خصخصة الثقافة
خصخصة الإنسان

إنه زمن خصخصة الثقافة والإنسان . بعد صراع دام بين المذاهب الإيديولوجية المختلفة سيطرت الفكرة القائلة بأن الجشع هو الأساس في تطوير الحضارات الإنسانية . فكلما ازداد جشعنا ازددنا في تحسين أدائنا كي نكسب أكثر . من هنا إذاامتلك فرد مؤسسة عامة سوف يبذل جهداً أكبر في تطويرها من أجل أن يكسب مالاً أكثر وسلطة أوسع. وبذلك الخصخصة، بالنسبة الى هذا التفكير، هي الخلاص الحقيقي والوحيد كي تبقى مجتعاتنا وتتطور. وهذا ما يصدق في كل ميدان وحقل من وجهة نظر هذا النموذج الفكري. ما أدى إلى تطبيق الخصخصة على الإنسان ذاته وعلى الثقافة بوجه عام. فتحول الإنسان خاصة إلى هذا الطاغية أو ذاك. وتحولت الثقافة إلى سلاح في يده.
تخصخص الإنسان بالفعل؛ لقد أصبح الإنسان مجرد فكرة غير متحققة في الواقع. فحيثما تنظر لاترى إنساناً ولن تراه إلا إذا ربطته بقبيلة مذهبية أو طائفية أو منطقية أو عرقية. هكذا أمسى الإنسان متخصخصاً ولم يعد قيمة وكياناً في حد ذاته. أما الثقافة فتخصخصت الى أقصى حد. فلا يوجد مثقف مستقل وأن حاول. وإذا نظرت جيداً لن تراه إلا جندياً في جيش هذا الطاغية الكبير، أو ذاك الطاغية الصغير. فانتشرت العصابات حيث كل وسيلة إعلامية تكتفي بأعضاء عصاباتها وتحارب العصابات الثقافية الأخرى، وتغلق الأبواب والنوافذ على كل جديد ومغاير. أصبح ((المثقف)) جاسوساً لهذا النظام أو ذاك، و موظفاً في هذه السفارة أو تلك. هكذا تخصخص المثقف وضاعت الثقافة. إنه زمن السوبر تخلف. لكن أثبتت الخصخصة فشلها. فبعد الإنهيار الاقتصادي الهائل في الغرب، وخاصة في أمريكا، فتبين ما كنا نعرف، ألا وهو أن الجشع لايبني الحضارة والإنسان بل يدمرهما. وبما أن الخصخصة تعتمد على فكرة أن الجشع مفيد، إذاً من الطبيعي أن تفشل الخصخصة وتسقط في ثقبها الأسود.
وكما أن خصخصت المؤسسات أدّت الى كارثة، كذلك سوف تؤدي خصخصة الثقافة والإنسان إلى زوالهما. يخسر الإنسان إنسانيته، متى كان عبداً لفكرة؛ عبيد الأفكار عبيد الطغاة. والخصخصة كآلية اقتصادية واجتماعية وثقافية مجرد فكرة تستعبد شعوب الأرض اليوم. لكنها سوف تحتضر وسوف تموت عما قريب. فلا يوجد إنسان مع خصخصة ثقافته. فالخصخصة تعني التبعية لأسياد الشريكات والمؤسسات الثقافية والاقتصادية إلخ ما يتضمن بالضرورة أن نغدو عبيدا لتلك المؤسسات.
لقد أمسى المثقف عبداً للسيد المرحوم، سيد المال والسلطة. فتحولت الكلمة إلى قطعة نقدية لشراء قليل من الماء والخبز، ولنشر التخلف والجهل بين الناس. لقد عبرت اللغة العربية عن هذه العلاقة الجدلية. فالنقد يشير الى المال كما يدل على تحليل الخطاب وتفكيكه. هكذا كان مصير المثقف العربي منذ البداية أن يكون خادما لسلطان الجوع والسيف. لغتنا أصدق منا؛ فقط نحن الكاذبون الصغار. أما الأكاذيب الكبيرة فصانعة الحضارات. ولانقوى على صياغتها أو النطق بها. إنه عصر السوبر تخلف الفائق. حيث الجهل هو القيمة الأعلى. فكلما كان الفرد منا أكثر جهلاً وتخلفاً، كلما ارتقى أكثر في مناصب المجتمع المزعوم والدولة المفترضة.

خصخصة الدين خصخصة الله

حين خصخصنا الدين خصخصنا الله. أصبح لكل دين مؤسساته الخاصة برئاسة هذا الأمير أو ذاك. وبمجلس إدارة ورأسمال معين ومشاريع تجارية وثقافية واجتماعية وسياسية متنوعة مما أدى الى تنافس المؤسسات المختلفة ضمن الدين ذاته والمذهب نفسه. و أمسى الإيمان شهادة يقدمها رجال الدين. ومن دونهما يفقد الإنسان دينه وحقوقه الشرعية والمدنية. وظهر لكل مذهب ديني جيشه الخاص المأمور بمجلس وزراء إلهيين يصنعون المعجزات الكبرى والصغرى معاً. فلا يحق لفرد أن يكتب أو يتكلم خارج سياق دينه أو مذهبه. كما لايحق له أن يسكن في مناطق المذاهب أو الطوائف الأخرى. وإلا سيبقى غريباً بين الغرباء. لكل قبيلة مذهبية أو طائفية مدارسها وجامعاتها ووسائل إعلامها وأمنها الخاص؛ ووظيفتها جميعاً كامنة في محاربة القبائل المذهبية والطائفية الأخرى. عندما تخصخص الدين خسرنا الله. وسيطر الإرهاب والإقتتال الداخلي المستمر. فلادين مع الخصخصة في زمن تخصخص الدين لم يتمكن الله سوى أن يتخصخص أيضاً فتتحول الى آلهة مختلفة ومتصارعة. فإله الشيعة بات مختلفا عن إله السنة، وأنقسم الله على نفسه، فأصبح إله المسلمين منافساً لإله المسيحيين. هكذا لكل قبيلة إله. لم يمت الله لكننا قتلناه.

خصخصة العقل

في زمن الخصخصة الفائقة والشاملة، لامجال سوى أن يتخصخص العقل. فأمسى العقل منقسما على ذاته؛ فثمة عقل ديني في مقابل عقل علمي، وعقل فلسفي في مقابل عقل صوفي، وعقل عربي في مقابل عقل غربي، وعقل إسلامي في مقابل عقل مسيحي إلخ، وسياق هذه العبارة يدل على أن خصخصة العقل لاتصطحب معها سوى الصراع والحروب. فالمقصود من الخصخصة هو التقسيم، ومع كل تقسيم تنافر فقتتال. هكذا أصبحت الخصخصة سلاحاً أساسياً من أجل نشر الكراهية والصراع بين الشعوب، وظمن الشعب الواحد. وكل منا لاينتمي إلى عقل معين ويعادي العقول الأخرى، يغدو خائناً. لقد أمسى العقل سلعة في سوق الخضار الكوني. واقتنع العرب بتفوق الخصخصة حتى أنهم يعرضون أوطانهم للبيع، لكنهم لم يجدوا أحداً ليشتريها فأصابهم اليأس واكتفوا بالدعاء المخصخص بدوره. كما أننا نحن العرب فشلنا في خصخصة الإنسان، لأننا حين بحثنا عنه بيننا لم نجده. فالإنسان مجموع حقوقه، كحق أن يعيش عيشاً كريماً، وحق أن يكون حراً. لكننا نفتقر إلى الحقوق الإنسانية، وبذلك لايوجد إنسان بيننا. على هذا الأساس، نحيا في محاولات أن نتخصخص، ولأنها محاولات فاشلة دوماً، افتتحنا عصر الخصخصة الفائقة؛ ففشلنا في الخصخصة خصخصة فاشلة.