حدثتني نفسي ذات مساء فقالت : ألا تتمنين أن تجوبي طرقاتِ بغداد والشعر العباسي مزال في أوج خُيلائه تنقله الأفواه إلى الآذان في مشهد حي بدل أن تغوصي في هذه الكتب التي لا تحمل في أكثرها سوى جثث هامدة من الحروف كُفنت بين دفتي كتاب ..؟ , ألا تتمنين أن تتنقلي بين شوارعها ؟

قلبت الفكرة في رأسي , فتلك المدينة التي تضم أحضانها على تاريخ أمة بأكمله , بأفراحه وأتراحه , فمنذ زمن ليس بالقصير لم يُتِحْ لي حظي أن أتعثر بأحد شعرائها أو أحظى بسويعة مع ظريف من ظرفائها , لعلي أزيل ما ران على النفس من هموم شتى بسبب المدنية وما يصاحبها من رتابة في التفكير وخلو من غذاء الروح إلا ما ندر ووُجِد بشق الأذواق ..!! .

وبعد لحظات من التفكير حاول الإحباط جاهدا أن يجد له طريقا إلى قلبي بوضعه الكثير من الحواجز والمطبات الاصطناعية في طريقي بقوله أيتها الحالمة لا تبرحي مكانك وارضي من الهزيمة بالإياب , فلن تجدي مبتغاك ولن تعثري على ما تريدين , فتاريخ المدينة قد أصبح مزارا في مقبرة مهولة بالذكريات وحتى لو قدر لك أن تحققي تلك الأمنية فحاولي تأجيلها حتى ينبلج الصباح وتتحدد معالم الطريق أمامك , فالليل قد أرخى سدوله على تلك المدينة وأغلقت القصور أبوابها , وقفل الشعراء راجعين إلى بيوتهم ليتزودوا من النوم بخيال طريف يعينهم في قابل يومهم على نسج أشعارهم .



حاول الإحباط كثيرا لكن ذلك لم يثنني عن عزمي , ولمَّا تأكدت أن النوم قد ألقى شباكه على كل من حولي فأحال يقظتهم إلى مزيج من الأحلام والرؤى , قمت متثاقلة نوعا ما إلى خزانة ملابسي لأختار منها ثوبا يلائم ذلك العصر الذي اشتهر بكثرة ألوانه في ملابس النساء .. أومأ لي ثوب في الخزانة بعينيه راجيا أن يكون برفقتي في تلك الرحلة ولا أخفيكم سرا أن تشتت الألوان فيه أغراني بتحقيق أمنيته لعلمي أن تلك المدينة مغرمة بزبرجة الألوان في كل شيء في أفكارها في مجالسها , فلبسته ونزلت على أطراف لهفتي مسرعة لا تحملني رجلاي أكاد لا أطأ بهما سلم منزلي كي أرى تلك المدينة فلا يفصلني عنها سوى لحظات من الذهول .. وما إن توسطت الشارع حتى هالني الظلام الهائل الذي يلف المدينة كلها , فلا إنارة هناك ولا سياراتٍ تهتدي قليلا على الطريق بأضوائها الخافتة , وتملكني الخوف أيما تملكٍ حتى وددت أني أصخت السمع لذلك الإحباط ولم أبرح مكاني ..

قفلت راجعة بسرعة ونبضات قلبي تكاد تسبقني وأنا أردد آية الكرسي وما تيسر من القرآن , وفجأة أحسست بجلبة أصوات بجواري , فأضافت خوفا إلى خوفي وهلعا إلى هلعي وقلت يارب أمتك الظالمة نجها , واجعل كل هذه الكوابيس أحلاما أستيقظ منها فإذا هي سرابٌ في سراب ! لكن الأصوات بدأت تتعالى وبدأت أميز شيئا فشيئا أنها أصواتٌ تقترب مني فتلفت مسرعة فإذا المفاجأة الكبرى في انتظاري , وإذا أنا أمام أكثر شعراء بغداد شهرة وظرافة وإذا هم أبو العتاهية ودعبل الخزاعي وأبو نواس وهم يتسكعون في الشارع , وما إن رأوني حتى أصلحوا من هندامهم وهاجم الغزل في النساء خيالهم , ووقفوا متأملين ثوبي وهيأتي وكلهم يمني النفس أن يفوز بقلبي المسكين الذي كاد أن يخترق صدري من تسارع نبضاته بفعل الخوف .

فسألتهم والفرحة تكاد تسبق حروفي أأنتم الشعراء الذين ملئوا الدنيا بطرائفهم وأشعارهم ؟ فأجابني أبو العتاهية نعم أيتها الحسناء فمن أي بلاد الله أنت ؟ أأنت من البصرة ؟ أجبته كلا لكنني جئت الليلة زائرة لبغدادَ وكل شوق للياليها المليئة بالرشيد وحكايات المجالس الأدبية فأخبروني عنها وكيف كانت نكهتها وهي مازلت غضة طرية .؟ لكنني بالكاد أبصرت القوم في ذلك الظلام وهم يرمونني بنظرات ملؤها الغزل لقوامي وملابسي , فتواريت عنهم خلف خجلي من تلك النظرات , لكن فيما يبدو أن الثلاثة رموا بأسئلتي عرضَ اللامبالاة وبدأ كل واحد منهم يهذب من نظراته ومن كلماته ليكسبني معشوقة لليلة واحدة



وبادرني أبو العتاهية بقوله :



تبدى في ثياب من بيـاض= بأجفـان وألحـاظ مـراض

فقلت له عبرت ولـم تسلـم= وإني منـك بالتسليـم راض

تبارك من كسا خديـك وردا= وقدك مثل أغصان الرياض

فقال نعم كساني الله حسنـا =ويخلق ما يشاء بلا اعتراض

فثوبي مثل ثغري مثل نحري= بياض في بياض في بياض



وكأن تلك الأبيات أغاظت أبا نواس فأنشد على البديهة :



تبدى في قميص الورد يسعى= وفي وجناته لون اللهيب

فقلت من التعجب كيف هـذا= لقد أقبلت فـي زي عجيـب

أحمرة وجنتيك كستـك هـذا= أم أنت صبغته بـدم القلـوب

فقال: الشمس أهدت لي قميصا= قريب اللون من شفق الغروب

فثوبي والمدام ولـون خـدي =قريب من قريب من قريـب






فتمايل دعبل طربا وأنشد وهو لا يعي ما يقول :



تبدى في السواد فقلت بـدرا= تجلى في الظلام على العبـاد

فقلت له: عبرت ولـم تسلـم =وأشمت الحسود مع الأعادي

تبارك من كسا خديـك وردا= مدى الأيـام دام بـلا نفـاد

فقال: نعم كساني الله حسنـا =ويخلق ما يشاء بـلا عنـاد

فثوبك مثل شعرك مثل حظي= سواد في سواد فـي سـواد



لكن أولئك الشعراء الثلاث لم يعلموا أن ثوبي كان بعيدا جدا من كل تلك الألوان التي وصفوها وأن الظلام الشديد أيضا لم يكن ليعينهم على فك طلاسمه فشكرتهم جدا على تلك المجاملة الظريفة وطلبت منهم أن يعينوني على إيجاد تكسي كي أعود مسرعة إلى منزلي فهذا الظلام الشديد يرعبني .. فأخبروني أن تلبية ذلك الطلب مستحيلة لكنهم سيوفرون لي حمارا وسيقودونه حتى أصل إلى باب بيتي .وماهي إلا لحظات وإذا بالحمار يقف على مقربة مني يرمقني بنظرات يود من خللها لو رفسني , فلم يتعود أبدا أن يوصل الزوار في هذا الوقت المتأخر ليلا ..

شكرتهم جدا على حسن الضيافة وعلى حسن العبارة وصعدت إلى منزلي بعد قصة جميلة دامت لحظاتٍ وبعضَ شعر .
م ن ق و ل