المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مواضيع الكاتب :أمين



أمين
25-04-2007, 11:06 AM
قال لي
أتدري يا صديق،
إني مدين لها بالكثير، فلولا تلك التجربة لكنت الآن ملقيا على رصيف الحياة أبحث عن حب مزيف يلهو بي، كمدمن يتسول
علبة هيروين،
لقد علمتني تلك التجربة أن حين تستلم للحب ينقلب عليك لعنة،
و أن حب هذه الأيام من الكماليات التي تحرص على اقتناءها حين تكون قادرا – ماديا طبعا- ،
علمتني أخيرا أن الحب الأول وهم، و أن حبك الأول هو حبك الأخير،

أمين
25-04-2007, 11:10 AM
أتراها تحبني ميسونُ أم توهمت و النساء طنونُ


كان في جلسة مغلقة مع الذات، تلك الجلسة التي يعتبرها الخبراء الطقس الأول من طقوس الحب،

اليوم سأصارحها و ليكن ما يكون،
فما همي من الدنيا و ما يهمني إن لم تكن تعبأ بي
سأنسج لها قصيدة قيسيه، لا...
تذكرت أنها كالكثير من بنات جنسها اليوم، لا تعير كثير اهتمام للشعر و الأدب،
سأرسل لها إذن رسالة خطية،
ما بك يا هذا و هل ما زال في المدينة من يكتب بخط يده و يشتري ظرفا و يغلقه و يرسله إنها طريقة أصبحت من الماضي كالحمام الزاجل و المراسيل، اليوم عصر السرعة عصر الايميل و الاس ام اس
إذن سأرسل لها أس أم اس و أبوح لها بالبركان الذي يغلي بداخلي،...........

و لكن بهذه الطريقة لن أستطيع استقراء رد فعلها، و لا قياس درجة حرارة كلماتها، و هل تهتم لأمري أم تراني مجرد صديق
و كان الاقتراح الأخير قبل رفع الجلسة و هو الأصعب، أن أتصل بها لأطلب لقائها هذا المساء،

أمين
25-04-2007, 11:11 AM
و عاد المساء !



كان الحسين يرى جمال البتول عبقرية طبيعية دون رتوش،
فلا الحاجب الكث و لا الشفاه الرقيقة تلوثت بأوساخ المركبات الكيميائية الغربية
لا حاجة للبتول لا بميك آب ولا ميك داون،

كان من فرط هيامه بها و حتى اليوم لا تزال معايير الجمال بالنسبة له إسقاطا مجردا على وجه البتول، فلا تثير انتباهه منهن من ليست بتلك الملامح،

لم يكن يرى البتول جسدا بل أنه و مذ تعرف عليها لم تعد تصطاده الأفكار الأنانية و لم يعد اصطياد البنات هواية له و كأن ذلك الحب الذي امتلكه سمى بروحه عن خطايا جسده

كان اللقاء ككل أوقاتنا الجميلة سريعا، مرتجلا، و نسي الحسين كل الحديث الذي أمضى يومه و ليله في تحضيره و تنسيقه،
لم تتفا جئ البتول بحديثه العفوي و الابتسامة الخجولة تضفي على وجهها سحرا و بهاء و كأنه يحتمل أكثر،

أحس الحسين بشعور خاص يغمره بعد هذا اللقاء، فليست هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها مع بنت و هو المصنف بين أصدقائه بخبير البنات
لكنه هذه المرة يحس بوقع كلماته الصادقة و يسترجع أحداث اللقاء العابر مرات و مرات لقد كان ردها أن ابتسمت، و في قاموس البنات الابتسامة تعني موافقة،

لم تزل به تلك الأفكار و ذلك الشعور الرائع إلى أن تسللت يد باردة لتهزه ليفيق من حلمه الجميل و تذكره بالواقع و قسوته، فما مصير هذا الحب، و كيف لمن لا شغل له و لا مصدر رزق أن يفكر في الارتباط، و من يضمن له أن تبقى هي وفية له حتى يعتمد على نفسه و يقف على رجليه،
و بينما تتصارعه هذه الأفكار قام ليتوضأ و يصلي الصبح،

أمين
25-04-2007, 11:12 AM
لم يكن يلتقي بالبتول إلا في نهاية الأسبوع ، لكن لا يمر يوم دون أن يتصل و يطمئن أن مازالت بخير، و أن العقدة مازالت بخير

اليوم كان هو الأخير، بالنسبة للحسين فبعد يومين سيسافر إلى نواذيبو ، لمدة أشهر، أشهر كانت بالنسبة له قرون ففي كل يوم يقرر أن يعود و لكن ظروف دراسته تمعنه،
لقد وجد أخيرا معنى لحياته وهدفا يجد في السعي له حياة،
أصبحت نظرته للحياة و رؤيته لمستقبله مختلفة،

لكنه أراد شيئا و قدر الله له آخر،
لم تتأخر الصدمة كثيرا و كأن الطقس الثاني من طقوس الحب قدر محتوم على كل محب،

أمين
25-04-2007, 11:19 AM
أتدري يا صديق، لم أحس بشعور ينتابني و أنا أقرأ رواية كذلك الذي أحسسته يوم قرأت الوسادة الخالية، لقد كنت أمضي مع القصة و أجدني بين سطورها أجدني في تفاصيلها، و كأن إحسان تسلل لأدراج مكتبي و قلب دفاتري و أعاد لملمتها و جمعها في رواية مازلت أذكر تفاصيلها كيوم قراءتي لها،






حاول عبثا أن يخمد الحريق الذي التهم قلبه فما استطاع، قرر أن يعود لنواكشوط و لايدري لم، أهو حنين لقصة حب أصبحت اليوم ذكرى ، أم هو رجاء أن يكون الخبر كاذبا،

بعد وصوله لم يستطع أن ينام قبل أن يطمئن، اتصل بصديقة البتول خدي،

آلو السلام عليكم

وعليكم السلام ذاك منهو



ذاك الحسين انتي اشحالك اياك لباس

ما شالله اصل مرحبة بيك اشحالك مع لقراية

لباس اعلي انا ظرك فنواكشوط،

قتلك أيوة طري اعليا ذا اللي اسمعت شنهو

فخبار آش

الا عن بتو اخبارها شنهي و اشبيها ماتلات تقبظ تلفونها

اهيه الا الخير بتو اخطبها ولد عمها يشتغل فالامارات و لاهي ايعدلو عقدهم اسبوع الجاي،
انت اثرك ما علمتك بيه ؟

حاول الحسين أن يتمالك نفسه و أعصابه و هو يبحث بعناء في ذاكرته عن كلمة ساخرة لينهي بها الاتصال، فقد كان متأكدا أن تفاصيل المكالمة ستنقل لبتو بدقائقها، و لم يرد أن يظهر ضعيفا مصدوما أمامها،

فعلى الأقل إن خسرنا حبا لا نخسر كرامة،

-قوليلها مبروك ، و عقبالك انتي يعملك اتراي واحد من اهل الامارات، هوما ايبانو الا هوما اللي محركين شي ذا الزمن،



لم يدر حسين و لكنه أحس بأنه استطاع ولو مؤقتا أن يتغلب على قلبه، و إن كان مازال أسيرا لذلك الإحساس الغريب
إحساس بالحب ممزوج بالرغبة بالانتقام و اليأس.

سأثبت لها أنها أخطأت و أني أفضل من خطيبها، قالها في حديثه مع نفسه، قبل أن يستسلم للنوم،

أمين
25-04-2007, 11:22 AM
كان النهار طويلا و حارا كأيام صيف الصحراء و رغم ذلك فقد كان يخشي سدول الليل، و كأن الشمس صارت رفيقته التي تعوضه بدفئها و نورها عن البتول،
كان الليل بالنسبة له طويلا كئيبا، كيف لا و هو الذي كان يملأ ليله بالكتابة و التفكير و الأحلام،

، لقد صار يخشى النوم ليلا تطارده الكوابيس و يخشى أن يبقى وحيدا ليلا تعود به الذاكرة لتلك التجربة،
أسبوع مر على الحسين كدهر، راودته به من الأفكار الكوابيس مالا يحتمله عقل و لا فكر شاب لم يتخطى عتبة العشرين بعد،
كانت الصدمة أقوى من ما كان يتوقع، خصوصا أن ليس له من يحكي له ليخفف عنه أو يواسيه، و كأن الله أراد له أن يتجاوز ذلك الاختبار وحده،

أمين
25-04-2007, 11:24 AM
و بعد عقد من الزمن و بالصدفة التقى بخدي كانت كما هي لم تتغير، و كأن الزمان توقف ، ، لا طريقتها في الحديث، لا مستواها التعليمي، و لا حتى ملامح الحي، لم تتغير
، الداه صاحب الحانوت يرتدي دراعة زرقاء و يقسم الحليب المجفف في أكياس صغيرة،
و جارتهم الولفية تكب سطلا من المياه الممزوجة بالأصباغ في الشارع،


لا شيء تغير

جلسا طويلا، و تحدثا عن كل شيء ، عن دراسته التي أكملها و عن مشاريعه التي ينوي القيام بها، تحدثا عن البتول و عن دستة الأطفال التي أنجبت، تحدثا كثيرا و ضحكا كثيرا،

و اكتشف الحسين أن عقد الزمن كان كفيلا بمحو آثار تلك التجربة، و إن كانت بعض الذكرى مازالت عالقة بذهنه.
لقد تحرر أخيرا من ذلك الإحساس الغريب، فلم يعد أسيرا لا للحب و لا اليأس و لا حب الانتقام
و أصبحت تلك التجربة بالنسبة له محفزا للنجاح، و مصلا زاد من قوة إرادته، وكما يقال ''الخبطة اللي ماتكتلك اتمتنك"



بعد كل هذا يا صديق أو لست مدينا لها بالكثير؟.

أمين
17-11-2007, 11:35 AM
نظر في ساعته اليدوية و ابتسم ! ،

ما زال يذكر كيف استطاع بموهبته في الإقناع، أن يختزل تسعين بالمائة من سعرها الأصلي،

تلك الموهبة التي طالما أثارت حسد زملائه، سيما حين استطاع مؤخرا أن يقنع عامل البنك بتمرير طلب العملة الصعبة مقابل هدية،

"الخامسة و عشرون دقيقة"
أي أن أمامه متسع من الوقت ليتوضأ و يصلي في المسجد،
كان معروفا بمظهره المتدين البسيط، و حبه الفطري لكل ما هو ديني، حين تذكر أمامه الشيخ حماه الله أو الشيخ احمدو بمبا ... "وخيرت''
و في كل الحوارات التي كثيرا ما تدور بينه و بين زملائه في السوق كان يبدي إعجابه ببن لادن، و كرهه لإسرائيل،
لم يقرأ عن الثورة الفرنسية بل لم يسمع بها أبدا ،و لم يطرق أذنه شعارها الشهير "ما لله لله، و ما لقيصر لقيصر"،
عرف بالتزامه، و بلحيته و تواضعه، و صلاته و كل تلك الأشياء،
في صغره حفظ القرآن الكريم و كان حين يسأل معلمه عن معنى تلك الآية أو عن تفسير تلك الكلمة نهره فالقرآن بالنسبة للمعلم أعظم من أن نحاول فهمه،
و هكذا عاش القرآن حبيس ذاكرته، و عقله حارسا ليللا يتسلل ذلك النور لبقية الجسد !،

انقطع عن الدراسة في الرابعة ابتدائي، يتذكر أحد أيام الدراسة حين جائت المعلمة يوما إلى القسم و اعتذرت عن تقديم الدرس لأن القسم تسربت إليه المياه، بسبب الأمطار الليلة البارحة،


لقد كره المدرسة، لم يجد دافعا لإكمال دراسته، كانت قناعته دائما هي أن قيمة الشهادة هي في المرتب الذي يتقاضاه مع نهاية الشهر، و فكرة أن تبقى رهينا لمرتب جامد تبدو له مرعبة،

حين بلغ السادسة عشر انتقل للمدينة، و بدأ رحلته هناك، استطاع في فترة وجيزة أن يحجز مكانا له و أن يصنع له اسما،
صحيح أنه لم يبدأ من الصفر،فقد منحه أحد أقاربه قرضا لم تمض ثلاث سنوات حتى استطاع إعادته له،
حين انتقل للمدينة تعرف على الكثير من أشياءها، فقد كان يسمع دائما بخبث أهل المدينة، و حبهم للمال، و أكثر ما أثار استهجانه هو شغفهم بالمسلسلات الأجنبية و خلو الشوارع الساعة الثانية ظهرا، لم يكن مبعث استغرابه انقياد هؤلاء لقيم قادمة من ساحل الأطلسي المقابل ،
ما يستغربه ببساطة هو أنت تلك المسلسلات كانت عاطفية،

فقد كان يكره في هذه الدنيا ثلاثة أشياء إسرائيل و صعود الأوقية و الأفلام العاطفية ،
كانت تأسره أفلام الحركة و معجب بعضلات شفارزنيغر، و حركات جيت لي، أما الافلام التي تخلو من الحركة فهي تافهة،

لم يمر في حياته بتجربة عاطفية و كانت معلوماته عن المرأة و الحب، كمعلوماته عن العولمة و البورصة، أشياء يسمع الحديث عنها في التلفاز و في الشارع، دون أن يعيش تفاصيلها بذاته،

بعد عودته من الصلاة اتخذ لنفسه مكانا ليقرأ ورده اليومي، فقد اعتاد منذ صغره أن يقرأ القرآن بعد صلاة الصبح حتى إذا ما بدأت خيوط الشمس في رسم ملامح يوم جديد أغلق كتابه بعناية، و بدأ يوم عمل جديد،
أشارت ساعته للثامنة إلا ربع صباحا و هو الآن في طريقه للبنك، ، على جانب الطريق طفل صغير يسرع الخطى ليلتحق بفصله
حاملا على ظهره الهزيل حقيبته الدراسية و أمل أسرة و أمنية وطن، و على الرصيف المقابل
، بائع متجول تحكي تجاعيد وجهه قصة حياة لم تعرف كثيرا من الرفاهية،


كان يعلم أن الدوائر الحكومية لا تبدأ في العمل قبل العاشرة، لكن وكما يقال -الكرية تجري الزحاف- فعامل البنك لن يتأخر عن الموعد ما دامت -مذكورالو يدمة-،
آه لو أن للحكومة عقل و بصيرة لطبقت هذه الفكرة و لجعلت هدية لأول قادم للدوام،
قصب سبق يعطى للموظف الذي يجلس على مكتبه في الوقت المحدد، و سننافس اليابانيين في احترام مواقيت العمل،

لم تدم المقابلة كثيرا ... توجه بعدها لصديقه صاحب سيارة النقل الذي سيحمل الحقيبة لما وراء النهر و يعود حاملا أخرى،

و لأنه لا يعترف بدولة وضعية، فلا يرى في تهريب تلك الأوراق للخارج ضيرا و لا ضررا، ما دامت الصفقة مربحة، ثم إن الدولة أكلها الكبراء و نهش عظمها الوزراء، فهل سيضيرها... ،

عاد من البنك إلى محله في السوق، وجد بانتظاره ذلك الفتى القادم عليه منذ أسبوع من البادية و الذي جاء هنا ليبدأ حياته و قد أوصاه به قريب...
و كأن الزمن يعيد نفسه و بنفس الرتابة، بنفس التفاصيل، عشر سنوات مرت مذ مقدمه إلى هنا، تسلق خلالها من كرسي الطالب المبتدئ إلى منصة الأستاذ المتمرس،
-اسمع يا بني لتحجز مكانا لك هنا، عليك أن تتعلم قبل كل شيء كيف تقنع الآخر بما لديك،
أن تجعله يخرج من عندك و هو مطمئن و واثق أنه هو الرابح،
أنا مثلا أمس جاءت إلي امرأة لتبيع بضعة آلاف من الريال، و بدالي من سؤالها جهل لأسعار العملات، فأقنعتها أن أمريكا بعد أن دخلت العراق ارتفع سعر البترول و أن ذلك انعكس سلبا على قوة الريال و أن .... المهم خرجت من عندي و هي تحمد الله أنها تخلصت من تلك الريالات، و اشتريت أنا ريالا بنصف قيمته !،

قاطعه صوت أذان الظهر... فأشار للفتى و كأنه يتابع الدرس هيأ نفسك للصلاة، و اغلق المحل جيدا،

و لنكمل حديثنا بعد الصلاة بإذن الله...