الفرصة حتى انضموا إلى الجوقة الخرقاء فقاموا بما لم أحلم به يوماً و هم واهمون في حلمهم الديمقراطي الكبير، غير مدركين للسر الأكبر في تاريخ الأمم الأكثر ديمقراطية والذي يقول باستحالة جلب الديمقراطية من فوهة بندقية يحملها عسكري، وإنما تؤخذ بسواعد مواطن أعزل من كل سلاح عدا الإرادة و الإرادة فقط!

فكانت النتيجة أن جلبت إلى "الكرسي المحبوب" رجلاً حسبته دوماً "الدمية المثلى" التي أمتلك خيوط التحكم فيها، فنقلته من رجل مغمور قدم ملفه وحيداً لا سند له من خارج محيطه الضيق إلى رجلٍ "مؤتمن" على وطن، تزحف وراءه جحافل المصفقين "الحربائيين" مهللة باسمه و تصفه بالمنقذ الوحيد لهذا البلد..!!

و لكن المسكين صدق نفسه ووساوسها، فحسب أن ليديه حرية التصرف، و ليدي زوجته الناعمة أن تغازل الجيوب الأجنبية بعيداً عن أعين الرقيب النائمة أصلاً..!

و الأمر الأدهى الذي قام به هذا المسكين الذي توكأ في رحلته إلى هذا الكرسي على عصاً لم يبذل أي جهد في قطعها، أن يتجرأ على أن ينزع عني الصفة السماوية التي صبغتها على نفسي بعرق جبين تعود صاحبه أن يعمل في وضح النهار لا في تلافيف الليل و دهمائه!!

على أن ينزلني من علياء تسلقتها حين كانت تتلقفه عواصف إفريقيا الجافة، دون أن يلفت انتباه أحدٍ..

تباً لهذا الدستور إن لم يحفظ لي ما كسبته بعرق الجبين!!

وتباً لهذا الغبي الأعرج.. أيظن قوة القانون تطالني..؟!

أبلغ به الإيمان بالكذبة التي عاشها في الفترة الانتقالية أن يحسب نفسه في دولة مؤسسات حقيقية فيمارس دور "الطيب" المطمئن الذي لديه أوراق مثقلة بالمواد لتحمي ظهره..؟!

فلتشرب ماءها..!!

و لتتمتع و أنت ترى المؤسسات التي آمنت بها تنقلب عليك فتكون أول حجر عثرة يصيدك و يرميك على ظهرك، ليأتي البرلمان بـ"كتيبته المحمية"* ليدق آخر مسمار في نعشك السياسي..

وتطمع بعد كل هذا بالرجوع!!

آهٍ كم أشفق عليك.. فكم أنت مثير للضحك مثير للبكاء في آن!!

فلتشعلك "الجبهة" وأفرادها الناقمين، وليقنعوك بإمكانية العودة إلى الكرسي، وبأن التاريخ سيفتح لك أبوابه كأول مدني يهزم المؤسسة العسكرية!!

هيهات.. هيهات!!

فلا هم قادرون على أن يعيدوك، ولا الضغط الخارجي قادر على إعادتك أيضاً، مهما تلبدت سماؤنا بسحاب التهديد وغيوم الحصار، فلن يكون هنالك أكثر مأساوية مما عليه الحال الآن!!

و لتشتعل هذه البلاد فأنا نيرونها!!



ــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ

(الكتيبة المحمية)* : نسبة إلى قائدها (سيدي محمد ولد محم)، أما مصطلح "الكتيبة" فهو ماركة مسجلة لآخر..

الشيخ محمد
15-12-2008, 02:59 PM
و أرضعتني دماً..!!


نظر من نافذته المطلة على مدينة تخلع عنها ثوب النوم وتدخل في يوم جديد.. كان إحساسه بالفوارق والفواصل الزمنية مرهفا، فبعض الأوقات كانت تخنقه وأخرى تخلقه مع كل نافذة زمنية!!
والصباحٌ كان أكثر الأوقات التي يرى أنها تشبهه!
يمثل بالنسبة له النقاء والصفاء الذي يرافق ولادة يوم جديد، تماما كما يولد الإنسان بريئاً ناصعاً، لم تدنسه سنوات عمر عرجاء تملؤها قذارة الانكسار والفشل، وتجارب نوهم أنفسنا بأنها مكسب في حين لا تعدو كونها شهادة فشل غير مزورة بأحلامنا!
هكذا يتلاعب بنا العمر فلا يمنحنا في النهاية سوى جرعة غياب ورحلة مبتورة الأطراف، وشهادة وفاة!
والصباح هو الآخر وما يملك من صفاء لا يعدو كونه مؤقتاً، سيتحول غباراً وشمساً صحراوية حارقة، وفي النهاية يتحول الضوء عتمة فيكون الليل وما يحمل من عوالم الرعب والجمال!
فالأشياء الجميلة لا تعمر طويلاً..!!
كانت علاقته بالصباح مبنية على التغير و التبدل الذي يربطهما ببعض، فكلاهما يدفن بداخله ما لا يريد للشموس أن تطلع عليه، مع أنه يسمح لزوايا الضوء أن تكبر و تزداد دون أن تكون مطلة على الخارج!
فنوافذه الصباحية التي تبقى مشرعة طول العمر هي تلك التي تطل منه عليه، و تحمل منه الهواء المكتنز مدى العمر المنسي و تعيده إليه دون أن يكون للخارج حظ فيه!
تلك هي نوافذ النسيان التي تمنحه علاقة خاصة بالصباح!
هي التي تحمل إليه النسيم الرقيق الذي يداعب جوارحه و يمنحه إحساساً باليقظة المشوبة بغفوة، ليرى نفسه يمشي مشية النائم وراء معزاتين أنهكهما الهزال و لعب بهما الجفاف، يمشيان في إعياء و طقطقة أظافرهما الطويلة تحدث صوتاً رتيباً منتظماً يجعل من اهتزاز رقبتيهما رقصة تتناغم مع اللحن بإتقان..
كان ذلك الصوت يمنحه إحساساً بوقع أقدامه الحافية على التراب الذي ما يزال يختزن برودة الليل و آثار الحشرات و الكائنات الليلية التي تعشق الظلام فتتوارى عند خيط الفجر الأول!
قميصه الرقيق و سرواله الذي تملأه خرائط من نوع آخر، لم يعيناه على مقاومة البرد الصباحي القارس، و يداه اللزجتين من آثار اللبن المحلى يضعهما بين فخذيه الصغيرين بحثاً عن حرارة قد يختزنها جسمه الضئيل!
جريه المنهك وراء المعزاتين تحت إلحاح الراعي المتربص عند مخرج القرية منتظراً أغنام السكان القادمة في كسلٍ و تثاقلٍ من مناحي القرية التي لا تزال تغط في غيبوبة الصباح و كأنها تتشبث بهدوئه هاربة من جلبة النهار و ضوضاءه.
القرية هي التي أورثته بعده الصباحي الأول، و هي التي أهدته أول انكسارٍ حقيقي جعله يدرك جدوائية النوافذ الصباحية!
هي التي منحته القدرة على تجزئةالعمر، و قتل فصوله الأكثر ضبابية بسموم الغفلة و النسيان!
تلك القرية المسكينة هي التي جعلته يدرك الفرق بين شظايا اليوم الواحد، و تنوع الزوايا التي تنظر منها الشمس إلينا، و تلك التي تغيب فيها عنا!
فالشمس حاضرة في كل التفاصيل هنالك.. حتى و إن كانت السماء ليلية بأنجمها المتناثرة في تناغم فوضوي ملتهب، إلا أن أخيلة الناس تبقى معلقة بها إلى حين عودتها، كتلك الحشرة الضعيفة التي تبيت تبكي من حر الغد، فتلتحف سواد حزن لم يأت بعد، و تتجرع ألماً ما زال في بطن القدر!!
ليس غريبا في قريته أن تتفق رؤية الحشرة و الإنسان لأمر معين.. بل هو أمر طبيعي.. طبيعي جداً!!
الشمس لها إطلالة ملائكية على قريته، سرعان ما تتحول إقامة شيطانية في كبد سماء جافة!
و قبيل الإطلالتين يكون الصباح برقته المتفجرة نسيماً و عبيراً صحراوياً قد أشرف على القرية التي لا تفوته أبداً، كباراً و صغاراً، رجالاً و نساءً.. و حيواناتٍ.. الجميع يستيقظ باكراً ليأخذ حصته من بركة الصباح..
حتى البيوت تتثاءب في كسلٍ مشرعة نوافذها أمام أنفاسه لينفث فيها من أسراره ما يمنحها القدرة على مواجهة يوم جافٍ يلوح في الأفق!
تلك البيوت المتشابهة و المتواضعة بنوافذها الفسيحة و أبوابها الواسعة، و كأن ساكنيها حولوا خيامهم المصنوعة من القماش و الصوف إلى خيام من الأسمنت و الحديد!
لم تكن كثيرة و لا كبيرة، و إنما كانت في أكثرها أنصاف و أرباع بيوت تراهن في تراكمها على السنين التي ستمنحها القدرة على الصعود إلى الأعلى بشكل تدريجي، كما ستمنحها ضعفاً و وهناً آخر حتى قبل أن تكتمل.. و قد لا تكتمل أبداً، فالناس هنالك يعيشون كالمسافر الدائم، و قريتهم لا تمثل بالنسبة لهم سوى محطة في رحلة كونية تخوضها أرواحهم بعد أن تبقى أجسادهم محبوسة في شبرين من الأرض!
إيمانهم الكبير و عقيدتهم الراسخة، و طبيعتهم البدوية التي لا تعرف الاستقرار، كل ذلك يجعلهم متهاونين في إعطاء دنياهم حظها من العمل، و إنما يكتفون بسد رمق رغباتهم و إيقافها عند الحد الذي يمكنهم من البقاء على قيد الحياة، إنهم يهتمون أكثر بتعمير قبورهم بدل قريتهم المسكينة، و بيوتهم تدل على ذلك، تلك البيوت التي تختزن ذكريات مجتمعٍ صامتٍ، يهاب كل شيء حتى الكلام و يحترف الصمت حياءً أمام المواليد الجدد فلا يفرح بهم سوى أبعد الناس عنهم!
و الأموات عندما يغادروهم لا يجدون من يبكيهم سوى تماسيح بشرية من المرتزقة التي تقتات أحزان الآخرين و أفراحهم، أما أقرب الناس إليهم فتجدهم يريدون إثبات جفاف مآقيهم، و كأن الحزن بصوت مسموع غير مسموح!
أو أنهم من فرط المحبة لا يمكنهم توديع من ينوي الغياب الطويل بدمعة!
الفرح و الحزن يملكان في قريته نفس الطقوس!!
يتعانقان كما يعانق الموت الحياة، فيخرج الحي من الميت دون أن يودعا بعضهما، و إنما حافة الصمت و الألم هي التي تجمعهم في حيز لا ينتمي إلى أيٍ من العالمين!
ليغادر أحدهم بصمتٍ، و يأتي الآخر إلى العالم و هو يصرخ في دهشةٍ!
هكذا أتى إسماعيل إلى الدنيا ممتطياً روح والدته، صامتاً و شاحباً حتى ظنه البعض فارق الحياة قبل أن يولد، غير أن حظه الذي حرمه والدته منحه جدة أدركت أن قلبه الصغير ينبض بالحياة رغم صمت الصراخ لديه، فعاش سنيناً يناديها "أمي"!


دمتم بكل ود
يتواصل...

الشيخ محمد
16-12-2008, 12:47 AM
...
كان خروجه إلى الدنيا مترددا متلعثما، مبنيا على الشك و التخيل، فلم يجد أمامه من الفرح إلا القدر المساوي لما وجد من الحزن، لتحتضنه المآتم و مجالس العزاء أيام قدومه الأولى!
فبقي مدى العمر دليل إثبات على لحظة حزنٍ مضت!
على جريمة اقترفها القدر بأصابعه البريئة الضعيفة، حتى قبل أن يدرك الفرق بين لون الدم و اللبن، بين الجدة و الأم!
لم يكن يدرك أن بداخله بركاناً من الحزن ينمو و يتسع لينعكس أمامه في نظرات قوم يتذكرون عند رؤيته شخصاً آخرَ، ينتمي إلى عالمٍ آخرَ و حياة أخرى.. كان يرى في نظراتهم ذلك الحزن و الأسف.. و قليلاً من الشفقة لم يكن يعرف لها سبباً، و لا يستطيع بعقله الصغير أن يجد لها مرداً!
حتى أن الخال عبدو ذلك الرجل الستيني الذي يحمل في محياه ملامح طيبة مشوبة بقسوة خافتة أورثتها إياه مكابدة السنين و صراع الزمن، عندما أتى ليسلم على الجدة بعد غياب طويل في إفريقيا، لاحت في عينيه دمعة عندما رآه و أصابت حشرجة قوية صوته الضعيف، و راح يقبله و يتمتم بكلمات غير مسموعة، و يردد بنغمة حزينة اسمَ امرأة لا يعرفها!!
لم يفهم إسماعيل تصرف هذا الرجل الذي يراه لأول مرة، و الذي يبكي أمام جدته دون أن تعلق، و هي التي كثيرا ما تنهره عندما يبكي فتعيره بالبكاء و تقول له بأن الرجال لا يبكون!
لماذا لا تقول نفس الكلام لهذا الرجل الذي يبكي من دون سبب؟!
أم أن الرجال عندما تكبر بهم السن يباح لهم ما كان ممنوعاً، فيتساوون مع الأطفال الصغار الذين يملأ بكاؤهم آذان الجميع!
إلا أن دمعة ذلك الرجل الطاعن في السن كانت طاعنة في الحزن، إنها لم تكن بكاءً فقط و إنما كانت أكثر من البكاء، إنها كانت لغة استحضار لعوالم أخرى غير التي تتبدى لعينيه الصغيرتين الذابلتين، عوالم يحسها و لكنه لا يفهمها، يراها مجتمعة في تلك الدمعة التي يذرفها ذلك الرجل!
أدرك أن لدموع الرجال طعماً آخر غير الملوحة، و غير العذوبة، طعم يبحث عن حليمات ذوق خاصة تتحلل الصلابة و الرقة عند ملامستها بنفس السرعة، بنفس القوة.. و بنفس الرعشة!
و الاسم الذي كانت تشيعه تلك الدمعة ظل صداه يتردد في أذنيه، و حركة شفتي ذلك العجوز المرتعشة و هي تلفظ الاسم ما تزال ماثلة أمامه يستعيدها بكل ما تحمل من تفاصيل الحزن عندما يشيخ و يهرم!
"مَيَمْ".. الاسم الذي لفظه العجوز بنغمة خاصة ليعانق سمعه و يظل صداه يتردد في أذنيه، ناعم رقيق يثير فيه إحساساً غريباً و كأنه يخصه دون الجميع و يعنيه أكثر من الآخرين..
كان لديه إحساس أنه الاسم الذي كان يجب أن يستعمله أكثر من أي اسم آخر، كان من المفروض أن تكون علاقته به متجذرة و عميقة أكثر من أي علاقة أخرى، ربما كان هو اسمه قبل أن يولد، هو الذي يختزن بين أحرفه هويته الحقيقية، و ملامحه الروحية الأولى المليئة بالأنوثة!
كان يثيره ذلك السر المدفون ما بين الميمين، سر يدعوه دوما إلى أن يتساءل عن صاحبة هذا الاسم، أن يجلس إلى جوارها و يطلب منها أن تحدثه عن صاحبته، أن تصفها له فتشبع فضوله الطفولي الغير مبرر لاسم مر على أذنه بالصدفة تشيعه دمعة شيخ هرم!
أخبرته أنها جدته التي توفيت منذ أعوام قبل ولادته..
سألها:
- أهي تشبهك..؟
- إنها تختلف عني تماماً، إنها جميلة..
- أنت أيضاً جميلة..!
ابتسمت و هي تنظر إليه برقة بعد أن تركت وسادة كانت تخيطها، أخذت وجهه بين يديها و قالت:
- أنت لا تعرف الجمال يا بني، و لكن فيما بعد ستكون أكثر قدرة على إدراك جمال النساء، و ستعرف أن أجملهن تلك التي تستطيع أن تحفظ جمالها خاليا من التجاعيد و لو كلفها ذلك استعمال مساحيق الموت!!!
لم يفهم ما ترمي إليه بكلامها، و لكنه كان يراها جميلة رغم التجاعيد التي بدأت تظهر في وجهها، كان يحس بالفخر عندما تكشف له ابتسامتها تلك الأسنان البيضاء التي لم ير مثلها لدى نساء القرية.. إنها بالفعل جميلة، و لكن هل "مَيَمْ" أجمل منها، كان لديه شك في ذلك!
أضافت و هي تتناول الوسادة من جديد:
- سيأتي زمن تعرف فيه قيمة التجاعيد التي تملأ وجهي!
لم يفهم شيئا مما تفوهت به و لكنه لاحظ أنها تتكلم ألغازاً عندما يحدثها عن "مَيَمْ"، كما لاحظ تلك النظرة المنكسرة و النغمة الخافتة و دمعة تنزل على خدها و هي تحدثه، تمر عبر التجاعيد لتستقر لحظة أسفل لحيتها ثم تسقط على جبينه، دمعة تشبه التي ذرف خاله قبل قليل!
غاب في حضنها و كأنه يحتمي بها.. يتمسك بها خوفا من أن تغادره كما غادرتها أمها..!
إنه يرفض أن ترحل عنه حتى لا يحزن مثل الخال عبدو، و يجد نفسه مضطراً للبكاء آخر العمر، فهو لا يريد أن يبكي و لا يريد أن يحزن.. لا يريد أن يفقد أمه!
لا يريد أن يفقد ذلك الحضن الذي ينعم به عندما تخيفه وحوش الليل و عفاريته التي تظهر أعينها المشتعلة من وراء الظلام، فتحرمه النوم إلى الفجر حيث يكون وقت الصلاة قد حانْ!
لا يريد أن يغيب عنه ذلك الصوت الذي يهمس في أذنه
"الصلاة.. الصلاة.."
ذلك الصوت الذي يمنحه القدرة على اليقظة و النشاط، على ممارسة العبادة بشهية إيمانية متفتحة..
على أن يزاحم عند المخبزة أولئك الرجال القادمين لتوهم من المسجد في أيديهم تلك السبحة الطويلة التي يصدر عنها صوت منتظم من ارتطام الحصى بعضها ببعض، ذلك هو الصوت الوحيد الذي يصدره أولئك الرجال الذين يطبعهم الصمت التام خلال تواجدهم أمام المخبزة فيقضون جميع حوائجهم دون أن يتفوهوا بكلمة واحدة، و إنما الإشارة وحدها هي التي تسعفهم و معرفة صاحب المخبزة المسبقة بما جاؤوا من أجله، و ما إن يحصل أحدهم على ما يريد حتى يبتلعه الظلام الذي مازالت أسرابه تحتمي بالممرات الضيقة بين البيوت المتراصة، أما من يحمل منهم جمراً فتظل تلك الشعلة الحمراء المتوهجة تخفت شيئا فشيئا إلى أن تصير كالشهاب الخافت ثم تختفي بعد ذلك، مشهد سماوي بامتياز تنقلب فيه جميع المقاييس و يقف المنطق مشدوها حيث الناس استحالت أجرام سماوية تسبح في مجرة القرية بحرية و خفة، و المخبزة تمنح النور بسخاء بالغ!!
ففي ذلك الوقت من اليوم تكون المخبزة هي المركز النابض المشع في القرية، مصدر الطاقة و الغذاء..
ناداه صاحب المخبزة باسمه، ناوله رغيفين من الخبز، و أخذ من عنده آلة الحديد التي يحمل و ملأها جمراً أحمرَ ملتهباً أحس بالدفء عند رؤيته، ناوله الآلة قائلاً:
- سلم لي على والدتك..
تناولها منه دون أن يعلق لأنه تعود على أن يقول له هذه العبارة دون أن ينتظر منه جواباً، و إنما يتحول عنه بسرعة ليعبأ آلة أخرى لشخصٍ صامتٍ آخر!
انضم إلى سرب الجمر الذي تنفث المخبزة في أطراف القرية..



دمتم بكل حبْ..
يتواصلٌ..

الشيخ محمد
16-12-2008, 07:42 PM
خليط من الأصوات كان يصل لأذنيه، إنها أصوات الاستيقاظ و نفخة اليقظة الأولى في جنبات قريته نصف النائمة، صوت طفلٍ يبكي يبدو أنه استيقظ قبل والدته، في بكاءه إلحاح و إصرار على أن يوقظ كل من حوله من البشر!
و صوت آخر قادم من بعيد لإذاعة تعلن تمام السادسة صباحاً بالتوقيت العالمي الموحد، و تبدأ بسرد الأخبار من حنجرة مذيع يبدو من صوته أنه عظيم الهيأة ضخم البنية قام للتو من نومه!
و صغير ضأنٍ يصيح لترد عليه أمه بصيحة أخرى، فهي مستيقظة دوماً لن تكلفه البكاء، فالحيوانات لا تبكي لأنها لا تتعلمه و هي صغيرة.. أما نحن معشر بني البشر فإن أول ما نقوم به هو البكاء!!
و من بين تلك الأصوات المختلطة و الأفكار الغريبة التي تخطر على باله لأول مرة، و التي جعلت ذلك الصباح مختلفاً عن كل صباحاته الفائتة، شق صوت هائلٌ كل ذلك الزخم و بكل وضوح وصله:
- "كل نفس ذائقة الموت".. ستقام الصلاة بعد نصف ساعة!!!
تبعته تلاوة آيات قرآنية، و رأى الرجال يتوجهون إلى المسجد في عجلة بعد أن توضؤا و تلك السبحة في أيديهم تتراقص حباتها دون ملل..
كان يعرف أن عليه أن يرافق جدته إلى المسجد فهي لا تفوت الصلاة على أي جنازة سواء كانت تعرفها أو لا، كانت تقول له بأن في ذلك الكثير من الأجر و أنه من حق المسلم على أخيه المسلم..
وصل البيت ليجده خالياً فعرف أنها غادرت إلى المسجد..
على ضعفها غادرت في هذا البرد، إنها لا تتهاون في مثل هذه الحالات و لا تتقاعس..!
هاهو عند عتبات المسجد الذي يغص بالرجال بعمائمهم البيض و التي تجعلهم متشابهين تحت الضوء الخافت الذي ينتشر في ساحة المسجد و الذي يضفي على المكان جواً من الرهبة و القداسة و شيئاً من الخوف!
تجول في الصفوف الخلفية حيث عجائز النسوة ينتظرن إقامة الصلاة، تفحص بنظرات خجولة متلهفة وجوههم نصف المكشوفة بحثا عنها، إلا أنها لم تكن بينهن، و المكان المنزوي الذي تعود أن يتركها فيه وجده خالياً تسكنه وحشة جعلت القشعريرة تسري في أوصاله، تراجع إلى صفوف الرجال و هو مشغول الفكر بها، فهو لا يعرف أين ذهبت!
إنه قلقٌ..!!
فكر فيما كان يريد أن يسألها عنه عندما يعود من المخبزة، فكر في الاسم الذي ناداه به الأستاذ أثناء الحصة و الذي كان يسمعه كثيراً دون أن يعي جزأه الثاني و لا أن يلفت انتباهه اسم ذلك الرجل المقرون باسمه!
يتذكر جيداً سؤال الأستاذ الذي لم يجب عليه:
- اسماعيل ولد محمد .. سمعت أحدهم يقرؤها مضموماً.. الدال مضمومٌ أم ساكن؟!!
مضمومٌ أم ساكن!!.. من أين له أن يعرف حركة الحرف الأخير من اسم شخص لم يعرف عنه أبسط التفاصيل، حتى و كأن هذا الاسم يطرق سمعه للمرة الأولى!!
أراد أن يحيل السؤال إلى جدته و ينتظر الإجابة بشغفٍ ليسألها بعد ذلك عن "محمد"..!
سيدعه الآن ساكناً ريثما يجد الجواب عله يحمل معه سبباً لضمه و رفعه..!
و لكن سؤاله سيحمل جميع أدوات الاستفهام و علامات التعجب.. منْ و كيفَ.. متى و أين.. و لماذا..!
من خلال زحمة الأفكار و البشر في المسجد امتدت إليه يد و سحبته بسرعة و قوة، كانت يد الخال عبدو الذي رأى في وجهه نظرة تشبه التي رمقه بها في لقائهما الأول، و بوادر الدمعة الماضية تلوح في محياه!
أراد أن يسأله عنها فربما يكون رافقها إلى المسجد أو رآها خلال تجواله في الساحة، إلا أن الخال عبدو كان قد تقدم به إلى الصف الأمامي حيث يقبع شبح جسد بشري ممدد على الأرض و ملفوف بعناية في ثوب أبيض..
أراد أن يسأله عنها.. إلا أن الخال عبدو تقدم خطوتين إلى الأمام، رفع يديه إلى الأعلى لبعض الوقت ثم كبرَ بصوتٍ عالٍ
..(الله أكبر)..
كبر الجميع من بعده بصوت عالٍ و مجلجلٍ، رفع يديه و كبر فقد علمته كيف يكبر و كيف يخشع مطأطأً رأسه إلى الأرض، جعلته يحفظ تلك الآيات القرآنية التي بدأ يرتل بصوت خافتٍ، و علمته أن يضع يديه على صدره، علمته الكثير.. مما كان يقوم به و هو يفكر في المكان الذي توجد فيه!
توالت التكبيرات.. ثم كان التسليم حيث قال بخشوع و نظراته إلى الأرض
..(السلام عليكم)..
التفت إليه الخال عبدو و أمسك بيده فأراد أن يسأله عنها.. إلا أن الرجال المندفعين نحو الجنازة لم يمنحوه فرصة، فوجد نفسه مندفعاً بينهم في اتجاه المقبرة و الجنازة فوق رؤوسهم تعلوها غيمة من الغبار الذي تثيره أقدام الرجال المتزاحمة..
لا زالت يد الخال عبدو تمسك به فيما هو يريد أن يسأله عنها، تجاوز الموكب بعض القبور قبل أن يصل قبراً جديداً، رآه فاغراً فاه مستعداً لمن يرغب في الإضجاع الأبدي!


دمتم بكل حب
يتواصل..

الشيخ محمد
17-12-2008, 12:18 AM
سرى فيه خوف عند رؤيته ذلك القبر الضيق..
أحس بضيق في التنفس و ثقلٍ في أطرافه، أحس بالأرض تتحرك من تحته و كل شيء يتبدل و يتغير، السماء صارت جرحاً نازفا ترسل سحابا من الدم الساخن، و القبور انشقت فخرجت منها أشجارٌ قصيرةٌ أغصانها لا لون لها و أوراقها مسننة لها وميض و حفيف كالهمس بتعاويذ سحرية!
استحالت وجوه الرجال من حوله صور هلامية رمادية تتقشر مع هبوب الريح، و ابتسامة شيطانية تلوح منها!
رأى الثوب الذي يلف الجنازة يذوب ببطءٍ، و شيئاً فشيئاً تراءت له الجدة من وراء الثوب، كانت بيضاء كالشعلة المضيئة، وضع يديه على عينيه للحظة من شدة النور الصادر منها، استوت واقفةً ابتسمت في وجهه و بدأت تعلو شيئاً فشيئاً، أراد أن يسألها أين كانت طول الوقت، إلا أنها كانت تبتعد عنه و بصرها إلى الأعلى..
أراد أن يصرخ باسمها، أن يناديها علها تسمعه فتعود، أن يطرح عليها آخر سؤالٍ دار في ذهنه، إلا أنه اكتشف أن حنجرته تيبست و صارت صلبة لا تطيعه!
أراد أن يلحق بها فأحس بشيء يشده إلى الأسفل، رأى تلك الشجيرات تلف ساقيه و أوراقها مغروسة في عروقه و هي تصدر نفس التعاويذ السحرية!!
رآها تغيب في ثنايا الجرح السماوي صامتة فيندمل الجرح و تتوقف الأمطار الدموية!
غابت؟!!
نعم.. غابت عندما احتاجها لتجيب على آخر أسئلته، هي التي كانت دوما جاهزة لتمنحه الجواب الشافي و الكافي لجميع أسئلته البريئة و السخيفة!
لماذا لم يخطر بباله هذا السؤال من قبل ليطرحه عليها و ينفجر من بعده بالبكاء!
يعرف أنها لن تبكي لبكائه و إنما ستنهره و تقول له "مر الرجاله ما يبكو"، ثم ستنحني عليه بحنان و نظرة خبيثة تشع من عينيها لتقول له "لا إشوفوك امنات الناس تبكي!"..
غير أنه في هذه المرة سيبكي بصوت مسموع.. سيصرخ و يولول و لن يأبه لبنات الجيران و نظراتهم الشيطانية لكل ما هو رجولي، نظرات مشبعة بالشهوة و النزوة.. و البراءة!
نظرات من التنزيه و كأن الرجل كائن مقدس، صنعته يد نحات من رخام صلد لا يحس و لا يتأثر إلا بقدر ما يثير فيهن إحساسهن بنضج أنوثتهن!
أما أن يحزن فذلك أمر غريب، يجعل الأسئلة تدور حول جدوائيته كرجل!
سيبكي و يجعل معدل التقديس ينخفض في تلك النظرات إلى مستوى الدمع، و الانكسار أمام رجل يبكي!
نعم سيبكي غير آبه بما يقال و ما سيقال، و ما ستختزنه نظرات أهل القرية من شفقة كاذبة أقرب هي إلى الاحتقار!
فالبكاء في القرية لا يمارسه إلا من يريد إثبات شيء كاذبٍ، أما الرجال فلا يبكي منهم إلا من يجري في عروقه دم أنثوي!
نعم.. كان لديه شك دائم في دماءه التي يحس الآن أنها لامرأة منحته روحها!
فدماءه لم تعد نقية من اليوم، أصبحت ذات نكهة حزينة رقيقة كالمرأة في قريته!
كان يوقن أن بداخله أنثى تقتات رجولته تمنحه القدرة على الحزن بصوت مسموع، على تحدي مجتمع لا يتقبل البكاء في حوزته!
سيتحدى مجتمعه، و يتجاهل نظرات جدته التي تدعوه إلى الصمت، سيصرخ بسؤاله عالياً!
سيلح في طلب الجواب، ثم يصوم الأسئلة بعد ذلك!
سيكره الأسئلة.. كل الأسئلة، و كل الأشياء التي غابت عنه و التي يجهلها، سيعاقر الصمت بقية عمره، ويدفن لسانه بين قبرين!
قبرين.. دفن في أحدهما سؤالاً و في الآخر جواباً!
و ستكون وصيته بأن تصلب جثته بين هذين القبرين، تماماً كما صلب في العمر بين سؤال و جواب!!
سوف يكون آخر ضحية لحقيقة بقيت مخفية عنه مدة من الزمن، فمجتمعه الذي يهاب الكلام يعرف كيف تبقى الحقيقة طي الكتمان، دون أن تتسرب إلى من يحتاجها ليعيد عليها ترتيب مصادر الحزن في حياته!
كان سكان القرية و فيهم الخال عبدو قد رأوا الوقت مناسباً لأن يسمع الحقيقة!
لأن يولد من جديد، عندما رأوه يذرف دموع الأمومة على جدته!
طريقة قاسية في تأجيل الحزن إلى حين ينضج الإنسان و يصبح لديه قدرة أكبر على البكاء و الألم.. و الشوق إلى الرجوع إلى العدم!
انتظروه حتى غادرته أمه التي عرف في صغره و التي ربته و سقته ماء الحياة الأول، أمه التي منحته كل معاني الأمومة غير ناقصة و لا مبتورة!
فأتوه و هو يفكر في أي نوع من الحزن يختار لها فيلبسه عند قبرها!
لم يكن راضيا عن الحزن المتوفر في قريته فأراد أن يخلق حزناً جديداً، أو يجلب حزناً من كواكب العتمة الفضائية و الظلمة الكونية فهي وحدها التي بمقدورها أن تحزن بعمق معه!
أن تلامس الفراغ بداخله، و تذوق طعم الغياب في حياته الباقية!
فكل الفراغات صارت تشبهه، و كل معاني الفقدان صارت أكثر عمقاً في نظره، صار يفهمها بشكل أفضل الآن.. الآن فقط!
أتوه و حسن النية يختط ملامحهم، و حزن مشبوه..
أخبروه أنها جدته و أن أمه هي صاحبة القبر المجاور لقبر جدته الطري!!
تحسس مواقع أقدامه و هو يقف بين القبرين.. أطلق صيحة كان قد اختزنها من يوم ميلاده الأول!!



..النهاية..

دمتم بكل خير..

الشيخ محمد
27-12-2008, 12:18 PM
http://www.almashhed.com/vb/uploaded/347_1230380083.jpg



غـــــــزة و يبكي كل شيء فينا!!

و ينكسر و يندثر..
ثم يتلألأ في أعيننا ذاك اللهيب، يحرق إغفاءة الشيطان فيها، يلهبه و يرهبه، يهزه بعنفٍ عله يستيقظ فيكون مارداً يلتهم كل الدموع و الدماء.. كل تلك الأشياء و الأشلاء التي تملأ المدى!!

ثم يستدعي صوتٌ عويله و ترددٌ صراخه المؤلم في أقبية الليل ملائكة النور، ينشر لها الأيادي بالدعاء يجعلها تقبل السماء فيما الأرجل راسخة في بحرٍ من الدماء تَسبحْ و تٌسبحْ.. و لكنها لا تٌفلحْ!!

فلا ذاك الشيطان يقبل أن يكون هو، و لا تلك الملائكة تجيب الدعاء!!

***
انزعي اللحاف عنك فما أنتِ بِحٌرَّةٍ لتستري مفاتنكِ..!!
انزعي كل الستائر و تخلصي من جميع الضفائر فلم يعد للنساء مكان في شوارعك، و لا للأطفال!!

أنت العقيمة السقيمة لا تلد سوى الدموع و الشموع و بقايا الشعاع الخافت في أعين الرجال المنكسرة!!



ربما تكون هنالكـ دمعة أخرى..
دعوة مفتوحة للبكاء و هل نملكـ غيره؟!!

الشيخ محمد
21-02-2009, 02:43 AM
http://www.almashhed.com/vb/uploaded/347_11235183943.jpg (http://www.almashhed.com/vb)



الرسالة رقم (1-) ..!!

أرجوكـ..
أوقفي العزف عندما تنهمر أمامك أحرفي، فإهمالك أرهقني وموسيقاك أصبحت تحمل إلي أناشيد العذاب، ثم إن تجاهلك لكل شيء عدا العزف لم أعد أقبله..

لقد مللت أن آتيك في كل مرة وأنت تعزفين لأقول لك بأن هذه أحرفي الأخيرة سأذرفها أمامك، فلا أجد عندك أي نوع من المبالاة، لأعود مرة أخرى ونبرة الغضب تملأ كلامي وأنت كما أنتِ لم يتغير فيك أي شيء تماماً مثل الآلة المزروعة في عنقك..

***

ربما تتجاهلين كل الكلام الذي أقول لك لأنك تدركين جيداً أنني سأعود، وأنني في كل مرة سأقول كلاماً غير الذي قلته في المرة الماضية..!

إنك بهذا التجاهل القاتل تتصفحين مخيلتي بتأنٍ وصبر، تسترقين السمع إلى كلامٍ كنتٌ أريدك أن تسمعيه ولكني أغادرك في كل مرة وأنا أحسب أنك لم تسمعيه!!
لقد صار فضولك مكشوفاً أمامي، وأدركت في الأخير من أين تستمدين الحزن الحاضر بقوة في ألحانك.. لم أكن أعرف أن الكلام الذي يصدر من شخص تائه ودون أن يلفت الانتباه قد يتحول إلى مقطوعات بهذا القدر من الجمال.. لعلي كنت أبكي أمامك حين كنت تتجاهلين كل الأشياء غير قطعة الخشب دقيقة النحت القابعة بين رقبتك ومنكبك.. ألهذا صارت تشبهك وصرتِ "خشبية" اللون مثلها..؟!!

***

كنت أتوقع كل شيء ولكن أن تلتفتي نحوي... لقد فاجأتني نظراتك!!


ــــــــ
دمتم بود

الشيخ محمد
22-02-2009, 12:55 AM
http://www.almashhed.com/vb/uploaded/347_11235263783.jpg (http://www.almashhed.com/vb)

الرسالة رقـم (10-)..!!


***

أعلم أنكـِ اليوم ستضعين كل ما تحملين في قلبك وفي يديك، ستتركين الكثير من الأماكن حولك شاغرة، بل إنك ستكونين شاغرة فلن تعزفي أي لحنٍ لأن آلة الكمان ستبقى بعيداً في الركن ريثما أعلمك طقوس الاحتواء وأقرأ عليك من قصص الماضي والمستقبل ما يملأ الفراغ حولكـ، ثم إنني سأجعلك تمتلئين بي حتى تعرفي كيف تختلط الألوان أمام عيني، كيف تمتزج الأصوات وتتناوب..!

أريدك أن تعرفي العالم من خلالي كما عرفتٌه من زوايا الضوء لديكـِ!!

***

أعلم أيضاً، بل إنني موقنٌ، بأنك ستبتسمين ككل امرأة تسمع كلاماً جميلاً انتظرته أزمنة طويلة، كانت تتذكره كل ليلة قبل أن تنامْ، تتذكر تفاصيله بدقة، كيف سيأتيها ذلك الكائن متناهي الرجولة يحمل شيئاً في يده التي يخفي وراء ظهره، يناديها باسمها ويهمس في أذنها بسر يخصها به من بين جميع نساء الدنيا..!!

إنها تتذكر جيداً كيف تحس وهي تسمع همسه بجوارحها كافة، كيف تدرك أن وراء كل كلمة يقولها أو حرف ينبس به قلباً صادقاً يحمله في كفه ويفشل في إخفاءه وراء ظهره.. فالأشياء البريئة الصادقة لا تتقن المواربة والاختباء!!

نعم ستبتسمين ككل امرأة، ولكن لابتسامتك نكهة خاصة ليست لدى كل امرأة ..!!

***

وعندما تمتلئ المسافات التي تفصلنا سيكون لك كامل الوقت لتعزفي لحنك الأبدي الساكن على نبرة من الحزن لا تولد إلا من أصابع تتألم!!



ــــــ
دمتمْ