صفحة 3 من 8 الأولىالأولى 12345678 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 75

الموضوع: ولد "أهل " الفصل الأول

  1. #21
    مشاهد جديد
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    99
    معدل تقييم المستوى
    13

    افتراضي ولد "أهل" الفصل الأول

    الأخ :"امدددا"
    شكرا لك على الملاحظة ـ وهي بالمناسبة ملاحظة واردة جدا ، وتنم عن ذكاء ، وسعة اطلاع . واصل قراءة العمل حتى نهايته ، وسأكون سعيدا بأن نلتقي بعد ذالك . شكرا لك .

  2. #22
    حاصل علي وسام التميز الصورة الرمزية أحمد الحسن
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    Nouakchott
    المشاركات
    1,749
    معدل تقييم المستوى
    15

    افتراضي

    العزيز جواد،

    استمتعت كثيرا بقراءة الفصول المنشورة حتى الآن من هذه الملحمة.

    يعجبني توظيفك لأدباي الفكرة فهو على مر التاريخ كان ملاذا للباحثين عن الأمان وفضاءات أكثر تحررا وأقل قيودا كحالة كل سكان أدباي أو كحالة محفوظ أو كحالة من تقذف به سيارة متهالكة كحالة البطل الراوي!

    أنت برأيي ربما عن وعي تعود لتنسف أفكارا أنت من طرحها مستنكرا التفاوت الحاصل في المجتمع بين مختلف مكوناته متجاهلا أسبابا قد تكون موضوعية فأبطالك لأسباب واضحة لا يجدون حرجا في الترفع علي بعضهم البعض كحالة السالمة حين ترفض قبول أي من أبناء جلدتها وكحالة الأم حين ترفض قبول محفوظ وكحالة السيدة التي أصبحت مثلا بين قومها حين رأت أن بها من الجمال ما يجعلها مختلفة عن غيرها!

    أنا هنا لا أعتبر أن ذلك أمرا سيئا بل هو أمر طبيعي جدا فلكل من الأسباب ما يجعله يقرر ما يشاء كيفما شاء مع من يشاء دون أن يكون في ذلك إهانة لأحد!

    شكرا لك فقد كنت بارعا في الوصف وفي فتح نافذة علي عالم آخر لا يبدو مختلفا كثيرا عن عوالم الفركان وأحياء العاصمة!

  3. #23
    مشاهد جديد
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    99
    معدل تقييم المستوى
    13

    افتراضي ولد "أهل" الفصل الثاني تابع .

    الأخ "أحمد ولد الحسن" شكرا على المرور ، وشكرا على الملاحظات . إمتاع القراء غاية الغايات عند كل كاتب ، وقد سعدت كثيرا بكوني امتعتك ، وأرجو منك ، ومن كل رواد المشهد الكرام ، من هواة هذا اللون الأدبي ـ متابعة " ما وصفته ـ مشكورا ـ بالملحمة إلى نهايتها . كما أرجو منهم ألا يبخلوا علي بملاحظاتهم ، إيجابية كانت ، أم سلبية .
    شكرا مرة أخرى .

  4. #24
    مشاهد جديد
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    99
    معدل تقييم المستوى
    13

    افتراضي "ولد أهل "الفصل الثاني . تابع .

    أصغت إلي "زينب" مطرقة ـ بينما كنت أحدثها بما دار بيني وبين أمهاـ وكانت طوال الوقت، تتفادى النظر في وجهي، مخافة ـ كما خمنت ـ من أن ترى أشلاء آمالها المتناثرة في عيني. وحين فرغت ، رنت إلي بحذر، وهي تداري حزنها وأساها، ثم خيم صمت ثقيل، لكنه، لم يلبث أن أنفرج بقولها ـ وكانت تغتصب الكلمات من حلقها اغتصابا ـ
    ـ فكرت في أنه، كان من الأجدى أن تكلم أبي وجها لوجه.
    ـ فعلت يا حبيبتي ـ فعلت . فعلت من خوفي أن أفقد ك . ومن حرصي بأن لا أدع سببا قد يفضي إليك إلا طرقته .
    ـ حاول مرة أخرى، ولتسعى إلى أن تنتزع منه ولو وعدا ب..."
    ـ أظنني تجرأت عليه كثيرا ، ولن أتمادى في ذالك أكثر ،وحسبه أنه تقبل وقاحتي بصدر رحب ، ووعدني بأنه سيحاول إقناع والدتك بالموضوع .
    ـ لم يكن يجدر به أن يضطرك إلى ذالك ، مادام في مقدوره أن يحسم الأمر.
    ـ لم يكن جهده وحده ليكفي مادامت الظروف كلها ضدي. زفرت في تضايق ، وقالت
    ـ وما العمل إذا ؟
    ـ ينبغي أن تحدث معجزة ـ ياعزيزتى ـ لنفلت من المصير الذي ينتظرنا .
    ـ وهل ذالك شيء ميئوس منه ؟
    ـ كنت أقول دائما بأن زمن المعجزات ولى، وكم أتمنى الآن أنني كنت مخطئا.
    ـ أليست المعجزة في التحليل الأخير، هي مجرد خرق للمألوف ؟
    ـ و بعد ؟
    ـ لنكف عن الرجاء والانتظار، ولصنع معجزتنا بأنفسنا.
    تفرست في وجهها مليا ، أحاول استكناه ما عنته بكلماتها ، لكن نفحة إثارة مباغتة تضوعت عفوا من عينيها ـ هبت في نفسي وغمرتها ، فأسلتها إلى حين همومها وأساها . ونسيت في غمرة سكرتي بها ما كنت أهم بقوله ، وحين أفقت عدت لأسألها عما إذا كنا سنتمكن من ذالك ؟
    أشاحت عني بوجهها ، وجذبت نفسا عميقا من صدرها ، قبل أن تقبل علي وفي عينيها يلتمع مثل التوثب والتحدي ، ثم قالت ـ وقد ألم بها شعور غامض جعلها تضرب في قوة وبلا توقف على الحائط بقبضتها ـ قالت:
    ـ لنهرب ؟! "نهرب ! وأحسست للكلمة مثل الدوى، لدى ملامستها مسامعي، وتلبستني حالة من الفزع أربكت تدفق الدم في عروقي. إلا أنني طفقت أردد ها سرا وألوكها علي أؤالفها مع نفسي فتأنسها ، وحين تحللت وتشربتها ، استسلمت لرجع ترددها ينساب كالمخدر في أوصالها ، نهرب ! ذاك بلاشك حل غير تقليدي ، لمشكلة أبدية . لكن إلى أين ؟ إلى مجاهيل الصحراء . أليست مجاهيل الصحراء ـ بزرقة سمائها وسطوع شموسها وتلألأ نجوم ليلها ـ ألطف بروحينا ، من هؤلاء الناس عبدة المال ،سدنة القبور ؟ . أو إلى أغوار الكهوف. أوليست أغوار الكهوف ـ بجبروت ظلامها وهيبة أغوارها ـ أجدر بجوار نفسينا من هذه ألأوكار العفنة ، العبقة بذل وشقاء المستضعفين ؟ فلنهرب ! ولن أضيع دقيقة واحدة بعد الآن من أجل ألا أخرج عن مألوف هؤلاء السماسرة. بم سيفيدني رضاهم ؟ وماذا سأخسر بإغضابهم ؟ ألم يدينوني وبإجماع الأصوات، حتى قبل أن أولد ؟ لنهرب "
    لكن ياحبيبتي ... "
    ـ أطعني أرجوك. أطعني فقط هذه المرة وحدها ؟ لا تفكر في ما عساهم يفعلون . هم وذاك وكلما يعرشون ، غثا ودرين في أديم الحياة ، وسينحت ويتبدد يوما ما . لا تحرم سمعك عذوبة لحن الحياة بالإصغاء إلى هذر ألسنتهم، ولا تسلب روحك طمأنينتها لكي يباركوك، لن يفعلوا قل بربك أنك موافق ودعنا ننطلق. هيا . لا تخشى علي وحشة، فدفء قربك غايتي ورضاي، ونظرة من عصفور طليق يرفرف جذلان في السماء، أأنس لروحي من أن تحيى حياة الملوك وسط هؤلاء. هذه ياحبيبي فرصتنا ، فلا تدع التردد يضيعها من بين أيدينا هيا .
    ـ هذه مغامرة يا حبيبتي أخط..." لكن أليست كل الانجازات الجبارة في عالمنا بدأت كمغامرة ؟ أوليست الخطوات المضمونة النتائج سلفا شيء نادر في حياتنا ؟ فلنغامر .سنشقى . فليكن لكن في دفيء حبنا ، وليس في برودة رضاهم . ستطاردنا الفضيحة أين رحلنا ، وستلوكنا الألسن أني حللنا . لا يهم، فمادام الحب يعمر قلبينا، وأنا مله الحريرية تداعب أوتار روحينا، فلن يكون ثمة متسع في حيتنا لغير الفرح والسرور. وسنسام الذل والنبذ ،ماحيينا . النبذ ؟! آه من النبذ . وتدفق الدم صعودا إلى رأسي ، وضجت بصور المهانة مخيلتي ، ورجف القلب ، وأضطرب الجسم ، ومادت من تحتي قدمي الأرض حتى أوشكت على الانكفاء . إلا النبذ ياحبيبتي ، وطفقت أردد هذه العبارة كأنما أتعوذ منها بتكرارها . شيء ما سحبني إلى الوراء ، إلى أيام طفولتي وعذاباتها . حين كانت حراب النبذ بحدة أسنتها تنهش في قلبي الصغير. ولأرى روحي البريئة تتلظى في أتون الذل والمهانة. لا، لن أجعل هذا الوجه الصبوح يتوارى خلف الحجب خجلا من أن يرى. وتانك العينان النجلاوان لن تتطأطآن ذلا ومهانة مهما جرى " . لثمت أناملها ، وبقيت على تلك الحال مدة ،كنحلة تكرع بنهم رحيق إحدى الأزهار، ثم قلت ـ وقد سكرت ـ وعيناي تجوبان في انبهار ملكوت جمالها ـ
    ـ قالت أمك أنها تمنحني مهلة شهر ، فلننتظر ونرى ما سيحدث بعد ذالك . قالت في ثورة واحتدام
    ـ هل تريد أن توهمني بأنك تصدقها ؟
    ـ ليس تماما . لكنها قالت ذالك، ولم تكن مضطرة لكي لا أصدقها.
    ـ أتدرك أنك تهينني ، عندما تماطلني بهذه الطريقة .
    ـ لم أقصد ذالك ـ ياعزيزتي ـ لكن إذا لم يكن غير ما تقترحين ، فينبغي أن نستنفد كل الخيارات .
    ـ وهل ثمة من خيار آخر أمامك.
    ـ يمكن أن تتغير أشياء كثيرة خلال شهر فيما أحسب.
    ـ لن يكون من ضمنها موقف أمي من زواجنا، فلا تتشبث بالمحال.
    ـ دعينا نحلم ، ونتمنى ...
    ـ بماذا ؟ وسكتت قبل أن تردف : بموتها مثلا ؟ !
    ـ لا ...ا صمتت للحظة ثم قالت :
    ـ ألن يكون ذالك حلا مناسبا لمشكلتنا ؟!
    ـ ربما. لكنه الحل الوحيد الذي لم، ولن أتمناه. هامت في أرجاء الغرفة نظراتها، قبل أن ترنو إلي بطرف خجول، ثم قالت ـ وفي صوتها نبرة حزن وأسى ـ قالت:
    ـ أما أنا فبلى . من المؤكد أن ذالك مخز حقا ، لكنني لن أكذب عليك. ففكرة كتلك كانت تستحوذ علي أحيانا ، وأحيانا كنت أستسلم لها ، وحينها كنت أكره نفسي وأحتقرها .إلا أن ذالك بالكاد كان يفقدها البعض القليل من جاذبيتها . قالت هذا ثم تنهدت وأغر ورقت بالدموع عيناها وأردفت: كم هو مؤلم وقاس أن تراود ك مشاعر كهذه وحيال الإنسان الذي يفترض أنك تحبه اكثر من أي شيء آخر في هذه الدنيا . لكن أقل الأفكار بداهة ـ وهو ما لا يدركه أغلب الناس هنا ـ هي اعتبار حب الأبناء لآبائهم جبلة محصنة ضد أي تغيير.
    ـ أفهم كل ما تقولين ـ ياعزيزتي ـ لكن أرجوك لا تدعي مثل هذه الوساوس تحول بينك وبين أمك
    ـ هي من يجب عليها أن تسعى للحيلولة دون ذالك.
    ـ هذا ما تعتقد أنها تفعله.
    ـ وهل تصدقها ؟
    ـ ليس لذالك أية أهمية . إن..
    ـ لا تتهرب من سؤالي . ؟
    ـ أصدقها حينما تقول بأنها تحبك، وكذالك حين تقول بأنها تريد مصلحتك. وحين ترفض زواجنا بدعوى الحرص على سعادتك، فلا بد أن أصدقها، فهي أولا وأخيرا أمك .
    أنت تقول ذالك فقط لأنها أمي .
    ـ وهل ذالك شيء قليل؟
    ـ ألا تكرهها ؟
    ـ كيف وقد ولدتك ؟
    تنهدت في حرقة وأسى وقالت ـ وهي ترنو إلي في تعجب وإعجاب:
    ـ ليت روحك تفيض على روحها من هذا الحب والتسامح، فتصغي لقلبي وقلبك مرة ليخبراها عما يعنيه أن تحب. وسمعنا صوت خالي الدافئ الحنون، وكان يسأل الشغالة عن أم "زينب". من المؤكد أنه سألها أيضا عمن يوجد بالصالون، ولا شك أنها إذا أخبرته بأننا هناك. وتمنيت لو أنه يستاء فيعمد مثلا ـ وكنوع من الاحتجاج إلى استدعاء "زينب" ويقوم بتقريعها ، بل إنني وددت ، لو أنه يعاتبني أو حتى يوبخني ويبادر إلى طردي ، وإذا، لأراحني من إحساس طالما عذبني بأنه لا يعاملني كرجل ذا شأن . فلو أن الذي كان يجلس مع زينب شخص آخر غيري لفعل به الأفاعيل. ربما كانت تلك طريقة شاذة إلى حدما في تقدير الأشياء و قياسها ، إلا أنها ليست تماما خلوا من أي معني .
    ودعت "زينب" وغادرت ، على أمل أن نكمل حديثنا لاحقا. لم أكن مضطرا لذالك ، لكن هذا حسن الظن بي المبالغ فيه من خالي أغاظني ، بل خنقني وأشعرني بالاهانة ، فقد اعتبرت أنه يقول لي بطريقة أخرى بأن "زينب" في نظره مازالت ـ كما كانت ـ دائما أختي . كان ذالك ليسعدني لو أن الظروف غير هذه، فقد خطبتها منك رسميا، وأدركت حقيقة ما بيننا يا خالي. ثم أنني كنت احتاج إلى أن أبتعد ولو لبعض الوقت عن إلحاح دموع "زينب"، وعن صخب حماس عواطفها، لكي أتمكن من أن أرى بوضوح وروية، ما إذا كان اِقترحها يصلح كعصي للتلويح بها في وجه أمها. لم أتوصل إلى موقف حاسم من الموضوع . وبعد طول تمعن، والكثير من التمحيص خمنت بأن الأمر كالسلاح ذو الحدين. فلربما أفلح بالفعل في إثارة مخاوف أمها ، وجعلها تقتصد ـ ولو مؤقتا ـ في غلواء موقفها ، إلا أن هذا لا يعدو كونه الجانب المشرق في الموضوع .إذ أنها قد تبادر وتحت ضغط ذات المشاعر إلى أسلوب التاجر حين يتهدد الفساد بضاعته . " لو أنني أملك سببا، يغذي لدي الأمل في أن متاعبي يوما ستعرف نهاية. لكان الوضع أفضل والمصاب أهون. لكنني كنت كمعصوب عينين حكم عليه بأن يجد طريقه وسط عتمة الليل بصحراء مقفرة. ولم يكن من الوارد وأنا على تلك الحال أن أتهور وأغامر بحياة "زينب". وأعملت فكري بلا ملل أو كلل، وأوغلت في تحليل كل ما عن لذهني بصفته خيارات متاحة أمامي. وأخيرا أستقر رأيي على أن أفضل شيء أفعله من أجل "زينب" ومستقبلها، هو أن أدوس على قلبي وعلى روحي، وأخرج نهائيا من حياتها. لم يكن ذالك ممتعا كشرب الشاي مع "أفشاي" ولا مسليا كالتسكع في الخريف وسط "الفرجان" لكنه شيء حري بالمرء أن يفعله كيما يظل جديرا بكونه إنسانا . لم أراهن على أن ما ارتأيته سيحظى بأية تزكية من لدنها ، والحقيقة أنني لم أكن لأنتظر منها أن تفعل . فأقصى ما كنت أطمع فيه وأرجوه أيما رجاء، هو أن تتفهم "زينب" موقفي، وسأكون سعيدا إذا ما وجدت في ذالك بعض العزاء.
    وقاومت إحساسا مرهقا صاحبني طوال طريقي إلى موعدنا ـ بأنني مجرد سجان فظ وغليظ بصدد إبلاغ أحدهم بموعد تنفيذ حكمه بالإعدام، ومع ذالك فقد كانت أعصابي تتمتع بقدر كاف من الهدوء وكان مايزال في ذهني بعض الصفا ، أتاحا لي أن أهيئ نفسي وأعدها بما أحسبه يتناسب مع ذالك اللقاء ، ولأنتقي بعض الكلمات وأجتهد في تنميقها عسى أن تساهم في تلطيف الأجواء . فلا شك أن "زينب" غاضبة منذ آخر لقاء كان بيننا، عندما لم أبدي ما كانت تتوقعه من حماس إزاء مقترحها وحين أمضيت أسبوعا كاملا كنت خلاله أتجنب لقاها وأتفاداه. ولاحظت حين دخلت على "زينب" بأنها كانت متوترة وثائرة ، بينما كانت زميلتها ـ التي كانت تستضيف لقاءنا ـ تحاول جاهدة مواساتها وتهدئتها . كانت وجنتاها نصف محتقنتان و مبللتان بالدموع، وكانت عيناها ذابلتان وتوشكان على النضوب. فنسيت كلما كنت أفكر فيه، حتى الكلمات التي تعبت في تنميقها وأقبلت عليها بهلع وأخذت أجفف دموعها.
    ـ ما الخطب ياعزيزتي ؟ أفلتت منها تنهيدة وقالت:
    ـ وهل يتعلق الأمر بخطب واحد ، أو اثنين ؟ وسكت لحظة محاولا أن أجد صلة ما بين حالة "زينب" هذه، واختيارها بيت إحدى صديقاتها للقائنا، وبين سيارة رأيتها حين غادرت تتوقف أمام دارنا. قبل أن أقول ـ ونيران الدنيا كلها قد شبت فجأة في قلبي ـ
    ـ هل عادت أمك إلى اِذائك من جديد ، أم أن من تولى تلك المهمة الآن هو خالي ؟
    ـ كلكم آذيتموني . أمي وأخي و أنت وخالك. لكأنما أذيتي أمست إحدى متعكم ، وطقسا ثابتا في حياتكم . وهممت بأن أخذها، في حضني وأن أضمها إلى صدري إلا أن وجود زميلتها معنا ردعني . لكنها مشكورة تنبهت إلى ذالك فانصرفت وتركتنا وحدنا .
    ـ أعرف أنك غاضبة ، وأعترف بأن ذالك من حقك ، إلا أنه ليس من المنصف ـ ياعزيزتي ـ وضعي في خانة واحدة معهم .
    ـ ولم لا، مادمت تتبنى في معاملتي نفس الأسلوب والطريقة؟
    ـ ربما، لكنني أنشد غاية مختلفة عن تلك التي ينشدونها.
    ـ لا ! صحيح ؟! أنت تنشد مصلحتي ، وسعادتي ...و" أليس كذالك ؟ أليس هذا ما ينشدونه هم أيضا ؟ لكن أحدا منكم لم يأخذ برأيي يوما في ما تتعاركون حوله، وكأنني لست المعنية ، وكأن الأمر لايتعلق بحياتي . أقول لأمي: سأكون سعيدة معه يا أماه فدعيني أتزوجه، ولن يكون عليك بعد من ملام إذا ما عدت إليك يوما وأنا ألعنه...و؟ فقاطعني: اسكتي يا مجنونة، وإياك أن أسمعك تتحدثين في هذا الموضوع. لن تتزوجي إلا بمن يشرفك، ويشرف عائلتك، وسعادتك... كذا، ومصلحتك ،كيت...و" وأقترح عليك ببساطة أن ننهي ـ وفوراـ هذا الموضوع. فتصاب بالذعر وتهجرني ، ولسان حالك يقول " ستلبسين العار... وتطاردك الفضيحة و... ." طيب، لنضع جانبا فكرة الهرب التي يبدو أنها ترعبك ولنفكر في غيرها.
    ـ إني أسمعك .
    ـ لنضعهم أمام ألأمر الواقع.
    ـ كيف ؟
    ـ سنتزوج من دون علمهم .
    ـ أوليس هذا ما كنا سنفعله عندما نهرب ؟
    ـ تماما
    ـ وما الشيء الجديد ؟
    ـ سنواجه بدلا من أن نهرب.
    ـ وهل يبدو لك هذا أقل رعبا ؟
    ـ أنا لا أشعر ـ من ـ كلا الأمرين بأي نوع من الرعب، أما بالنسبة لك فها أنا أسألك
    ـ لا يتعلق الأمر بالرعب ـ ياعزيزتى ـ بقدرما يتعلق بالحرص عليك .
    ـ ألم أقل لك بألا تنوب عني عندما أكون موجودة ؟
    ـ لم أقصد. لكن، ألا تلاحظين بأن الوقت مازال مبكرا لكي نفكر في مثل هذه الحلول الانتحارية
    ـ أليس الانتحار أشرف لنا من الخضوع والإذعان ؟
    ـ ربما. لكنني لم أصل بعد إلى تلك القناعة ، إذ مايزال لدي بعض الأمل ، وفي أفقي بعض الرجاء. انتفضت بعصبية في مكانها وقالت :
    ـ أما أنا، فلا. ثم أردفت: ألم تسأل نفسك لماذا كان علينا أن نلتقي هنا ؟
    ـ بلى، وكنت على وشك أن أسألك لولا أني وجدتك على تلك الحال.
    ـ وبماذا فكرت ؟
    ـ فكرت بأن أخوك ربما قد عاد من سفره، أو لعل أمك لم تذهب اليوم إلى د ... لكنني قدمت للتو من البيت ، ولم تكن هناك ! ومن يدري قد يكون خالي ... آه لكن، هل لذالك علاقة بسيارة رأيتها...؟
    ـ صاحب تلك السيارة ـ يا سيدي ـ هو التاجر الذي تريد أمي أن تبيعني إياه. وبالمناسبة فهو جاهز ولا يحتاج إلى مهلة شهر ولا حتى يوم في انتظار أن تحدث معجزة ما.
    قفزت ـ بلا وعي ـ واقفا ودرت في الغرفة مرتين، قبل أن أتجمد واجما، ومحدقا في ألاشيء. لطالما تخيلت في أشد أوقاتي يأسا ـ وقع خبر كهذا في قلبي ، وكنت أنساق مع خيالات فأجدني أرتعش وقد أسود الوجود في عيني . والواقع أن ما كان يشغلني منذ استباح حب "زينب" قلبي وروحي ليس السبيل إلى الظفر بها، بل كيف سأبلي حين أفقدها، لكن لاشيء مما تفتقت عنه عبقرية خيالي أو جادت به قرائح أوهامي يشبه بأي حال من ألأحوال ما حل بي في تلك اللحظة إذ انقبضت معدتي وأنحشر الهواء في صدري ، قبل أن يبدأ ما حولي يتحرك بي ويدور. ترنحت قليلا، وكانت ركبتاي تصطكان فكدت أن أقع لو لم يسندني الحائط " . يا رب لم تفعل بي كل هذا وأجتاح بالي فيض من الخواطر المريرة وازدحم رأسي بألوان من ألأفكار المشوشة ، وسطا شعور الضحية على نفسي ،وأحسست بأنني أتعرض للغدر وللخيانة. فطفقت أفتش بنظري سقف الغرفة وأجوب به أركانها. واستأنفت المشي أذرعها بلا إرادة ، وبلا هدف . وكنت أتوقف فجأة وآخذ في تقشير صبغها . ثم وجدتني مسلوب الإرادة أتفوه ببعض العبارات وأكررها " لقد جاءت سكرة...." وانتبهنا بعدما زال الرحيق، وأفقنا ليتنا لا نفيق...." لا أدري كم مضى علي من الوقت وأنا أفعل ذالك، لكنني فجأة توقفت وقد بدأت أستعيد رشدي. كانت "زينب" إلى جنبي تبكي وتواسيني، وأحسست بذراعيها الصغيرين كالطوق يلتفان حول جذعي. لا أدري متى فعلت ذالك، ولم أعي ماذا كانت تقول ، لكنها الآن ترجوني ، وتتوسلني بدموعها وتقول :
    ـ حسبك. هذا يكفي . لا وقت لنضيعه في التحسر والتفجع . هيا لنفعل ذالك وسترى بأن متاعبنا كلها ستزول. و أحسست للغبطة في نفسي دبيب تجاوبا مع رجائها، وأهاب بي شعور جارف دعاني لنبذ التردد وللقبول. "اسمع أيها البائس الحزين : سيواري نبل غايتك وسموها ، سوءات وسيلتك وعوراتها وستغنم "زينب" الحسناء الجميلة ، ورضاها ،وستثلج قلبها الدافئ الحنون، وستثأر لنفسك من أمها ، عندما تحرق قلبها القاسي الغشوم ، فتأتيك زحفا على ركبتيها تترجاك في تذلل وخضوع . ستكابر. ربما ، وستقاوم . يجوز . لكن بعد أن عبت السفينة وعبثت بها ، وفقدت كل مزاياها كمشروع. وكدت أنجرف ، وأستغرقتني للحظة وطفحت أعماقي بحماس الانتصار. لا أيها الشيطان البائس، الرجيم لا ، لاِن تحترق في أتون البين روحي شوقا اِلى "زينب" أو تلتهم نيران الغيرة قلبي وأنا أراها تزف إلى غيري ، أهون علي من أن أدعها تتورط في هذه المغامرة . هذه بلا شك تضحية، صنو بذل الروح والجسد، ومع ذالك فهي قليل، لكي أرد لها بعض جميل صنيعها بي . حين مخرت وهي.الغريرة عباب المجهول لتزرع بذرة أمل في صحراء نفسي المجدبة. وحين خاضت وهي البضيضة ضريم العذل وحر لظاه لتنثر دفء المحبة في سماء قلبي وحول رباه "
    في غمرة مشاعري المتضاربة تلك ، كان على عقلي أن يتدخل ، فوجدتني وبلا مقدمات أقول في مايشبه الهمس أو التمتمة :
    ـ لن ينجح ألأمر يا حبيبتي.
    ـ هل قلت شيئا ؟
    ـ لا ، نعم . كم يحزنني أن أقول ذالك ـ ياحبيبتي ـ ، لكن علي بأن أعود إلى " نواكشوط ". فغرت فاها في دهشة ثم قالت : بصوت يخنقه الذهول :
    ـ ستتركني لهم وتعود إلى "نواكشوط" ؟! لا، لن تفعل بي ذالك أرجوك ؟
    طفت بعيني حول عينيها النجلاوين المنكسرتين ، فبدتا كمرج يستقبل المساء ، ورأيت القوة التي كانت توكر فيهما تتحول إلى بريق من الضعف والخذلان شاحب ، ثم أدنيتها وطوقتها بذراعي وكرعت بنهم جبينها ، حتى اضطرب الشعر الساجد في ناصيتها بشدة من قوة زفيري وهمست بها ـ وحرارة جسدها تغلي روحي وعقلي ـ همست بها :
    ـ أعرف أنه سيتعين على شخص ما أن يقف في وجه هؤلاء ليقول لهم يوما : لقد سئمت كفى ، ولا أكتمك بأنني أشعر بنوع من الأغراء إزاء فكرة أن يكون ذالك الشخص نحن . لكن ليس باللغة التي تقترحينها، البليغة السامية، فمثل هؤلاء الغوغاء لا يفهمون التضحية. هامت بعينها في أرجاء الغرفة لحظة ، ثم قالت ـ في حزن واستسلام :
    ـ لقد حسمت أمرك وانصعت لخوفك ولذالك فأنت تقول أي كلام.
    " قلبي الذي غنى خفوقه سحر عينيك لحنا شجي ، قد أرهقه كدرا لهموم وران عليه الكمد وروحي التي ألهمها حب الحياة وجدك ، قد احصرها غسق الأسى وأغرقها في لجته . وكل ألأمل الذي زرعه في نفسي حنانك ، وأضاء له سبله سناء روحك البهي ، قد ابتلعه غمر خيبتي وتلاشى في غيابتها "
    ـ أعرف بأنني ـ يا حبيبتي ـ أخذلك، وأخيب رجاءك في . ويعلم الله كم يحز ذالك نفسي، و يعذب روحي، ويفطر قلبي. لكن ثمة قوة ما، قوة جبارة وعنيدة تشدني بشدة إلى قاع بائس معتم وحزين، قاعا شبيها ـ ربما ـ بذات القاع الذي انتشلتني منه إرادتك وتضحيتك، وناضلت بكل قواك كي لا أنزلق إلى غياهبه من جديد، وتسوقني سوقا ـ وبإصرارـ نحو مصير مظلم ومجهول.
    أعرف أن ذالك لا يروقك، لكنني لن أستطيع مسامحة نفسي، بل، وسألعنها ما حييت إذا ما ورطتك معي أكثر من هذا وجعلتك تلجين هذا الطريق.
    رفعت إلي وجهها مشرئبة قليلا بجيدها، ثم دنت حتى صارت ملتصقة بي تماما . فأحطت كتفيها بذراعي ثم ضغطتها بقوة في أحضاني. في قمة نشوة المرتبكة تلك وجدت ذراعيها تطوقان عنقي وذراعاي تلتفان حول خصرها . كانت شفتاها على بعد قيد أنملة من شفتي ، وظمأ طفولي يطل منهما . فانطلق نداء مدو من قلبي، جاوبه هتاف خجول من قلبها تلاشى صداه أسفل وجنتيها فتوردتا قليلا. وحين لا مست شفتاي شفتيها، نفحت نفسا حار وزكيا من طاقتي انفها في وجهي ثم لم تلبث أن غلبها التأثر فهمت بدمع ـ كالزلال ـ عيناها. كانت تلك المرة ألأولى التي أقبل فيها "زينب" وكانت أول قبلة أطبعها على شفتي أنثى .
    تركتها وفي رأسي خيبة وبنفسي حسرة، وكان في خديها حزن وفي عينيها استسلام

  5. #25
    مشاهد جديد
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    12
    معدل تقييم المستوى
    0

    افتراضي

    شكرا أخي على هذه القصة الرائعة والتي تنبئ بذالك القاص الجيد في داخلك فلا تقتله بداخلتك وأخرجه إلى الملئ في قصص أخرى
    وأشكرك مرة أخرى وأهنئك أيضا

  6. #26
    مشاهد جديد
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    99
    معدل تقييم المستوى
    13

    افتراضي

    إثنى عشر عاما ـ وأنا ـ في "نواكشوط " أرى الآن آخر صورة ارتسمت لها في مخيلتي ، واضحة وضوح أول صورة انطبعت لها في وجداني . يوم قدمتها أول مرة عام حصلت على الباكالوريا . يومئذ خيل إلي ـ والسيارة التي كنت استقلها تشق بصعوبة طريقها وسط الازدحام، والأنوارـ بأنني مصطفى يدخل الفردوس من بوابة الأنبياء . ورسخ ذاك التخيل في نفسي ، هبات منعشة كان المحيط الهادر ينفثها من آن لآخر فتصفع وجهي وتتغلغل في رئتي ، وأنا القادم لتوي من صيف "كيفه " الجهنمي وبطشه وحر لظاه . وتوهج أنوارا لمصابيح الكهربائية الساطعة في عيني، ولم تعرفا قط سوى نور "لمبتي:" البترولية الصدئة. صورة ما فتئت الأيام ، تثلمها ، وتخرمها إلى أن حفرتها في ذاكرتي على الشكل الذي أراه الآن ." أطلال لحلم عفي وأندرس ، وأنقاض أمل أجهضته بلادة الحس " . تلك هي "نواكشوط " التي أراها الآن في مخيلتي . نواكشوط التي عرفتها شارعا ، شارعا ، " شارع بورقيبة، وشارع عبد الناصر، وشارع الاستقلال ...ومكاتبها الحكومية أعرفها , إذ أنني لم أدع منها مكتبا إلا قرعته بحثا عن عمل . وأسواقها أيضا عرفتها . سوق "سينكيم " ، و"سيزيم " ، "وكابتال" .فقد لعبت فيها "المرياس " بجميع أنواعها ، و"ظامت" وكل أخواتها . كنا زمرة من الشباب العاطلين . لا نمل اللعب . عزل إلا من شهاداتنا الجامعية عديمة القيمة ، والجدوائية . لا وزن لنا في مجتمع "نواكشوط" الصاخب ، حيث القيمة والأهمية ، ماركات مسجلة ، ومحتكرة من قبل الأقلية ، من أصحاب السيارات الفارهة ذوي الوجوه الناعمة ، والجيوب المنتفخة . نلعب من الشروق إلى الغروب . ولا نفترق إلا حين يحيق بنا سلطان البطون القاهر ، فنتشتت زرافات ووحدانا في أحياء المدينة . ليحل أحدنا ضيفا لم يكن غالبا في الحسبان بإحدى الأسر من معارفه . معارف ملوا رؤيته ومجتها أنفسهم ، فيقتات على استحياء نظرات التبرم تنهش وجهه ساعة قدومه، ومشاعر الازدراء تلاحقه حين ينصرف. اتخذت اللعب بادئ أمري وسيلة لتجزية الوقت أقصد التسلية ، لكنه مع مرور الوقت تحول الى مشروع مدر، وذو مزايا متعددة القمار. هل تفهمني ؟ ومضيا في هذا الاتجاه استأجرت وبعض الزملاء بيتا في أحد الأحياء الشعبية، وسرعان ما أجتذب عالمنا بعض الجنود والعاطلين وسائق السيارات وغيرهم. وكنت في سبيل تأمين قدراتي القماريةـ ألجأ الى وسائل كثيرة ، منها أفراغ الشاحنات وتحميلها ، والعمل كمحصل في الأتوبيسات ، ووسائل أخرى قد لا تعجبك كثيرا "التبتيب" هل تفهم ؟ وأدمنت هذه الحياة بكل ما فيها من ممارسات . ممارسات غدت بالنسبة لي : مقبرة لما فاض عن الحاجة من وقتي ، وفيها كنت أجد دائما ، مدفنا ملائما لأوجاع قلبي وأتراحه . ومع أنها كانت تجسيدا لمعاناتي مديدة العمر وبؤسي ، فقد وجدت فيها مختبرا ـ أختبر فيه كل مواهبي وما أوتيت من قوة ورباطة جأش . ويحدث أن أخاصم أحدهم أو يخاصمني فأصفعه. ولا أذكر أنني صفعت أحدهم مرة، إلا وفقد الوعي لبعض الوقت. فقد منحني الله قوة عضلية عاتية ، أنضافت الى قوة قلبي الهائلة ، فأصبحت كتلة قوة لا مكان للضعف فيها . إنسانا صخريا من لحم ودم ، أعني كالصخرة ، تسقط على الشيء فتسحقه ، أو يسقط عليها الشيء فينسحق . كذالك سوق الحيوان أعرفها ، جلبة الباعة ولغط المتبضعين . هؤلاء يساومون ، ويناورون ، و أولائك يضاجون ويداورون. والضأن ثغاؤه وضجيج الماعز يغمران الفضاء في ذعر ملهوف واستغاثة مظلوم. صورة حية لأسواق أخرى نحن ضأنها ونحن معزها . ودنيا المجون و كل أوكار الضياع ، "الوازيس" ، و"ميناء الفن " و"الفتح .. تلك لعمري أماكن أعرفها .كم فتاة رافقت منها أو إليها ؟
    "ألم يان لهذا القلب البائس أن يسلى هواه فيصغي لعويل هذا الجسد المسكين " ؟
    بلى. استجابة حرجة لهذا النداء . نداء أرق نفسي طويلا ، قبل أن يتحول الى سأم وفتور . ويوم استجبت، كاد الألم يعصف بي، وأعتصرني الندم حتى كاد أن يمزق قلبي. أن انتهكت براءة صبية حسناء في أوج ريعان شبابها وضعها القدر وسوء طالعها في طريقي تلك الليلة. فسلبتها بسمة الأمل ، بل ولربما سرقتها حياتها والى الأبد . كنت ليلتها مغتما أوشك أن أتضعضع تحت حالة من الإحباط الفظيع . فقد تلقيت نداء استغاثة من "زينب"، وكان نداءها ألأخير ، تنذر فيه بانهيار وشيك لمقاومتها ، بعد ثلاث سنوات من الصمود .
    " يئست من محاولة استنهاض روح المغامرة فيك ، وإذا لكنت شدد ت أزري ، وها أنا أجد نفسي أخيرا ـ وجها لوجه مع أبي ، فإما أن تأتي وتأخذني معك أو تأذن لي فألتحق بك ، وإلا فسأستسلم أو أضع حدا لحياتي
    "لاتثريب عليك . استسلمي ، ولا تؤذي نفسك " هكذا رددت، وكأنني أغرس نصلا حديدا في قلبي. لكن خانني التوقع فلم أحسن تقدير ما سيلحق بي من ألم.
    آويت الى مخدعي الكئيب كمدا ، بعد أن أودعت ذالك الرد اليائس بالبريد ، وآوى معي الى مهجعي الندم والحسرة والألم . وألقيت جسمي في الفراش بإهمال وإعياء وشرود ، متوسلا طمأنينة لن تأتي ومستجديا نوما قد عاف وهجر. هكذا بقيت أتقلب ذات اليمين وذات الشمال في ضجر وبعينين مفتوحتين تغالبان انهمار الدموع . وانقضت بضع ساعات بكيت خلالهما في صمت وبلا دموع . وضايقتني فكرة أنني ربما كنت قد فرطت في حبي، وفي "زينب" عندما رفضت مقترحها بأن نتزوج ونهرب. فقلت بصوت أحسبه كان مسموعا، وبعصبية وغضب : ما من شيء كان يمكن أن يحل بي أفظع مما ألاقيه الآن ، فتبا لك أيتها لأخلاق ، وبئس الرأي ما رأيت . لكن الفكرة ازدادت إلحاحا وزاد معها ارتباكي وألمي، قبل أن يطغى على الغضب وأصبح عصبيا وعدواني المزاج . ثم بدأت أشعر بالدوار، ودهمتني طلائع الحمى والزكام ، فلم أجد بدا من أن أقفزمن السرير، للبحث عن أي شيء يمكن أن يهدأ من حالي . فعثرت على بعض الحبوب فقمت بابتلاعها دفعة واحدة وفي الحال . لا أدري كم كان عددها ، وهل كانت صالحة وذات مفعول ايجابي مضمون ، لكنني فعلت ذالك وحسب ، وعدت لأتمدد في السرير. وقد عقدت العزم هذه المرة على أن أجبر نفسي على النوم ، فأغمضت عيني بشدة وفرضت على كافة جسمي السكون ، لكن ذهني ظل متيقظا ، وشرعت تغزوه الخيالات . وشعرت مع مقدم الليل كآبة نبعت في كل زاوية من نفسي. تلك الكآبة المؤلمة المؤذية عدوة القلب والروح والجسد ، والتي كانت تثير حفيظتي دائما ، وتجعلني أفكر في الانتحار. كانت عندما تهجم علي أفقد كل صلة بالعالم من حولي ، وتفقدني كل رغبة حتى الرغبة في أن تزول . وعدت فتذكرت "زينب" وكيف أن عيناها تشبهان عيون الأطفال في براءتهما ، وكيف كان يخيل إلي حين تضحك أن حريقا من نور قد شب في ثغرها. وتذكرت أيضا أنني ـ لم أشعر بمثل هذه الكآبة يوما منذ أن أحببتها ، رغم كل الأوقات العصيبة التي عرفتها معها ، وتلك التي مرت بها علاقتنا . وبقيت أداعب هذه الخيالات ، لاه أنشد فيها السلوى. وفجأة غصت نفسي بمشهد عرض لخيالي فحاولت أن أوقف عرضه بكل ما أوتيت من قوة ، وأن أستعيض عنه بالتفكير آي جمال "زينب" وحسنها. لكن الأمر لم ينجح ، فهاج بي الحنق والغضب ." فقد رأيت "زينب" الوديعة اللطيفة ، تصارع مستميتة لكي تخلص نفسها من براثين متوحش غشوم . وكان غضبي يزداد ، ويتضاعف حنقي، كلما أشتد إصرار الغريم وأمعن في التصميم ، وكان يستبد بي القلق ويسحق قلبي الفزع ، كلما رأيت مقاومتها تلين أو تخف ضراوتها . فظاعة المشهد أستغرقتني ، فسلختني تماما عما حولي ، فتارة كنت أقف ، وأجلس تارة أخرى ، وكنت أكلم نفسي طورا ، وطورا أثور وألوح بيدي ، تبعا لنوع الايثارة المتضمنة في كل مقطع وفي حالة من الاندماج والانجذاب الكلي . وشيئا فشيئا ، بدأ الإعياء يدب في إصرار البنت و أخذ الوهن يمخر مقاومتها ، الى أن استسلمت فتوارى كامل جسدها في الجرم الهائل المتكوم فوقه . ثم أخذت تموء ، مواء قطة محصورة في قفص ، كانت عيناها مطبقتان كمن يبتلع مرا ، وحين هم بلثم شفتيها غمغمت ، وقد طما بها التقززـ قبل أن تستجمع كل قواها لتطرحه بعيدا ، ثم هوت على رأسه بقضيب من الحديد كان الى جانبها . اِلا أنه تفاداه في اللحظة المناسبة ، لينقض عليها بعنف وبشراسة ، ويقبض بكلتا يديه على جيدها الصغير". عندئذ ، جأرت كالثور، وصرخت صرخة ارتجت لدويها كل زوايا المكان وأركانه ، ثم غادرت السرير، وقد تملكتني الغيرة والغضب وكل مشاعر السوء ، وترنحت الى أن لامست الباب ـ كان الظلام دامسا وحالك السواد ـ إلا أنني تحسست بيدي الى أن عثرت على مقبضه ، لم ينفتح بسرعة فضربته بمنكبي ، ولربما هممت بنطحه برأسي ، فقد وصلت بي الحال الى حافة الجنون ،ثم لعقت عرقي ، وأدركت بأن كل ذالك كان خيال . كنت قد خرجت الى الشارع ، لكن من دون أن أحدد وجهتي . وتركت الأمر لقدمي ليجرا جسمي بلا هدى . وسرت تتقاذفني الهموم، وتتلاعب الهواجس بقلبي ، الى أن وجدتني في مكان معزول تتعارك فيه قطع الظلام ، هذا القفر ، هذا الظلام . وأنبسط أمامي المجهول، انه شيء كهذا ؟ و"زينب" الحسناء تموء تحت جرم مغتصب ظلوم . هل ذالك عدل ؟ لطالما ما آمنت بالله وخلعت عليه كل الصفات الايجابية التي أنتجتها مخيلتي ، وإنني لأجله عن أن يكون ضالعا في ما يحصل لي من مكروه ، وإذا فأنا في حل من أن أجبر نفسي على الصبر والاحتساب . كان كل شيء من حولي هادئا يلفه الظلام والسكون، وكنت وحيدا وجزعا، أقف على عتبة الجنون، ثم انطلقت أسب حظي العاثر، وألعن بصوت مسموع أبوي اللذان أوجداني على ذالك النحو الممقوت. ولم ألبث أن يممت شطر المدينة الغارقة في هدوئها ، وصحت مهددا ومتوعدا فيما يشبه هذيان المحموم .
    أنتم أيها الغارقون في ملذاتكم التافهة الى الذقون ، السادرون في غيكم ، في بلادة ومجون ، أنني ـ ومنذ هذه اللحظة ـ أخلع عنكم صفة البشر . وآه لو تعلمون ماذا يعني ذالك في قاموسي ؟ إنكم مجرد أشياء ، عقبة . فلن يرف لي رمش، وأنا أدوس شرائعكم الباطلة التافهة، ولن يخفق لي قلب، وأنا أعبث بأعرافكم الهزيلة. فأنا ومنذ هذه اللحظة ـ وأقولها صراحة ـ لا أنتمي لكم ، وأنتم لا تمتون إلي بأية صلة . كم أكرهكم إذ حرمتموني "زينب" ، وكم أحتقركم اِذ سمتموها العذاب لأنها أحبتني . لقد جندتم كل طاقات خبثكم لإلحاق الأذى بي وبها ، ولتعاقبونا على جرم لم نكن عليه شاهدين . و صدق الحزن في عيني "زينب" لأثأرن لها ، ولنفسي ، ولأكيدن طوطمكم ذاك اللعين ، ولأكيلن لكم الصاع صاعين . سأجعلنكم تلعنون تلك الأجداث التي دمتم لها عاكفون ، وتستنزلون عليها الغضب ، وما هي أهل له من العذاب الأليم . وإذا ما نبض في عرق رأفة أو شفقة بكم ، فسأقطعه بلا حساب وأهدر دمه ولا أبالي . والى أن تركعوا عند قدمي ـ في تضرع وابتهال ، تعلنون آي الولاء ، وترددون أناشيد البراء " لقد كفرنا بكم ، وبكرمكم أيها العابرون " وما أكثر المصائب التي يجرها كرم الآباء على أبنائهم ، وهل أورد الآباء مورد الشقاء إلا تركة أسلافهم ـ الى أن تفعلوا ذالك فسأظل أعبث بكم ، وبهنائكم وأعيث فسادا في حياتكم . سأزرع الرعب والخوف في كل زوايا بيوتكم ، وأسلبكم الراحة والاطمئنان . أصرخوا في وجوههم ، أيها الأسلاف : وفروا كرمكم لأنفسكم . واِن شئتم فيمكنكم التعفف . والأمر في النهاية عائد لكم ، وبالنسبة لي سيان . عندئذ فلربما سأغير رأيي ، وأشياء أخرى كثيرة ستتغير ، لن أحزن إذا كان من ضمنها موقفكم من زواجي " بزينب" لكن ثمة ألأهم وينبغي أن يكون من ضمنها . وأفقت من نوبة الثورة هذه، وعلمت بأنني كنت أهذي ، فقد زلزلت الغيرة قلبي وأفقدت نفسي توازنها . وكنت لا أزال أسير وبعد عدة خطوات وجدتني في حشد أقف أمام سينما "الوازيس" وكنت في تلك اللحظة بدأت استعيد نفسي ، وسرى عني قليلا ، وأحسست بنوع من الارتخاء يداعب أوتار نفسي ، ثمة نذر لشيء كالسرور الغامض ، أخذت تدغدغني . فاندفعت بإحساس المطارد اندس وسط جمهرة رواد السينما ، لائذا بضجيجهم من صخب مشاعري الهادرة ، ومخافة أن تفلت مني رغبة بلهاء كانت في طور التشكل داخلي . ما عساها تكون بحق الشيطان ؟! هناك في ركن قصي في منتهى مؤخرة الحشد، وقفت سيئة الطالع تلك الصبية الحسناء. كانت لوحدها ، وتتفادى سطوع الضوء ، حرجا ربما ، أو لعلها كانت تحاذر من أن ترى . وحمل مشهد تلاعب النسيم بخمارها ، الى نفسي مشاعر كدت من فرط بؤسي وحزني أن أنساها . لكن صراع أناملها مع الهوى حين كان يعبث بخصلات شعرها، أعاد لها الروح فجأة وأذكى جذوة اتقادها. وعلقت نظراتي الزائغة بقوامها ، وتغلغل وقع أنوثتها الغضة في كامل كياني ، وغالبت ترددي ويممتها . كان ذهني قد صفى، وعاود أعصابي هدوءها، كان هدوءا حذرا، لكنه كان كافيا ليمكنني من مفاتحتها، ودعوتها بشكل مناسب، يضمن استجابتها. وناضلت حين وقفت أمامها لأتحايل على صورة "زينب"في عيني وإشراقها، ولأفلت ـ ولو مؤقتا ـ من قبضة طيفها الذي أقتحم علي لحظتي فجأة من غير استئذان " فهذه فرصة للسلوى وللنسيان وقد صممت على اقتناصها بأي ثمن. وأفقت على شفتا البنت المكتنزتان وقد فترتا عن ابتسامة صغيرة.ارتبكت قليلا ، فلربما ند عني ما يفضح حالي ، فقلت مستبقا وساوسي وعادة التردد البغيضة في .
    ـ بون أسوار.
    ـ بون سوار.
    ـ هل ينتظر هذا الجمال كله ـ أحدا ما ؟ حدقت في برهة ، ثم قالت ـ ومفعول الإطراء يلون نبرتها
    ـ الجمال ينتظر ، ولا ينتظر .
    ـ هذا ما اعتقده بالضبط ، لا بد أنك اِذا ـ ضجرت من مكثة البيت ، وروتينه الفتاك ،وب.. لم لا تتفضلي، لمشاهدة الفيلم ؟ وخيل إلي أنها تفاجأت ـ رغم أن هذا ما يفترض أنها كانت تنتظره ـ لكن لغتي الواثقة الآمرة أخافتها أو استفزتها فهي مازالت صغيرة ، وفي طور الهواية على ما يبدو . جلست وهي الى جانبي وشعور غريب يغمرني ، فها أنا ـ ولأول مرة أجدني بصدد أن أجرب ... وكدت أغضب ، اِذ حسبت الامر نوعا من التشكيك في ، وفي قدرتي أن أكون شيئا ، وأن أتجاوز سلبيتي . اللعنة. من يجرؤ بأن يظن بي هكذا ظنا ؟ . مع "زينب" كان ألأمر مختلفا، وكان مجرد النظر في عينيها يكفي. لكن الآن ، لا . وساعة يجد الجد فإنني مستعد لأحرر الوحش الكامن في داخلي. وتناولت يدها ، وهممت بلثمها ، لكن طيف "زينب" عاد لمشاغبتي ، فتقهقرت ، وخارت عزيمتي ، وشعرت بالخجل من نفسي . والواقع أنني بمزاجي السيئ ذاك ، ووضعيتي النفسية المرتبكة تلك، لم أكن سوى عاشق مهزوم، تجره الغيرة من ذقنه بخطواتها الواسعة في درب الجنون. نظرت إلي بطرف عينها إذ أحجمت عن لثم يدها، بدت خجلة، ومترددة مثلي، لكنني خمنت بأنها كانت تشجعني في سرها أن أفعل ، بل ربما كانت تناشدني . كانت يدها ما تزال في يدي ، فاستجمعت قواي ، وملأت بالثقة والشجاعة قلبي ، وجذبتها إلي وضممت جسمها بكل قوة الى صدري ، وافلت زمام نفسي من يدي وانطلقت أحدثها ، بما عن لي ، وأحكي لها كيفما أتفق ، نكات ، وحكايات ، وأشياء .. ورغم هذا كله فلم أقرر فعل أي شيء محدد. ولدى خروجنا ، كانت يدانا متشابكتان ، ونسير في تناغم وانسجام حتى ليخيل الى من يرانا ،بأننا عرسان أغراب . ومشينا بضع خطوات، وبحركات صغيرة حررتها من التردد، وقضيت على حذرها. وحين كانت هبات النسيم تدغدق منخري بأريج عطرها الزكي ، كانت حالة من النشوة تنتابني، وتكاد ـ لولا ترددي ـ أن تخرجني عن طوري . ألم أكن قد حسمت أمري، فلم تر... آه من رغبتي ، ورهبتي ، وهذا القلق الراكد في قلبي . ومع مرور الوقت، وتوهج النضارة في وجه البنية ، تحررت شيئا فشيئا ، من وساوسي ، وطردتها وجلسنا نحتسي بعض المشروبات على لبنتين متقاربين قرب أحد الدكاكين ، بركن مظلم بعض الشيء ، جوار بناية قيد الإنشاء . وبقينا صامتين برهة ، ثم جذبتها ناحيتي ، وداعبت خديها ، وهمست في أذنها بشيء ما فضحكت ، فتشجعت وطبعت قبلة على خدها ، وانتظرت لدقيقة أو أقل ، لأعرف ردة فعلها . ثم مددت يدي بتؤدة ، حين آنست جانبها ، وأخذت أداعب صدرها ، وحللت زرا ، ثم زرين ، من أزرار فستانها ، و استمتعت لبعض الثواني وأنا أعبث بنهديها ، وبلغ تأثري أشده ، واكتسحت حمى الرغبة كامل كياني ، وانزلقت بيدي الى أسفل ، فصدها ضيق الفستان، فقلت فيما يشبه التوسل :
    ـ هل تسمحين ؟ و
    ـ ماذا تريد أن تفعل ؟
    ـ أفسحي الطريق ، وستعرفين كل شيء. تنهدت في حيرة، ويبدو أنها مثلي لم يعد لها على نفسها سلطان، ثم قالت وهي ـ تمكنني مما أردت باستسلام:
    ـ ألا ترى بأننا في الشارع ؟
    ـ أنا لا أرى سواك. وكنت صادقا، فقد تواريت عن العالم وراء حجب رغبتي. وتطلعت إلي في فضول، وكنت أعلم أنها مرتبكة وضحكت ضحك مأخوذ يجرفه تيار التجربة، وقالت:
    ـ هذا جنون، فأنا لا أعرف حتى أسمك !
    ـ ولا أنا ، لكننا لن نحتاج الى ذالك الآن على الأقل .
    ـ لعلك ظننتني من ...، أسمع . أنا من عائلة "محترمة" والدي أمين عام وزارة سابق ، وأمي أستاذة لكنني وكأي إنسانة معاصرة لا أرى بأسا في الذهاب الى السينما ، ولا حتى في الخلوة مع الرجال إذ أنهم ليسوا كلهم سفلة وأشرار. فهمت ما كانت تريد قوله، وما عنته فيما قالت ، فقد كانت تريد أن تبعد من ذهني فكرة كونها فتاة ليل ، أو من أولائك السائبات . ومضت تصور بحذق وبتهويل ، ما ينتظرها من ذويها إذا ما ضبطها أحدهم وهي في هذه الوضعية معي ، أو رآها وهي تعود للبيت في ساعة متأخرة من الليل ، لكن ماذا يهمنى أنا في ذالك كله ؟ ألم أحزم أمري وأقرر ؟ وعلى كل حال فأنا لا أنوي أن أفعل بك يا حلوتي ـ أكثر مما يريدون فعله "بزينب" فكيف تسنى لهم دعوة هذا سفالة ، واعتبار ذالك زفافا وفرحا ؟ وإذا ، فليس ثمة صلة مفهومة يا صغيرتي ـ بين الشر وبين ما نحن بصدده ،اللهم الى تلك التي يقيمها هؤلاء المنافقون في أذهانهم الصدئة ، وتلك صفة أخرى تجعل الأمر عصيا أكثر على الفهم . قلت هذا في نفسي ، وقدت البنت الى ركن مظلم ، في البناية المهجورة قيد الإنشاء تلك ومن ثم أخذتها ـ وأغلب الظن أنها كانت صادقة فيما قالت ، رغم أنها لم تقاوم مقاومة ذات شأن . تمنعت قليلا ، واحتجت ، ثم بكت بكاء المغلوب . تركتها حيث أخذتها ولا أدري ما حصل لها بعد ذالك

  7. #27
    حاصل علي وسام التميز الصورة الرمزية أحمد الحسن
    تاريخ التسجيل
    Feb 2006
    الدولة
    Nouakchott
    المشاركات
    1,749
    معدل تقييم المستوى
    15

    افتراضي

    أهلا بعودتك يا جواد ألا ترى أنك تسرف في الغياب؟

    على كل أنت بعودتك ستكون إضافة كما كنت من قبل خاصة وأن هذا الروتين القاتل لا زال بعدك جاثما علي مشهد القصة!

  8. #28
    مشاهد جديد
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    99
    معدل تقييم المستوى
    13

    افتراضي

    لا يوجد حي من أحياء العاصمة إلا ساكنت قاطنيه ، وكان لي معهم شأن ، و"الكبة" ، و"المدائن" ، و"الكزرة" وما شابهها من الأماكن تسكعت في أزقتها ، وخضت نتنها وعملت فيها العجب العجاب ، و"لكصر" و"تيارت" ، وكل ملحقاتهما ، جست خلالها ، وعثت فيها فسادا . كان في نفسي اِحساس تحول مع مرور الأيام ، وتلاحق الإحداث الى إيمان راسخ ، بأن جميع ما أقوم من أعمال ، كان مجرد تمرينات من قبيل الحركات التسخينية التي يجريها اللاعبون عادة قبل النزول الى أرضية الحلبة ، أو نوعا من البروفات على أحداث مسرحية حياتي ،ألملآ بالآهات ، والدموع وبالمفارقات .
    المساجد أيضا عرفتها . المسجد الجامع، ومسجد المقاطعة الخامسة، والسادسة و... لم أدع مسجدا إلا صليت فيه، واستغفرت الله. إثنى عاما ، وأنا أعيش هذه الحياة . أدوس على كل شيء سام عند هؤلاء الناس، واسخر من كل شيء وقروه . وكنت كلما آنست في أحد الزملاء ، ضعفا أو تهاونا إزاء ما كنا نمارسه من أعمال ، ألبسته تهمة ما تزج به في السجن لبعض الوقت ، أو أغري به آخرين فيعود راغما الى الأحضان ، أو يختفي من الوجود والى الأبد ، وسائل إخضاع جديدة أضفتها الى وسائل قديمة درجت على استخدامها ، من قبيل الإعراض ، والإغراء ، والترغيب والترهيب ، وأشياء أخرى أكثر تقليدية من ذالك .
    كان لا بد لي ـ وقد باتت المواجهة أمرا مقضيا ـ من أن أعبأ نفوس كل المحيطين بي بالحقد وبالكراهية . فكل ما يربط أولائك التائهون في بيداء الحاجة أللامتناهية ـ العالقون في الذل والبؤس والمهانة من وشائج ورموز وقيم أخلاقية بهؤلاء الغوغاء أعداء الإنسان والإنسانية ـ ينبغي أن يجتث ويستأصل من الجذور، وما من وسيلة أفضل لإنجاح ذالك وأضمن من لقم عقولهم بالعنف ولغم سلوكهم بالعدوانية . لقد استطعت ـ بعقلية اللص الكريم وذهنية المغامر الجسور، وبعقلية المثقف المنافح عن كل ما هو سام وجميل ـ من أن أجد لنفسي مكانا مناسبا ضمن صفوف القطيع .لكن بعد فوات الأوان .
    لا تنتظر التسلسل فيما أرويه لك من أحداث ، والعتب كل العتب على ضعف الذاكرة .
    ذات مرة وجدتني أتساءل، لماذا لا أستعين ـ في بحثي عن العمل ـ بأحد أصدقاء خالي، أو ببعض معارفه الكثر؟ كنت ـ ما أزال ـ ساعتها أتمسك بخيط أمل واه ، أمني النفس مستأنسا بحلم يقظة لذيذ . حلم مافتئ يراودني من حين الى آخر ملوحا لي بمعجزة ما قد تقع في أية لحظة ، فيتخلى النحس عن ملاحقتي وأفوز بالزواج من "زينب" . كأن يرتد هؤلاء الغوغاء عن عبادة وثنهم الأثير ذاك ، أو أن تكفر"أم زينب" بقداسة أسرة خالي . ولماذا لا تنخسف الأرض مثلا بكل أولئك البله الذين حكموا علي وبطقمة شهود الزور تلك التي أدانتي . سآمل أن يحدث هذا أو ذاك ، لكن في انتظار ذالك ينبغي أن تكون أموري كلها مرتبة وجاهزة لاستقبال "زينب" .
    " مر الواقع ، فليحلو الخيال" .
    قصدت "عبد الله ولد حم " وهو أحد أصدقاء خالي المقربين ، وواحدا من أعيان القبيلة المتنفذين. لم تكن تلك المرة الأولى التي أتردد فيها على أحدهم في هذا الشأن ، لكنها كانت الوحيدة التي أقصد فيها أحدهم في بيته ومن تلقاء نفسي ، ففي المرات السابقة كنت أكتفي بإيصال رسالة من خالي ، الى المعني في مكتبه من غير أن أنتظر رده ، أو أهتم بمقابلته في البيت . والواقع أنني لم أسعى الى ذالك غالبا . فحالة العبوس والفتور التي استقبلني بها بعضهم، وتلك المماطلات والوعود المراوغة الكاذبة، خلقت لدي حالة من القنوط، والنفور، وعدم الثقة.
    استقبلني الرجل بوجه وسمته النعمة والرفاهية في صالونه الفخم بحي "تفرغ زين الراقي " و حين سلمت عليه تثاءب ملأ فيه قبل أن يأتيني رده البارد. بقيت واقفا مأخوذ اللب بروعة أثاث الصالون ، أدلك بنظري وجه الرجل الناعم ، الحليق ، أتنسم ملأ رئتي شذى عطره العليل ـ الى أن دعاني ـ بعد لأي ـ للجلوس . وفور قعودي ابتدرته قائلا فيما يشبه الاعتذار.
    ـ كان يفترض أن أتصل بالتلفون قبل قدوم الى البيت ، خصوصا أنكمم شخصيا لاتعرفونني لكن يبدو أن إيماننا بأشياء المدنية هذه مايزال ناقصا . هز الرجل رأسه بتكاسل وبلامبالاة . فواصلت الكلام وقلت:
    ـ أنا " أبن أخت "محفوظ ولد أعل". واجتاحت الرجل موجة حماس رتيبة لدى سماعه اسم صديقه ، لكنها لم تلبث أن تحولت الى مايشبه عدم الاكتراث ، عندما قلت له بأنني أحمل شهادة "المتريز" في الاقتصاد ، وإنني بحاجة الى من يساعدني في توظيفها . قال بعد أن أنهيت كلامي ـ والضجر يلاحق بقايا الحماس في وجهه:
    ـ أعتقد أنك وصلت متأخرا بعض الشيء ، فأنا الآن مجرد موظف عادي .ابتسمت في سري بمرارة فقد كنت أتوجس خيفة من أن يلحق بي نحسي الى هنا ، لكن هاهو يسبقني متعمدا زرع المزيد من اليأس في دربي . فالرجل كان في موقع هام يخوله مساعدتي ، وكان ربما سيفعل ، لو أنني جئت أبكر قليلا . وإذا لتغير الوضع ، ولأصبح للأشياء معنى آخر. فأف لهذا سوءا لطالع اللعين، الذي حجزني عنه كل هذا الوقت، وأعمى....
    ـ أعرف أن سيادتك كنت أمين عام وزارة، و...
    ـ والآن أنا مجرد مدير تنفيذي، لا حول له ولا قوة.
    ـ لا أريد أن أحرجك، لكن سيادتكم تتمتعون بسمعة طيبة، وما تزالون قريبي عهد ـ كما أظن ـ بالوزارة، ولا شك أن لديك من الصلات ما يمكنكم بالاطلاع بمهمة كهذه ، ثم لا تنسى بأنكم أمل كل القبيلة وشبابها في الحصول على نصيبها من الغنيمة . وأرجو عفوكم ! فوصم البلد بهذه الصيفة شيء لا يبعث على السعادة أبدا ، لكنهم جميعا يتصرفون فيه بصفته كذالك . استمع الرجل الى بقية كلامي بدون تأثر يذكر، وكانت بوادر الملل والضجر بادية في محياه ، فلم يعلق ، وطال صمته واستطال ، حتى ظنته قد مات ، فقمت أريد الرحيل . وقبل أن أبرح أطلق الرجل زفرة ، اتبعها بشخرة ، أعادتا الطمأنينة الى قلبي اِنه مازال حي . ثم استدرت خارجا، لكنه لاحقني، ولما أتجاوز العتبة، قائلا:
    ـ أتنتظر"ازريق"والشاي ؟
    ـ شكرا ، في مناسبة أخرى إن شاء الله ، فقال بلغة المتثاقل الغير آبه بما يقول
    ـ عموما سأهتم بموضوعك ، وسأرى ما يمكنني فعله. ثم تثاءب حتى خفت في نفسي ألا يستطيع غلق فمه من جديد ، واستطرد : لابد أن ثمة وظائف ، شاغرة في الدولة ، وحاجة المؤسسات الى العمال تزداد يوما بعد يوم ، وذالك بفضل السياسة الحكيمة لرئيس ...، وبفضل التوجيهات النيرة للوزير الأول ...، لكن هنالك مسألة هامة ، وبدا منه الجد ـ الواقعية أمر ضروري ، والتحلي بها مؤشر ايجابي على حسن فهم العصر وأساليب العيش فيه . المرحلة صعبة، لكن الأصعب منها هو فهم كيف تتم المعاملات في ظل تشابك، وتعقد المصالح. بالنسبة لإنسان مثقف مثلك فاِن آخر شيء يخشى عليه منه هو قصور الفهم. الاتكالية عرف قديم ، أبلاه التقادم، وسوء الاستعمال ، والمجانية آلية عقيمة في التعاطي مع الأمور وإدارتها . وهي ـ بالمناسبة ـ أسلوب ثبت بالتجربة فشله ، حتى من لدن الدولة ذاتها ، فنبذته الى غير رجعة ، وتخلت عنه الى ألأبد ، اِذ أنه لم يؤدي إلا الى خلق أمة من الكسالى ، وأجيال من المتسولين وأشباههم . نحن في عصر أمسى لكل شيء فيه مهما تفه ثمن. وأنت شاب ومتعلم، ويمكنك بكدك، وجهدك أن تبدأ مشروعك الخاص. وسيكون ذالك فيما أحسب ثمنا مقبولا، لكن الأمر قد يتطلب بعض الوقت لتلمس العائد، وفي حالة ما إذا كنت متعجلا ـ وأنا هنا إنما أريد أن أنير أمامك الطريق ـ فيمكنك تجربة وسائل أخرى، ربما تكون أنجع، وأسرع فاعلية، فهنالك أناس مختصون في دهاليز الإدارة ، وما يدور خلف كواليسها ، يمتهنون مثل هذه الأشياء ويمكنهم مساعدتك ، مقابل أتعاب معقولة ، وغالبا غير مجحفة . فقلت ـ وقد بدأت أشعر بالغثيان من شدة الغضب، وبالغليان ـ
    ـ لكنني لا أعرف أحدا منهم ، و ليس لدي ما أقدمه لهم ؟ ..
    ـ ليست تلك مشكلة لا أمل في حلها. فهم معروفون جيدا ، ودرجة مرونتهم عالية جدا ، لكنهم يقدسون الوفاء بالتعهدات . ولديهم ـ في حالة الإخلال بها ـ ردود فعل غير متوقعة.
    ـ وهل سيأخذون شهادتي بعين الاعتبار؟
    ـ بكل تأكيد، لكن، أرجو ألا ترفع سقف توقعاتك عاليا، فالمتاح محدود، والزبائن كثر.
    ـ أخفضه الى أي حد مثلا ؟
    ـ أنت وحظك، إنما لا يمكنني أن أخبرك أي شيء الآن، ويمكنك الاتصال بي بعد شهر من الآن. ازدرت خيبتي وانصرفت من دون أن أنبس ببنت شفة.
    يهبط المرء درجة ، فيدنو أكثر فأكثر من حيوانيته ، ويخطو مبتعدا بذات القدر عن جوهر إنسانيته ، كلما توالت الانتكاسات تضرب أمله بلا هوادة وفي كل حين ، وتراكمت الاحباطات على نفسه و تلاحقت تحفر قلبه في الصميم . وقد يتحول بالتدريج الى كائن شرس وخطير، كألافعى حين تداس أو حين تشعر بالخطر. أو الذئب عندما يجوع ،أو يطارد ويحاصر. لكنه سيكون أشد منهما فتكا وأبشع ،وأخبث منها وأوسع حيل . كائن يموت فيه كل إحساس بالآخرين، فيمسون في نظره مجرد أشياء .منزوع الإنسانية بليد الشعور. ولن تجدي معه المواعظ غالبا حين يتوقد فيه ذاك الساعور . أتعتقد جديا ـ ياصاحبي ـ في جدوى أن يتنازل المرء بلا مقابل ، والى مالا نهاية ؟ فأي معنى نعطيه لوجوده عندئذ ؟ وأي وصف يمكن أن يعكس حياته.؟ لا أخالك قادرا على الإجابة . وأنت تعرف أننا ـ ومن بين كلما تضج به أنفسنا من رغبات، وما يصطرع فيها من أهواء ـ لا نسعى فعلاـ وبجد وإصرارـ الى تحقيق منها اِلا ما يبدو لنا ضروريا ، وأساسيا في حياتنا ، أما ماعدا ذالك فنتمناه ، نحلم به ، نجد في طلبه ، وأحيانا نجتهد ، إنما في حدود الممكن ووفق المتاح غالبا . لكن حين يتعذر ذالك ، لا لشيء إلا لأن الآخرين يأبون التنازل عن أي شيء ، فاِن حمولة النفس من الضغوط تزيد ، وتتناقص قدرتها على التحمل . ويغزو الإرادة الوهن ، فلا تعود قادرة على الصمود . لا نية لدي مطلقا في أن أبرر لك جرائمي ، إلا أنني لن استاء إذا ما فهمت الأمر على أنه كذالك . فالأمانة العلمية تلزمني ـ مادمت قررت أن أقول لك ـ أن أخبرك عن أي نوع من الناس كنت قبل قدومي الى هنا .
    خرجت من عند الرجل ـ كعادتي ـ أتلفع إيهاب خيبتي ، وقد بدأت أقطار السماء تختفي شيئا فشيئا عن ناظري ، وأطراف الأرض من حولي تضيق وتتضاءل وتنكمش . وطفحت نفسي بالكآبة الى حد جعلني أفكر جديا في البكاء . فربما وجدت في ذرف الدموع وإهراقها بعض العزاء والهدوء ، ومرة أخرى عدت ألعن حظي ، ومن كان السبب في ما يحصل لي . وتمنيت لو أني أقدر عليه ، وعلى ذاك اللعين الذي تسبب في وجودي ، وأني لأتمنى لهم جميعا مقاما سامقا في مس جهنم الأبدي جزاء الأذى الذي سبباه لي والشوك الذي زرعا به دربي . كم هما ظالمان وغاشمان، وكم هما قاسيان ؟! وعدت أدراجي الى كوخ الصفيح ، حيث أقيم آنذاك في "الكبة" عند "أمبيريكة " المسكينة . تلك المرأة التي تعودت العطاء بلا حدود رغم المعانات والجحود، والتي حين أذهب كانت تودعني بدعاء قلبها، وتستقبلني بضحك عيونها حين أعود، كانت بحر كرم ، أرضا معطاء، سماء بذل دافئة وحنون. وهاجمتني بقيا من ذكريات الطفولة عندما كنت أعيش مع جدي وجدتي ـ وكانت "امبيريكه " ماتزال عندهم . مجرد أمة كانوا يذلونها ويستغلونها ، فيما كانت هي تجلهم وتكبرهم وتتفانى في خدمتهم. كانوا يصفونها بأبشع النعوت ، ويعاملونها بازدراء واحتقار . كنت صغيرا ، لكنني مثلهم ـ فلسبب كنت أجهله ـ لم اكن أكن لها اِلا القليل من الاحترام . ولم يكن من المعقول ، وأنا في تلك السن أن أحس بمعاناتها ، ولا حتى أن أتساءل عما عساها جنته لكي تلقى كل ذالك العنت ، وما الذي كان يجبرها على تحملها بجلد بصمت . إلا أني أحس الآن، كم كان مخز ومحزن في آن، أن حسبت يوما أن ذالك شيئا عاديا كان ، ومقبولا بأي وجه من الوجوه . وليس دناءة نفس ، وسفالة خلق ، وجريمة تستحق العقاب وأن تدان . كانت كل ما بقي في حوزة أهلي من ذرية امرأة كانت يوما عبدة لهم . ذرية تسربت من حولهم تباعا ، وتشتت ، اِلا "امبيريكة"وبعض أولادها الصغار. وظلت صابرة على أذاهم تخدمهم الى أن خلصتها منهم عدالة المنون . فجاء أحد إخوتها واصطحبها لتعيش منذ ذالك الوقت في "نواكشوط". واعتبرتها منذ ذالك الحين بعضا من ذكرى طفولتي الأليمة ، وأجبرت ذاكرتي على نسيانها وإيداعها سلة الإهمال ، لكن حين أوصدت في وجهي جميع الأبواب ، وخصوصا أبواب أولائك الذين أرسلني إليهم خالي لأقيم عندهم ـ بشكل فج أحيانا ، ودبلوماسي أحيانا أخرى ـ عادت "امبيريك" الى ذهني ، كملاذ وخيار أخير، وكنت أتساءل في نفسي ـ طوال بحثي عن مكانها ـ عما إذا كانت ستستقبلني أم أنها ستثور في وجهي وتطردني شر طردة .ألم يؤاخذني الجميع بجريرة أمي ؟ فلماذا علي أن أتوقع أن تكون هي الاستثناء ؟ والحق إنني حين فكرت في الموضوع بشكل محايد وعميق خلصت الى أنه لن يكون عليها من ملام ، إذا ما فعلت ذالك وأكثر. فجدي الذي كان لسانه رطبا دائما بتلاوة القرءان والأذكار، وجدتي التي قرحت شفتاها الأدعية وتلاوة الأوراد ، كانا بالكاد يحسبانها مخلوقا من دم ولحم وذا روح وكيان . وسألت إلى أن اهتديت الى مسكنها في ذالك حي الصفيح البائس ، وكدت لا أصدق عيناي ، عندما رأيتها تنهار من التأثر حين عرفتني . وبكت بمرارة وانتحبت حتى خشيت عليها من الإغماء ، حين أخبرتها بوفاة أمي ، وبأن لي أخوة لم أراهم منذ أمد بعيد . ولبثت تلثم يداي تارة ، وتقبلني في الرأس تارة أخرى ، ثم تضمني إليها مرددة عبارة " ياون " باستمرار . لم يفعل ذالك معي أحد قط ، حتى جدي وجدتي . فالدفء الذي أشعر به الآن في كنف هذه المرأة الصبور، وتلك البشاشة والاحتفاء المؤتلقة بهما عيناها جعلاني أتذوق ـ وللمرة الأولى ـ طعم الحنان الطبيعي الأصيل. ولمست عن قرب الفرق الشاسع والبون بين مشاعر الحنان حين تفيض لتغمرك في عفوية وانسياب، وبينها حين تكون راكدة فتبللك في تكلف وفتور. كانت تنزع اللقمة من أفواه أبنائها لتضعها راضية في فمي ، وكانت تعد لي متكئي وتتركهم يتدبرون أمرهم ، وبدأت مشاعر كراهية ممزوجة بشيء من الاحتقار تتبلور في نفسي اتجاه جدي وجدتي ، وأدركت أنهما كانا ضالعين الى حدما في مأساتي وجودي الأبدية ، فقد كنت بمثابة عقابا لهما ـ أقل بكثير مما يستحقان ـ جراء سوء معاملتهم "لمبيريكه" العطوف ، ونكرانهم لجميل صنيعها معهما ، فكل أطفالها الذين ولدوا حين كانت في حوزتهم ، كانوا مثلي ثمرة سفاح شأنها هي نفسها ، إلا أنهم لم يعتبرا ذالك يوما شيئا قبيحا ومشينا ، بل ربما كانا يشجعانه ، ويفرحان حين ترفدهم بالمزيد ، فهي لم تكن في تصورهم أكثر من قاذورة ، لكنها قاذورة تنتج الإماء والعبيد ، وفي أحسن الأحوال كانت دجاجة ، وينبغي أن تبيض دائما وتبيض ، لكن حين حملت بي أمي بالطريقة ذاتها ، أصيب جدي بجلطة في الدماغ وشل من هول الصدمة نصف جدتي . لا بد أن وضعها الراهن هنا ـ رغم بؤسه المدقع الشديد ، أفضل بكثير مما كانت عليه الحال أيام كانت في قبضة أهلي ، اِلا أنها كانت ـ وكان ذالك يستفزني ـ دائمة الحنين لذاك الماضي البائس الحزين ، ودوما كانت تترحم وتسأل الصفح والغفران كلما ذكر أحد ذانك العجوزين .
    لا شك أن ثمة خللا ما في هذه الحياة و نظامها ، واِن شئت فقل خطئا ، وينبغي أن يكون خطئا جسيما ، كي تقبل وترضى أن تعيش "امبيريكه" هكذا . ألم تفني هذه المرأة شبابها في الخدمة و في العطاء، وتروي الأرض بعرق جبينها، و تزرعها بدم قلبها الكبير الحنون ؟ أو لم تكابد، الإذلال و الهوان وكل أهوال الشقاء ألأخرى، لتدر الضرع وتنبت الزرع ؟ أو من العدل أن تقبع تلك المرأة المكافحة منذ صغرها في هذا الجحر الحقير طوال حياتها، بينما ينعم ذالك الفاسد الوضيع في قصر منيف شيد من أنات حرمانها ؟ وأن تتلاعب نساء الحي المخملي بالحلي وبالملايين، ويتعابث بالسيارات الفارهة أبناؤها الفاسدين المفسدين ، فيم تناضل هي مستميتة ، كي تسكت عواء بطون صغارها ؟ . لكن مادامت مقاليد ألأمور كلها في هذا البلد البائس التعس، بيد أمثال ذالك اللص التافه بليد الشعور والحس ، يتناوبون على إدارتها بالكذب ، والخيانة وبالغش ، فسيطول انتظار "امبيريكه" وشقاؤها ، وستلد كل لحظة العشرات ، بل المئات من أمثالها ، لكنهم قد يكونون أوهن منها صبرا وأقل استعداد للتحمل وللعطاء، وقد تكون مشاعرهم أقل نبلا من مشاعرها وأكثر قسوة وجفاء .
    إنني لم أكن أطمع من ذالك الحقيرـ أبدا ـ في أكثر من مد يد العون والمساعدة ، وكنت أقصد بذلك تحديدا ، أن يخبرني ـ إن علم مثلا ، وبحكم مركزه الكبير وموقعه في الإدارة ـ عن أي مسابقة ستجرى لاِكتتاب موظفين جدد لدى الإدارة التي يعمل فيها أو أية إدارة أخرى ، فمعظم ألإدارات هنا ـ وبحجة استغلال الوقت والجهد ـ صارت تعتمد السرية في اكتتاب الموظفين ، إلا أن الحقيقة التي لا مراء فيها أن تلك ألإدارات ـ أو على الأقل معظمها ـ فقدت منذ زمن بعيد صفات عموميتها ، ومن ثم فقد غدت مجرد إقطاعيات للقائمين عليها ، والدائرين في فلكهم ، يوظفون فيها من يشاءون ، وكذالك يحرمونها . أو أن يحمي من السطو ومن التلاعب والعبث مجهودي في المسابقات التي كنت أشارك فيها ، كما حدث لي عدة مرات .
    مرة عندما تم إقصائي من مسابقة نظمتها إدارة الجمارك ، حين ظهر اسمي أول النهار على لائحة الناجحين ، ليختفي آخره ، دونما سبب واضح .
    ومرة عندما استبعدت ـ ظلما ـ من الناجحين ، وبعد التقويم الشخصي ـ في مسابقة أخرى نظمتها هذه المرة المدرسة الوطنية للإدارة .ومرات أخرى كثيرة ، ومرات ، لعل أسوأها كانت ، وأبعدها أثرا في نفسي ، تلك التي تم فيها السطو على جهدي ، وعلى أسمي في نفس الوقت . حين انتزعت صوري من بين أوراق ملفي ، وألصقت بدلا منها صور شخص آخر ، لتؤول إليه ثمار تعب لم يذرف عليه قطرة عرق واحدة . حصل معي ذالك في مسابقة نظمتها ، المدرسة الوطنية لمختلف الأسلحة " بأطار" لاكتتاب الضباط العاملين . وكان غريبا أن وجدت من يتعاطف معي ، ويحاولا جاهدا ـ وبدون ـ مقابل أن يساعدني. أحد ضباط الصف، يعمل في الإدارة، في عقله بقية أخلاق، وفي روحه شيء من التقوى. ؟ ومع أن جهوده لمساعدتي لم تفلح في أن ترد على حقي اِلا أن فضحه لتلك الجريمة البشعة أمامي قد قربني خطوة أخرى في اتجاه مصيري . قال ـ وهو يعض على أسنانه بتأثر واضح : أعرف أن هؤلاء الأوغاد بتصرفاتهم الغبية هذه ، أنما يدفعون بالبلاد الى حافة الهاوية . وبزرعهم اليأس في نفوس الشبيبة هكذا ، فإنهم يجازفون بسلبها القدرة على الصمود والبقاء . مثل هذه الأشياء تحدث هنا دائما ، ولم تسلم منها أية مسابقة فيما مضى ، لكن ليس بهذه الدناءة والجرأة ، والوقاحة . سامحني ـ ياـ ولدي ، فالساكت على الجريمة متواطئ ، والمتواطئ مجرم لكنه جبان . قال هذا، ثم أردف ـ وهو يتجنبني بنظراته، ربما إشفاقا من حالة الانهيار التي كانت تتهددني بجلاء ووضوح ـ أردف: ألق بمظالمك الى الله ، وثق في أنه سينتصر لك . من يدري لعل المستقبل يدخر لك ما هو أفضل وأحسن ؟
    لعل ؟! ذاك رجاء غير موثوق التحقق، وإشفاقا لا أدري أين أضعه، لكن مازال بالقلب بعض الرجاء، وفي الروح فسحة أمل.
    صمدت بعد ذالك طويلا، وقاومت وأحسنت البلاء، و كنت كلما أوشكت على الانهيار أتدارك نفسي في الوقت المناسب. فلذت بالصبر واعتنقت الرجاء وأبقيت على فوهة بركان الغضب الفائر في داخلي ـ رغم المشقة ورغم العنا ء ـ هادئة ومغلقة بإحكام ، الى أن تلقيت رسالة من "زينب" تنعيني فيها نفسها وحلمي الجميل إذ قضت عليها مشيئة أبويها وأجبرتها على الخضوع والاستسلام .
    كنت يومها أستعد لأداء مسابقة أخرى، تتعلق هذه المرة بمفتشي الشرطة وضباطها. مسابقة ، سبق وأن خضتها مرات لا أعرف كم عددها ، لكنني أعرف الآن أن هذه ستكون آخرها .
    لو كان لدي في ذالك اليوم ما أفعله أفضل منها ، ما كنت لأعبأ بها وأتجشم العناء لأخوضها ، لكن الإحباط كان يعضني وأحزاني كان قد أرتفع منسوبها . و كانت رغبتي في أن أتلافى حدوث شيئي مما حدث فعلا، تدفعني في كل اتجاه وتغريني بالتعلق ولو بأوهى الأسباب. اِلا أن أحد القائمين على المسابقة من الضباط ، الميامين ! أبى اِلا أن يتطوع بصب القطرة التي جعلت كأسي تمتلئ وتفيض . فعلى أثر احتكاك بسيط، بينه وبين أحد المتسابقين، أشتعل في صدر لرجل الغضب فأخرجه عن طوره ليصرخ في الجميع ـ متسائلا في سخرية وشت عن صلف واحتقارـ "لا أدري لماذا علينا أن نتحمل وقاحاتكم ، وكل هذه السخافات ، وقلة الأدب ، من أجل أمر قد قضي وحسمت نتائجه سلفا " ؟ قال هذا ، ثم خرج ، وترك القاعة في حالة هياج تمور بالغليان .
    هذه البلادة في الحس ألأمني لذالك رجل ألأمن الوقح، وتلك الفظاظة والقسوة في تصرفه الأحمق ذاك ، لم تفاجئني شأن غيري ، ممن لايزال لديه بعض الرجاء . فنحن أبناء الصحراء نتحمل اللثام طويلا، وان رث واخلق و بلي، لكننا نختنق بالأقنعة سريعا وإن تخفينا بها فإلى حين . وبينما ضجت القاعة بالاحتجاج وبالسباب والاستنكار، رفعت أنا ـ قلمي عن الورقة و عمدت الى تمزيقها ، وخرجت. كانت الفرقعة في أعصابي تكاد تصخ أذني، وقد أغسق الوجود في عيني، وشيئا فشيئا بدأت أفقد الصلة بما حوالي من ناس ومن أشياء.
    لقد حان دوري وسألعبه بكل مهارة ومهنية ، وما أزدرع في نفسي هناك ، قد نضج الآن هنا . وإذا لم أكن واهما فاِن الساعة قد أزفت. أيها الشيطان : الثمار قد نضجت وآن قطافها ، فخذ المنجل والسلة وهلم.
    الآن ، ومنذ هذه اللحظة ، الآن ، ستتهاوى تباعا وتتلاشى كل تلك القناعات البائسة التي زرعوا بها روعي . وتلك الأفكار الرمادية كلها التي ألقموها لعقلي ـ منذ الصبا، ويافعا. ولاحقا سعوا سعيا ، دؤوبا لايكل لترسيخها في ذهني . وسيجوا محيطها بالسخرية وبالاستهزاء واعتقلوا في أتونها تطلعي إلى غد أصنعه لنفسي ،بأن أكون كما شاءوا وحكموا ، بائسا ودونيا ، أرسف ما حييت في الحرمان ـ ستتبدد كما الرماد في يوم شديد العصف . وها ، أنا أقرر، ومن هذه اللحظة والآن، أن أعبر عن نفسي كبائس ودوني ، وكمحروم يائس، لكن ليس بالشكل الذي كانوا يتوقعونه ، إنما بشكل آخر. شكل أقل تقليدية مما ألفوه، لكنه جذري، وفعال. بالقوة، وبالمكر. وهل من سبيل غيرهما أقصر إلى ذرى المجد والشهرة،أو من وسيلة سواهما أضمن للحاق موكب الخالدين ؟ فبهما تفوق الإنسان على نفسه ، فقهر الخوف والجبن ، وكل ثمارا لضعف المريرة، وفيهما تطهر من أوهامه ، وتغلب على وسواس المشيئة والمكتوب والمقدر. أفتك وساوس النفس كلها، وأشدها وطأة وأبعدها أثرا. اِذ يقتل في الروح دوافع الفعل الخلاق ، ويسلبها خاصيتي المبادرة والاقتحام ، حين تتوهم بأنها ستصطدم كلما حاولت بجدار تلك المشيئة السميك الجبار . وشيئا فشيئا يتسرب إلى ثناياها الوهن ، وتفقد القدرة على التصرف وعلى الفعل . وبهما سام وتسامى، وساد الأنام وأنتصر. "

  9. #29
    مشاهد فعال
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    105
    معدل تقييم المستوى
    10

    افتراضي

    يا جواد،
    جادت قريحتك علينا بهذه القصة الجيدة التقاسيم،
    لا عدمناك و لا تم اطول فين ليد يسلمك انشاء الله

  10. #30
    مشاهد جديد
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    99
    معدل تقييم المستوى
    13

    افتراضي

    شكرا لك . اعدك بذالك إنشاء الله . لكن لاتنسوا إخوتي الإعزاء أننا نكتب لك ، وأننا لذالك بحاجة إلى آرائكم ن وانطباعاتكم حول ما نكتبه ، بغض النظر عن مضمونها . فهي إن كانت إطراءا فذالك يشجعنا على الإستمرار، وإن كانت نقدا أو تصويبا فنحن في أمس الحاجة إليها .

صفحة 3 من 8 الأولىالأولى 12345678 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. بعد رحلة معاناة في مطار هواري بومدين، الوزير الأول
    بواسطة samouri في المنتدى مشهد الأخبار السياسية و الوطنية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04-06-2008, 01:47 AM
  2. حدد شخصيتك من خلال اسمك
    بواسطة romio في المنتدى المــــشـــهــــد الـــمــختــلط
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 09-04-2007, 02:50 PM
  3. أسماء أعضاء البرلمان الموريتاني
    بواسطة Siyam في المنتدى مشهد الأخبار السياسية و الوطنية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 07-02-2007, 12:52 PM
  4. الفصل الأول جزء1 من مذكرات المختار
    بواسطة khmais في المنتدى مشهد الأخبار السياسية و الوطنية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 26-07-2006, 04:01 PM
  5. الفصل الأول الجزء 2 من مذكرات المختار
    بواسطة khmais في المنتدى مشهد الأخبار السياسية و الوطنية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 12-07-2006, 09:15 AM

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
من نحن
شبكة المشهد الموريتاني
روابط
Enter your links here
شاركنا
Title
Enter your content here