ما بين سطور البرنامج التلفزيوني عن الكرة الموريتانية





لاشك أن بعضكم -إن لم يكن كلكم- تابع البرنامج التلفزيوني الذي بثته "التلفزة الموريتانية" مساء أمس ليلاً حول الكرة في بلادنا ، واستضاف كلاً من مستشار لوزيرة الرياضة ورئيس الاتحادية الموريتانية لكرة القدم ، واللاعب والمدرب السابق محمد سالم الملقب تاله ..
ولأن البرنامج كان مهماً جداً بالنظر للظروف التي تم تقديمه فيها ، وبالتالي انتظره عدد كبير من الرياضيين والصحفيين والملمين بالشأن الرياضي في البلد بشكل عام لمعرفة "الجديد" الذي سيتكلم عنه "المسؤولون" فيما يتعلق بمستقبل كرة القدم الموريتانية ، كان لابد من التوقف قليلاً عند بعض النقاط التي تتعلق بهذا البرنامج ؛ موضوعاً وتقديماً وأداءً ونتائجَ ، دون الخوض في الكثير من التفاصيل مخافة الإطالة بما لا يفيد ، مركزين على الأمور المهمة التي نرى -في نظرنا المتواضع- أنها تخدم كرة القدم في البلاد بشكل عام .. ونتمنى أن نوفق في هذه القراءة بكل موضوعية وصراحة وشفافية ..
برنامج مطلوب :
بعد أكثر من ستة أعوام على السلسلة البرامجية الجديدة للتلفزة الموريتانية والتي وصفت بأنها اتسمت بنوع ولو يسير من "الانفتاح" على الرأي الآخر للنقاش الجاد في عدد من القضايا الوطنية التي تشغل بال الرأي العام ، حيث تعددت أسماء البرامج وتنوعت مواضيعها من السياسة إلى الاقتصاد مرورا بالمواضيع الاجتماعية والثقافية وحتى المناخية ، اكتشفت إدارة التلفزة الموريتانية متأخرة أن للرياضة أيضا حقاً ونصيباً مفروضاً يجب أن يُمنح لها في مسطرة المواضيع التي تدور في فلكها برامج التلفزة الموريتانية منذ بداية عهد ما سمي مجازا بالانفتاح الإعلامي لوسائل الإعلام العمومية .. فوافقت "مشكورة" على تخصيص حلقة من البرامج الحوارية "المفتوحة" لمناقشة موضوع كرة القدم الموريتانية ..
فأن يتم تخصيص هذه الحلقة بالذات لهذا الموضوع تحديداً لهو خطوة إيجابية يجب التنويه بها وتأييدها والإشادة بها حتى وإن جاءت متأخرة كثيراً ، فالمثل الفرنسي الشهير يرى بأن الوصول أخيراً أفضل من عدم الوصول أبداً..
لذلك لابد أن نشيد بخطوة القيام بهذا البرنامج بحد ذاتها ، شاكرين عليها التلفزة الموريتانية وإدارتها وقسم الرياضة بها ، وبغض النظر عن ما صاحب البرنامج من نواقص وبعض السلبيات فإن كل ذلك يجب أن لا يعمينا ولا يلهينا عن واجب الإشادة بتقديم البرنامج بحد ذاته.. فكل الشكر والامتنان..
هذا هو الموضوع..
عندما تم الإعلان عن البرنامج -أو على الأقل عندما تداولت الأوساط الرياضية نبأ احتمال تقديمه- ذاع وانتشر خبر مفاده أن موضوع البرنامج سيكون "كرة القدم الموريتانية.. الداء والدواء" وعندما نتحدث عن الداء فإننا نتكلم عن ضرورة تشخيص هذا "الداء" لمعرفة فصيلته بين "الأمراض" ودرجته وحجم خطورته ومدى إمكانية استفحاله وتطوره.. ومن ثم سيكون اختيارنا لـ"الدواء" مؤسساً على معرفة حقيقية لخصائص المرض ونوع ، وبعد دراية تامة وواسعة بتفاصيل أعراضه ومساراته في جسم المريض الذي هو "كرة القدم الموريتانية" وحينها لن نعدم أبداً "فعالية" الدواء الذي سيتم وصفه بناء على معلومات دقيقة عن تشخيص المرض ..
كان هذا هو الموضوع الأساس لتقديم هذا البرنامج ، وحتى الصحفي الذي قدم البرنامج تناول في مقدمته ما يدل على أن الموضوع المشار له أعلاه كان هو ما استـُدعي الضيوف لمناقشته.. وبغض النظر عن الاختلاف حول "التسميات" والعبارات والصفات والأسلوب فإن الاتفاق بين الجميع يبقى على أن هنالك مشكلة يبحث لها عن حل وأنه لكي نعرف الحل المناسب لها لابد من دراسة وتحليل هذه المشكلة ومناقشة كل جوانبها ، فهل هذا ما دار في البرنامج ؟؟
... وذا ما تم نقاشه..
ما إن انتهى التقديم أو الاستهلال الذي فتح الموضوع أمام الضيوف لمناقشته ، والذي لابد أن أشير هنا إلى أنه أشار -وإن بشكل سريع- في المقدمة والتقرير إلى أهم وأبرز العناوين التي يجب أن تناقش في ماضي الكرة الوطنية ، مقدما بعض الأسئلة المطروحة في هذا الجانب ، إلا أن الاتجاه الذي سارت عليه مداخلات الضيوف كان منحرفا بشكل كبير عن المسار والإطار المحدديْن سلفاً بضرورة التقيد بالاستراتيجية المفترض أن البرنامج تم الإعداد له لتقديمه على أساسها..
فالملاحظ منذ البداية أن كل واحد من الضيوف بدأ يسرد ما "يحلو" له -وليس ما يطلب منه- من "أحداث" و"حكايات" و"قرارات" و"رحلات" وإنجازات" و"أمور شخصية" مستغلاً ما أوتي من وقت وفرص للحديث عن الذي "يعنيه" شخصياً ويهمه لتلميع صورته أو صورة الإدارة أو المؤسسة التي جاء منها..
• فالمستشار جاء للحديث عن برامج وسياسات وتوجهات الوزارة وما توليه من "اهتمام" للرياضة فلم يختلف حديثه عن حديث أي من المستشارين في مختلف الوزارات في بقية البرامج التلفزيونية الأخرى التي نتابعها .. حديث عائم فضفاض .. لا تصدقه الوقائع ولا تدعمه القرائن !!
• ورئيس الاتحادية قدِم -على ما يبدو- إلى الاستوديو لمجرد إعطاء انطباع عام للشارع الرياضي بأنه لا يخاف المساءلة وأن ليس لديه ما يخيفه أو يخفيه عن الرأي العام ، وكأن لسان حاله يقول : "ها أنا ذا أمامكم لا تحرجني الأسئلة .. لست المسؤول عن الإخفاقات في الماضي .. لا يعنيني المستقبل لأنني لن أترشح فلا مطامع شخصية لدي في هذا المنصب .. ألا ترون الواقع .. لا شيء يحرجني في هذا الاستوديو" !!
• أما المدرب السابق (تاله) .. فقد حضر لينظر تنظيراً عاماً وينبه "الموريتانيين" إلى أنهم ما زالوا بعيدين كل البعد عن "النظام" "والديمقراطية" وعن العدالة .. وأن صاحب الحق لا يحظى بمنحه له ، وأن ذوي الخبرة والكفاءات لا يلقون أي اهتمام .. والحقيقة أن في كلامه ما هو صحيح وواقعي ، ولا يعدم بين سطوره التماس حسرة المتألم "الغيور" على بلده ، لكن كلامه ظل يدور في فلك التنظير بعيدا عن الواقعية المطلوبة والتحليل الموضوعي للأمور ..
هذا إذن ما تم تناوله في البرنامج وهذا هو المسار الذي فرض "الضيوف" بأبهة مناصب بعضهم على البرنامج أن يسير عليه ، والحق أنني لا ألوم هنا مقدم البرنامج فقد حاول فعلا أن يدير هذه "الحلقة" بقدر مقبول من المهنية ، كما حاول -قدر الإمكان والمتاح من "حرية"- أن يستخرج المعلومات وأن يوجه ضيوفه نحو النقاش المأمول من طرف الجمهور ، لكن الرياح جرت على "غير ما تشتهي السفن" وظل الأسلوب المتبع من الضيوف هو ذاته الذي بدأ به البرنامج ، والذي لا يختلف حقيقة عن أساليب ضيوف بقية البرامج الأخرى في التلفزة الوطنية والتي تعتبر في نظري مجرد "أفعال ناسخة" لماض ٍ بئيس ٍ يراد لنا أن ننساه صدفة ، قد تختلف في الأسماء والنطق والشكل لكنها تتفق جميعاً من حيث "الحكم" و"الإعراب" إن كان لها محل منه !!!
نقاط إيجابية ..
لم يعدم البرنامج بشكل عام وجود بعض النقاط المفيدة نشير لها سريعا في ما يلي:
• أثناء تقديم البرنامج طرحت بعض الأسئلة المهمة حقيقة من طرف مقدم البرنامج الزميل محمد ولد الحسن وخاصة عندما توجه بسؤال مباشر إلى رئيس الاتحادية محمد سالم ولد بوخريص عن رده على ما يقال في الوسط الرياضي إن فترة ولايته كانت فاشلة ؟ والحقيقة أن الجمهور الرياضي أسعده هذا السؤال -لا شك لأنه متلهف جدا للجواب عليه- لكن الجواب لم يكن على هذا الحال وجاء مخيباً للآمال ، حيث تهرب ولد بوخريص من الإجابة الصريحة على السؤال مكتفياً باتهام "البعض" بالترويج لبعض "الشائعات" لأغراض تندرج في نطاق "الحملة" مضيفا أنه ليس مهتماً الآن بالحديث عن "إنجازاته" لأنه لا يخوض حملة للترشح وبالتالي فهو ليس معنيا بالرد على مثل هذه "الأمور"..
والحقيقة أن المرة الوحيدة التي تمنينا فيها كجمهور رياضي وكمتابعين ومراقبين أن يترشح ولد بوخريص لولاية جديدة كانت في هذه اللحظة التي تذرع فيها بعدم الحديث عن "إنجازاته" لأنه ليس مترشحا في الانتخابات القادمة ، ذلك أننا وددنا لو كان مترشحا فعلاً حتى يتحدث عن هذه "الإنجازات" التي حققها والتي لا علم لنا بها وكنا نتمنى أن يتفضل كرماً منه بالحديث عنها وتعريفنا بها !! فالجمهور الرياضي لا يعرف لحد الآن لمكتب الاتحادية الحالي من إنجازات تذكر سوى قرار رئيسه في الأيام الماضية عدم الترشح لولاية جديدة ، وهو بالفعل إنجاز عظيم سيخلده التاريخ "مسك ختام" لمأمورية المكتب الحالي للاتحادية..
• ما دار من حديث عن ضرورة مراجعة وإصلاح النصوص والقوانين المنظمة للرياضة بشكل عام في بلادنا ، كان أيضا نقطة إيجابية يرجع الفضل فيها لمن طرق الحديث عنها وهو المدرب السابق تاله ، رغم أن ما سمعناه من ردود مستشار الوزيرة ورئيس الاتحادية ليس مطمئنا على وجود نية لإصلاح هذه القوانين والنصوص ، بل ربما لمسنا في حديثهما بعضا من "الاستهزاء" بمن يطرحون هذه النقطة في الحوار كونهم "لا يطرحونها إلا عندما يتعلق الأمر بالانتخابات" حسب ما يرى رئيس الاتحادية !!
بيد أن أمر مراجعة النصوص يبقى أولوية يجب على الإداريين القادمين أخذها بعين الاعتبار والإسراع في حسم أمرها فلا يمكن أن يتأتى الإصلاح بدون نظام وقوانين محترمة ملزمة للجميع.
• ومن أكثر الأمور إيجابية وفائدة في البرنامج كذلك الاتصال الهاتفي الذي شارك من خلاله رئيس نادي أف سي نواذيبو من خارج البلاد السيد أحمد ولد يحي ، فالرجل تحدث فعلاُ من موقع العارف بالشأن الرياضي في بلادنا ، وخاصة ما يتعلق منه بكرة القدم الوطنية ؛ حيث استطاع في حيز زمني محدود أن يقدم تصوراً متكاملاً عن واقع الرياضة الموريتانية ومستقبلها ، مستعرضاً تشخيصاً موضوعياً سريعاً للواقع ومركزا في حديثه على أن مكمن الخلل الأساسي تمثل في غياب "العمل والديناميكية" لدى المسيرين للشأن الكروي الموريتاني معتبرا أن "عقلنة التسيير" انطلاقا مما هو متاح من موارد يبقى أكبر مطلوب غاب السياسات الرياضية في الفترة الماضية..
وضرب الرجل مثالا على جدوى التسلح بثنائية "الإرادة والطموح" من جهة ، والانطلاق من الواقع وما هو متاح لتسييره بشكل سليم من جهة ثانية ، بما حصل في بعض الدول المجاورة مثل مالي والسنغال اللتين استضافت كل واحدة منهما بطولة قارية مهمة ، مؤكدا في هذا الصدد أن وجود مشروع وطموح لدى الإداريين بتنظيم بطولة ما حتى ولو كانت بطولة أفريقيا للشباب أو كأس اللاعبين المحليين سيشكل منعرجاً إيجابياً في تطوير مستوى كرة القدم في بلادنا .. مشيرا إلى أن ما لدينا من موارد وما هو متاح من وسائل يمكن أن يضمن لنا تحقيق مثل هذا المشروع لو امتلكنا الإرادة والتصميم على العمل من أجل ذلك ، منوهاً في هذا الإطار بوعد رئيس الجمهورية ببناء ملعبين كبيرين بمواصفات عالمية في كل من نواكشوط ونواذيبو..
وفي كلام ولد يحي ما تصدقه القرائن والوقائع ففي كل من مالي والسنغال تطورت اللعبة بشكل كبير بعد استضافة الدولتين لبطولات قارية ، فلا يخفلا على أحد متا تخلفه استضافة أي بطولة من ارتفاع شعبية اللعبة وبالتالي اتساع دائرة الممارسين لها ، فضلا عن ما تعود به من إيجابيات على البطولات المحلية التي تعتبر في النهاية القاعدة التحتية التي تساعد على بناء منتخبات وطنية قادرة على المنافسة.
أما أهمية كلام الرجل فتأتي من كونه المترشح الوحيد لمنصب رئيس الاتحادية الذي شارك في البرنامج متحدثاً عن تصوره عن الواقع الكروي في البلاد ومقدماً بشكل سريع ما لديه من أفكار للبحث عن حلول تساعد على تطوير اللعبة التي وصفها بأنها باتت صناعة في عصرنا اليوم .. وكل ذلك يشير إلى ما يتحلى به الرجل من عشق لهذه اللعبة وتعلق بها وهو ما يعكسه نجاحه الذي يشهد به الجميع في إدارة نادي أفسي نواذيبو وكذا إدارة ملف المنتخبات الوطنية في عهد الاتحادية الماضية التي كان يرأسها مولاي عباس.
... وأخرى سلبية
كما كان في البرنامج ما هو مفيد فقد تخلله أيضا ما هو سلبي نشير إليه سريعا في ما يلي:
• لم يستطع الذين اختاروا ضيوف البرنامج أن يختاروا أشخاصا يمثلون كل الأطياف .. ومثالاً على ذلك ، لم نجد ممثلا عن الأندية يتحدث باسمها ، ولم نر ممثلا عن الصحافة الرياضية المكتوبة بوصفها إحدى أهم وسائل الرقابة في عصرنا اليوم .. كما لوحظ غياب ممثل عن الممارسين الحاليين للرياضة سواء من اللاعبين أو المدربين ، وإن كنا نأخذ العذر في هذه النقطة لمعدي البرنامج بعد أن أعلنوا أنهم كانوا على اتفاق مع اللاعب المميز ابراهيم (نيستا) لكنه تغيب .. ومع ذلك تمنينا أن يبحثوا عن بديل له وهو ما لم يحصل !
كما أن ممثلا عن الاتحادية كان يكفي لتمثيل الرسميين والمسؤولين كون الاتحادية هي المسؤولة المباشرة عن تسيير كرة القدم ، ولذلك فاستضافة ممثل عن الوزارة كان أمرا بمثابة "الزائدة الدودية" التي كان البرنامج في غنى تام عنها..
• قلة المشاركات الهاتفية من طرف الجمهور كان بدوره عاملاً سلبياً وإن كانت المسؤولية عنه يتحملها الجمهور وليس مقدم البرنامج ولا منتجوه ، لكن مع ذلك هناك من أخبرني شخصيا بمحاولته الاتصال أكثر من مرة دون أن يتمكن من ذلك ، وهذا سؤال يجب أن ينقل للقائمين على الاتصالات الهاتفية في التلفزيون .. لماذا ليس أمرا سهلا أن يتصل الجمهور بالبرامج الحوارية المهمة ؟
• خلال البرنامج طـُرحت بعض الأسئلة المهمة لكن الضيوف وخاصة الرسميين منهم تفننوا في التهرب منها وتجاهلها مركزين على الحديث عن أمور "مكررة" و"منتهية الصلاحية" ، ومما يؤخذ على رئيس الاتحادية تهربه عن أجوبة بعض الأسئلة إلى الحديث عن الأمور الفنية المتعلقة باللاعبين والمدربين وهي أمور ليس مطلوبا منه الحديث عنها فهو مسؤول إداري وكان عليه أن يجيب أساسا على الأسئلة التي طرحت عليه وخاصة ما يتعلق منها بالتسيير وسوء الإدارة التي اتهم بها مكتبه في الفترة الماضية..
• انسحاب المنتخب من تصفيات أمم أفريقيا وتوقيع عقوبة عليه ، ومشاكل الأندية مع الاتحادية ، وصراع المسؤولين أنفسهم داخل الاتحادية .. تعتبر من أبرز النقاط التي كانت غائبة عن البرنامج رغم أنها أكثر ما كان يشغل بال الرأي العام الرياضي خلال الفترة الماضية..
أخيرا..
بقي أن نشير إلى أن البرنامج شكل فرصة مهمة لمناقشة الشأن الرياضي في موريتانيا ونتمنى أن تتكرر هذه الفرصة وأن يستفيد القائمون عليه من أخطاء الحلقة الأولى ، ومهما يكن لدينا من نقد وملاحظات على هذا البرنامج يبقى مجرد تقديمه نقطة إيجابية نحيي التلفزة عليها ..
بقلم: محمد ولد اندح