صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 11 إلى 20 من 20

الموضوع: الرسائل الجامعية /الدور السياسي للجيش الموريتاني

  1. #11
    مراقب المشهد الإعلامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    3,095
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي

    المطلب الثاني :حركة الإنقاذ الوطني 1979

    أصبح محمد خون ولد هيدالة رئيسا للجنة وللدولة يوم 31 مايو1979 ثم قام بتعيين حليفه الأبرز في نادي الضباط يومها معاوية ولد سيدأحمد ولد الطايع وزيرا أولا .

    وبدأ يشعر بحلاوة السلطة وعذوبة أن يكون الجميع رهن بنانه، أحس ولد هيدالة بتلك النداءات الخفية التي يرسلها كرسي الحكم للجالس عليه بأنه الوحيد المخول للحكم وبأنه منة من الله أرسلها لهذا الشعب المسكين" ويبدوا أنها الفكرة التي عانا منها ولد الطايع وقدعبرعنها في حديثه الهستيري في جمهورية النيجر"، هنا بدأ ولد هيدالة بخلق هوة بينه وبين المحيطين به في القصر، يقول ولد محمد لغظف ".. لقد شكلت رفقة مجموعة من الزملاء والأطر هيئة للدفاع عن انجازات العاشر من يوليو وقد ترأست هذه الهئية وكان إلى جانبي فيها فضلا عن نائبي في رئاستها سيداحمد ولد ابنيجاركل من حمود ولد أحمدو وأحمد ولد الزين ... وءاخرين، واتصلت حينها بولد هيدالة لأبلغه بتشكيل اللجنة وقد عبر حينها عن استعداده الكامل لاستقبالنا في أي لحظة وهو ما تم بالفعل إذ إلتقيت به رفقت مساعدي سيدأحمد ولد ابنيجاره وبعد عرضي لأهداف اللجنة أحلت الكلمة إلى نائبي سيدأحمد الذي بدأ بالتحدث قبل أن يخاطب الرئيس قائلا "عليكم كعسكريين إذا أردتم تحقيق أي شيء مهم أن تتخذو منا نحن المدنيون وسيلة إلى ذلك (إستردموفينا ) وهي العبارة التي استشاط منها ولد هيدالة غضبا وانفجر ينتقد ولد ابنيجارة قائلا :" من أنتم حتى نتخذ كم وسيلة.. لقد أسندنا إليكم شخصيا مسؤوليات جمة وفشلتم فيها وبدأ يعدد المناصب التي كان يشغلها ولد ابنيجارة.."( )

    وقد شهدت الفترة الموالية لانقلاب العاشريوليوعدم إستقرار في قمة الهرم السلطوي وقد حلفت فترة ولد هيدالة بالعديد من التطورات السياسية الهامة في الصيرورة التاريخية لتشكل الهوية الساسية في البلد، سنتوقف عند أبرز معالمها :

    • في محاولة منه للإلتفاف على مطالب المعارضة السياسية الداخلية والخارجية، قام ولد هيدالة بإصدار العديد من القرارات ذات الأهمية، ففي 9 نوفمبر 1981 صدر قرار بإلغاء الرق محاولة للترقب من بعض الزعامات الزنجية .

    • في السياق الإلتفافي نفسه صدر المرسوم القاضي بانشاء معهدا للغات الوطنية من إجل دمجها في التعليم، وفي مارس 1980 حاول ولد هيدالة التقرب من المدنيين، وذلك بتشكيل حكومة تضم في أغلبيتها مدنيين بينهم الوزير الأول سيداحمد ولد ابنيجارة، وفي وقت لاحق سعى ولد هيدالة لإرضاء هذه القوى والتحالف معها "القوى الاسلامية" من خلال إصدار قوانين تطبيق الشريعة الاسلامية ، وأد ى هذا إلى التقارب مع بعض الدول الخليجية التي سعت لمساعدة ولد هيدالة ودعمه ماليا، والتوسط الإصلاح ذات البين مع المغرب، حيث عقد لقاء جمع بين ولد هيدالة والحسن الثاني في الطائف في السعودية أسفر عن إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

    فترة حكم محمد خون ولد هيدالة تميزت ببعض الأحداث كذلك، منها تعيينه سيداحمد ولد ابنيجارة وزيرا أولا بعد أن أصبح ولد الطايع قائدا لأركان الجيش، وهو المنصب الذي كان الرجل يتمناه كعربون محبة وعرفان بالجميل من طرف صديقه الرئيس محمد خونة، تعيين ولد ابنيجارة لم يلق استحسانا كبيرا في الجناح المدني لحركة العاشر من يوليو ذلك أنهم يرون أن الدستور الذي كان الجميع ينتظره تم تعطيله في فترة ولد ابنيجارة وأصبح الحديث عنه يعني إنتقادا للنظام القائم، كما أن ولد أبنيجارة يتميز بنزعة ميكيافيلية خالصة حيث يعتقد ـ حسب زملائه ـ إن احترام السلطات يقتضي منها التعالي على الشعب وهو اعتقاد مناف للقيم الديمقراطيةالمنشودة .( )

    في هذه الفترة كان ولد الطايع في قيادة الجيش وهو المكان الذي إستطاع من خلاله أن يؤسس لعلاقات عسكرية في الداخل وفي الخارج سيستفيد منها عندما يقرر التخلص من صديقه اللدود.

    لم يكن ولد هيدالة يعير ذلك الأمركثير اهتمام، فهو يعرف الأشخاص الذين ينبغي أن يضعهم تحت المراقبة، من هنا كان أول تعيين قام به ولد هيدالة في حكومته هو تعيين المقدم محمد ولد إباه ولدعبد القادر (كادير) وزيرا للتعليم يقول الدكتور إسماعيل ولد الركاد : ".... صدم الرجل من وقع سماع هذا التعيين، وكان صادقا مع نفسه فهو لايعلم على وجه الدقة ماهو السبيل إلى توسيع نطاق التمدرس، المطلب الملح لقطاع التعليم الأساسي، ناهيك عن وسائل تحقيق الإكتفاء الذاتي من الأساتذة لقطاع التعليم الثانوي والاستغناء عن الأساتذة الأجانب هل بالإستجابة لمطلب التعريب الذي يظل بإلحاح أم الاحتفاظ بالنظام التربوي القديم.( )

    كان الجو في مسكن (كادير) بعيدا كل البعد عن مناخ الأفراح والتهانئ التي يستقبل بها عادة التعيين في هذا المنصب الوزاري، وإنما الصدمة والحزن من وقع عملية التعيين لايفهم المقصد من ورائها غير الجهة التي جاء منها قرار التعيين أوالشخص الذي وقع عليه الإختيار، وهنا كانت التحضيرات تجري في المسكن إعدادا لسفر وجد فيه (كادير ) الرد المناسب على عملية التعيين ...ساعات قليلة أعلنت الإذاعة الوطنية (عبد القادر هرب إلى الخارج ) من هنا بدأ التفكير في المشروع الانقلابي 16ـ مارس 1981.


    كانت المملكة المغربية تدشن مرحلة من الصراع الكلامي مع حكام موريتانيا الجدد الذين خرجوا من حرب الصحراء وأقامو علاقات مع الجزائر وليبيا، لم يكن ذلك ليروق للملك المغربي الذي كان يعتبرموريتانيا حليفا إستراتجيا، إبان حكم ولد داداه ، وعلى إثر ذلك أصدر مجلس الوزراء الموريتاني بيانا بتاريخ 12 مارس 1981 أي قبل أربعة أيام من المحاولة الانقلابية جاء على النحوالتالي : "اجتمع الوزراء في الثاني عشرمارس 1981 برئاسة السيد سيدأحمد ولد إبنيجارة الوزير الأول ورئيس الحكومة و قدم الوزير الأول رئيس الحكومةإلى المجلس عرضا عن الوضع الناجم عن حملة الافتراءات الموجهة لبلادنا منذ عدة أيام من طرف الصحافة الناطقة باسم المملكة المغربية ونوايا الملك الحسن الثاني الأكيدة من شن عدوان ضد موريتانيا ...
    إن الحكومة لتحذر المغرب من مغبة كل مغامرة طائشة سيتحمل وحده تبعاتها ولن تؤدي إلا إلى إشعال النارفي جميع أرجاء المنطقة وستكون نتائجها خطيرة بالنسبة للمغرب العربي وإفريقيا والسلام العالمي... إننا مهما كانت الظروف سنظل مصممين عن الدفاع عن حوزتنا الترابية وسيادتنا بجميع الوسائل...
    ولم تنقض الساعات الأولى من يوم 13 مارس حتى ألقى الوزيرالأول المغربي بيانا مضادا فند فيه مزاعم الطرف الموريتاني، وفي يوم 14 مارس أي، يومين قبل المحاولة الانقلابية صرح وزير الخارجية المغربي محمد بوستة لإذاعة فرنسا الدولية بتصريح قال فيه : "ليست لدينا أية نوايا في التدخل في شؤون موريتانيا .... إن المغرب لن يبقى مكتوف الأيدي إزاء هذا الوضع " وبعد يومين من تاريخ هذا التصريح حدثت المحاولة الإنقلابية الفاشلة .

    و بعد ساعات قليلة من فشلها ألقى الوزير الأول خطابا قال فيه : (.. أيها الموريتانيون أيتها الموريتانيات أيهاالشعب الموريتاني، حاول الإرهابيان أحمد سالم ولد سيدي وعبد القادر القيام بعملية مسلحة بأوامر من أسيادهم المغاربة وقد شكلا كوماندوزا إنتحاريا للإستلاء على السلطة والاطاحة بنظامنا ولقد هاجم الكوماندوز رئاسة الحكومة ورئاسة الدولة حيث قتل ضحايا أبرياء.... ونشير إلى أن حركة المرور ستبقى معطلة إلى أن يبدأ حذر التجول إبتداء من الساعة السادسة بعد ظهر اليوم .. . إن اللجنة العسكرية للخلاص الوطني تسيطر سيطرة مطلقة على الأوضاع في عموم بلادنا ..إن شعبنا سينتصر".،وبعد يومين من تاريخ المحاولة الانقلابية هذه وجه الرئيس ولد هيدالة خطابا إلى الشعب شرح خلاله أهداف الانقلاب وعلاقته بالمملكة المغربية،( ) و جاء في "خطابه... سأقدم لكم بصورة مختصرة عرضا عن الكيفية التي جرى بها هذا العدوان على بلادنا وسنقسمه إلى ثلاثة مراحل هي الإعداد، والانتقال، والتنفيذ .

    أولا : الاعداد :
    لقد جرى تكوين وتدريب العناصر في قاعدة "بن اغرير" العسكرية الواقعة قرب مراكش وقد عهد بهذا المهمة إلى فرقة من اللواء المغربي السادس وفرقتين من الهندسة العسكرية ويشرف على الجميع ضابطان من المصالح الخاصة المغربية هما بن سليمان وحمودي كما أن المدربين التالية أسماؤهم هم الذين تولو ا تأطيرالكوماندوز وهم : النقيب الشرقاوي، الملازم أحمد، الملازم علال ، والرقيب طيبي، والرقيب روبيي، والضابط عبد الرحمن.

    ثانيا ـ مرحلة الانتقال:



    لقد سافرت الفرقة في ثلاثة مجموعات إلى داكار عن طريق باريس وغادرت المجوعة الأولى المغرب يوم 11 مارس والثانية يوم 12 والثالثة يوم 13 مارس 1981ووصلت المجموعة الأخيرة إلى داكار يوم 14 مارس في الساعة العاشرة والنصف على متن طائرة من نوع (إيرباص ) تابعة للخطوط الجوية الفرنسية، وكان برفقة كل مجموعة ضباط مغاربة فعلى سبيل المثال كان برفقة المجموعة الثالثة (حافظ )الذي يحمل إسما حركيا هو(حبيبي) كما أن جميع أعضاء الكوماندوزيحملون جوازات سفر مغربية وقدجرد هم منها بن سليمان في الأراضي السنغالية، وقد سافرالعقيد السابق عبدالقادر باسم "كمال مصطفى" بينما سافر العقيد السابق أحمدسالم باسم (التهامي أحمد) والملازم السابق إينانغ مصطفى باسم (سليمان عبدالله )وإبراهيم بن على سافر تحت إسم (صفواي ماموني ) وجواز سفره يحمل الرقم 398575، وتم تنظيم السفروالتنقلات من طرف الضابطين المغربيين بن سليمان وحمودي .

    وعند ماوصلوا إلى داكار إستخدمت المجموعات الثلاث نفس الوسائل للإنتقال إلى داخل السينغال وقد حملتهم من المطارسيارتان من طراز (بم دوبل في) يقود هما ضباط مغاربة حتى وصلو نقطة تبعد 6 كلم إلى الجنوب من سا لويس، وعند هذه النقطة تولى نقلهم السيد حاب ولد محمد فال ونقلهم في سيارة شحن من طراز(بيجو404)يقودها سائق سنغالي يسمى حتى ريشاتول، وبعدذلك توجه إلى نقطة التجمع المؤلف من خيمتين على بعد 125 كلم إلى الجنوب الشرقي من ريشاتول وذلك على متن سيارة شحن من طراز (بيجو504)يقودها سائق سنغالى يسمى (صمب إنجاي)، وقدوصلت العناصر الأخيرة إلى نقطة التجمع في الساعة السادسة من صباح يوم 15 مارس وقد أعطيت التعليمات ووزعت المهمات المختلفة من طرف العقيدين السابقين عبد القادر وأحمد سالم والتاجرحابة، ويشارإلى أن الأسلحة تم نقلها في الحقائب الدبلوماسية على متن طائرة الخطوط الجوية الملكية المغربية وفي ساعة الثانية من بعد ظهر يوم 15 مارس 1981 غادرالكوماندوزنقطة التجمع على متن سيارتي شحن من طراز 404 -504 ووصل في الساعة السابعة إلى ضفة النهرالسنغالي على بعد 20 كلم إلى الغرب من بدور وكان في انتظاره في الضفة الموريتانية سيارات الأندروفير أعدها حابة، وفي الساعة التاسعة والنصف مساء أخذت المجموعة طريقها إلى انواكشوط وفقا لخط السير التالي اركيز، بتلميت، انواكشوط )، حيث وصلت في الساعة السادسة صباحا إلى توجنين وتوقفت هناك ثلاث ساعات ونصف قبل أن تقوم بحركتها النهائية في انواكشوط وبدأت العملية في العاشرة صباحا .

    ثالثا : مرحلة التنفيذ:

    لقد تضمن السيناريو شقين هما :

    (أ‌) ـ اللجنة في حالة إنعقاد : القضاء على أعضاء اللجنة والوزير الأول ورئيس الحكومة وأعوانه كخطوة أولى وفي الخطوة الثانية الإستيلاء على قيادة الجيش والإذاعة وإذاعة البيان .

    (ب‌) اللجنة ليست في حالة انعقاد : عزل القصرالرئاسي وقصرالحكومة واعتقال رئيس اللجنة العسكرية للخلاص الوطني ورئيس الحكومة بواسطة مجموعتين يقودهما على التوالي العقيد ان السابقان عبدالقادر وأحمد سالم ولدسيد .

    هذا في المرحلة الأولى أما في المرحلة الثانية فتتضمن الخطة السيطرة على رئاسة أركان الجيش والإذاعة ونشرالبيان الذي كان لوأنه أذيع يمثل الإشارة المنتظرة للتدخل الجيش المغربي، وبما أن اللجنة العسكرية للخلاص الوطني لم تجتمع في السادس عشر مارس 1981 فقد استخدمت المجموعة الشق" ب" أما حصيلة العملية فكانت على النحوالتالي :

    لم تتم تصفية رئيس اللجنة العسكرية للخلاص الوطني ولا رئيس الحكومة ولم يسطر على قيادة أركان الجيش ولا على الإذاعة بينما تم إعتقال جميع أفراد الكوماندوز في حين أودت العملية البربرية لمرتزقة الرباط بحياة 8 مواطنين أبرياء سقطوا في ساحة الشرف دفاعا سيادة وطننا الحبيب ... وكان البيان الذي عده الانقلابيون في حالة نجاح عمليتهم هو" نظرا لشدة تدهور الأوضاع في جميع الميادين ونظرا للمآسي التي تهدد الوطن، ونظرا للإنحطاط المزري لكيان الدولة نفسها فإن القوات المسلحة قد رأت من واجبها أن تتدخل لتضع حدا للأوضاع المتردية وتقويم أوضاع الدولة الموريتانية وإعادة شرف و كرم الشعب الموريتاني وقواته المسلحة، إن اللجنة العسكرية للخلاص الوطني قد تم حلها وكذلك الشأن بالنسبة للحكومة ولجنة التطوع واللجان الجهوية المنبثقة عنها، كما ألغي الميثاق الدستوري وتشكل لجنة مؤقتة للخلاص ستنشر لائحة أعضائها في البيان اللاحق وستسند إدارة الوزرات إلى الكتاب العامين الحاليين باستثناء وزارتي الداخلية والدفاع، وذلك في انتظار تعيين حكومة جديدة، ولأسباب أمنية فإن حظر التجول يبدأ من السابعة مساء حتى السادسة صباحا ،وستغلق المطارات والحدود حتى إشعار جديد .

    أما العقيد عبد القادر (كدير )فقد أفشى قبل إعدامه ـ حسب مصادر الحكومة يومها ـ تفاصيل محاولته الانقلابية والتي تتضمن أسرار ومعلومات هامة وهي على النحوالتالي : "غادرت بلادي منذ 17 يونيو 1979 وقد وصلت المغرب عن طريق السنغال، وعند ماقدمت إلى السنغال برفقة العقيد (بن ميرة ) المغربي الجنسية والذي كان ضابط إتصال في انواكشوط ، طلبت اللجوء السياسي إلى الحكومة المغربية بواسطة سفارتها ، وفي الغد وافق المغرب على طلبي بواسطة (السنوسي ) السفير المغربي في موريتانيا الذي وصل إلى داكار لهذا الغرض وقد تولت السلطات المغربية الصديقة الإعداد لسفري من داكار وكان السادة إغديرة المستشار الخاص للحسن الثاني والسيد سونسي سفيرالمغرب ـ في موريتانيا سابقا موجود ين في داكار لهذا الغرض وقد استقبل السيد اغديرة من طرف الرئيس السينغالي السابق سينغور، وقد جرى سفري إلى المغرب في ظروف مادية طيبة واستقبلني موظف مغربي سام إسمه إبن إبراهيم ويعمل كمدير للاتصالات الخارجية بوزارة الداخلية المغربية .

    وقد استقبلني خمسة أشهربعد ذلك تقريبا الملك الحسن الثاني الذي رحب بي في المغرب حيث يجب أن أعتبرنفسي ـ حسب ماقال لي ـ في وطني وكان بن إبراهيم مخاطبي الرسمي إلا أنني كنت أعمل بالتعاون مع بن سليمان وحمودي وهما مسؤولان في مصالح المخابرات المغربية، وقد انزلتني السلطات المغربية أنا وعائلتي في دارتقع على بعد 15 كلم من الرباط ووفرت لي جميع وسائل الراحة بما في ذلك طباخ ومشرف خاص على خدمات الضيافة وخدمات المنزل وسيارتين مع سائقيهما، وقد قررت بالاتفاق مع السلطات المغربية إنشاء" جبهة الضباط الأحرار"التي تستهدف تشكيل معارضة للنظام العسكري الموريتاني الذي أقيم في شهر يونيو وقد أدليت بتصريح حول الموضوع للصحافة الدولية يوم بدأت زيارة الوزيرالأول آنذاك المقدم هيدالة،وقد تمت الإعدادات كي تقوم لإذاعة والتلفزيون المغربيين ووكالات الأنباء بإعلان هذا البيان في نفس الوقت الذي استقبل فيه الحسن الثاني المقدم هيدالة وبالتعاون مع مسؤولي المخابرات المغربية اكتتبت في داكار وأرسلت إلى المغرب 10 ضباط من بينهم ضباط وضباط صف متدربين إما مطرودين أوهاربين من الجيش الموريتاني ومن بينهم أحمد سالم ولد سيدي .( )

    وقد طلبت من هذا الأخير تجنيد عدد جديد أثناء مروره من داكار بمناسبة العيد، وأرسل أربعة أفراد من بينهم ثلاثة مدنيين ومجموع من سبق ذكرهم بمن فيهم المقدم أحمدسالم وأنا شخصيا يشكل " الضباط الأحرار"، وبعد تدريب إستمرثلاثة أشهر كان يشرف عليه ضباط أخصائيون مغاربة توجهنا من الرباط إلى داكار حيث إستقبل كل من بن سليمان وحمودي الفرق الثلاث وقام بنقلهم إلى مدينة (سينلوي) في السنغال وهناك حابة مكلف من طرفي ومن طرف المغاربة بمرافقة الفرق الثلاثة إلى خيمة حيث كانت الأسلحة والذخيرة قد أودعت هناك من قبل بن سليمان، وكان حاب مكلفا بإعداد السيارات على شواطئ النهر في الجانب الموريتاني وأوضح أن جميع الفرق قد غادرت الرباط في اتجاه داكار وأنا وصلت داكار عن طريق جنيف في 26 فبراير وكنت أحمل حواز سفر مغربي باسم "كمال مصطفى" وقد إلتحق بي الافراد الأخرون في الفترة مابين 12-14 مارس وهم أيضا يحملون جوزات سفرمغربية .

    وقد وصل الكوماندوز باستثناء ثلاثة أفراد أصاب المرض إثنين منهم وطردت الشرطة الفرنسية الآخر إلى نقطة التجمع الثالثة وهي مخيم حابة، وكنا قد اتفقنا مع أصدقائنا المغاربة على هذا الموقع، وعند الساعة العاشرة ليلا من نفس اليوم حملنا في السيارات الصناديق التي تحوي الأسلحة والذخيرة وللباس العسكري بالاضافة إلى احتياجاتنا الموفر ة من قبل بن سليمان وقد عبرنا النهر ليلا بعدالوداع مع حاب الذي وضع تحت تصرفنا زورقا يقوده مواطن سنغالى وقدم لنا سائقه الخاص وسائق أخيه اللذين كلفا بمرافقتنا إلى مكان قريب من نواكشوط مرورا باركيز وبتلميت عبر الطرق المعبدة المؤدية إلى نفس المكان، وصلنا الكلم 15 من انواكشوط في حدود الساعة السادسة صباحا تم غادرنا هذه النقطة حيث توقفنا طوال 4 ساعات تقريبا جنوب الهندسة العسكرية لتناول الشاي وتنظيف أسلحتنا وإعطاء الأوامر الأخيرة .( )

    وأوضح أنني قررت بالتعاون مع السلطات المغربية الممثلة من قبل بن سليمان ومساعده حمود ومديرالعلاقات الخارجية بوزارة الداخلية المغربية السيد بن إبراهيم التوجيهات والإرشادات الخاصة بمهمة الكوماندوز ، وقد عبرت فرقنا الثلاث نهر السنغال في اللباس المدني ولم يطلع مساعدي المقدم السابق على تفاصيل العملية يومها والطريقة التي سنسلك ....إلخ، إلابعد وصولنا إلى مخيم حابة إلا أنه كان يعرف أنني أتولى قيادة العملية وأنه مساعدي وأن مهمتنا هي الإطاحة بالنظام الموريتاني أثناء اجتماع اللجنة العسكرية للخلاص الوطني المقرر إنعقادها في منتصف شهرمارس، وفي حالة عدم إنعقاد الإجتماع كان علينا أنصل إلى مباني الرئاسة لاعتقال المقدم محمد خون ولد هيدالة رئيس الدولة والوزير الأول ولد إبنيجارة وأخذهما كرهائن للتفاوض فيما بعد مع بقية المسؤولين العسكريين من أجل إنضمامهم إلينا ولقد أبلغت تفاصيل مهمة كل رئيس فرقة للأفراد الأخرين وهكذا فقد كلف فريق أحمدسالم ولد سيد باعتقال رئيس الوزراء وأعضاء ديوانه والتوجه بهم إلى قاعة إجتماع اللجنة العسكرية للخلاص الوطني والتي كان فريقي مكلفا باحتلالها بعد اعتقال الرئيس هيدالة، فعلا كنت أحمل معي الواثائق التالية :

    أولا : لائحة اللجنة المؤقتة الجديدة للخلاص، والتي تضم 36 عضوا باستثناء معظم عناصر حركة العاشرمن يوليو1978 الذين يعارضون برامجنا.

    ثانيا: لائحة سوداء رقم 1 وتتضمن أسماء الضباط المشبوه فيهم.

    ثالثا: لائحة سوداء رقم 2 وتتضمن أسماء المدنيين المشبوه فيهم، وبيان آخر كان على المقدم أحمدسالم ولد سيد أن يسهر على إذاعته.

    وبما أن تقديراتنا لم تتحقق ولم نستطع توقيف الرئيس والوزير الأول تحركنا في فوضى وبعد مقاومة لاطائلة من ورائها هجم علينا وألقي علينا القبض.

    وهكذا فشلت هذه المحاولة مخلفة عددا من الضحايا ما بين قتلى وجرحى ففضلا عن الاعدامات التي طالت قادة الانقلاب فإن خسائر الطرف الحكومي جاءت على النحو التالي :

    1 - القتلى :

    النقيب إبراهيم ولد جدو من الحرس الوطني.
    - الدركي أحمد بن بوننه ، الدركي إسلم ولد الداه ، الدركي محمد الحسن ولدمحمد الأمين.
    - الجندي درجة ثانية إبراهيم ولد بيدة.
    - المفوض إند حبيب ولدسيدي .
    - وكيل الشرطة يعقوب ولد إباه .
    - الموظف الشيخ ولد إحميت.

    2– الجرحى :

    وكيل الشرطة القطب ولد سيداتي، الرائد آن همات من الجيش الوطني، الرائد سيد ولد محمد الامين من الجيش الوطني، الجندي محمد ولد لحاي ولد محمد، الجندي محمد محمود ولد الشقواتي.

    و هكذا تم طي صفحة 16 مارس بعد أن تغيرت نظرة هيدالة إلى الخريطة السياسية المدنية والعسكرية، يقول ولد الركاد.." لحظات بعد طي هذه المحاولة الانقلابية سكن هاجس المؤامرة تفكير الرئيس محمدخونة، عمليات تسريح هنا وهناك ... إعتقالات بالجملة لمدنيين وعسكريين سابقين "الرئيس السابق ولدمحمدالسالك أعتقل منتصف 1982 "، جاء الدور على البعثيين وتيارات سياسية أخرى، وأخيرا جاء الدور على الناصريين صيف 1984، في نهاية هذا العام نجح مخطط ( لاكاز) في الإطاحة بنظام ولد هيدالة واحلال العقيد معاوية ولدالطايع مكانه, لتبدأ مسيرة من التأرجح بين الثلج والنار عمرها واحد وعشرون عاما (من مفارقات القدر أن الجنرال لاكازرحل في اليوم الذي تمت فيه الإطاحة بولد الطايع ).

    إتسمت فترة حكم ولدهيدالة بنوع من التشدد السلطوي حيث لم يعرف المواطن الموريتاني بعد احداث السادس عشر من مارس شعورا حقيقيا بوجود مفهوم الدولة إلا في عهده وهو الشعور الذي كان معه تطبيق حازم للشريعة الاسلامية " حدود السرقة، والزنا، والقتل العمد ".

    من هنا نقف على نهاية مرحلة "نشوء الاعصار" أي مرحلة انقلاب 1978 ثم انقلاب 1981 وهي مرحلة تشكل قطيعة ابستموليجية مع مرحلة إنقلاب 1984، الذي جاء بالعقيد ولد الطايع ثم انقلاب 8 يونيو 2003الذي قطع الحياء بين الشعب الموريتاني وبين السلاح وهو حياء عمره طويل، إنقلاب الثامن من يونيو كان فاشلا من الناحية العملية، ولكنه كان ناجحا في كونه وضع النظام القائم في حالة نفسية ربما كانت وراء انقلاب الثالث من أغسطس 2005

    المبحث الثاني: تدخل 1984 التي سميت يومها بحركة التصحيح والخيار الديمقراطي

  2. #12
    مراقب المشهد الإعلامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    3,095
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي

    المبحث الثاني: تدخل 1984 التي سميت يومها بحركة التصحيح والخيار الديمقراطي:

    دشن ولد الطايع عهده بإطلاق سراح السجناء السياسيين والعفو عن المعارضين في الخارج مما أكسبه شعبية كبيرة في الأوساط الجماهيرية، وتجلى ذلك من خلال المظاهرات الضخمة المساندة للحركة التصحيحية إثرقيامها، ثم تلا ذلك في نوفمبر 1986، إجراء أو ل انتخابات الاختيارعمد ومجالس البلديات في 13 عاصمة وولاية، تم توسيعها في يناير 1987، لتشمل 32مقاطعة ، قبل أن تعمم الانتخابات البلدية على جميع المدن والقرى الريقية " 208 بلديات "، وتوجت الاصلاحات الديمقراطية بالاستفتاء على مشروع دستور(20يوليو1991 )، الذي يقر التعددية السياسية ويمنح حرية الصحافة، ويضع مؤسسات دستورية للجمهورية الموريتانية تنهي أربعة عشر سنة من الحكم العسكري الإستثنائي ، ولأهم من ذلك كله أنه يحدد معالم الهوية السياسية للجمهورية الثانية.

    وعلى الرغم من انطلاق المسلسل الديمقراطي في موريتانيا منذ سنة 1986 على مستوى البلديات، فإن عقبات حالت دون استكماله، كما كان مقررا له، ولم يستكمل إلا عند ما أعلن الرئيس ولد الطايع في ابريل 1981 ( لعلها 1991 ع. ق )إنطلاق مرحلة التحول الديمقراطي تعبيرا عن الوعي بانسداد الأفق وخشية أن تتحول المطالبة بالديمقراطية في الداخل إلى وضع مشابه لما حصل في الدول الافريقية، وفي الوقت نفسه كانت آثارالأزمة مع السنغال لاتزال ماثلة للعيان ، و قد استطاع ولد الطايع تطويق الأزمات التي كانت تحيط به وتحويل نظام الحكم من النمط العسكري " اللجنة العسكرية للخلاص الوطني" إلى نظام جمهور ي مدني بعد إجراء ماوصف بأنه إنتخابات رئاسية تعددية، غير أن حكم ولد الطايع مر بمطاحات خطيرة لعل أبرزها هي:

    - 22 إكتوبر 1987 السلطات تعلن عن مؤامرة تورط فيها عسكريون من الزنوج الأفارقة وبين المتهمين ال 51 نفذ حكم الإعدام بحق ثلاثة ضباط وحكم على 18 آخرين بالأشغال الشاقة المؤبدة .

    - ابريل 1989م إندلعت مواجهات بين موريتانيين والسنغاليين في البلدين أسفرت عن مقتل المئات وتسببت بنزوح وإبعاد عشرات الآلاف وقطعت العلاقات الدبلوماسية بين انواكشوط وداكار حتى عام 1992 م

    - 23أكتوبر 1995م أعتقال ناشطين بعثيين بتهمة التجسس لمصلحة العراق وطرد السفير العراقي بين ماكانت موريتانيا أهم الدول العربية مساندة لنظام صدام حسين خلال حرب الخليج 1991م.

    - 28أكتوبر 1999 م موريتانيا تقيم علاقات دبلوماسية مشينة مع الكيان الصهيوني .
    - نوفمبر 1999م قطعت انوكشوط علاقته مع العراق الشقيق.

    - 8 و9 من يونيو محاولة انقلابية على ولد الطايع يتم إحباطها بعد 48 ساعة بزعامة الرائد السابق صالح ولد حننا.

    - 9 نوفمبر 2003 إعتقال الرئيس السابق هيدالة بعد اتهامه بالإعداد لمحاولة الانقلاب .

    - 28 ديسمبر 2003 الحكم على ولد هيدالية و14 متهما معه بالسجن خمس سنوات مع وقف التنفيذ وحرمانه من جميع الحقوق المدنية للمدة نفسها .

    - 9 أغسطس 2004م إحياط محاولة انقلابية جديدة لحركة فرسان التغيير الموريتاني .

    - 28سبتمر2004م إعلان محاولة انقلابية جديدة وتنظيم فرسان التغيير يتبنى العملية .

    ومع أن فترة ولد الطايع إمتدت طيلة 21 عاما إلا أن ذلك لايعني أنه لم تكن هناك إنقلابات فقد إستمرالعسكر كلاعب رئيسي في الحياة السياسية الموريتانية وشهدت البلاد موجة جديدة من الانقلابات الفاشلة بالرغم من أن معاوية ولدالطايع حاول تقليص نفوذ الجيش في الحياة العامة بعد إقرار التعددية السياسية في البلاد ، في يوليو 1991م خلع العقيد ولد الطايع بزته العسكرية وارتدى الدراعة واستبدل اللجنة العسكرية للخلاص الوطني بالحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي وتشكلت أحزاب أخرى ونقابات وصحف ومع أن هذه الأحزاب كانت دائما تخسر الإنتخابات، فالتزوير المتكرر لنتائج الإنتخابات جعل فرص التناوب السلمي على السلطة منعدما .

    كما كان الجميع يتوقع بنفس الطريقة التي أنهى هو بها حكم سلفه، وأسباب الانقلاب الذي جاء به إلى السلطة، الاحتقان السياسي واكتظاظ السجون بالمعتقلين والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخانقة في بلد ينحدر باستمرارنحوالانهيار.

    لقد بالغ المسؤولون الاداريون في نهب المال العام عند ماغابت الرقابة والمساءلة، فلم يعدالموظف المختلس للمال العام يستحيي من إظهار ثرائه أما م المجتمع بكل وقاحة.

    و ظهرت الثروة في غير مواطنها عندما أصبح كبار الإداريين في الدولة والمنتخبين يملكون القصور التي تنافس في عمارتها ورونقها القصر الرئاسي، ويملكون الأسواق وقطعان الإبل والمساحات المترامية الأطراف المسيجة بوسائل وأدوات وتجهيزات الإدارة العمومية، وأصبحت الحسابات المجمدة في المصارف الوطنية والأجنبية المملوكة من طرف كبار المسؤوليين مظهر ا من مظاهر الإدخار، وانتشرت مسلكيات العبث بالمال العام حيث امتلئت الشوارع بالسيارات العمومية، يتولى الأطفال وربات المنازل والخدم سياقتها من دون وجل ولاخوف، واحتلت المساحات العمومية وتحولت ملكيتها من الدولة إلى الخصوصيين .

    ففي عام 1991 م خرج منه سوس خطير لايقل عن الفساد بطشا وفتكا، أعني الإستبداد السياسي الذي أدى في مرحلة متقدمة إلى المساس بحقوق الإنسان الموريتاني، عند ماسجن وأهان أفراد من الحركة الإسلامية الموريتانية ونكل ببعض رموز التيار السياسي الديني وضيق عليهم مجال عملهم عبرالنصوص التنظيمية المحددة لدور المساجد ورسالتها، كما تجلى الإستبداد لحل ثلاثة أحزاب وأكثرمن خمس صحف ومنع منح التراخيص لثلاثة أحزاب سياسية من بينها حزبان محسوبان على التيار الإسلامي فضلا عن منع جمعيات ناشطة في حقوق الإنسان .

    بلغ السيل الزبى جراء الإفراط في استخدام العنف من قبل الرئيس الذي بطش بالزعامات السياسية، وحاصر الحركات والتيارات الفكرية فأرهب الجميع حتى أصبح كل فرد يخاف من أقرب المقربين منه لانتشار الوشاية ،واتساع دائرة التنصت المخابراتي، وبث الخوف في كل مكان.

    وهكذا يمكننا القول بأنه ليس من التجوز على الحقيقة القول بأن الشعب الموريتاني، شعب مسالم بطبعه، تحكمة عادات فاضلة وقيم عريقة، لكن المشكلة التي حاول النظام البائد أن يعودنا عليها هي أنه من وفر الأمن والاستقرار في البلد ناسيا أن الظلم لايخلف الأمان ، ومتناسيا أنه على العكس مما يصوره له خياله لم يعرف المواطن في عهده أمنا واستقرارا فالكل في السجن إما السجن بييلا، أوالسجن المدني، أوسجن الجوع ، أوسجن الغبن وعدم المساواة في توزيع الثروة، أوسجن الجهل، أوسجن القبيلة والرشوة ... تعددت الأسباب والسجن واحد .

    إن روح المساءلة لا تعني الضعف أوالخوف وإلا لما عرفت هذه البلاد سلسلة من الابقلابات بدأت منذ 1978 وحتى آخر انقلاب إستطاع أصحابه التخلص من نظام عايشوه، وكانو حماته من الغضب الجماهيري ومن أعاصير التمرد الذي تعصف به، وكان يعتبرهم الدرع الذي يستطيع الاختباء وراءه من الصحوة الشعبية المختلجة في نفوس هذا الشعب، ولكن يبدو أن قادة من التغيير كانو ا يدركون أن ما يفعلونه من حماية لهذا النظام الدكتاتوري هومساهمة في تغذية فيروس التخريب والفساد، ومن هنا وجدو الطريق إلى التغيير سالكة، فالسجون ملأى بالأبرياء، وعلماء البلد يتعرضون للإهانات على يد بعض الجلادين الذين رباهم النظام البائد على طريقة " الجيش الانكشاري" والمواطن العادي يعيش في بيات بفعل التهديد وسياط التعذيب وأبواب السجون مشرعة أمام من يقول كلمة حق واحدة.

    و الرئيس المخلوع يرفض النقد والتعبير عن الواقع المؤلم لهذا البلد، وبذلك يحمي جلاديه ووزرائه الذين تم تعيينهم على أسس قبلية وجهوية ومدى جمهورية هتاف الواحد منهم في الحملات الانتخابية، ورجال الأعمال يتحكمون في مصائر الناس فهم المخولون لرفع الاسعار متى شاؤو دون رحمة أوشفقة، والثقافة تعني التغني باسم الرئيس وخلق أمجاد أوتاريخ له، والدين هوالذي يتفق و وأفكارالرئيس الشاذة، والفقها ء الذين يفقهون في الدين هم الذين يسهرون على تشريع نزوات الرئيس،والاقتصاد عبارة عن غنائم يتقاسمها الرئيس وبعد حاشيته المقربة ...

    إنها سيموفونية الفساد التي لاتنتهي ولايمكن لقلم أن يحصرها ... ولكن السيموفونية التي فتحت الباب واسعا أمام محاولة الثامن من يوليو الجريئة وهي التي أدت اليوم إلى انقلاب الثالث من أغشت ولكن الغريب في الأمر أن المنظمات الدولية والدول الديمقراطية العظمى تندد وتطالب بعودة الدكتاتورية إلى تعذيب الشعب من جديد، وكأنها الوصية على عقول البشرالذي ذاق الامرين على يد قادتة الفاسدين.

    إلا أن الانقلاب كفكرة وتجسيد قد لايكون أمرا مقبولا من الناحية المثالية والديمقراطية إلا أن قلب الحكم بالقوة عندنا قد يكون ضروريا "كما هي الحال عندنا "عندما يتشبث الطغاة بالحكم ويرفضون التخلي عن السلطة عن طريق صناديق الإقتراع، أوعن طريق التنازل الطوعي فعند إنعدام هذه المعطيات يكون الانقلاب هوالخلاص.

    وعندما كانت موريتانيا جسما هزيلا مثخنا بالجراح العميقة، حيث عم الفساد الدوائر والمؤسسات الحكومية، وأصبحت الرشوة والمحسوبية هي أسهل الطرق وربما أوحدها للحصول على أي شيئ وانسدت جميع آفاق وإمكانات التغيير والتناوب السلمي على السلطة، وصار المعارض المدني عدوا محاربا ونزيلا شبه دائم في السجون والمعتقلات شأنه في ذلك شأن الأئمة والدعاة، وتدهور الاقتصاد وقف وتيرة متسارعة وتردت الأوضاع المعيشية، وانعدمت الخدمات الإجتماعية، ولامن خطط خمسة أوعشرية للتنمية، ونهبت ميزانيات المشاريع وشركات القطاع العام وسرقت التمويلات الأجنبية والثروات الوطنية وحلت الأحزاب وهيئات المجتمع المدني وأغلقت الصحف المستقلة واعتقل الصحفيون وصودرت الحريات وكممت الأفواه ...

    و لأن الرعية على دين ملوكها فقد انحطت الأخلاق العامة وانتشرت المواخير ومتاجر العرض والشرف، وتنكرت موريتانيا لثوابتها الحضارية والثقافية،وأدار ت ظهرها لمحيطها الإقليمي والعربي ...، وفي النهاية أحكم النظام قبتضه الأمنية وتوسعت خلا ياه التجسسية ترصد وتكشف مادار بين الزوجة وزوجها والولد وأمه والأخ وأخته، و أصبح الجميع يمشي بحساب ويقف بحساب، بل ويتنفس بحساب وبد ا أن الدولة تسير على مهلها نحوالدمار والخرا ب والتآكل الألف سنة قادمة .

  3. #13
    مراقب المشهد الإعلامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    3,095
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي

    المطلب الأول تدخل 2003-2005

    قائد محاولة الثامن والتاسع من يونيو 2003 صالح ولد حننا يتحدث عن تنظيمه قبل وبعد المحاولة الانقلابية التي شهدتها العاصمة نواكشوط : "...الحقيقة أن فيه مجموعة من الضباط كان لها تنظيم سري بقصد تخليص البلاد من الاحكام العسكرية التي تعاقبت عليها، والتي أظهرت بعدذلك أنها عاجزة عن إيجاد تنمية حقيقية، وعاجزة عن إيجاد ديمقراطية حقيقية، وبالتالي بدأ هذا التنظيم العسكري السري في منتصف التسعينات، بعد أن اتضح أن الوعود التي تحدث عنها معاوية ولد الطايع بالديمقراطية مزيفة وكاذبة وأن النظام يتعفن شيئا فشيئا، وأن الأمورتسير بأخطر الإتجاهات خاصة بعد إقامة علاقات مع الكيان الصهوني وبوصول الفساد إلى ذروته وبتزوير الانتخابات.... إلخ ، بدأ جليا أنه لابد من تغيير النظام عن طريق إنقلاب عسكري،إستمرينا في بناء التنظيم العسكري إلى سنة 99 حيث قارنا وللمرة الأولى للقيام بمحاولة إنقلابية في شهر نوفمبر، ولكن قبل تنفيذها بحوالي 24 ساعة تم الكشف عنها من قبل المخبرات العسكرية وبالتالي عرفنا الخبروألقينا كافة الترتيبات تم إعتقال مجموعة من الضباط وكنت من بينها طبعا بالإضافة إلى المختار ولد التلي وآ ب ولد الطالب أحمد، بعد أسبوع من التحقيق فشلت المخابرات العسكرية طبعا في الوصول إلى حقائق حول التنظيم وتمت مغالطتها إلى حد ما، وإثر ذلك التحقيق تم فصلنا الثلاثة من المؤسسة العسكرية وبقيت بقية التنظيم كما هي وبعد فصلنا استمرالتنظيم واستمرينا أيضا نتعامل مع التنظيم ونو جهه من خارج المؤسسة العسكرية حتى كانت بداية 2003 بدا أيضا أن النظام يأخذ طابعا خطيرا وخاصة بمحاربة الاسلام ومحاربة الدعاة، ومن خلال إستفحال الفساد ومن خلال بناء المؤسسة لأمنية تعاملها مع الكيان الصهوني ...إلخ ( )

    عندها قررنا العمل ثانية لتغييرالنظام في شهر يونيو وكانت هذه المحاولة والتي للأسف الشديد فشلت، ولاكنها ساهمت في إيقاظ الرأي العام الوطني و في بناء واستعادة المواطن الموريتاني الثقة في نفسه سواء خارج المؤسسة العسكرية أوداخلها مماجعل العمليات التالية وجعل مسار المعارضة في المرحلة التالية أيضا يأخذ شكلا آخرأكثر جدية وأكثر حيوية، وطبعا هناك مجموعة أسباب نعتبر أنها أدت إلى فشل هذه المحاولة الإنقلابية أولها هوأن أحد الضباط الذين كانو في التنظيم سرب الخبر قبل تنفيذه بساعات وعلمنا بذلك وكنا مضطرين للتحرك قبل الوقت المحدد سلفا مما يعني ذلك من الإرتجال، لإتخاذ خطوات عا جلة غير مرتبة بالإضافة إلى ضغف الوسائل لدى القائمين على التنظيم مما أدى إلى العجزعن توفير إمكانيات اتصال بديلة لشبكة الجوال الموجودة وبالتالي فقدنا الاتصال بجميع وحداتنا مباشرة ة بعد بداية العملية، بالاضافة إلى ذلك كان هناك إسرارعنيد من قبل المؤسسات النظامية للحفاظ على السلطة مهما كانت تكلفة ذلك وبالتالي ارتأينا أن السيرفي هذا الطريق بكل ما يتحمل من مخاطر قد يكون له خطر حقيقي، وقد تترتب عليه آثارمدمر ة خاصة أن المعارك تدور في نواكشوط ، وهي مكتظة بالسكان، وبالتالي إرتأينا أن ننسحب حتى يتمكن التنظيم لاحقا من بناء نفسه وإعادة الكرة كما حاولنا لاحقا ، من خلال إنشاء تنظيم فرسان التغيير الذي شمل بالإضافة إلى التنظيم العسكري التنظيم مدني ، الذي أعلن من أرض الله الواسعة كما أعلنا حينها، وقد بدأ يستقطب المدنيين والعسكريين على حد سواء، وطبعا كانت التحضيرات في الخارج أساسا تعتمد على ربط الاتصال والتركيز على الاتصال بالداخل لأن هذا هوأهم شيئ خاصة داخل المؤسسة العسكرية وبالإضافة إلى ذلك كانت هنا محاولة لتحريك الساحة السياسية في الخارج وتوظيف المثقفين المعارضين السياسيين في الخارج لصالح مشروعنا وهو ماتم بالفعل بالتنسيق مع حركات معروفة كحركة ضمير ومقاومة المعارضة التي كانت موجودة في المنفى وبمختلف التشكيلات الأخرى ،وقد تم فعلا تحريك جميع هذه الجاليات التي كانت في الخارج ضمن هذا المشروع، أما العمل العسكري فكان يرتكزأساسا في الداخل ضمن المؤسسة العسكرية، وهو فعلا اتخذ على أشهر قليلة تم تعويض الخسارة التي حصلت في الثامن من يونيو، وتم فعلا بناء تنظيم عسكري وكان جاهزا لتنفيذ العمل في شهر أ غسطس 2004 تم كشفها وتم إعتقال حوالي 48 ضابطا، ولما كشفت حاولنا المرة الرابعة في شهر سبتمر وهوما أدى إلى دخولي أنا شخصيا، ولقد دخلنا عبر روصوفي قارب ومن رصو إستقلينا السيارة حتى دخلنا نواكشوط، ومكثنا في نواكشوط حوالي عشرة أيام قبل أن تكشف أجهزة الأمن وجودنا في نواكشوط من خلال وشاية من أحد عناصر التنظيم، طبعا بعدها تم اقتحام المنزل الذي كنا فيه في الصباح الباكر .وسألته كيف نجى هو من الإعتقال، يقول:.." في الحقيقة كانت أعجوبة لأن المنزل مطوق استيقظنا في الصباح الساعة الثامنة ووجدنا المنزل مطوقا، وأثناء الوقت الذي تحاول فيه الشرطة إقتحام المنزل خرجت من المنزل رفقة الأخ مولاي ولد إبراهيم إلى منزل مجاور بعد ذلك خرج مولاي إلى الشارع بصفته ليس معروفا وبقيت أنا في المنزل المجاور حتى المساء حيث رفع الطوق الأمني وتركوا المنزل خرجت وبعدالإتصال بأحد الزملاء تم ترتيب الذهاب، وأقمنا في نواكشوط حوالي إسبوعين منها خرجنا إلى روصو حيث تم القبض علي مع الأخ أحمدو ولد انمبارك، وكان ذلك في روصوا و في حي السطار( )، انتهت المقابلة.

    من هنا كانت بداية المسيرة رجال في محكمة التاريخ :

    ... من رحم صحراء شنقيط شاء القدر هذه المرة أن يكون موج الظلم عاتيا والمعاناة مريرة، ومن تخو م ذات الصحراء هنا أبا القدر إلا أن تتحقق معجزة الإنسان في كل مرة، من هنا كانت الإرادة وكانت الحياة، كانت المرارة وكان الأسى والدموع، سمفونية تراجيدية عزفت من لحن الأبضاد من الإنسان ومن نفس الانسان، كان في البدء حلما وأمل تلاه تاريخ من العطاء والصمود عانق التاريخ وتحدى الجغرافيا ليفرز في النهاية أيقونة هذا الوطن الحبيب، وانسابت ترانيم الحكاية وتشكلت الجمهورية الاسلامية الموريتانية بعد مخاض عسير رغم أنف كل عوامل الفناء ومتاهات النسيان، فقط حتى الآن خمس وأربعون حولا أوتزيد قليلا مضت من عمر الوليد كانت إحدى وعشرون عاما منها نشازاكانت هي الأخطر والأحلك في كل رحلة القافلة في بلاد القوافل سبع عجاف وسبع أخرى لاهن خضرلا، ولابلا سنبلات حتى وواحد ة مرت كابوسا مخيفا جاثما يترصدنا ليحرم كل واحد منا لذة الشهيق والزفير رغم أنين إرادة الحياة فجأة حصل مالم يكن في الحسبان، نادا المنادي أن هبو إلى متى تنتظرون ... لب الرجال النداء ودخل الجميع قاعة محكمة كتب على بابها، هنا محكمة التاريخ، صمت مخيف يطبق على المكان سكون وجمود لاشيئ يوحي مطلقا بأن عربات الحرية جرتها ذات يوم خيول الفاتحيين فوق هذا الأديم، في الأفق البعيد لاتسمع إلا أنا هات وأناة، أما هنا فبأس وشقاء، أكثر من عقدين من الزمن البطيئ مزقت خلالها أشلاء هذاالوطن الحبيب، أفرغت الهوية من محتواها، ودكت الوحدة الوطنية في صميمها، سلبت الإرادة وأفرغت كلمة الإنسان من معانيها، نهبت الثروة وصودرت الكلمة ومنع حتى الأنين، أُنتهكت كرامة الإنسان وزج بالعلماء داخل السجون ... سجون ويتامى وثكالى وطفل يولد وغدا قد يكون هواليتيم إلم يكن هو القتيل، لوحة مزجت بين الملهات والمأساة لترسم فوق جبين هذا الوطن قاتمة قتامة الصورة على أرض الواقع، وذات ليلة في هذا الجو بالذات حدث المنعطف ...

    زغردت أحلام البسطاء إعلانا لميلاد صرخة غضب، صرخت غضب أعادة الروح إلى الجسد الجريح، ليلة الثامن من يونيو ثلاثة سنوات بعد العام الميلادي ألفين نخبة من أبناء البلد تخترق جدار الصمت وتحرك الأمل والحلم من جديد، لقد قررو التغيير فإما الحياة وإما الشهادة لامكان بعد اليوم للبرزخ بين لإثنين، وما هي إلا لحظات حتى حلت البشرى في كل مكان، أخيرا إنزاح الكابوس هاهوالتغيير بعد ما عجزت عنه صاديق الإقتراع ، وكانت البشرى فوق كل الوجوه ، وفوق كل الوجوه سؤال حائرمن مازال في هذا الوطن يحس بوخزالضمير من مازال من الرجال خارج حظيرة التدجين، أخيرا جاء الجواب خيرة من الضباط وضباط الصف والجنود شكلوا نشازا في جوقة الاستسلام والتدجيل والرأس في بلاط آلهة الأرض التي تمرق أنوفنا عنوة واقتدارا، تقدم جنود الخلاص يحملون أوراحهم، يحملونها رخيصة فوق أكفهم ومع كل خطوة في ساحة الوغى يزداد الإيمان بسموالهدف فالوطن يحترق وأناة البائسين تحا صر المكان من كل حدب وصوب تدفع عجلات المد الرعات نحوالأمام جياع ،عطاش، مرضى، محرومين حتى من نفس الحياة ... هكذا كان إحساسهم بالمسؤولية بعدما تقاعس الجميع...

    وكم كان مدى الإحساس إختلط كل شيئ بكل شيئ رصاص بدموع الفرح ، والغناء بالدعاء رائحة البارود برائحة البخور الرجال في ساحة الوغى يسيطرون والنساء ، والأطفال يصفقون ويزغردون.
    خرج الطاغية من قصره مذعورا تفرقت بطانة النفاق شتاتا لاأحد ليوم يسبح بحمد الزعيم، لاأحد اليوم يذكر الانجازات ويعددها، قد يطول شد الخناق ولكن لاأحد يستطيع أن يعرض طوفان الحق والحرية والعدالة حين يجد الجد، وحده الطاغية أصر على البقاء أصرعلى كرسيه حتى ولوكان الثمن هو الدم الموريتاني الطاهر انسحب قادة الخلاص في صمت حقنا لهذه الدماء، وفتحت السجون كالعادة أبوبها للمزيد، هذه المرة يتقدمهم العشرات من جيش لإنقاذ ودخلت البلاد مرحلة جديدة مرحلة إستثنائية بكل معان الكلمة.

    الآن باتت الصورة واضحة ليس في الأمر سحر أومعجزة و إنما خطوة واحدة فتنطلق المسيرة كلها مجرد خطوة واحدة هي أن تقول لا ... وشاء الله أن كانت لا هذه المرة من بلاد الله الواسعة، حيث أعلن قادة الإنقاذ عن تأسيس تنظيم عسكري سمي يومها بفرسان التغيير، تنظيم عسكري سيتسقطب عشرات المئات من أبناء هذا الشعب لتخليص الوطن من قبضة النظام الجاثم فوق صدره لأكثر من عشرين سنة، داخل البلاد كانت ثالث مهزلة انتخابية رئاسية على الابواب، ولأن الضربة الأولى كانت كافية لمن يتعظ أرسل فرسان التغيير تحذريهم الأخير للنظام الممسك بزمام الأمورلم يتعظ الطاغية المتجبر ووصل في الغرور نهج تحدي إرادة الجماهير، ليعلن عن فوزه بفترة رئاسية ثالثة رغم صراخ الغضب والرفض ورغم معاناة الوطن، ولكن ياله من وطن يعرف كيف يصنع الأبطال في نفس الوقت كانت تحضيرات من نوع آخرخار الوطن تجري على قدم وساق الرجال هناك لم يكونو أبدا من عشاق الترف والمال، فتحت الدنيا أبوابها من أمامهم لما خرجوا بعيد فشل المحاولة الأولى، قالوا لهم هناك نجوتم بأنفسكم فابقوا هنا اتركوا الوطن ولكم القصور والزهور، لكم السيارات والدلارات ولهم الحكم والوطن، أستشاطوا غضبا وردو ا ويحكم لا يترك الوطن إلا المرتزقة أما نحن فعائدون عائدون ألم تسمعوا صراخهم ألم تسمعوا إستغاثتهم هناك تركناهم ثكالى، يتامى، مضطهدين، جياعا، قد سلب الحرية ...

    يا لروعة الانسان حتى يحس بآهات الانسان هذا هو زمنهم، البسطاء وحدهم هم زعماء الإنقاذ، وحدهم الناطقون باسمه إنهم وحدهم من لهم منطق آخر ليس بالربح أوالخسارة منطق تحقيق احلام البسطاء منطق إنقاذ الوطن من فوق فوهة البركان .

    صبيحة الثامن أغسطس 2004 إستيقظت العاصمة نواكشوط على وقع أخبار اعتقالات في صفوف الجيش الوطني، أكثر من ثلاثين ضابطا وراء القضبان من جديد، ينضافون لسابقيهم من رجالات الخلاص عملية جديد ة كان يخطط لها أن تكون القاضية أن تكون الضربة الثانية ... ظل رأس النظام متجبرا في غيه رافضا الخضوع لرغبة الجماهير في ا لحرية والعدالة والديمقراطية، في أقل من شهرين والأجهزة الأمنية لم تفق بعد من هول الصدمة، وبالتحديد في الخامس والعشرين من شهر سبتمبر 2004 جاءالخبر قادة المحاولات التغييرية يوجدون على بعد كيلومترات من القصرالرئاسي لتنفيذ محاولة ثالثة، إنه إصرار الإيمان بالهدف، أعتقل عبدالرحمن ولد ميني وسيد محمد ولد احريمو ولكن إرادة التغيير ظلت هي كما هي صامدة لا تهزها عاتيات الزمن لحظة بعد ها تأكد لأجهزة المخابرات أن الرجل المدبر لكل محاولات التغييركان رفقة القيادات التي اعتقلت ...فبدأت أكبر مطاردة أمنية في تاريخ البلاد مصحوبة بحملة إعلامية شرسة فاشلة لتشويه صورة الرجل في ذهن الرأي العام ....

    يقولون مجرم فار من العدالة يضحك الناس ملأ ذقونهم سبحان مقلب الأحوال ، كان شابا يافعا حليما حكيما سابقا لعمره رفض إمتيازات الوظيفة لأن الحظيرة فاسدة أخيرا الرجل في مدينة روصو على الحدود مع السنغال ... الزمان التاسع من أكتوبر والمكان بيت متواضع في حي السطار دخل رجال الأمن لاعتقاله خرهو ساجدا لربه وبريق الإيمان يشع من عينيه وفي النفس عزاء أنه مازال في طريق النضال متسع... الثورة بدأت والثورة تهزم الحديد، لاتهدأ حتى تبدأ ولا تنهزم حتى تنتصر ... يا لعذوبة الثورة ويال جمالها والفكرة أصبحت هي الشعب وهي الوطن، في اللحظات الأولى عويل وبكاء وأسف مشهد تقرأ فيه أن الحلم أنتترإن النهاية، أما بعد أيام فالصورة مغايرة الفكرة إستشرت كالنار في الهشيم، التغيير لاشيئ سوى التغيير الهواجزتحاصر من كل مكان والابطال من سجونهم يهزمون الاعداء في قصورهم، تحولت الزنزانة إلى قاعة لإدارة العمليات، وتحول الشارع إلى شجيش خفي بعد مااكتتب المئات من عناصره متطوعين للمعركة الأخيرة ضمن خلايا مدنية وعسكرية نائمة في انتظار اللحظة الفاصلة.

    في نفس الوقت كان الجميع يتابع وقائع أكبر محاكمة سياسية وأمنية في تاريخ البلاد، نفى الجميع علاقتهم بالموضوع باستراتجية محكمة ، باسثناء صالح ولد حننا وعبد الرحمن ولد ميني، فقد تكفلا بمهمة أخرى ومن نوع آخر أشرف سيدمحمد ولد إحريموعلى تكميله، التأكيد على شرعية الانقلاب ومحاكمة النظام وفضح ممارساته ومع كل يوم يمضي من أيام المحاكمة يظهر وجه آ خر من الوجوه الناصعة لرجالات الخلاص .

    إنتهت فصول مهزلة المحكمة وخرجت الأحكام صالح ولد حننا وعبدالرحمن ولد ميني السجن المؤبد مع الأعمال الشاقة، ولآخرين تراوحوا مابين خمسة عشر سنة وخمس سنوات بالنسة للمدنيين فالحكم المؤبدوالحكم بالسجن ليوم واحد هي عقوبة واحدة.

    إن نهاية النظام أصبحت تعد بالأيام ...

    أخذ النضال أبعادا مختلفة وسجلت المرأة لأول مرة في تاريخ الوطن تاريخا بطوليا من ذهب، وبدا واضحا أن رأس النظام، لابد أن يرحل, أخيرا جاء ماكان في الحسبان إنزاح الكابوس ورحل الطاغية كمايتوقع الجميع بنفس الطريقة التي أنهى هوبها سلفه المجلس العسكرى للعدالة والديمقراطية يتولى مقاليد الأمور في البلد في الثالث من أغسطس .

    وإذا كانت هذه الفترة (1978-1985) قد شهدت عدم استقرار سياسي ، فإنها شهدت كذلك إضطرابا على المستوى الدستوري، إذ عرفت البلاد ستة مواثيق دستورية للجنة العسكرية، ومشروع دستوري ملغا، وتتعلق هذه المواثيق في مجملها بتنظيم السلطتين التنفيذية والتشريعية على وقف العمل بدستور 1961 م، فيما يتعلق بهاتين السلطتين، وهي ذات طابع مؤقت, وتناولت في ديباجتها أن الهدف من إستلاء القوات المسلحة على الحكم هو إنقاذ البلاد من الانهيار والتلاشي والحفاظ على الوحدة الوطنية .

    وينفرد آخر هذه المواثيق الصادر 9 فبراير1985 م، بالنص على أن الإسلام هو دين الدولة والشعب، وأن الشر يعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للقانون، ولم تتناول هذه المواثيق موضوع الهوية الثقافية(اللغة )، كما أنها أغلت على غر ار دستور 1961م ذكرى الانتماء العرقي لمكونات الشعب الموريتاني.

    يتواصل بحول الله , الموضوع القادم :
    المطلب الثاني : الرؤية المستقبلية للجيش

  4. #14
    مراقب المشهد الإعلامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    3,095
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي

    المطلب الثاني : الرؤية المستقبلية للجيش

    إعتمدت في هذا المطلب الأ خير أسئلة وذلك بقصد الإجابة عليها من طرف الزعامات السياسية الوطنية، وقبل أن أورد هذه الأسئلة أود أن أسجل ملاحظة وهي أنه تفاديا للتكرار سأورد الأسئلة مرة واحدة قبل أن أتنناول الأجوبة وأكتب أمام كل جاواب رقم السؤال فقط.

    الأسئلة كما طر حت وبالترتيب:


    1/ تقييم أداء الجيش خلال مختلف المراحل الماضية .
    2/ التصور عن الدور المستقبلي للجيش على مستوى الدولة .
    3/ علاقة الجيش بالسياسة.
    4/ علاقة الجيش بحماية القيم الجمهورية والسير المنتظم للسلطات العمومية .
    5/ الجيش في حماية الدستور .
    6/ دو ر المؤسسة العسكر ية وأهمية موقفها في القضيا الوطنية الكبرى (ملفات حقوق الإنسان الفساد ... إلخ)
    7/ الإطار المؤسسي الأمثل لهذا الدور .

    قبل أن أقدم للقارئ الكريم هذا الجزء الخاص بالمقابلات مع الشخصيات السياسية في البلد، أود أن أذكر أنني لم أختصر على شخصين سياسين فحسب، بل اتصلت بكل من رئيس تكتل القوى الديمقراطية أحمد ولد داداه، لاكنه اعتذر بحجة أنه مشغول، وكذلك رئيس حزب التحالف الشعبي التقدمي مسعود ولد بلخير وبقيت أتردد عليه في مكتبه بالجمعية الوطنية وفي منزله ولكن من دون جدوى، وكذلك حاولت الاتصال برئيس حزب اتحادقوى التقدم محمد ولد مولود، وكذلك جميل منصور ...إلخ.

    شكر خاص إلى رئيس حزب الاتحاد والتغيير الموريتاني (حاتم ) السيد صالح ولد حننا، وكذلك النائب البرلماني السيد المصطفى ولد بدرالدين اللذان منحاني وقتهما الثمين .

    أولا: رئيس حزب الاتحاد والتغيير الموريتاني (حاتم )السيد صالح ولد حننا

    1/ حقيقة أن الجيش الموريتاني ليس إلا عينة من المجتمع الموريتاني وخاصة أن الدولة الموريتانية في طور النشأة، لانبالغ إذا قلنا أنها ولدت ولادة قيصرية وظل هذا المجتمع القبلي مجتمع بدوي في تفكيره ، وظل مجتمع قبلي وجهوي ولم يستوعب مفاهيم الدولة ولم تأسس الدولة على أسس حديثة تجعل منها حقيقة، وطبعا كانت المؤسسة العسكرية ضمن هذا المنظو ر كانت مؤسسة أيضا هي لها مشاكلها الخاصة، خاصة أنها لم تؤطربالشكل المطلوب كما تؤطر المؤسسات العسكرية من مختلف الدول، خاصة من الناحية النظرية على الأقل خاضت حرب الصحراء ولم تستفد من هذه الحرب خاضت تجار ب أخر ى ، ظل الجيش خلال كل الفتر ة التى هو في السلطة والمفترض أنه يستفيد هو من السلطة،ظل أيضا مهمشا بل عملت هذه السلط المتعاقبة في الحكم ، عملت على تفكيك الجيش وعملت على إفقاد الجيش أي دو ر فاعل بحجة أنه حاكم ، وعملت على فقدان حتى الإنسان العسكر ي خفف خصوصيات العسكري من حيث التدريب، من حيث التأهيل، من حيث إمتهان العسكرية كمهنة، وبالتالي كانت المؤسسة العسكر ية في المراحل الماضية وخاصة في فترة معاوية كانت عبارة عن شكل هرم بشكل متهافة قد يوصف بكل شيء إلا أنه مؤسسة عسكرية لا من حيث التدريب، لا من حيث الوسائل ، ولاالجاهزية ولا من حيث الانضباط لم يكن جيشا بشكل من الاشكال ، طبعا هذا من جملة المسائل التي دفعت إلى بناء التنظيم وكانت قدأقنعتنا بضرورة التحرك ، وهنا ك دائما مجموعة من الضباط تأخذ السلطة باسم الجيش وتعمل كل ما تعمل من جرائم باسم الجيش والجيش منها براء براءةالذئب من دم يوسف، لأن الجيش نفسه ضحية أكثر من غيره لعمل هؤلاء سواء داخل المؤسسة العسكرية أوخراجها.

    2/ أعتقد أن الدور المستقبلي للجيش أو لأية مؤسسة لابد أن يكون ضمن إطار إصلاح عام في البلدإذا حدث هناك إصلاح حقيقي من حيث التسيير الشفاف لهذه الدولة، فالمؤسسة العسكرية هي أحوج إلى ذلك من غيرها، سيكون هناك إصلاح في المؤسسة العسكرية، وسيكون للمؤسسة العسكرية دو رها كجيش جمهوري حامي حماها، أما إذا استمر الفساد في المؤسسة المدنية كما في المؤسسة العسكرية فحدث ولاحرج.

    3/ عادة في أنظمة دول العالم الثالث عموما الجيش أوالمؤسسة العسكرية تبقى المؤسسة الوحيدة المنظمة في غياب أي مؤسسة سياسية، تعرفون جيدا أنه في دو ل العالم الثالث لاتوجد أحزاب سياسية قادرة على التأثير الفعلي، قدتوجد أحزاب سياسية تستخدمها السلطة لهذا الغرض اوذاك، أما أن تكون هناك أحزاب سياسية قادرة على تحريك الشارع قادرة على إحداث تأثير حقيقي في الشارع فهذا غير ممكن، وبالتالي تبقى المؤسسة العسكرية وحدها هي الملجأ الوحيد لكل من يريد التغيير، وبالتالي إذا ماوصلت الأزمة إلى مستوى معين ليس هناك من إمكانية لحل هذه الأزمة وتجاو زها إلاتدخل من الؤسسة العسكرية باعتبارها الوحيدة المنظمة لهذه المجتمعات والقادرة على إيجاد فعل مأثر في الساحة السياسية.

    4/ الجيش مطالب بحماية الحدود أولا ومطالب بحماية الدستور ثانيا في إطار دولة القانون، لكن كل هذا يتطلب أن تكون هناك دو لة قانون إذا ماكانت هناك دولة السيبة كما تعودنا( فتراب البيظان) فطبعا الجيش كغير ه من المؤسسات تارة يخرج عن حد وده ويمارس ما هو خارج حدوده، وتارة يكون ايضا هو ضحية للمؤسسات الأخرى، فهذه مسألة طبيعية جدا.

    6/ هذه ملفات سياسية لا علاقة للمؤسسة العسكرية بحلها ينبغي أن تحل ضمن إطار سياسي يشمل كافة القوى السياسية المؤثرة في الساحة السياسية، لاتهم الجيش بشكل أوبآخر، وينبغي أن نراعي في هذا الإرث الموجود والذي هو في الفعل إرث سيئ جدا، أنه كان للمؤسسة العسكرية دور فيه لاكن الدور الذي قامت به المؤسسة العسكرية كان دور مؤسسة سياسية حاكمة في فترة معينة، لم يكن دور المؤسسة العسكرية بقدر ما استخدمت المؤسسة العسكرية في تلك المرحلةالمعينة وبالتالي ليس لها أي دورفي حل هذا النوع، فهذه قضايا وطنية كبرى ينبغي أن تحل في إطار حوار عام يشمل كافة اطياف المجتمع، وكافة أطياف المجتمع المدني، وكافة اطياف الساحة السياسية، حتى نصل إلى حلول ملائمة ومقبولة لدى الجميع ضمن إطار من التر احم والمودة، وضمن إطار من حفظ المصلحة الوطنية... إلخ .

    7/ المؤسسة العسكرية ينبغي أن تكون بعيدة كل البعد عن السياسة، المؤسسة العسكرية دورها محدد في حفظ الحدود والسهر من بعيد على قيام دولة القانون وحفظ الدستور دو ن أن تتورط فيه باي شكل من الأشكال، لأنها إذا ما تورطت في هذه المشاكل، وإذا ماحاولت أن يكون لها دور في هذه المشاكل ستنقل صراعات المؤسسة السياسية إلى المؤسسة العسكرية وسيكون هذا هو أكبر خطر على الوحدة الوطنية لأن المؤسسة السياسية مما تحمله من تناقضات هي الأخرى ومما تحمله من أمور مختلفة، نهائيا ينبغي أن تبقى خارج اللعبة السياسية حتى تتم اللعبة السياسية في جو ديمقراطي حقيقي، وحتى يكون جميع السياسيين واعين أن المؤسسة العسكرية خارج اللعبة وأن هذه المؤسسة لن تترك هذه الأطر اف السياسية تتجاوز حدود العمل السياسي المسموح به في إطار القانون، وما يضمن هذا فقط هو بقاء المؤسسة العسكرية خارج اللعبة السياسية.( )

    ثانيا: النائب البرلماني السيد المصطفى ولد بدر الدين.

    1/ الجيش الموريتاني يعتبر جيشا حديث النشأة لأنه نشأ بعد الاستقلال ومباشرة يعني بعد الستينات، ولكنه نشأ في الحقيقة مع حرب الصحراء لأن حرب الصحر اء كانت امتحانا عسيرا لموريتانيا لأنها دخلتها بدون استعاد يذكر لا من الناحية السياسية ولا من الناحية العسكرية وعندما دخلتها بدالها نقاط ضعف قوية في الجيش وفي جهاز الأمن، وبالتالي بدأت الحكومة الموريتانية بزعامة المختارولد داداه آن ذاك تكتتب في الجيش بصورة سريعة وبدون تكوين مسبق وبدون تخطيط يذكر، وبالتالي في عدة اشهر قفز الجيش الموريتاني من العشرات إلى الآ لاف، وبالتالي كان كمه كبيرا ولاكن نوعه لم يكن جيدا، فيما عدا بعض الضباط الذين لمع نجمهم مثل إسويدات ولد وداد الذي قتل في معركة عين بنتيلي، ومثل إنيانغ الذي قتل أيضا في الحرب، معدا هؤلاء الضباط وغير هم قليل، كان الضباط الموريتانيون يفتقرون إلى التكوين ويفتقرون إلى الخبرة وبعد نهاية الحرب أخذ الجيش يمارس السلطة منذ 1978 وتخلى عن مهماته القتالية ومهماته في حماية الحوزة الترابية وأصبح يمارس السلطة بشكل دائم حتى نهاية الانتخابات الأخيرة، وبالتالي الجيش الموريتاني يمكن أن يقال إن دو ره كان أكبر في ممارسة السلطة من دوره في حماية المؤسسات الجمهورية والحوزة الترابية، ويتوقع الفاعلون السياسيون ومنظمات المجتمع المدني جميعا أن يتخلى الجيش عن ممارسة السلطة، وعن تنظيم الانقلابات والتفرغ إلى مهماته الحقيقية كجيش جمهوري يحافظ على الحوزة الترابية ويدافع عن المؤسسات الجمهورية ويبتعد عن السياسة ، هذا هوأمل الجميع وهذا هو مايطالب به الجميع .

    2/ هناك إحتمالان : الاحتمال الأول هو أن يستمر الجيش في ممارسة السلطة وفي تنظيم الانقلابات وفي تكوين اللوبيات العسكرية للتأثيرعلى السلطة والتأثيرعلى مجريات الأمور السياسية، وهناك مجموعة من الضباط لاتزال تحن إلى هذا الماضي وتحاول إنتاجه من جديد حتى في ظل المؤسسات الجمهورية المنتخبة ديمقراطيا بإشراف المجلس العسكري.

    أمالإحتمال الثاني : فهو ما يطالب به الجميع وهو أن يتخلى الجيش عن ممارسة السياسة وعن التدخل فيها وأن يتفرغ لمهماته كجيش جمهوري يدافع عن الحوزة الترابية ويحمي المؤسسات الدستورية، وفي هذه الحالة لابد من إحداث إصلاحات عميقة في الجيش بحيث يركز على النوع بدلا من الكم، وبحيث يتم تثقيف أطرالجيش من ضباط وضباط صف وحتى حنود ليعرفو أن مهمتهم ليست هي تنظيم الإنقلابات، وإنما هي الحفاظ على وحدة البلاد وحوزته التر ابية، والصراع بين الاتجاهين في الجيش قائم الآن ونرجوا أن ينتصر الاتجاه الصيحيح وهو الإتجاه الذي يبتعد بالجيش عن ممارسة السياسة.

    3/ الجيش بطبيعته لا ينبغي أن يتدخل في السياسة، الجيش ينبغي أن يكون بنفس المسافة من جميع القوى السياسية والاتجاهات السياسية، هذا هو الذي يليق بالجيش وبوحدته وبمهته النبيلة، لاكن بلدان العالم الثالث عرفت فصولا مأساوية من تدخل الجيش في السياسة وانغماسه في السياسة وتحوله إلى قو ة سياسية تمارس السلطة وتطيح بالأنظمة وتأتي بأخرى، وهذا وضع شاذ وغير مقبول نهائيا في دولة تدعي الديمقراطية ودولة مؤسسات ودولة قانون، لأن دولة القانون لايمكن أن تكون دولة عنف ودولة إنقلابات، وبالتالي الجيش بطبيعته بنبغي أن يبتعد عن السياسة .

    4/ هذه هي صميم مهمة الجيش، وهي أن يحافظ على النظام الجمهوري وعلى المؤسسات الجمهورية وأن يدافع عنها وأن يدافع عن الحوزة الترابية ، وعن الاستقلال الوطني وعن السيادة الوطنية، هذه هي مهمة الجيش وهي مبرر وجودالجيش أما مهمة أخرى فهي ليست من مهمات الجيش.

    5/ الجيش بصفته تابعا لرئيس الجمهورية هو الأداة الرئيسية لحماية الدستور، لأن الرئيس هو المكلف بحماية الدستور وأداته لحماية الدستور هي الجيش الوطني لكل من يريد أن يمس بمؤسسات الجمهورية وبالحوزة الترابية، أي بالمقداسات الجمهورية .

    6/ بماأن المؤسسة العسكرية كانت هي الحاكمة، وكانت تتبادل على السلطة، فهي للأسف ضالعة في جميع هذه الملفات، واستطاعت السلطة السياسية على مرالسنوات أوالعقود الماضية أن تسخر الجيش في تصفية الحسابات بينها وبين خصومها سواء كانو خصوما سياسيين أوكانو خصوما عرقيين أوطائفيين، وهذا ماجعل الجيش اليوم بحاجة إلى إعادة تنظيمه وإعادة تشكيله وإعادة تثقيفه وتوجيهيه ليبتعد بعيد عن هذه الأوحال التي زج به فيها خطأ .

    7/ هو الإطار الذي رسمه له الدستور، الدستور يجعل من الجيش حامي حمى الوطن وحامي المؤسسات الجمهورية، ولهذا ينبغي أن يركزالجيش على النوع بحيث يكتتب ضباطا مقتدرين ويكون ضباطه وضباط صفه وجنوده على هذه القيم، القيم الجمهورية، وأن يتدخل فقط عندما يكون الوطن في خطرأ وعندما يكون هناك عدو ان خارجي أوعندما تكو ن هنا ك كارثة جفاف، ينبغي أن يتدخل الجيش لمساعدة السكان أوعندما يكون هناك نقص في الانتاج ، يجب أن يتدخل الجيش لدفع عجلة الانتاج أو عندما يكون هناك وباء يجب أن يتدخل الجيش بمؤسساته الصحية وإمكاناته المادية لمساعدة السكان في مكافحة الأوبئة ...إلخ، يعني مهمة الجيش مهمة نبيلة، الجيش هو الذي ينبغي أن يحمي الوطن، والمؤسسات الجمهورية والمواطنين وهو الذ ينبغي أن يتدخل عندما يكون الوطن في خطر، لا أن يتدخل لكي يطيح بسلطة ويأتي بسلطة أخرى .( )

  5. #15
    مراقب المشهد الإعلامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    3,095
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي

    خاتمة:

    إذا كان لابد في نهاية دراسة كهذه أن نخرج ببعض الملاحظات الأساسية كما درج الباحثون أن يفعلو، وكما تعود القارئ الكريم أن يتلقى، فإننا نسجل بكثير من الإستغراب حيرتنا إزاء ذلك الركام الكثيف من غبار النسيان والتجاهل الذي كيفت فيه سبعة وأربعون عاما من الزمن التاريخي هي عمر دولتنا.

    سنوات طويلة بشجونها لا تجد أحد يعبر لك بوضوح عن حلاوتها، وإنما صمتا مطبقا إزاءها أو تلعثما أوسيلا عجولا من الإجابات المتوترة المفتقرة إلى الحماس والموضوعية، فهي لدى الشباب مدعاة للإشمئزازبهم وستهزاء ظالم، بينما تقرد في الذاكرة التاريخية الحرية للكهول كنائم شرس لاسبيل إلى إيقاظه، ربما يكون في الأمربعض المبالغة أوبعض الحفاوة بالتهويل لدى الباحثين شئت، إلا أن جانب الحقيقة يبقى قائما، وذلك أن القراءة الموضوعية المنصفة لهذه المرحلة الهامة من تاريخنا السياسي بابت مفقودة .

    يستطيع البعض أن يعلل هذه الحالة بأن دولة السبعينات والثمانينات، التي صاغها "الجيش" عاشت خالية من الاثارة.

    إن التقيم الصحيح لتجربة عريضة وهامة مثل هذه، لايتم برفضها القطعي والمسبق، وإنما بالحث المتأني والمنصف, ولا شك مطلقا أن تدخل الجيش في العملية السياسية كانت مليئة بالدروس والعظات، بالمحاسن والسيئات، وخصوصا بالشئ ونقيضه ...

    لنزل عن برج الخواطر العاجي الذي أعتليناه ....

    الشيء ونقيضه في تدخل العسكر في الحياة السياسية التي أحاطت بها في بعض الفترات، ظلت سيمة ملازمة مثيرة للغرابة .

    - إستقرار ولاستقرار : فالتدخلات التي رافقت ميلاد الدولة الحديثة كجزء أزالي منها، مرتبطين وجوديا بها، بديا مظهرا الإستقرارخادع ، فولد محمد السالك الذي إستقرعلى رأس النظام السياسي لم يحمِ نفسه ولا النظام الذي أقامه من الإضطراب، الذي لم يمكث أكثرمن سنة واحدة وبضعة أشهر، قبل أن يستقطه زملاؤه في انقلاب داخلي سمي يومها بالإصلاحي، بعده جيئ بالرئيس الثاني العقيد محمد محمود ولد أحمد لولي الذي سرعان ما خرج منها زاهدا فيما قيل، ولم يمض أكثرمن أشهر تعد على الأصابع اليد.

    جاء بعده الرئيس الثالث ـ في أقل من ثلاث سنوات ـ المقدم محمد خون ولد هيدالة ، بعد صر اع على السلطة بدا أنه كان قويا وحاسما، بين جناحين من القيادة العسكرية ، حسم لصالحه.

    بعدذلك جرى إنقلاب عسكري آخرطاح بالمقدم هيدالة، وجاء العقيد معاوية ولد سيدأحمد ولد الطايع الذي استمر في السلطة واحدوعشرون عاما، تخللها محاولات إنقلابية عديدة 1986-2000-2003-2004

    ـ إفريقيا البيضاء وإفريقيا السوداء: أزمة الانتماء الحضاري تلك وإفريقيا يوجد لها حلا، فباتت موريتانيا همزة وصل بين إفريقيا البيضاء وإفريقيا السوداء نقطة لقاء حضاري " أوأرض لقاء " وبات على القيادات أن تتحرط وفق موازنات هشة في كل صغيرة وكبيرة، ولم تأدي هذه النظرة إلى تحقيق إنصهار قومي في ذات حضارية واحدة ، وإنما ظلت معذيا سخيا لاانفصام عميق في الشخصية الوطنية وهكذا.

    الشيء ونقيضه، كل شيء ولاشيء ... هذه الحالة ربما تفسر ـ إلى حد بعيد ـ تلك الظاهرة الغريبة التي خلفت ذوبان تجربة عمرت طويلا في العدم بعدتغير سياسي حدث بيسرنادر!

    ساعات قيلة صباح الثالث من أغسطس يبتلع خلالها ولد الطايع واحدا وعشرين سنة هي عمر فترة حكمه ـ في المنفى بهدوء وتندلع مظاهرات المساندة والتأييد... هل كان ولد الطايع ونظامه وعمره المديد وجماهيره ومنشوراته حقيقة أم وهما ساهمناجميعا في صنعه كل هذه المدة؟


    قائمة المر اجع
    أولا: الرسائل 1

    - مانة فال بنت لمرابط: تطور الأحزاب السياسية في موريتانيا (1946- 1960) بحث لنيل الإجازة "متريز" في التاريخ المعاصر كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، جامعة انواكشوط 2002-2003 .

    2- الديينة بنت إعل خملش: نشأة وتطور الجيش الموريتاني، بحث لنيل الإجازة"متريز" في التاريخ،كلية الآداب والعلوم الإنسانية . جامعة نواكشوط 2004-2005 .

    3- الشيخ ولدشيخنا: تطور مؤسسات النظام العسكري في موريتانيا (1978 -1989) بحث لنيل الإجازة "متريز" في القانون كلية العلوم القانونية والاقتصادية شعبة العلاقات الدولية، جامعة نواكشوط ،1989-1990 م.

    4-مجلة أخبارالجيش العدد الأول، يونيو، يوليو، أغسطس،2006 .

    ثانيا: المجلات:


    الشيخ ولد سيد عبدالله أسرار وتفاصيل الإنقلابات في موريتانيا/ مجلة المجهر العدد 15/08/2005

    ثالثا: الكتب:

    1 – اعزيز ولد المامي، من تاريخ الأنظمة في موريتانيا.

    رابعا:المقابلات:

    1- رئيس حزب الاتحاد والتغييرالمور يتاني (حاتم)، السيد صالح ولدحننا، مقابلة شخصية، نواكشوط بتاريخ 20/05/2007.

    2/ النائب البرلماني: السيد المصطفى ولد بدرالدين، مقابلة شخصية، نواكشوط بتاريخ 22/05/.2007

    الفهــــــــــرسة
    العنوان الصفحة
    المقدمة 1
    المبحث الأول :مكونات أنواع الجيش 3
    المطلب الأول : الأركان وهيئات التخطيط 6
    المطلب الثاني : الأنظمة و القوانين في المؤسسة العسكرية 6
    المبحث الثاني : المؤسسة العسكرية في مواجهة الأزمات 24
    المطلب الأول : العسكر والأزمة الثقافية سنة 1966 24
    المطلب الثاني : العسكر وأزمة الصحراء 1975-1978 28
    الفصل الثاني : الممارسات العسكرية للحكم السياسي الموريتاني 45
    المبحث الأول: الممارسات الجماعية للحكم 45
    المطلب الأول : تشكلة اللجنة العسكرية 45
    المطلب الثاني : الإدارة والتشكيلة الداخلية للجنة العسكرية 48
    المبحث الثاني : الممارسات الشخصية للحكم 53
    المطلب الأول : الوزراء كوسيلة تنفيذ للسياسة الوظيفية 62
    المطلب الثاني : مجالات النشاط الحكومي 64
    الفصل الثالث : تدخلات الجيش في العملية السياسية 67
    المبحث الأول : اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني 10يوليو1978 69
    المطلب الأول : فترة الحكم العسكري 74
    المطلب الثاني : حركة لإنقاذ الوطني 1979 79
    المبحث الثاني : تدخل 1984 التي سميت يومها بحركة التصحيح والخيار الديمقراطي 90
    المطلب الأول : تدخل 2003-2005 94
    المطلب الثاني : الر أية المستقبلية للجيش 102
    الخاتمة 108
    قائمـــــــــــة المراجع 110

  6. #16
    مراقب المشهد الإعلامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    3,095
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي


    تلك كانت جولة سريعة مع تاريخ و بنية المؤسسة العسكرية الموريتانية , و في نهايتها أشكر الباحث على جهده و على إرساله للبحث من أجل نشره على صفحات المشهد , و ربما لم يتم نقاش الرسالة على المشهد لعدة أسباب من أهمها : بداية العطلة المدرسية و غياب الكثير من رواد المشهد عن الساحة , و منها -كذلك- أن ما يحدث كله الآن في البلد تربطه علاقة بالمؤسسة العسكرية التي تتحكم بزمام الأمور و هي التي صنعت الأزمات السياسية المتعاقبة و كانت طرفا في الحل , و بالتالي فمناقشة الرسالة لم تتم نظرا لارتباطها بموضوع أكبر و بمسائل عديدة , و كم أتمنى أن يوفق أخونا الباحث فيعمّق بحثه لاحقا من أجل الحصول على الماجستير و إدراج بعض الأحداث و القضايا المهمة التي حدثت بعد الثالث من اغشت 2005 و إبراز العلاقة بين العسكر و السياسة أو صناعة السياسة و الساسة بشكل أكثر دقة .

    و سوف أنشر لاحقا نص الرسالة كاملة -بحول الله- من اجل أن يتمكن القارئ من قراءتها كاملة -و بتأن- مع الإطلاع على الهوامش و الإحالات و التعليقات التي لم تظهر في المشاركات المنشورة في المشهد .

    و كان بودي لو تطرّق الباحث لموضوع "الإنفاق العسكري" سواء من حيث ميزانية الجيش ( المعلنة ) و شراء الأسلحة و العتاد , و ذلك من أجل إعطاء صورة أوضح عن حال جيشنا , و كنتُ قد قمتُ بقراءة في تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2004 و قارنت المعطيات الموريتانية فيه بأدنى و أعلى معطيات عربية ( يمكن الإطلاع عليه من هــــنــــــا ) و حول الجيش الموريتاني و نفقاته العسكرية توجد المعطيات التالية :

    الانفاق العسكري كنسبة من الناتج الاجمالي لسنتي:1990 و 2001:

    وقد بلغت هذه النسبة في موريتانيا (3.8%) سنة1990 وهي أقل من 8 دول عربية أكثرها انفاقا عسكريا الكويت(48.5% :لاحظ أن هذا العام هو عام الغزو العراقي للكويت!), وقد كانت أقل نسبة انفاق عسكري في بلدين عربيين هما:تونس: (2%)و الجزائر: (1.5%).

    أما في سنة 2002 فقد تناقصت نسبة الانفاق العسكري الموريتاني الى: (1.9% ) وهي أقل نفقات عسكرية عربية بينما كانت أعلى نسبة عربية في عمان(12.3%).

    اجمالي القوات المسلحة:لسنتي 2002 و 1985

    أ-في سنة 1985 ( وحدة القياس 100 ):

    وقد كان عدد القوات المسلحة الموريتانية في هذه السنة(185بوحدة القياس 100)أي:18500(ثمانية عشر ألف وخمسمائة جندي) متقدما على (11)بلدا عربيا أقلها سوريا ب(7900)جندي ,بينما كانت أكثر دولة عربية قوات مسلحة –عام1985-هي لبنان في خضم الحرب الأهلية-وقد بلغت قواتها آنذاك (41300جندي).



    ب-سنة2002 : ( وحدة القياس1000):

    وقد وصل اجمالي القوات المسلحة الموريتانية سنة 2002 ستة عشر(16)ألفا رغم كونه تراجع من18500 سنة1985بمقدار 2500 جندي؟ فهل كان لأحداث 1989 وما تلاها من تصفيات للتيار"العروبي"و غيرها من التصفيات "العرقية"و"الجهوية"ب عد احداث 8و9يونيو 2003 دور في ذلك؟مجرد سؤال؟!{ ورغم ذلك فقد بقي عدد الجيش الموريتاني اكبر من جيوش (3)ثلاث دول عربيةهي:قطر(12ألف),والبح رين(11الف),وجيبوتي(10آلا ف), بنما كان أكبر عدد اجمالى للقوات المسلحة –عربيا-في مصر وقد بلغ(443ألف)تليها:سوريا: (319ألف)والسعودية (200ألف) والمغرب (196ألف).


    كما ذكرتُ في خاتمة البحث المذكور أعلاه ما يلي :

    أودّ ان أذكر بمجموعة من المعطيات الاقتصادية الخطيرة الواردة في التقرير والتي من اهمها ما يلي:

    أ-ان مجموع السكان سنة 2004-حسب التقرير-بلغ2.980.000نسمة وسكان الحضر منهم (62%سنة2003), ويبلغ عدد السكان الذين تقل اعمارهم عن 15 سنة من مجموع السكان سنة 2004 (43%),وان اجمالي السكان في البلد-تحت خط الفقر المحلي-يصل الى(50%)والذين يصل دخلهم اليومي الى أقل من دولار واحد يبلغون: (25.9%)والذين يصل دخلهم اليومي الى اقل من دولارين يبلغون(63.1%)وان نسبة من يعرف القراءة والكتابة (لمن تبلغ اعمارهم15 سنة فأكثر)لا تتجاوز(41.2%)ونسبة الأمية للفئة العمرية نفسها-تساوي: (58.8%) و أن ترتيب موريتانيا-اقتصاديا- ضمن دول العالم(173) دولةهو: (152)وترتيبها عربيا ضمن 20 دولة عربية هو(19)وترتيبها ضمن قائمة أفقر(95)بلدا "ناميا"هو:87 متقدمة على ثمان دول فقط!!,وأن مجموع الديون الخارجية الموريتانية سنة(2002)وصل الى: (مليارين و ثلاثمائة وتسعة ملا يين دولار)بمعدل(775دولارا لكل فرد /حوالي:232.000 أوقية لكل موريتاني!!!/), وأن صافي معونات التنمية البشرية للبلد وصل سنة 2000 الى (335 مليون دولار/حوالي:87 مليار أوقية)و أن استيراد الأسلحة كلف الخزينة الموريتانية سنة (1994)سبعة وعشرين مليون (27)مليون دولار(7مليارات أوقية؟؟ّ!!) ومع هذا فان نصيب الفرد من الناتج المحلى لايتعدّى(2.220دولارا أمريكيا) ,مع العلم انه لاتوجد"طبقة متوسطة" يمكن الاعتماد عليها في قياس الدخل فنسبة "الطبقة الأولى" ترفع المعدل الى اعلى, ولو كانت ثمة طبقة متوسطة لنقصت المعدّل الى ما دون الألف دولار سنوي.

    و سوف أضيف مقالين حديثين نشرا مؤخرا -في ظل الأزمة الحالية عن العسكر و السلطة , و ذلك في المشاركة التالية .

  7. #17
    مراقب المشهد الإعلامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    3,095
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي

    المقال الأول :

    الجيش والسياسة والسلطة
    محمد ولد عبد القادر قانوني وكاتب صحفي

    ( نشر المقال على موقعي : الأخبار إنفو و أخبار انواكشوط ) :

    منعاً للالتباس أو سوء الفهم، نؤكد في البداية على بعض الأمور:
    أولاً: ليس موضوع هذا المقال الحديث عن دور المؤسسة العسكرية في حراسة الوطن وحماية أمنه الوطني، لأنه دور مقدس ومحط إجماع من قبل الجميع، وإنما موضوعه علاقة بعض قادة العسكر بالسياسة، التي هي محل جدل دائم وبالذات بعد بقاء طرفي هذه العلاقة متلازمين، وعدم اكتفاء العسكر بدورهم الطبيعي السيادي، وقيامهم بأدوار سياسة داخلية وتفضيل البعض منهم للدور السياسي على الدور السيادي، فكانت منهم النخب الحاكمة، وكانوا في كثير من الحالات مصنع القرار السياسي.

    ثانياً: إن موضوع الجيش من وجهة نظر علم السياسة هو موضوع سياسي عادي أي يشبه في طبيعته موضوع الدولة أو السلطة أو الأحزاب أو القضاء، وأنه لا يتميز عنها من الزاوية الموضوعية بشيء، وحرصاً على عدم إلصاق معاني التخلف والاستبداد والقهر والديكتاتورية بالمؤسسة العسكرية، وإيمانا منا بأنها مؤسسة سيادية أنجبت عسكريين شرفاء، نؤكد على أننا نخص هنا بعض قادة العسكر المغامرين الذين اغتصبوا الحكم واستمرءوه واستأثروا به.

    إن ظاهرة سيطرة العسكر على الحكم من خلال الانقلابات العسكرية هي ظاهرة عالمية بدأت منذ عشرينيات القرن الماضي وازدادت في الخمسينيات والستينيات إلى أن باتت ظاهرة عامة ملفتة للنظر في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، وحتى أصبح عدد النظم العسكرية في هذه المناطق أكثر من النظم المدنية كافة سواء شمولية كانت أو ديمقراطية، وبعبارة أخرى أضحت الانقلابات العسكرية كطريق للوصول إلى السلطة العليا أكثر انتشارا من كل الأساليب الأخرى في هذه الدول.

    فبين عام 1946 و 1970 وقع في 59 دولة في العالم 274 انقلاباً فاشلاً وناجحاً
    وفي الفترة ما بين عام 1945 و 1972 حدثت في إفريقيا جنوب الصحراء بمعدل 1.5 انقلاب كل شهر، ومرة كل 4 شهور في أمريكا اللاتينية، ومرة كل سبع شهور في آسيا، وهناك دولا يمكن أن يقال عنها إنها أدمنت الظاهرة الانقلابية وهي (هايتي 5 انقلابات وبولوفيا 7 انقلابات وسورية 11 انقلابا).

    ثم بدأت ظاهرة الانقلابات وحكم العسكر تنحسر تدريجيا في العالم مع بداية السبعينيات من القرن الماضي، مع تحول أغلبية الدول من حكم الدبابة إلى حكم الدولة المدنية التي تُحكم بواسطة المؤسسات والبرلمان والقانون، فكان آخر حكم عسكري في أوروبا الغربية عند مطلع السبعينيات في البرتغال وإسبانيا، وخلال عصر التسعينات انتهى حكم العسكر من أوروبا الشرقية وأيضاَ من أغلب دول أمريكا اللاتينية .

    أجمعت الكثير من الدراسات والأبحاث التي عنيت بموضوع الجيش والسياسة والسلطة في الوطن العربي، على أنه ومنذ استقرار حكم الديكتاتوريات الوطنية العسكرية في منتصف السبعينيات وصاعداً، بدأت تظهر الكثير من الآثار الجانية السلبية وخاصة على الحياة السياسية والتطور الديمقراطي، وعلى المجتمع المدني والدولة الحديثة، وعلى وجهة ولاء الجيش وصورته الوظيفية فبعد أن أصبح للجيش مهمات سياسية لا علاقة لها بواجباته الأساسية المحددة بالدستور، بات الجيش جيشاً للسلطة لا جيشاً للدولة وتحول إلى أداة في يد الفئة الحاكمة لتحقيق هدفين هما قمع القوى المعارضة عند الحاجة، والحفاظ على ديمومة سيطرة هذه الفئة.. وأصبحت المؤسسة العسكرية فريقا سياسيا في المجتمع في مواجهة فرقاء سياسيين آخرين، وأدى هذا إلى تدهور صلاحياته من جيش للدولة إلى جيش للسلطة ومن جيش للشعب إلى جيش لطبقة سياسية عقائدية، ومن جيش عقائدي إلى جيش فئة حاكمة، ثم إلى جيش فرد وبطانة. وبدلاً من أن يكون ولاؤه للدولة تحول ولاؤه لعقيدة ثم إلى ولاء لفئة حاكمة ثم ولاء للفرد.

    وفيما يتعلق بالجانب السياسي، فإن قادة العسكر قد أساءوا إلى الحياة السياسية واستغلوا الأحزاب وتسببوا في تشويهما.

    فمع بداية تسلمهم مقاليد السلطة ونتيجة لضعف في شرعية حكمهم اقتضاهم الأمر تبني الشعارات التي كانت رائجة آنذاك، والاستعانة بالأحزاب التي كانت تمتلك قاعدة شعبية، لا لقناعة منهم بالشعارات ولا لإيمان بمبادئ الأحزاب، لكن من أجل إضافة بعض المساحيق التجميلية للتحسين من شرعيتهم ولإظهار الحكم بأنه ذو طابع مدني ديمقراطي.

    ومن ناحية أخرى لصعوبة عسكرة كل المجتمع مع حاجتهم إلى إعادة إنتاج الحياة الاجتماعية على صورتهم وطبقاً لمصالحهم.. في القرارات المصيرية والإستراتيجية العسكرية منها والمدنية، ومن حيث صياغتها وإقرارها، بيد قادة العسكر ورجال الأمن. كما أنهم وبعد ترسيخ حكمهم، عمدوا إلى حرف حزب الشعب عن مبادئه الرئيسية واستغلال أعضائه لما فيه مصلحة النظام، وكان ذلك من خلال تحوير دورهم بتكليفهم كتابة التقارير عن المواطنين وتنظيم التظاهرات المؤيدة.

    ومن الآثار الجانبية الأخرى والناجمة عن حكم العسكر والتي لا تقل ضرراً عن تغيير صورة ووظيفة المؤسسة العسكرية السيادية واستغلالهم للأحزاب والقضاء على الحياة السياسة، منع ولادة الدولة المدنية الحديثة، وتعينيهم رؤساء وزارات محدودي السلطة، وتهميشهم مؤسسات المجتمع المدني وإلى ما شابه ذلك من ممارسات تعيق تأسيس الدولة المدنية الحديثة.

    وبالرغم من أن بعضهم يتغنى بإنجازات ومكاسب صغيرة تحققت في ظل حكمهم، إلا أن الآثار الجانبية كانت أضخم من أن تشفع لها تلك المكاسب، وهل قليل أن يكون الثمن مصادرة حريات الشعب وقمعه وهدر كرامته واختفائه، وتهجير العقول الوطنية الخيرة إلى المنافي لأن صدر السلطة لا يتسع لآرائهم، وأن يصبح حصول المواطن على حقوقه المدنية وأقلها الحصول على جواز سفر مكرمة من النظام..

    تشكلت من مختلف مكونات الشعب قوى معارضة رافضة للواقع، ناضلت من أجل نيل حريتها والخلاص من الفساد والاستبداد والحكم الجائر، لكنها لم تستطع تحقيق أهدافها بسبب الخلل الواضح والكبير في موازين القوى بينها وبين الفئة الحاكمة التي تحظى بالدعم الدولي وتحتكر السلطة والاقتصاد والمال والإعلام وتمتلك السلاح والقدرة على استخدام العنف التي يمكنها من قمع أعتى معارضة تهدد استمرارها في الحكم. ومن المؤسف أنه ولغاية الآن لا يزال ذلك الخلل في موازين القوى بين المعارضة والفئة الحاكمة حاصلاً، والعناصر التي تعمل على ميل كفة الميزان نحو الفئة الحاكمة لا تزال قائمة.

    وللاستفادة من دروس التاريخ وعبره لتحقيق ميل كفة الميزان لصالح قوى الإصلاح والتغيير، المتمثلة بالأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني وقوى المعارضة والمستقلين والمثقفين والكتاب، الذين يدعون من خلال برامجهم وكتاباتهم ودراساتهم إلى التغيير والإصلاح ويكون الشعب مصدر السلطة، على مبدأ التداول السلمي الديمقراطي، وتكون فيها السياسة حقاً اجتماعياً قائماً على المنافسة السلمية. هذه القوى التي تهدف إلى حسم الصراع لصالحها، ضد الفئة الحاكمة التي تخشى الاستسلام للإصلاح والديمقراطية لما يحملانه من آليات تطيح بها وبنفوذها وسطوتها ومكاسبها، وضد تابعيها من المستفيدين والملتفين حولها الذين يجمعهم وهذه الفئة مصير مشترك. من الضروري توفر عناصر القوة التي لا غنى عنها، وأحدها، اتحاد قوى التغيير والإصلاح وتأجيل كافة الصراعات الإيديولوجية والثقافية إلى مرحلة لاحقة يكون فيها الشعب قادراً على قول كلمته الفصل من خلال صناديق الاقتراع. والعنصر الثاني وقوف الشعب إلى جانب قوى الإصلاح مع الإصرار على العمل لإعادة الفعالية إلى الشارع وتصعيد مستوى الحراك الاجتماعي ، فالنظام الجديد لن تتحقق له الشرعية ولن يدوم دون مساندة الشعب ورضاه، ونحن نرى أن تأييد الشعب لقوى الإصلاح والتغيير متحقق كتحصيل حاصل بعد أن تحول المواطنون إلى جموع مقهورة وآمالهم مكسورة ونفوسهم ثائرة وهمومهم زاخرة وجروحهم غائرة.
    أما العنصر الثالث هو العمل على ضمان حياد العسكر في هذا الصراع، وضمان إنهاء دورهم كفريق سياسي يحابي طرفاً على آخر. إن أهمية هذا العنصر ناجم عن كون العسكر يملكون أدوات قوة وسلاح لا يملكها غيرهم، ويتفوقون في ذلك ليس فقط عن المدنيين بل وحتى على باقي المؤسسات الأمنية وخاصة من حيث العَدد والعُدد والتنظيم والقدرة. وهذا ما أثبتته الوقائع، فكثير من الدول لم تستطع قوات شرطتها وأمنها قمع تظاهرات مواطنيها ، بل اضطرت لزج الجيش لإنهائها.
    هنا نرى، من الأهمية مناقشة موضوع المؤسسة العسكرية وتعميق الحوار حولها، لأن مناقشته تشكل جانباً من المسألة الديمقراطية والتطور الديمقراطي، فمثلاً من بين الأسئلة التي أثيرت مؤخراً: "ما هو موقف العسكر من عملية الإصلاح والتغيير؟ وهل الآن سيستوعب صدرهم للدولة المدنية الحديثة بعد أن تسببوا بإجهاضها؟؟ هل سيرضون بالاحتكام إلى الدستور الذي يقصيهم عن السياسة ويحدد واجبهم بحراسة الوطن وحصر مهمتهم في الدفاع عن حدوده وسلامته؟؟ هل سيرحبون بالتنازل عن القرار السياسي ليصبح بيد المؤسسات المدنية سواء في الشؤون الداخلية أو الخارجية؟ وبكونهم جزءا مهما وكبيرا من مكونات الشعب، هل هم راضون عن الواقع الحالي ؟ وهل سكون قادتهم لمدة تزيد عن 20 عاماً، تحقق لاستفادتهم من الوضع الراهن وحفاظاً على امتيازاتهم ومكاسبهم، أم هو نتيجة قناعة بعدم وجود قوى سياسية حقيقية قادرة على تغيير والإصلاح والانتقال إلى الدولة المدنية كما حصل في بعض الدول حديثاً؟ وهل يعتقدون أن الموضوع برمته ليس إلا صراعاً على السلطة والغلبة فيه للأقوى؟.

    في الختام نؤكد مرة أخرى أننا لا نشك في وطنية الأغلبية الغالبة من منتسبي هذه المؤسسة السيادية التي نتمنى لها الازدهار والعزة، والعودة إلى دورها السيادي وأن تكون مؤسسة للشعب والوطن لا لفئة وأفراد. ومن منطلق أن المعارضة هي معارضة للسلطة وليس للوطن، نأمل أن يكون العسكر محايدين، كما هو معمول به في الدول الديمقراطية الحديثة، وأن لا يتدخلوا في الصراعات ولا ينتصروا ولو رمزياً لفريق ضد آخر. وأن يتحول الحوار إلى حوار بالأفكار والكلمات لا بالسياط واللكمات.

    ليس لدى أحد أدنى شك في حب المؤسسة العسكرية للوطن، لكننا نقول: "الحب كلمة وفعل".

  8. #18
    مراقب المشهد الإعلامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    3,095
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي

    قيصر و قيصر والعسكر جدلية العلاقة

    المعلوم بن اوبك

    منشور على موقع الأخبار انفو

    في محاولة أخيرة حملت عنوان " موريتانيا صعوبة النجاح وقبح الانتكاس " تلقيت عدة ردود وتعليقات انصبت في مجملها في كوني داعية للعسكر حينما قلت في تلك المحاولة أن "" الحديث عن عدم خوض العسكر غمار السياسة سذاجة وجهل معرفي...... , وان إبعاد المؤسسة الصامتة بشكل تام عن العمل السياسي غير مجدي ........., وحينما أكدت أن العسكر لا يسعون لتأزيم الأوضاع " مما أدى بالبعض للقول أني داعية رخيص الثمن للعسكر وإن كانت هذه اتهامات تحتاج لأدلة مقنعة وحقيقية وتنطلق من الحقيقة.

    بداية لا أكتب إلا ما أرى سواء اتفق مع من أو اختلف مع من يكونوا، ولا أزال على نفس الموقف وأرى نفس الوجهة ، لكن مهما يكن تظل الكتابة عن قيصر والعسكر وطبيعة جدلية العلاقة التي ينبغي أن تجمعهما ضرورية وإن كنت أرى أن الرؤية القائلة أن ما لقيصر لقيصر وما للعسكر للقيصر تحطمت على صخرة السياسة الموريتانية نتيجة رفضها وعدم وجودها من الأول، فالمتأمل جديا في تاريخية هذا البلد يجد أن شمس العسكر لم تغرب عن الواجهة المتحكمة في شرايين السلطة الموريتانية بل هم أصحاب الأمر، وإن كانت مرحلة ما قبل 1978 مرحلة مدنية إلا أنها لم تسلم من نفوذ عسكري في تلك المرحلة ولا أدل على ذلك من قيادة انقلاب أبيض وبالتالي نجاحه، إن موريتانيا خلال تاريخها تتلخص في أنها من صنع العسكر، والمدنيين كما يشهد على ذلك تاريخهم لم يكونوا في يوم من الأيام إلا بيد العسكر يحركونهم متى وأنى شاءوا وفي أي وقت سواء بالوعود في دخول تشكلة الحكومة أو أمر ما، بل المدنيين هم عصى العسكر التي ظلوا يتكئون عليها ولهم فيها مآرب أخرى ومتنوعة، وهم أنفسهم من سولت لهم أنفسهم في ظل جشعهم التخطيط مع الانقلابيين لإزاحة النظام المدني الأول، فلم تكن الانقلابات انقلابات العسكر لوحدهم بل لولا تلك الذئاب المدنية المحسوبة على بعض التيارات السياسية ما كان العسكر قرروا تنفيذ أي مخطط انقلابي، مما يؤكد أن المدنيين ظلوا دائما أداة تبرير للعسكر وتدجيل لهم في السعي للانقلاب بل لولاهم ما تم أي انقلاب على أديم هذه الأرض، فحينما يتصارح المدنيين الموريتانيين مع أنفسهم سيجدون أنهم لم يكونوا إلا محكومين من طرف العسكر مأمورين فيطيعون ويسمعون، وهذا العصيان الذي يسعون الآن لخلقه هو أمر في الوقت بدل المطلوب، بعد أن عجزوا عن دك حصون النظام العسكري المدني الذي لبس ثوب زور الديمقراطية فهادنوه في هذا الأمر وخدعهم بقوله الانفتاح السياسي وغيره من السلوكيات المتعددة كالتزوير فعجزوا بنهجهم السلمي عن إسقاطه وتحمل التبعات التي قد تنجر عن ذلك، إلى أن ُقيض أن يثور العسكر بعد ما بلغت الأوضاع المزرية الحناجر وظننا أن لا ملجأ من سباحة البلد في مياه الحروب الأهلية وليس لنا غير هذا النظام، فوضعوا بتصحيحهم الأغسطسي نقطة النهاية لهذا الظلام الأسود وقدموا لآل المدنيين درسا جديدا ووهبوهم ما ظلوا يحلمون به الإطاحة برأس القمع والفساد، فتم في إبريل 2007 تسليم الأمر لموريتاني لم يذق طعم العسكرية ولا حتى عرف عنه استهوائه لها وسلم الجميع بالأمر وظن خيرا بوضع السياسة في البلد وتتالت الأيام والشهور بعد الشهور من حكومة إلى ثانية قيل أنها حكومة الفلكلور السياسي فتفجرت عندها أزمة أعادت للسطح ضرورة أن يتم النظر في جدلية علاقة العسكر وقيصر، فانهالت الأحكام على أن قيصر لا يحكم، وأن العسكر هم من يحكمون وأصحاب الأمر من قبل ومن بعد، فأدت الوضعية في مجملها إلى أن يخرج من طرفي المشهد السياسي الموريتاني مناهضين للعسكر في الجناح الحاكم وشبه مؤيدين لفرضية سيطرة العسكر على السلطة في الجناح الآخر وضرورة الاتجاه صوبهم بدل قيصر؟ !

    العسكر وقيصر

    يتميز قيصر بخاصية الحق والقانون والشرعية التي يستمدها من اقتناع الأفراد بالقانون، بينما القوة والعنف مجهود عضلي يبذله الفرد العسكري وبهذا يكون كل نظام بحاجة للشرعية والقوة مما يقضي بتلازمية قيصر والعسكر فالأول امتداد للثاني، والبشر عسكريون بطبيعتهم حيث النفس البشرية تعمد إلى استخدام العنف أو القوة لما تشعر أن حياتها غدت في خطر ومهددة وبذلك يكون ما لقيصر للعسكر وما للعسكر ليس لقيصر، والنظام القيصري بذلك إملاء للقوة المسيطرة – كما أكدت على ذلك تجربة موريتانيا – فالعسكر هم من كانوا يحكمون زمام الأمور والنظام الحالي نتيجة املاءاتهم مما يفرض تبعية قيصر للعسكر لا محالة، فقادة العشائر والمدائن كانوا أوان الانتخابات ينتظرون ما يشير به أصحاب النفوذ في تلك الفترة وحينما حددوا وجهتهم نجد أن اليتامى السياسيين اتجهوا افي تجاه ميزان القوة، فأنتج الواقع نتاجه المعروف وإن بفارق طفيف، وعليه فإن أي نظام سياسي قادم لهذا البلد على ما يتضح لي لن يخرج عن سيطرة العسكر، إلا أن السبب الأساسي للأزمة الأخيرة في بلدنا هي أن قيصر ظن أن له الحرية في أن يفعل كل ما تمكنه منه صلاحياته وتناسى في الأخير قوة أقوى من صلاحياته، مما أدى في خاتمة الأمر لدخول الطرفان في حرب أشبه بالباردة لم تصل حد الاقتتال ( حل البرلمان ) نتجت في الأخير عن إذعان الشرعية للعنف وتم بذلك تأسيس نظرة جديدة خاصيتها قوة القانون التي تستمد على ما يبدوا من أصحاب العنف، الذين يستمدون قوتهم من النظام السياسي فلو لم يكن هنالك نظام هم على دراية به ما كانت لديهم قوة تضاهي قوة الشرعية فلا قوة لقيصر إذا كان هنالك عسكر لديهم فضل عليه .

    العسكر: بين ضرورة الإشراك وإلزامية الإبعاد

    لاحت ظاهرة عسكرة السلطة السياسية في موريتانيا ابتداء من عام 1978 تاريخ أول انقلاب في موريتانيا فأصبح التداخل بين العسكر والسلطة السياسية واحدا من العلامات المميزة للعمل السياسي في موريتانيا مدشنا ولد السالك - بقطع شريط الحكم المدني – لعبة العسكر والسياسة، لقد كان انقلاب 10 يوليو الأول في البلاد وبداية لتاريخ من الانقلابات العسكرية بكل أنواعها فاتحا صفحة من الانقلابات المتتالية في تاريخ موريتانيا حديثة النشأة حيث تتالت في السنوات السبع الأولى ( 1978- 1979- 1980- 1984 ) أربع انقلابات وظلت البلاد محكومة من طرف العسكر الذين تعاقبوا على السلطة لا عن طريق انتخابات وإنما بأسلوبهم المعتاد حتى سنة 1991 وفي ظروف دولية لها شأنها قدموا ( العسكر ) دستور للبلاد حصل في 20يوليو 1991 على نسبة 97.94 % وتلاه كخطوة موالية له انتحاب رئيس الجمهورية في 24 يناير 1992 وعادت البلاد نوعا ما ولو شكليا " للحكم المدني " .

    إن مسيرة ما يزيد على 25 سنة من إدارة السلطة من طرف العسكر لم نمكن من الانفصال عنها في ظل 20 سنة أحرى 5 سنوات أخرى، فعلى النخبة السياسية الموريتانية أن لا تدفعها الرغبة الجامحة نحو ترسيخ الديمقراطية إلى تجاوز المنطقيات وأطراف ضمن المعادلة السياسية في البلد، إن من تحكموا في ناصية السلطة السياسية للبلد طوال هذا الفترة من غير المعقول أن نطلب التطليق معهم في ظرف وجيز، فما هذه سُنة أو طريقة مثلى لأمر كهذا، وإن كانت إلزامية ترسيخ دعائم دولة المؤسسات شرط لا غنى عنه لنجاح موريتانيا ودرسها الديمقراطي، الذي لا يمكن أن نتمكن منه في ظل تجاهل الحقائق والوقائع، علينا أن لا نتسرع في القطيعة معهم في أسرع وقت بل لندع الأيام مع طول الوقت تفعل ما تشاء ونطب خاطرا إذا حكم النظام السياسي قبضته، وعلى كل ذلك فإن الدعوة للقطيعة ما بين العسكر والسياسة لا جدوائية من ورائها في الوقت الحالي بل إن الأمر( الدعوة لانفصال العسكر عن السياسة ) لا يعدوا كونه بحث عن أمر مجهول، فلا أعول كثيرا على الساسة الرافضين لتدخل العسكر فغدا أو بعد غد سنجدهم من أشد الناس صداقة وحميمة لهم مما سيؤكد أن هذا الرفض لم يكن رفضا من أجل الديمقراطية بل إن الديمقراطية لما تجد بعد من يضحي من اجلها، إن أي نظام سياسي بعد فترة العسكر ما كان ليقوم بدون أن تكون لهم بصمات عليه فيكفي تدليلا على ذلك أن أحد المتنافسين في الشوط الثاني عبر في مؤتمر في باريس بما معناه " أنه لا يدعمه المجلس العسكري ولا يوجد لديه ما نع من ذلك وأنه لن يرفض إذا دعمه " فهي إذن حجة كافية على أن من كان سيصل كرسي رئاسة موريتانيا في إبريل 2007 كان عليه أن يمر على ببوابة العسكر وينال رضاهم وصك غفرانهم، ومنه فإن ما يعيشه النظام الحالي من تجاذبات نتيجة طبيعية لحالة لم يحسب لها الطرفان حسابها، بل حتى لو رجعنا إلى الوراء قليلا لوجدنا أن ظاهرة التعددية في هذا البلد لم تتشكل إلا في ظل العسكر، والانفتاح السياسي تم تحت إشرافهم، فلم المزايدة إذن على طيف من أطياف هذا البلد أسس وبنى الديمقراطية بغض النظر عن الظروف التي دفعته لذلك؟ هل يعقل أن يتركوا النار في أيدي صبية بعيدي العهد بالسياسة ليحرقونهم في خاتمة القضية أو يحرقوا أنفسهم والبلد؟ إذن التدخلات أجدها مبررة لها ما لها خاصة في ظل نظام لم تعرف بعد وجهته فقد يكون عدم الارتياح للنظام وأجندته باعث للتدخل وعدم ترك الحابل له، كما أن عدم فاعلية القوى المدنية قد يكون من الأسباب الكامنة وراء سيطرة العسكر على النظام الحالي، ولا يمكن في مجال كهذا تناسي ما قامت به فرنسا حيث عمدت إلى تحويل العديد من العسكر إلى نخب سياسية لا عسكرية واعتمدت بالأساس على النخب العسكرية لإدارة السلطة، كما أن صعود نجم العسكر في هذه الأجواء تعبير عن عجز التنظيمات الحزبية وضعفها عن شغل الفراغات التي كان من الضروري ملؤها، فكان الدخول إلى الحلبة السياسية أمر مستساغ استغله العسكر لملئ الفراغ.

    إن دعوة البعض لإبعاد العسكر عن السياسة قد يكون نتيجة لأن العسكر قاموا بإعاقة وصول هذه الأحزاب إلى السلطة، لكن رغم كل ذلك يظل الجيش هو المؤثر الأساسي في الزمن الحالي في السياسة الموريتانية، وتفرض ضرورة الحفاظ على اتزان المشهد السياسي إشراك العسكر في اللعبة انطلاقا من القاعدة القائلة بإباحة الممتنع بالنسبة للضرورة، يختلف ساسة موريتانيا حول الموقف من العسكر إلا أن ما على الجميع أن يضعه نصب عينيه أن السلطة في موريتانيا بحوزة العسكر وأي قيصر يفكر في الإبعاد لا الإشراك أو إعطاء مكانة كبيرة يعرض نظامه لحالات أزماتية عديدة قد تؤدي في النهاية إلى نهايته .

    قيصر ومستقبل العلاقة
    أغرب حالة شاهدتها منذ أيام دعوة طرف من الأغلبية الجديدة المناهضة لتدخل العسكر في العمل السياسي وإن كنت من حيث المبدأ أرى نفس الوجهة إلا أنه ليس في الظرف الآني ومن النظام الحالي، فلا أرى أن يحكمنا العسكر خلال ما يزيد على 22 سنة ثم نطلب من نظام نتاج العسكر أن يقصيهم بجملة لا أأيد تغييب مجموعة من أبناء هذا البلد عن المشاركة في تدعيم النهج الديمقراطي في ظرف نحن أحوج لتضافر الجهود مجتمعة حتى يتسنى لنا أن نؤكد النجاح وبالتالي التفكير فيما بعد في طريقة الإبعاد لأي كانوا، إن من يريد إخراج العسكر من النافذة بعد أن دخلوا من الباب لا يفكر في تبعات مسألة كهذه، كما أن من يريد إدخالهم من النافذة لإخراجهم من الباب يرتكب جريمة في حق نفسه قد تؤدي إلى هلاكه، ولكن لتكن طبيعة العلاقة التكامل انطلاقا من مبدأ أن ما لقيصر للعسكر نصيب فيه وما للعسكر لقيصر وفي الأخير يظل صاحب الكلمة الأخيرة، وبذلك نضمن تعايش الطرفان بسلام وأمان، أما من يريد تجاوز المؤسسة الصامتة لا ينظر في نتاجات ذلك الأمر، بل إن أمرا كهذا لا مبرر لوجوده، فنظام بلا عسكر خراب وعسكر بدون قيصر يستمدون منه نفوهم جبناء، إلا أن أزمة النظام السيدي ليس العسكر بل النظام نفسه فسياسة الاحتواء لكل منتخب للبرلمان أفرزته انتخابات الفترة الانتقالية أوقعه فيما يشبه مشكلة التناقضات في أطراف جناحه السياسي مما خلق نوعا من عدم التجانس في جسم الأغلبية سواء في الإدارة أو معالجة الملفات الملحة والتوجهات أو النظرة العامة لأهم القضايا المطروحة، إن أشد ما أخافه أن لا يكون لتصاعد أزمة الغذاء العالمية أثرها في تبخر مصداقية النظام القيصري، فالبلد في الفترة الحالية يشهد وضعا صعبا فإن كانت نكبات الستينيات والسبعينيات أدت إلى النزوح من الريف إلى المدينة فإنه في ظل الأزمة الحالية قد لا يكتفي السكان بذلك في ظل جوعهم في الريف والمدينة على حد السواء بل قد يستعملون سلاحا جديا، كما أن أحداثا محلية إن انفجرت ستؤدي إلى إفشال المهادنة مما يعني بطبيعة الحال توسع الأزمة وبالتالي التدخل العسكري المحتوم الذي سيكون تحت ذريعة المحافظة على احترام المؤسسات الديمقراطية، كما أن إنقاذ البلد من النفوذ الشخصي ومحاربة الفساد قد تكون هي الأخرى من الذرائع القادمة للإنقاذ الجديد .

    لقد لجأت الأحزاب إلى العسكر حينما أحست أن هنالك طرفا من المتنافسين يساندونه مؤكدين تلك المعادلة الكبيرة تبعية السياسيين للعسكر لذا من التناقض مع الذات وهم يعلمون ما يعلمون أن يعلنوا المعارضة لمن هو صاحب الفضل على من توجهوا إليه، فلماذا التوجه منذ البداية إلى السلطة وأنتم تعلمون أن السلطة نتاج القوم، إن تحييد المؤسسة العسكرية وإخراجها من المشهد السياسي أمر لا يهضم، وموريتانيا على ما يبدوا لا يمكن أن تعيش بدون رئيس ذا تبعية عسكرية أو خلفية عسكرية أو رئيس عسكري، فرغم كل العداء الظاهر الذي تبديه الطبقة السياسية للعسكريين عندما يقتربون من أسوار السياسة لكن الذي لا خلاف فيه أن الجيش حامي البلد وأنه الوحيد الذي حينما تشتد وطأة الأزمات وتتصاعد وتبلغ الأمور مرحلة اللااستقرار لا محالة يستلم الأمور ويتولى الإدارة، بجملة على قيصر أن لا يقبل أن يكون " نصف قيصر " وليعلم أن ليس كل عسكري مبعث خوف وليس كل قيصر مدرسة في الديمقراطية ؟ !

  9. #19
    مشاهد جديد
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    40
    معدل تقييم المستوى
    0

    افتراضي


    شكرا للباحث على هذه الرسالة القيمة و شكرا للمشهد على نشرها , و قد اعجبتني كثيرا وقدمت لي معلومات مهمة عن جيشنا الوطني و تاريخه و مكوناته و من اعجب ما فيها مقابلة الباحث مع الرجلين السياسيين الكبيرين ول حننا و ول بدر الدين , و اقتطف من كلام ولد حننا -العسكري السابف -:
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة siyam مشاهدة المشاركة



    أولا: رئيس حزب الاتحاد والتغيير الموريتاني (حاتم )السيد صالح ولد حننا

    2/ أعتقد أن الدور المستقبلي للجيش أو لأية مؤسسة لابد أن يكون ضمن إطار إصلاح عام في البلدإذا حدث هناك إصلاح حقيقي من حيث التسيير الشفاف لهذه الدولة، فالمؤسسة العسكرية هي أحوج إلى ذلك من غيرها، سيكون هناك إصلاح في المؤسسة العسكرية، وسيكون للمؤسسة العسكرية دو رها كجيش جمهوري حامي حماها، أما إذا استمر الفساد في المؤسسة المدنية كما في المؤسسة العسكرية فحدث ولاحرج.

    7/ المؤسسة العسكرية ينبغي أن تكون بعيدة كل البعد عن السياسة، المؤسسة العسكرية دورها محدد في حفظ الحدود والسهر من بعيد على قيام دولة القانون وحفظ الدستور دو ن أن تتورط فيه باي شكل من الأشكال، لأنها إذا ما تورطت في هذه المشاكل، وإذا ماحاولت أن يكون لها دور في هذه المشاكل ستنقل صراعات المؤسسة السياسية إلى المؤسسة العسكرية وسيكون هذا هو أكبر خطر على الوحدة الوطنية لأن المؤسسة السياسية مما تحمله من تناقضات هي الأخرى ومما تحمله من أمور مختلفة، نهائيا ينبغي أن تبقى خارج اللعبة السياسية حتى تتم اللعبة السياسية في جو ديمقراطي حقيقي، وحتى يكون جميع السياسيين واعين أن المؤسسة العسكرية خارج اللعبة وأن هذه المؤسسة لن تترك هذه الأطر اف السياسية تتجاوز حدود العمل السياسي المسموح به في إطار القانون، وما يضمن هذا فقط هو بقاء المؤسسة العسكرية خارج اللعبة السياسية.
    .( )[/color]
    فما اجمل كلامه و و ليته طبقه , مع الشكر له على تخليصنا من معاوية و عدم شكره على دعم و تثبيت عزيز العسكري الذي لا يملك رؤية و لا خطة لمكافحة الفساد او بناء الدولة سوا شعارات زائفة ..

  10. #20
    مشاهد جديد
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    38
    معدل تقييم المستوى
    0

    افتراضي

    السلام عليكم
    اخوتي الكرام في المشهد الموريتاني بارك الله بجهودكم في نشر الرسائل الجامعية وهي فكره ممتازه وقد افدنا منها كثيرا ..واصبحت مرجعا للباحثين.. سائلا المولى ان يوفقكم ويسدد خطاكم .
    ابن الرافدين

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. جثث بمعركة للجيش الموريتاني والقاعدة
    بواسطة اباي ولد الجيد في المنتدى مشهد قضايا السياسة العربية و الدولية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 26-06-2011, 02:20 AM
  2. فهرس الرسائل الجامعية المنشورة على المشهد
    بواسطة Siyam في المنتدى مشهد الموسوعة السياسية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 28-02-2011, 11:38 AM
  3. الرسائل الجامعية/ المعاملات المصرفية الإسلامية موريتانيا نموذجا
    بواسطة Siyam في المنتدى مشهد الاقتصاد و التنمية
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 28-02-2011, 11:18 AM
  4. الرسائل الجامعية/المفاوضات في عقود التجارة الدولية
    بواسطة Siyam في المنتدى مشهد الموسوعة السياسية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 18-12-2010, 09:23 PM
  5. الرسائل الجامعية /الخطاب السياسي الموريتاني
    بواسطة Siyam في المنتدى مشهد الموسوعة السياسية
    مشاركات: 44
    آخر مشاركة: 17-07-2008, 01:29 AM

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
من نحن
شبكة المشهد الموريتاني
روابط
Enter your links here
شاركنا
Title
Enter your content here