النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: إندونيسيا.. جنة في مرمى الجحيم وأمة تتحدى الصعاب/سيد الخضر

  1. #1
    مراقب المشهد الإعلامي الصورة الرمزية hamoud8383
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    أنواكشوط
    المشاركات
    1,901
    معدل تقييم المستوى
    13

    افتراضي إندونيسيا.. جنة في مرمى الجحيم وأمة تتحدى الصعاب/سيد الخضر

    بين المحيطين الهادي والهندي تتناثر درر إندونيسيا، تطرب لخرير جداول المياه وتغازلها أحزمة النار الناسفة.. لا تكاد جوهرة الأرخبيل تتمدد حيث تمسي 18 مليونا وتصبح حبلى بـ 20.
    يعج يوم جاكرتا صخبا وعملا، فرغم أن المدينة عمرت خمسة قرون ما تزال قادرة على تجديد النشاط والحيوية فتزدحم بالأسواق والمجمعات والفنادق ومصانع السيارات وحتى الطائرات.. لكن العاصمة تخلد للنوم باكرا تحسبا لغد غالبا ما يكون أسوء، فالنمو الديموغرافي وأحزمة الفقر ونشاط الزلازل تضاعف متاعب الاقتصاد الإندونيسي وتربك استراتيجيات وخطط التنمية..
    كنا على موعد مع بروفة للجنّة عندما حطت بنا الطائرة في مطار سوكارنو الدولي.. بدا كل شيء مختلفا بالنسبة للقادمين من الصحراء.. الشوارع تحيط بها البساتين والبيوت تختمر بالخضرة والأنهار تجري من تحت القرى المطمئنة إلى حين..

    الشوارع هناك تشهد ازدحاما خانقا فمسافة 20 كيلومترا تستغرق في المتوسط ساعتين، لكن الحل دائما في «التول» وهو الطريق السريع لمن تعجل وملك القدرة على الدفع.. في كل بضعة كيلومترات تتوقف السيارة لتدفع ثمن المرور! الوافد على إندونيسيا يتملكه شعور بأن الشوارع تستضيف سباق دراجات، لكن الحقيقة أن الدراجة هنا أو «الموبل» كما يسمونها هي وسيلة النقل المفضلة لفاعليتها في التعامل مع الزحمة، ولكونها رخيصة مقارنة بالسيارات.
    وعلى الطريق الرابط بين جاوا الغربية والعاصمة جاكرتا شاهدت مبنى ضخما تصطف أمامه آلاف الدراجات، اعتقدت أنه مصنعا أو وكالة تبيع الدراجات النارية، لكنهم أخبروني بأن المبنى مقر شركة «إيندا فود» العالمية والدراجات تعود للعمال، يعني هذا موقف الموظفين وكبار المسؤولين!
    معظم العربات التي تجوب شوارع المدن من ماركات تويوتا وهوندا المتوسطة، فهنا لا تشاهد سيارات الخليج الفارهة، كما تخلو الشوارع تقريبا من تلك المتهالكة التي نعرفها في إفريقيا.. السيارات في إندونيسيا متوسطة الجودة، لكنها نظيفة مثل الحال في تونس.
    يعود الكثير من البنى التحتية في إندونيسيا لعقود طويلة، لكنها مصانة بما يلبي احتياجات التنمية.. مئات الجسور تربط شبكة طرق سريعة، وتبدو السلطات البلدية حريصة على نظافة وزينة الطرق الداخلية.. الإشارات المرورية متطورة في أحجام صغيرة، فالإشارة غالبا أصغر من عمود الإنارة، على العكس من الإشارات التي نعرفها في بعض الدول حيث يخيل للسائق أنه أمام حصون وسدود، وربما اقتحم قاعدة عسكرية، الإنجازات الحضارية في الأرخبيل تشعر أنها مناسبة للإنسان، ربما لأنه هو صانعها، فكأنما الجسور والطرق والإشارات وحتى السيارات على مقاس المستخدمين، فلا تجد ذلك التنافر أو التباين بين البشر والوسائل التي يستغلونها.
    تملك شرطة الطيران المحلي «كارودا إندونيسيا» التي نقلتنا إلى بعض الأقاليم أسطولا جويا حديثا يضمن للركاب الراحة والترفيه تماما مثل بعض أساطيل الشرق الأوسط التي يظن ملاكها أنها نهاية التاريخ.
    في ميدان مارديكا حيث يعانق تاريخ إندونيسيا حاضرها ينتصب برج موناس، مخترقا الفضاء وقد اشتعل رأسه ذهبا، يتوسط المتاحف والحدائق الجميلة، وتحيط به البنايات الحديثة والمؤسسات الرسمية.. تقع في سفح البرج الذي أودع ذاكرة إندونيسيا، عشرات الملاعب الرياضية والملاهي وأماكن الترفيه التي تجذب السواح.. يعتبر الإندونيسيون أن موناس يرمز لكفاحهم الطويل وتصميمهم على الأخذ بناصية الحداثة، لكن البرج ربما يترجم توق الشعب هناك إلى السماء بعد استمرار غزو الماء لليابسة.
    في طرف آخر من الميدان تفخر إندونيسيا بجامع الاستقلال، أكبر مسجد في جنوب شرق آسيا.. ويحرص الكثير من الإندونيسيين على الصلاة في هذه التحفة المعمارية، ولعلهم يعتقدون أن الصلاة في هذا الجامع مضاعفة الأجر.. إنه حرم إندونيسيا.
    البيوت هناك مساحاتها صغيرة، ويغطيها القرميد الأحمر.. إنها في الغالب أقرب إلى أوروبا من العمارة الإسلامية، لذلك تغيب الأقواس والزخارف والنقوش حتى عن المساجد.
    أمام حديقة بام بنان في جوكجاكاراتا تحول سفرنا إلى عالم آخر قطيع من المها الغربي يتدافع للدخول: الشعر الأشقر والقامات السامقة وتصاميم الشمال المميزة.. لكن هولندا لم تعد احتلال البلد، ونحن ما زلنا في أقصى الشرق.. فقط الشعوب الجميلة تعرف قيمة الجمال وتشد له الرحال.. الحديقة التي تضم أهرامات إندونيسيا تكاد تخلو من سكان البلد، ربما لأن إيقاف محرك الدراجة يجب أن يكون لسبب وجيه! المطارات الداخلية والأماكن السياحية تغص بالفرنسيين والبريطانيين وحتى من اليونان والإسبان، ويبدو أن السياحة لا مساومة فيها رغم ضجيج الأزمة المالية.. العرب أيضا «ساحوا في إندونيسيا» ولهم أمكنتهم التي يتواجدون فيها لأن «سياحتهم من نوع خاص»، يقول أحد العالمين برعايا الأمة المجيدة هناك.
    لكن جوجاكرتا ليست مجرد مقر للعاصمة في حالة الطوارئ ومركز جذب للسياح، فهذه المدينة الصغيرة بالمقاييس الإندونيسية تملك 100 جامعة. «إنها مدينة علم في المقام الأول ومنشغلة عن أجواء جاكاراتا» يقول البروفيسور سوديات نو.
    في المكاتب الإدارية والمؤسسات بما فيها المدارس تواجهك صورة الرئيس أس.بي.واي معلقة ومعلقة بخيط. لم يثبتوها ربما لأن صاحب الصورة قد يتغير.. سكارنوا وسهارتو ووحيد وحبيبي وميكاوتي رفعت صورهم ثم وضعت. لعل الإندونيسيين لا تعجبهم قيم الخلود التي ابتكرها العرب فلندعهم يتحملون عاقبة الإعراض عن الحكمة البالغة والقدم الراسخة.
    الإرشادات في المطارات تتم باللغتين الإنجليزية والعربية إلى جانب الإندونيسية، لكن الشوارع تبدو غير مكترثة بلغة العالم، وتوحي اليافطات والشاشات الدعائية بافتتان إندونيسيا بمنتجات اليابان فهم ينظرون إلى من فوقهم.
    تضم اللغة الإندونيسية التي تتسيد الإعلام والإدارة الكثير من المفردات العربية والهولندية لأن «اللغة تضرب فتخرج هكذا»، يقول يوسف سلمون الباحث في الشؤون الإسلامية والإفريقية.
    السلطات الإندونيسية والهيئات الخيرية تخوض حربا مفتوحة ومتعددة الجبهات ضد عدو لا يهاجمهم إلا بغتة. إنه تسونامي الذي تحصد أعراضه الآلاف وتغيب أمواجه مدنا كاملة.
    الفاعلون في العمل الإنساني هنا يرون أن المساعدات الغربية أكثر من المتصور، ولا تجوز مقارنتها بما يقدمه العرب. «هذه المساعدات ظاهره الرحمة وباطنه التبشير، ما جعل نسبة المسيحيين تتضاعف من 10 إلى 20»، يؤكد سلمون. لكن إظهار شاه الناشط في العمل الخيري يرى أن «المساعدات العربية كثير أيضا.. ينقصه الإعلام فقط».
    تبدو مدينة بندا أتشيه، حيث غضب تسونامي غضبا لم يغضب مثله قط فطفق يمسح القرى وسحق نصف السكان، فردوسا لا ينغصه إلا غموض الغد.
    مدينة بندا يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فأشجار المانجو وجوز الهند وطيبات الرزق تكسو بساط الأرض وتسر الناظرين.. يتمتع إقليم أتشيه بحكم ذاتي وتطبق فيه أحكام الشريعة الإسلامية.. جهاز ولاية الحسبة يراقب سلوك الناس ويحمي قيم الإسلام.. التبرج ممنوع ولا مكان للملاهي والليالي الحمراء، باختصار: هذه ليست جزيرة بالي.
    لكن ولاية الحسبة أقل شراسة من الأجهزة المعنية بضبط الأخلاق في بعض الدول الإسلامية، ففي قاموسها النصح والتوجيه ثم التحذير، ومن لم تفلح معه الحسنى أحيل إلى القضاء.
    الناس هنا يختلفون عن باقي الأقاليم: بشرتهم أقرب إلى السمرة منها إلى البياض وقاماتهم طويلة نسبيا، لأنهم أمشاج من العرب والهنود وبقية أمم استوطنت إندونيسيا قديما فأبادها كر الزلازل.
    في أتشيه زرنا البيوت التي كان تسونامي ضيفا ثقيلا على أهلها.. وقفنا على آثار الكارثة وتحدثنا مع العوائل التي تتقن التعامل مع فجأة الشر «فرغم كل شيء نحن متشبثون بالحياة»، يتجلد أزهري الذي يقيم حيث فقد أمه و30 من عشيرته الأقربين.
    عندما قدمنا إلى إندونيسيا كانت منشغلة بالتزين لـ «بواسا»، رمضان، الشوارع والأماكن العامة تحتفي بشهر الصيام... رمضان مناسبة عظيمة في هذا البلد الذي يستطيب ساسته وصفه بأكبر دولة إسلامية.
    أس.بي.واي تكلم في الليلة الأولى من رمضان وحث الشرطة على ضمان احترام المناسبة.. كان الرئيس، كما فسروا لنا، يعني أن الملاهي الليلية ومتاجر الهوى يجب أن تستريح 30 يوما أو تسعة وعشرين يوما.. لكن أهل جاكاراتا الأدرى بأوكارها يقولون إن الرئيس يغازل عواطف المتدينين فقط، فالسياحة هنا تقتضي أن يترك الحبل على الغارب، وقد بلغ السيل الزبى وجاوز الحزام الطبيين.
    زيارة إندونيسيا مناسبة جميلة، تستمتع فيها بحمل لقب مليونير بجدارة، وستضطر لصرف مليون يوميا على أقل تقدير: تتغدى بمائتي ألف وتتعشى بالباقي، فالدولار الواحد 9 آلاف روبية!
    لم نستطب طعام الإندونيسيين، ربما لأنه ليس بأرض قومنا فهم يأكلون الأرز بعد الفجر الصادق مباشرة ويعودون له ظهرا ومساء.. الأرز سيد الأطعمة عندهم، لذلك ليس بحاجة للحم ولا ملح، يكفيه مجرد الماء ليكون أشهى من العسل! حتى الخبز الذي كان طعام المساكين وجدتني أعافه لأنه يخبز على زيتون مُلح أو بيض سُلق، وهو أمر مبرر عندهم «فمن يأكلها بدون هذه الأشياء»؟ لكن أميركا أيضا أقرب إلى بطون العرب: قنصليات كنتاكي تأخذ من كل ناحية الربوة العالية والموقع المتميز.. كنت مكرها لا راغبا.
    السير في شوارع جاكارتا يجعلك تدرك صفات لصيقة بك كنت تجهلها تماما.. هذه لحظة تاريخية تكتشف فيها أنك فارع الطول، ولعلك أوتيت شطر الجمال.. لقد كنت خائفا من أفتن الناس عن شؤون دنياهم!
    في إحدى المزارع بأتشيه وقفت إلى جانب بقرة فأراد الرفقاء من الإندونيسيين إبعادي حتى لا تؤذيني «الدابة» في جسدي أو أجد منها رائحة لا تناسب المقام! يجهلون أني أفنيت الكثير من عمري أتبع أذناب البقر وأحلب البقر، وكثير من أفراد عائلتي «يعبدون» البقر لا يشركون به شيئا.. أمسكت بقرن البقرة فانسجمتُ مع الموقف وكان الشعور متبادلا فقد أحستْ هي أيضا بالألفة.
    ستلتقي في إندونيسيا بالغزالي ومالك والجنيد وسفيان.. السلف الصالح كلهم هنا، وسوف تتحدث إلى جنات الخلد وفتاة اسمها «والفجر وليال عشر» وأخرى تسمى والذاريات.. تلك أسماء شائعة في القوم وقد قابلت موظفا يدعى «حسبي الله».
    لم نستطع تدوين الكثير من المواقف لمشقة الرحلة وحجم العمل الذي ينتظرنا بعد العودة فقد خلق الصحافي في كبد وطبع أمره على عجل. لكن السفر إلى هناك كفيل بوضوح الصورة فإندونيسيا ليست مجرد «خدامة وسواق» كما يحلو للكثير من العوائل العربية.. إن هذه أمة عظيمة، وثيقة الصلة بالمجد: تأوي إلى ركن منيع من التاريخ، وتتحدى الفقر والزلازل بغزو السماء بالأبراج وتشييد الجسور والمصانع.. تريماكاسي إندونيسيا.

  2. #2
    مراقب المشهد الإعلامي الصورة الرمزية hamoud8383
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    أنواكشوط
    المشاركات
    1,901
    معدل تقييم المستوى
    13

    افتراضي

    وكأن اندونسيا حطت رحالها بين أيدينا وفي حدود الرؤية بالعين المجردة ؛ هانحن !!! نقلب صفحات كتاب لأندونسيا أصر صاحبه أن يعرض فيه جنّة مدفوعة مقدما!
    سيدي , ,,,

  3. #3
    مشاهد جديد
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    المشاركات
    11
    معدل تقييم المستوى
    0

    افتراضي

    اندنوسيا بلد جميل ورائع وكثير ممن أعرف ذهب إليها وأثنى عليها

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
من نحن
شبكة المشهد الموريتاني
روابط
Enter your links here
شاركنا
Title
Enter your content here