صراع اليقين واللايقين:
العلم أساس زوال الديكتاتورية
حسن عجمي
تاريخ البشرية تاريخ صراع اليقين واللايقين. اليقين سلاح الديكتاتورية بينما اللايقين سلاح العلم. من هنا، إذا وجد العلم زالت الديكتاتورية، وإذا وجدت الديكتاتورية زال العلم. يسعى هذا المقال الى إيضاح هذه المعادلة.
لكي نغوص في أعماق العلاقة بين العلم والأنظمة الديموقراطية والديكتاتورية لا بد من معرفة ما هو العلم وما هي النظريات العلمية وكيف تعمل. نبدأ بموقف الفيلسوف كارل بوبر القائل بأن النظرية العلمية هي التي من الممكن تكذيبها. بالنسبة إليه، تكون النظرية علمية فقط إذا كانت تؤدي الى تنبؤات معينة، فإن كذبت تلك التنبؤات حينها تغدو تلك النظرية كاذبة. العلم هو الذي من الممكن الكشف عن خطئه في حال كان خاطئاً. من هذا المنطلق، يظهر العلم على أنه عملية تصحيح مستمرة؛ فالعلماء يبنون النظريات ومن ثم يختبرون ما إذا كانت كاذبة، وإذا ما تم تكذيبها تستبدَل بنظريات أخرى، وتستمر هذه العملية الى ما لا نهاية. وبما أن العلم هو الذي من الممكن تكذيبه بالاختبار، إذن لا يقينيات في العلم بل العلم يعتمد على اللايقين ويزدهر عليه وبه.
أما الفيلسوف توماس كون Thomas Kuhn فيقدّم موقفاً منسجماً في نتائجه مع موقف بوبر. بالنسبة الى كون، يتعرض تاريخ العلوم لثورات علمية بحيث يحلّ نموذج علمي محلّ نموذج علمي آخر. ثمة نماذج علمية مختلفة فنظرية نيوتن مثلاً تشكل نموذجاً علمياً مختلفاً عن النموذج العلمي الذي تشكّله نظرية أينشتاين. ولقد تم استبدال نظرية نيوتن واحتلت مكانها نظرية أينشتاين. هذا مثل على الثورة العلمية حيث يُستبدَل نموذج علمي بنموذج آخر. يقول كون إن النموذج العلمي هو النظرية العلمية التي تحدّد موضوع العالم ومشاكله وكيفية حل تلك المشاكل. وإذا تمكنت نظرية علمية ما من تفسير الوقائع وحل المشاكل العلمية بطريقة أفضل من النظريات الأخرى تصبح النظرية الأولى نموذجاً علمياً يعمل على ضوئها العلماء ويفكرون. يضيف كون أن النماذج العلمية المختلفة تحتوي على مفاهيم مختلفة عن بعضها البعض. فمثلاً، معنى مصطلح "الزمان" في نظرية نيوتن يختلف عن معنى مصطلح "الزمان" في نظرية أينشتاين؛ فالزمان مطلق بالنسبة الى نيوتن لكنه نسبي بالنسبة الى أينشتاين. لذا تكون النماذج العلمية المختلفة غير قادرة على التخاطب والتفاهم في ما بينها؛ فأتباع نظرية نيوتن لا يتفاهمون مع أتباع نظرية أنيشتاين لأنهم يتكلمون بلغة مختلفة وبها فقط يفهمون العالم. فمع تغير النموذج العلمي تتغير المشاكل العلمية وكيفية حلّها، كما تتغير النظرة الى الكون والوجود، ومن الطبعيي عندئذٍ أن ينهار التواصل بين أتباع النظريات العلمية المختلفة. وبرهانه الأساسي على صدق موقفه هو الآتي: بما أن النموذج العلمي يُحدّد مشاكل العلم وكيفية حلّها والمعايير التي من خلالها نستطيع بحق أن نبرهن على صدق أقوال معينة وكذب أقوال أخرى، فلن نستطيع بحق البرهنة على صدق نموذج علمي معين وكذب نموذج علمي آخر من دون أن نسلّم مسبقاً بصدق النموذج الأول وكذب النموذج الثاني، أي من دون أن نسقط في الدور المرفوض منطقياً (علماً بأن الدور هنا هو برهنة القول من خلال القول نفسه). وبذلك يستنتج كون أن من الخطأ الحكم على صدق نموذج علمي وكذب آخر، بل النظريات العلمية مقبولة فقط وليست صادقة ولا كاذبة (Thomas Kuhn: The Structure of Scientific Revolutions. 1970. The University of Chicago Press).
بالنسبة الى كون، الصادق والكاذب نسبيان؛ فما هو صادق بالنسبة الى نظرية علمية معينة قد يكون كاذباً بالنسبة الى نظرية علمية أخرى والعكس صحيح. يعتبر كون أن الحقيقة والمعرفة والمعاني كلها نسبية تختلف من نموذج الى آخر، ولذا يستحيل الحكم على أي نظرية هي الصادقة دون أخرى. والطريق الذي أوصله الى هذه الفلسفة هو الآتي: يعتقد كون أن استعمال المفهوم والسياق الذي يُستخدم فيه المفهوم يُحدّدان معنى المفهوم. وبما أن السياق واستعمال المفاهيم يختلفان من نظرية علمية الى أخرى، إذن من الطبيعي أن تختلف معاني المفاهيم ومدلولاتها من نظرية الى أخرى. وبما أن معاني ومدلولات المفاهيم تختلف بين النظريات العلمية، فمن الطبيعي أن يختلف ما هو صادق وما هو حقيقي وما يشكّل معرفة من نظرية الى أخرى. هكذا نظريته في المعنى والدلالة أدت به الى موقفه النسبي من العلم ونظرياته (Editor: C. Wade Savage: Scientific Theories. 1990. University of Minnesota Press).
كما يؤكد الجيوفيزيائي هنري بولاك على أن اللايقين جزء أساسي من البحث العلمي، كما أنه أساسي في حياتنا ومن غير الممكن إزالته. بل اللايقين محفّز قوي لتحقيق العلم والإبداع. فالنجاحات في العلم مصدرها تمكن العلماء من استخدام اللايقين في سعيهم نحو المعرفة. اللايقين يطوّر العلوم فيزدهر العلم على أكتاف اللايقين. ففي الميادين العلمية لا يتم قبول الأفكار والنظريات على أنها يقينية ومطلقة. بل العلم يتصرف على أساس تسليمه بأن أي مفهوم أو فكرة من الممكن تكذيبها. فالعلم عملية تصحيح لذاته بشكل دائم على ضوء الاختبارات المتكررة التي تبرهن على مقبولية النظريات العلمية أو عدم مقبوليتها. باختصار، العلم لا ينتج اليقينيات. والسبب في ذلك هو أن العلم يتعمد على تحليل مشاهدات محدودة (Henry N. Pollack: Uncertain Science... Uncertain World. 2003. Cambridge University Press). لكن لا يكتفي اللايقين في حكم العلم بل يحكم الكون أيضاً. فبالنسبة الى نظرية ميكانيكا الكمّ، مبدأ اللايقين يسيطر على عالم ما دون الذرة. تعتبر ميكانيكا الكمّ أن من غير اليقيني ما إذا كان الجسيم جسيماً أم موجة، ومن غير اليقيني مكان الجسيم وسرعته في آن، ومن غير اليقيني ما إذا كانت قطة شرودنغر حية أم ميتة. هكذا هو اللايقين، سيد الكون والوجود كما هو سلطان العلوم (David Lindley: Uncertainty. 2007. Doubleday).
لكن إذا كان اللايقين يبني العلوم التي تجعلنا ننفتح على الآخرين ونقبل بهم، إذن اليقين مؤسس الجهل والديكتاتورية. الديكتاتورية هي عملية رفض العلم. فهي عملية لأنها سعي دائم نحو بنائها ونمو طغيانها. وهي عملية رفض للعلم لأنها تدعي امتلاك الحقيقة واليقين على نقيض مما يملك العلم. فالعلم عملية بحث دائم عن الحقيقة وبذلك يكون عملية تصحيح مستمرة، ما يتضمن أن العلم خالٍ من اليقينيات. اليقين قاتل العلم، ولذا يبني العلماء نظريات مختلفة ومتعارضة ويتم استبدال النظريات العلمية بأخرى عبر تاريخ العلوم. العلم في صراع دام مع اليقين. اليقين سلاح الديكتاتورية؛ فمن خلال ادعاء امتلاك الحقيقة واليقين يعلو الطاغية ويستعبد الشعوب. فإذا اقتنعنا بأن اليقين في أيدي الطغاة فسنخضع لحكمهم. هكذا تستخدم الديكتاتورية اليقين كسلاح قمعي ضد شعبها. فالديكتاتورية تعتمد في وجودها واستمرارها على ادعاء اليقين وإقناع جماهيرها بيقينياتها الكاذبة. على هذا الأساس، الديكتاتورية في عداء دائم مع العلم، ولذا الشعوب المحكومة بالديكتاتوريات غير قادرة على إنتاج العلوم. فبما أن الديكتاتورية معتمدة على ادعاء اليقين، وبما أن اليقين نقيض العلم، إذن الديكتاتورية تقاتل العلم ولا تنمو العلوم في ظل الديكتاتوريات. وهذا يفسّر لماذا العرب في أيامنا هذه رفضوا العلم ولم يسهموا في إنتاجه. فديكتاتورياتنا ساهمت بقوة في جعلنا سوبر متخلفين رافضين للعلم والمنطق. ولقد رفضنا العلم والمنطق وقبلنا بحكم الديكتاتورية لأننا نؤمن باليقينيات؛ فاليقين عدو العلم والحرية، لأن الذي تحكمه اليقينيات يخسر حرية أن يتغير وأن يتصرف على ضوء معتقدات أخرى، وبذلك أيضاً يفقد العلم كعملية تصحيح مستمرة.
بالإضافة الى ذلك، بما أن الديكتاتورية تعتمد على ادعاء اليقين، وبما أن العلم قاتل اليقين، إذن العلم هو الطريق نحو إزالة الديكتاتورية. ولذا لم يتطوّر العلم سوى في الديموقراطيات وفي ظل سيطرة الحريات والحقوق الإنسانية. والعلم هو الطريق الوحيد الى القضاء على الديكتاتورية لأنه بفرض الديموقراطية على الشعوب من دون قبولها للعلم ومشاركتها في بناء العلوم سترفض الجماعات بعضها البعض كونها ترفض العلم الذي يضمن قبول الآخر. وبذلك تتحوّل الديموقراطية المفروضة بالقوة الى فوضى ومن ثم الى ديكتاتورية أخرى تنمو باسم الأمن والاستقرار.
الآن، بما أن العلم عملية تصحيح مستمرة، إذن بالعلم لا نتعصب لما نعتقد وبذلك يدفعنا العلم الى قبول الآخر وإن اختلف عنا جذرياً. هكذا يكون العلم أساس المجتمع؛ فلا مجتمع من دون إنتاج علوم. لم نتمكن نحن من بناء مجتمع لأننا نرفض العلم ولا نشارك في صياغته. على هذا الأساس، الطريق الوحيد نحو إنشاء مجتمع فدولة هو من خلال القبول بالعلم وإنتاجه. والعلم أيضاً أساس الأخلاق. فبما أن العلم يدفعنا نحو قبول الآخر كما رأينا، وبما أن الأخلاق تتمحور حول قبول الآخرين وإن اختلفوا عنا، إذن العلم هو المؤسس الأساسي للأخلاق. من هنا لا مجتمع ولا دولة من دون مشاركة في إنتاج العلوم وتطويرها. فبما أن المجتمعات والدول تعتمد على الأخلاق في بنيانها وبنياتها، وبما أن الأخلاق معتمدة على العلم، إذن المجتمعات والدول تعتمد في وجودها واستمرارها على العلوم وصياغتها. العلم هو المصدر الأساس لإنسانية الإنسان؛ فبه فقط تنشأ الأخلاق والمجتمعات.
لكننا اليوم فقدنا أخلاقنا وخسرنا مجتمعاتنا لأننا رفضنا العلم والمنطق وبذلك اكتسبنا صفتي السوبر تخلّف والسوبر إرهاب. الفرق شاسع بين التخلّف والسوبر تخلّف. الشعب المتخلّف هو الشعب الذي لا ينتج ما هو مفيد للبشرية والعالم، أما الشعب السوبر متخلّف فهو الذي يطوّر التخلّف من خلال استخدام العلم من أجل التجهيل. وهذا ما نقوم به بالضبط. معظم خطاباتنا المعاصرة ترتكز على ما قال هذا العالم أو المفكّر أو الفيلسوف أو الشاعر كي ندعم تسلّط يقينياتنا المخادعة وديكتاتورياتنا السائدة.