صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 45

الموضوع: الرسائل الجامعية /الخطاب السياسي الموريتاني

  1. #11
    مراقب المشهد الإعلامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    3,095
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي

    الفصــل الثانــي

    أولا: تحليل الخطاب (التنوع والتداخل المنهجي)


    تعاقبت على الخطاب، بمعناه اللغوي العام، مناهج شديدة التنوع والتداخل، على امتداد تاريخ المقاربة الخطابية، تنبثق من خلفيات مذهبية ومعرفية، فكرية وفلسفية ولسانية واجتماعية ونفسية مختلفة، نتناولها مركزين على تلك التي استهدفت تحليل الخطاب بمعناه البلاغي (الاتصالي، النصي) الحديث، على وجه أخص، محاولين الخلوص إلى المنهج الذي تتبناه هذه الدراسة وذلك على النحو التالي :
    I – الخطاب (التنوع المنهجي):
    حاولت منظورات متنوعة من حيث القدم والحداثة، والمداخل والأدوات الإجرائية والمقولات والمصطلحات، ومن حيث النتائج التي تتوصل إليها. حاولت تحليل الخطاب (من حيث هو إنجاز لغوي اتصالي) فاختلفت تحليلاتها له بحكم اختلافها، ولعل أبرزها المناهج التالية:
    أ- المناهج التاريخية

    1- المنهج التاريخي :

    ارتبط المنهج التاريخي الذى يتأسس على فكرة التطور التاريخي للفكر البشري وفق اكرونولوجيا النشوء والتطور والارتقاء (الجبرية التاريخية)، والنظر إلى النصوص باعتبارها شاهدا على الواقع السياسي والاجتماعي من خلال الإشارات التي ترد فيه( )، ارتبط هذا المنهج ببزوغ الوعي التاريخي الذي هبَّت به الطروحات الرومانسية لدى "صامويل تايلور كولودج" (1773 – 1834) "ووليام ورد ورث" (1712 – 1778) وغيرهم من الفلاسفة وعلماء النفس الذين شكلت أفكارهم منطلقات مذهبية للدفقة الرومانسية من أمثال "جان جاك روسو" J.J. Roussean (1712 – 1778) و"إرسنت كاسببير" الالماني (1874 – 1936) والعالم النفسي "ألموند الفريد"، والطروحات الواقعية المؤسسة على الفلسفة الماركسية بما لها من مقولات (الانعكاس)، " المادية التاريخية " والهيجلية " الجدلية المادية "( ).

    وفيما حمَّلت الرومانسية النص مسئولية التعبير عن الواقع الاجتماعى والسياسي جعلته الواقعية( ) ناهضا بمهمة عكس البنى التحتية المادية (صراع الطبقات، النشاط العقلي انعكاس للنشاط المادي).
    وينصرف المنهج التاريخي فى تعامله مع النصوص التي ينظر إليها باعتبارها وثائق تاريخية إلى التنظيم العلمي لمادتها ودراستها "وتحديد مصارها وتوثيق نصوصها" وتحليل مخطوطاتها والكشف عن علاقاتها وعوامل التأثير والتأثر فيما بينها"( ).
    ويبدو المنهج التاريخي قاصرا – بحكم قصور مقولاته ومصطلحاته وأدواته المنهجية – عن الاستجابة لما يتطلبه تحليل الخطاب على النحو الذى عرف حديثا.

    2- المنهج الاجتماعي( ) :

    وقد ولد المنهج الاجتماعي فى أحضان حقل الأدب وعلم اللغة من جهة وعلم الاجتماع من جهة أخرى، وارثا المنهج التاريخي (الوعي التاريخي) فربط الخطاب بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى ينشأ فيها، ويتبادل معها التأثير، ومن هنا نظر إلى القراءة النقدية الاجتماعية باعتبارها محركا للتاريخ والمجتمع ومساهمة فى تشكيل الوعي بهما وتحديد علاقتهما بالأنا الذى هو اجتماعي دائما، وهو ما يعطي للقراءة بعدا وجوديا إلى جانب بعدها السياسى( ) وقد تبلور المنهج الاجتماعي في منتصف القرن العشرين في تيارين هما( ):

    1. تيار علم اجتماع الظواهر الأدبية، وهو تيار تاريخي تجريبي، يشتغل بأدوات الدراسات الاجتماعية والإجراءات المنهجية، من إحصاءات، وبيانات، وتحليل معلومات وتفسير ظواهر.
    2. تيار المدرسة الجدلية، وهو تيار قائم على الطروح الهيجلية (الجدلية المادية) التى جعلتها الفلسفة الماركسية تفق على رجليها بعد أن كانت تسير على رأسها. هذا بالاضافة إلي ما توصلت إليه اللسانيات الاجتماعية من نتائج أعانت على توصيف البعد الاجتماعى للخطاب والعلاقات التى يتبادل مع سياقاته الاجتماعية فى آنيتها وتاريخيتها( )

    3- المنهج النفسي(2) :
    استخدم منهج علم النفس فى تحليل النصوص الأدبية مع "الفريد" الذى اعتبر العمل الإبداعي حالة مرضية للمبدع تظهر في الخطاب الذي هو عبارة عن مجموعة من الاسقاطات والهفوات المعبرة عن مكبوتات الخطيب.

    وفي علم اللغة أبرز "سوسير" البعد النفسي للغة ولعملية التواصل على وجه الخصوص.
    ويقوم المنهج النفسي بتوظيف مقولات "سوسير" من جهة، وعلماء النفس من جهة أخرى، ومن ذلك تأسيس المدرسة السلوكية لفكرة المثير الخارجي للغة (للخطاب).
    حيث يرى "ابلومفيلد" أن السلوك اللغوي الصادر عن أي شخص، في موقف معين هو نتيجة لرد فعل تلقائى تجاه مثير خارجي(3).

    وقد ارتبط المنهج النفسي في مرحلة متأخرة على ظهور علم النفس كما مر بنا في حديثنا عن التأصيل اللساني للخطاب.

    ويسعى المنهج النفسي في عمومه إلى البحث عن بواعث الخطاب وأهدافه ووظائفه النفسية لدى كل من المبدع (الباث …) والمتلقي…( ) وستفيد هذه الدراسة - في جانبها التطبيقي - كثيرا منه نظرا للطبيعة الصراعية (المراوغة) النفسية للخطاب السياسي… ونظرا لحضوره الكبير في التحليلات التي قامت بها مقتربات تحليل الخطاب السياسي، إذ تركز في غالبها على الأبعاد الدلالية التي هي في الواقع مشغل نفسي.

    ب- المناهج الحديثة :

    1- المنهج البنيوي :

    أسهم المنظور البنيوي (بما له من مناهج بنيوية وتأثيرات في مناهج أخرى غير بنيوية) في تحليل الخطاب، بشكل جعلنا لا نكاد نجد تحليلا للخطاب يسلم من الاستعانة بمقولات وأدوات المنهج البنيوي الذي تشكلت بوادره مع العالم اللساني "فيردنيانددي سوسير( )" وثنائياته المشهورة (اللغة / الكلام، الدايكروتية / السايكرونية ….) التي شكلت مرتكزات لكل الدراسات اللغوية البنيوية وغير البنيوية اللاحقة.

    وقد بدأت التحليلات التي باشرت الخطاب السياسي بالارتكاز الكلي على المناهج والدراسات اللسانية في بداية نشأتها فكانت تستخدم التحليلات المعجمية المعتمدة على الوحدات المعجمية والتحليلات الفونولوجية، والتحليل التركيبي المعتمد على الجملة كوحدة تحليل.

    وقد كان هدف "التحليل الفونولوجي تحديد طبيعة أسس مظاهر التحليل الفونولوجي وكشف المباديء العامة التي تربطها بتجلياتها الفونيتيكية"( ) ذلك أن " الفونيم " phoneme في الفونولوجيا (علم وظائف الأصوات) يلعب دور المفصلة الدلالية للوحدات المعجمية. فيما تقوم " القواعد التركيبية والمعجمية للغة ما بتوضيح العلاقة بين معاني الجمل ومبانيها والقواعد المعجمية هي التي تبين التحقق الفنونولوجي لمكونات المعاني"( ).

    وإذا كانت القواعد التركيبية والمعجمية من جهة والتحليل الفونوجي والمعجمي والتركيبي من جهة أخرى، أسهمت فى دفع تحليل الخطاب إلى المزيد من التقدم، فإنها ما انفكت أن أثبتت قصورها عن النهوض بمتطلبات تحليل الخطاب.

    فعلى المستوى الدلالي أثبتت الدراسات الحديثة فى علم الدلالة الذي هو "الدراسة العلمية للمعنى في اللغة( )" تشعبت دلالة المعنى وإمكانيات استخلاصه برغم تخطي الدراسة المعجمية والفونولوجية إلى تقديم تصورات كثيرة للمعنى وإشكالاته في علم الدلالة الحديث.

    أما على المستوى التركيبي فقد أثبتت لسانيات النص Text Linguistics أو اللسانيات النصية Tentual linguistics فكرة نحو النص text grammar بدل نحو الجملة sentece grammar حيث أن النص قد يكون أقصر من الجملة، ومكتملا فى ذات الوقت (مثل العنوان …) أو متطابقا معها أو أطول منها بدون حدود (مثل الرواية … ) ومن هنا يبرز عدم كفاية دراسة الجملة كوحدة تحليل لتحليل الخطاب( ).

    وقد انفرع عن المنهج البنيوي، الذي كان له تأثيره البالغ على تحليلات الخطاب السياسي حتى لدى غير اللسانين كما عرف مع " ميشيل فوكو " -كما مر بنا من ذي قبل، اتجاهان رئيسيان هما اتجاه الشكلانيين الروس الذين أدخلوا السياق والرصيد المعرفي للمتلقى، والخطاب بالمعنى الذى يتعدى الجملة( ). إضافة إلى مساهمة الوظائف الست( ) التى قدمها "جاكوبسون" للغة فى بلورة نظرية الاتصال، التي هي عماد المنهج الذي تتبناه هذه الدراسة في تحليل الخطاب السياسي.

    أما الاتجاه الثاني فهو البنيوية التوليدية structuralisme genetique ومن أبرز روادها الناقد الاجتماعى "جولدلمان" (1913 – 1970) وهو أحد أعلام المدرسة الهيجلية الجديدة في النقد الأدبي، وقد اشترك مع أستاذة "جان بياجيه" J. Piaget (1896 – 1980) العالم النفسي السويسري، في الأخذ بمفاهيم أساسية منها مفهوم البنية الدالة، مفهوم الوحدة الشاملــة، مفهوم الوعي الممكن، مفهوم التشيؤ ورغم هذه المسحة النفسية فإن "جولد مان" L. Gold Mane يحسب اجتماعيا واقعيا، تجاوز الثقافي في مستويات تشكيله الدالة على رؤى العالم التي هي أبنية متولدة ومولدة في الوقت نفسه … ولذلك يهتم جولدمان بدراسة بنية العمل الأدبي. دراسة تكشف عن الدرجة التى يجسد بها هذا العمل بنية الفكر عند طبقة أو مجموعة اجتماعية، ينتمي إليها مبدع العمل. وتحاول دراسته تجاوز الآلية التي وقع فيها التحليل الاجتماعي التقليدي للأدب وذلك بتركيزه على بنية فكرية تتمثل فى رؤية للعالم تتوسط ما بين الأساس الاجتماعي الطبقي الذي تصدر عنه الأنساق الأدبية والفنية والفكرية التي تحكمها هذه وتولدها"( ).

    بينما يمثل الاتجاه البنيوي التوليدي الذي يقع في الطرف المقابل للتوليدية "الجولدمانية" الاجتماعية، التوليدية " اتشومسكية " (النحو التوليدي generative grammar) التي هي "نظرية عقلية صرفة تهمل الجانب الاجتماعي للغة إهمالا تاما ولا تحاول ربط الظواهر اللغوية بالظواهر الاجتماعية"( ) تلك التوليدية التي تجاوزت التوزيعية البلومفيلدية( ) distributional التي تهتم بتوزيع الوحدات اللغوية (إحلال commutation) وحدة معجمية محل أخرى تربطها بها علاقة الإنتماء الفئوي كرأيت ذلك الرجل ورأيت ذلك الأسد حيث يشترك الرجل والأسد في فئة الأسماء وإمكانية الورود إذن في ذات الموقع في هذا السياق) من مدخل مورفولوجي (صرفي) تجاوزتها إلى المقاربة approach النحوية فالنحو التحويلي transformational grammar والتفريق بين بنيتين للنحو التوليدي؛ عميقة وسطحية رجوعا إلى مبدأ الطاقة والأداء عند النسومسكى ومبدأ الكفاءة competence الذى يعني "القدرة على فهم جمل جديدة وعلى تخمين الجمل المفارقة، بل حتى على تفسيرها"( ).

    ويهدف النحو التحويلي " انشومسكي " إلى التوليد النحوي (توليد العبارةأو الجملة) من خلال صيغة الترميز الذى يوضح "الشكل الشجري" للجملة وقواعد تحويلها.
    والتحويل صنفان: جوازي optional ووجوبي obligatory وبتطبيق الجوازي أو عدمه يكون الناتج جملة أما الوجوبى فبعدم تطبيقه لا يكون الناتج جملة. ويتم التحويل فقط في الجملة المشتقة derived sentence دون الجملة النواة kernal senteince التى لا يمكن أن تطبق عليها أي تحويلات( ) .


    ومن هنا يمكن القول: إن للبنيوية معنى نفسيا بالنظر إلى اعتبار "جاك لاكان" اللاوعي يشكل بنية لغوية، واعتبار "ايلومفيلد" أفعال القول استجابة سلوكية نفسية بمثير ما، وبالنظر إلى اعتبار "انشومسكى" (النحو التحويلي) قام بتوضيح "العلاقة بين النطاق الإدراكي واللغة وأن دراسة اللغة هي دراسة للعقل الإنساني"( ).

    ويلحظ " لفى ستراوس" cl.levi-strauss” هدف البنيوية فى عبارته "غرض العلوم البنيوية هو كل ما يتسم بطابع النظام"( ).
    وإذا كانت جهود البنيوية في بدايتها الأولى انحبست فى حصن النص (الخطاب). فإنها (البنيوية) أخذت تتطور شيئا فشيئا إلى الاهتمام بخارجه (السياقات) أو بقارئه (متلقيه) كما أن البصمة البنيوية ما تزال حاضرة فى كل المناهج المتأخرة عليها، ولا تنكر هذه الدراسة أبدا الإفادة منها في تحليلها للخطاب السياسي الموريتاني في جانبها التطبيقي، برغم ما للبنيوية من نواقص ستحاول الدراسة سدَّها. ومن ذلك مثلا افتقار البنيوية إلى عملية التأويل التي تقتحم جدار النص متدفقة إلى ما وراءه.

    كما ستفيد الدراسة من البنيوية في الدراسات اللغوية اللسانية واللغوية الفلسفية، التى هي تجسيد لفلسفة الحضور، وتطابق أنا الوعي مع الذات، وشرط عقلانية وجود الواقع، التي ترسم علاقة اللغة بالتفكير من جهة وبخارجها من جهة أخرى. ذلك أن " كل ما هو واقعي (سيكولوجيا كان أم موضوعيا) لابد وأن يحضر في الوعي وتتمثله المفاهيم العقلية"( ) بحيث يصبح للوجود أنساق "جواهر" تسعى البنيوية إلى اكتشافها.

    2- علم الأسلوب Stylistics :

    يتداخل علم الأسلوب مع البنيوية (وهي سابقة عليه في الدراسات اللغوية) متأثرا بنفس ما تأثرت به، خصوصا لدى " تشارلز بالى C. Bally " الذي هو مؤسس الأسلوبية، انطلاقا من التركيز في البداية على المظهر اللغوي للأساليب خارج نطاق الأدب مع الارتكاز على الجانب العاطفي في تشكيل سمات متميزة للأساليب اللغوية( )، وقد تصورت التحليلات البنيوية الأسلوب منطقة فاصلة بين اللغة والأدب بعد ذلك إذ أن الأسلوب يتبع أو يحكم استراتيجية التأثير عبر الشحن العاطفى (المنبهات) بطريقة نوعية فردية تظهر في نسيج النص لتعطيه خصوصيته الأسلوبية المائزة ولباثه أو كاتبه من خلال تلك الاستراتيجية التأثيرية التي تمارس على المتلقى( ) وذلك مانبهت إليه الأسلوبية الوظيفية المعتمدة على اختيارات القراءة ولعب المتلقى لدور التمييز بين الأساليب.

    واتخذت الأسلوبية في هذا القرن مفهومين:
    أ‌- "دراسة الصلة بين الشكل والفكرة، وخاصة في ميدان الخطابة عند القدماء.
    ب‌- الطريقة الفردية في الأسلوب أو دراسة النقد الأسلوبي، وهي تتمثل في بحث العلاقات التي تربط بين التعبيرات الفردية أو الجماعية( )".
    ويتداخل علم اللغة مع علم الأسلوب تداخلا كبيرا فى تناولهما للخطاب، ففيما يبحث علم اللغة في دراسة الخصائص اللغوية لمجموعة الناس أو الكاتب الفرد - وهذه الخصائص كثيرا ما تقف عند حدود الكلمات والوحدات المعجمية - يبحث علم الأسلوب في تقويم السلوك اللغوي من الناحية التعبيرية والفنية من وجهة نظر الناقد الأدبي( ).
    هذا ما يعني أن علم الأسلوب يدرس "مجموعة السمات اللغوية بالمفهوم الأوسع لهذا المصطلح، تلك التي يعمل فيها المنشيء بالاختيار والإبعاد، وبالتكثيف والخلخلة وباتباع طرق مختلفة في التوزيع ليشكل النص( )".

    وفيما تكاد الدراسات اللغوية الصرف (أعني المعنى اللغوي لعلم اللغة لا اللساني الذي يشتمل علم الأسلوب والسيميولوجيا …) تهمل المنشىء الكاتب أو المتكلم وما له من علاقة مع النص، تنظر الأسلوبية إلى الأسلوب باعتباره مساوياً للرجل وذلك نظرا " للعلاقة القوية التي تربط الخصائص الأسلوبية للنص بالخصائص النفسية للكاتب"( ).

    وإلى جانب هذا التعريف عرفت الأسلوبية اعتمادا على النص بما له من خصوصية أسلوبية مولدة كما عند المدرسة التوليدية، أو اعتمادا على المتلقى بناء على نهوضه بمهمة التمييز بين الأساليب( ).
    ويرى الدكتور سعد مصلوح أن الدراسة الأسلوبية تبحث في مجال "الأسلوبيات الثقافية والتماس والتداخل الأسلوبيين بين اللغات ودراسة التنوع المكاني والاجتماعي للأساليب وكشفت الدراسة ]يعنى مقالته عن الجغرافية الأسلوبية[ عن وجود درجتين من التشكيل الأسلوبي الأوى التشكيل الأسلوبي بحسب محددات المقام يحكمها إطار العلاقة الجدلية بين الذاتي والموضوعي وتتجلى في الممارسة اليومية. أما الدرجة الأخرى فتشكل التشكيل في أجناس القول الأدبية"( ).

    ويشتجر علم الأسلوب اشتجارا كبيرا مع علم تحليل الخطاب ذلك أن هذا الأخير وليد الدراسات الأسلوبية أولا، قبل أن يكون مجمعا تظهر وتتشابك فيه كل الأدوات والإجراءات المنهجية والعلوم المختلفة اللسانية والنفسية والاجتماعية … يقول د. مازن الوعر في هذا الصدد إن المفاهيم الأساسية التي ترتكز إليها نظرية تحليل الخطاب التي هي " في جوهرها مقاييس اجتماعية ولغوية ونفسية واستراتيجية وسيميائية تعين المحلل على سير بنية الخطاب وكشف ما فيه"( ) وذلك ما ستبرزه الدراسة لاحقا.

    3- المنهج السيميولوجي والتداولي Semiotics and pragmatics approch :

    1- السيميولوجي

    يعتبر المنهج السيميولوجى من منظومة مناهج ما بعد البنيوية رغم تزامنهما في الظهور. حيث يعتبر "سوسير" والأمريكي "بيرس" في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين( )، هما المؤسسان لها من خلال تناولهما للعلامة وما تتضمنه من علاقات بين الدال والمدلول والمرجع.

    وإذا كانت الدراسات السيميولوجية قد أهملت في بدايتها الدال باعتباره موطن نشاط الانشغال السيميولوجي في النص، كممارسة سيميولوجية من خلال توزيع نظام اللسان عبر الربط بين الكلام التواصلى داخليا "الملفوظات" وخارجيا " الأديولوجيم " الذي يعني تلك الوظيفة للتداخل النصي التي يمكننا قراءتها " ماديا " على مختلف مستويات بناء كل نص تمتد على طول مساره مانحة إياه معطياته التاريخية والاجتماعية"( ) فإن " كرستيفا " ومن بعدها التفكيكيون قد أعطوه أهمية قصوى.

    وتنظر السيمولوجيا السوسيرية إلى الخطاب باعتباره جزءاً من السيميولوجيا التي هي عنده (سوسير): نظام تواصلي عام يشمل اللغة في حين يقلب " رولاند بارت "( ) ذلك التصور معتبرا السيميولوجيا جزءا من اللغة (النظام العام …..)( ).

    وقد استخدم المنهج السيميولوجي في دراسة أنظمة العلامات في اللغة والثقافة (طريقة الأكل، الأكلات وأنواعها) واللبس المناسب في المناسبات الاجتماعية والفصول أو المناسب للجنس …. ).

    وتميز الدراسات السيميولوجية بين ثلاثة أنواع من العلامات( ):
    1. الإشارة Singe ويحكم علاقتها ما تشير إليه علاقة التجاور (كالسهم).
    2. الرمز Symbole ويحكم علاقة ما ترمز له علاقة الدلالة (الدال بالمدلول) (كالكلمة).
    3. الأيقونة Icone وعلاقتها بمحتواها الدلالي هي علاقة التشابه (كالصورة الشمسية).
    ويقسم " س.و.وس " C.W.Morris الذى يرى أن السيميولوجيا هي استشكاف اللغة المشتركة في النظرية العلمية، ويقسم السيميولوجيا إلى أقسام ثلاثة هي( ) :
    1.السيميولوجيا المقامية Pragmatics وسنتناولها بعد حين.
    2. علم الدلالة Semantics.
    ويهدف هذا الفرع إلى شرح العلاقة بين العلامات التواصلية والمفاهيم التي تشير إليها.
    3. علم التركيب Syntax ويدرس أشكال الارتباط بين العلامات في نظام تواصلي معين مع الالتزام بالتحليل الشكلي دونما اعتبار للمعنى.
    ومن هنا يبدو واضحا ما لهذا المنهج من أهمية في دراسة الخطاب في عمومه والخطاب السياسي على وجه الخصوص، وسيكون لهذه الفروع حضور كبير في تحليلاتنا للخطاب السياسي الموريتاني.

  2. #12
    مراقب المشهد الإعلامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    3,095
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي

    2- المنهج التداولي Pragmatics :

    المنهج التداولي أو المقامي منهج متفرع عن المنهج السيميولوجي، وقد مر بنا في حديثنا عن السيميائية أنه أحد أقسامها (الدراسة التداولية) إلى جانب علم الدلالة وعلم التركيب. وتسعى الدراسات التداولية إلى الإنطلاق بالدراسات اللغوية (الوصفية) المنحبسة في نص الخطاب إلى عوالم السياقات والمقامات، خارج اللغة (النص)، مبرزة أهمية السياق الاجتماعى والاقتصادي والسياسي والثقافي والعرفي واللغوي … وموقف التخاطب في انجاح عملية التخاطب وإتمام التواصل.

    وتقوم الدراسة المقامية بدراسة (وسائل التواصل في علاقتها بالإنسان: أي ما الذي يحدث حيث يرسل أو يستقبل رسالة ما ؟ ، وعلى أي شيء تعتمد الطريقة التي يتم بها إنجاز التواصل (على الإجمال أو في كل حالة بخصوصها) ؟ وإلى أي مدى يتكيف شكل التواصل تبعا لنمط الثقافة؟"( )
    ويشرح التداوليون مبرزين أهمية المرسل في تعريف الخطاب بأنه المكان الذي يتكون فيه فاعله( )..
    ويقسمون الخطاب إلى نوعين كبيرين: خطاب مباشر ملتزم فيه بالسياق الزماني والمكاني للقائل والمقول وبأزمنتهما وضمائرهما وإشاراتهما، وخطاب غير مباشر لا يلتزم بذلك السياق ويقوم بتحويل الأزمنة والضمائر والإشارات التي للقائل والمقول لتتسق في اتجاهاتها وإحالاتها( ).

    وينقسم التداوليون من حيث معايير التعامل مع الخطاب إلى اتجاهيين أحدهما يتصور الخطاب مجموعة جمل؛ وهو اتجاه استقرائي امبريقي يدرس أساسا الخطاب المنطوق، واتجاه آخر يتصور الخطاب وحدة تواصلية وهو اتجاه استنباطي نظري يدرس الخطاب المكتوب( ).

    وهناك ثابتان اتصفا بشىء من المركزية في تحليلات التداوليين للنصوص وهما: القصدية intentionalite وهى تفترض دائما وجود قصد أولي لدى المرسل (ظاهر في النص) وقصد ثانوي (مضمن في النص) من الفعل الكلامي، لدى المتلقى الذي يعلن عن رغبته في القراءة والفهم ويسعى لمواءمة قصده مع قصد المرسل. والتفاعل internation ويعنى تفاعل المرسل والمتلقى الذي يكيف خطابه معه (موقفه، سياقه، رصيده المعرفي، مستوى لغته …. ) ليستميله فيتفاعل معه( ). توليديا وفى زمان وقضاء معينين ليكتمل الانسجام النصي.

    ويجمع التداوليون على أن الوحدة المجردة للوصف التداولي ليست الجملة( ) (اعتبرها " ابلومفيلد " أكبر وحدة في النص)، وإنما هي الخطاب؛ باعتبار أن الانتقال من اللغة المجردة إلى اللغة المستعملة هو انتقال من النسق إلى الممارسة العملية، إلى الخطاب( ).
    كما تتفرع الدراسات التداولية من حيث عينة البحث أو التحليل إلى تيارين هما:

    1. " نظرية الذاتية اللغوية، وقد كان وراء وضعها الفيلسوف "موريس" ثم مارس البحث فيها لسانيون كثيرون فتناولوا ظواهر لغوية عديدة (المعينات، ألفاظ القيمة).
    2. نظرية الأفعال الكلامية التي أسسها فلاسفة "أوكسفورد" هذا على الوضعية المنطقية التي كانت لا تقبل من المعايير إلا الأخبار القابلة للتمحيص والتجريب وأبرز ممثليها "أوستن" J.L. austin و "سورل" J.R. Searle و "جرايس" Grise( ) وذلك على النحو الذي يلى :

    1-" أوستن " )
    وينطلق من تقسيم أفعال القول إلى نوعين من الجمل: أدائية performative : يمارس فيها فعل معين، وجمل تقريرية constative يمارس فيها فعل الوصف.
    ويتخذ إنجاز هذه الأفعال اللغوية عنده مظاهر ثلاثة؛ هي درجات القوة اللغوية وهى:
    1. القوة التعبيرية أو الفعل التعبيري locutionary act (التلفظ يجمل صحيحة وعادية) ومجاله النحو والصرف.
    2. القوة البلاغية أو فعل القصد illocutionary act ومجاله المقاصد البلاغية المعبر عنها كالطلب والتقرير والنفي والوعد والوعيد والتأكيد.

    3. القوة التأثيرية أو الفعل التأثيري، perlocutionary act وموضوعه النتائج المترتبة على مدى تأثيرالفعل اللغوي في المتلقى الاستمالة، الاقناع بالقسم، المحاجة) وكيفية تغييره لسلوكه وللسياقات والمواقف والمرجعيات بين المرسل والمتلقى أهمية كبرى في إنجاح الحوار، ومن هنا يكون الفعل الحاصل أسلوبا لتحقيق الفعل الغرضي ليخرجان في صيغة الفعل القولي .
    1- " سرل " )
    ويقسم "سرل" أساس تصنيف جمل أفعال الكلام إلى نوعين من القواعد معتمدا في تقسيمه على الاعتبار الزمني لإنجاز فعل القول:
    - قواعد معيارية normative تحكم أشكال السلوك الموجود (فعلا).
    - قواعد تكوينية constitutives أو إبداعية بمعنى أنها تخلق أشكالا جديدة من السلوك كالوعد.
    1- " اقرايس " )
    ويرى أن إنجاح الحوار (التخاطب) وتحقيق التواصل يقوم على مبادىء أربعة هي:
    1. مبدأ الكم maxime de quantite (إخبار المتلقى بالقدر اللازم من المعلومات وفقط).

    2. مبدأ النوعية maxime de quantité (نقل المعلومات بأمانة ودون مغالطة).
    3. مبدأ الكيفية maxime de modalite (الوضوح، حسن الترتيب، الملاءمة والالتزام بسياق الإلقاء).
    4. مبدأ الاتساق maxime de relation (مطابقة، وملاءمة الخطاب للسياق الذي يلقى فيه).
    4- " بيير منكام " ( ) (مدرسته الانجلو ساكسونيه):
    وتقوم مدرسته بتحليل التخاطب (الحوار) انطلاقا من التفاعلات داخل القسم بين المعلم والتلاميذ. وينطلق " بييرمنكام " من أن التحليل التداولي يجب أن يبني على مجالات ثلاثة مختلفة هي:
    1. التداولية اللسانية 2. نظرية البرهان 3. تحليل الخطاب أو المخاطبات.
    وتعتبر جهود هؤلاء البرجماتيين الذين ذكرنا قبل حين وغيرهم من أمثال "جاكبسون" وكذلك كل الدراسات الاتصالية و"ديكرو Oswald, Ducrot*" و "شارودو Patrik Cgaraudeau*" …، محاولة جادة لولتفهم آليات الإنسان اللسركانية للتنبؤ بسلوكه( ).
    وهكذا يشترك البرجماتييون في دراسة أفعال القول أو الكلام (الحوار) stady of language acts أثناء عملية الاتصال (الانجاز) مع تأكيد أن لكل فعل لغوي سياقه، وأن على المتكلم معرفة السياق بما له من طبيعة وقوانين وعادات وأعراف وتقاليد لغوية واجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية … كما يحتاج إلى معرفة متلقيه وسياقه ورغباته ليتمكن من التأثير عليه، كما أن على المستمع ذات المسؤوليات التي على المتكلم ليستطيع فهم القول (أو الرسالة) ولتتم عملية الاتصال.

    ورغم دعوة هؤلاء التداوليين إلى اعتبار النص وحدة للتحليل لا الجملة فإن دراساتهم ارتكزت على الجملة أو مجموعة الجمل دائما. ومن هنا فإنه برغم ما ستفيده هذه الدراسة من هذا الاتجاه فإنها ترى فيه قصورا كبيرا عن التحليل اللازم للخطاب، وتحاول أن تعوض ذلك النقص وتسد تلك الثغرات المنهجية والنظرية.

    5- التفكيكية deconstruction:
    تتأسس التفكيكية، وهي إحدى مناهج ما بعد البنيوية post-structuration على آراء الناقد الفيلسوف جاك دريدا Jacques Derrida ومقترحاته. وتسعى التفكيكية إلى خلخلة المفاهيم القارة والقوانين الجاهزة والمعاني المستقرة، خارجة على "المركزية" التى ارتكزت إليها الثقافة والفلسفة الغربية معلنة عن حرية لعب العلامات وحركتها "خارج القوى التاريخية والجدليات الثقافية"( ) لعبا مبنيا على أساس جوهرى .. ومن هنا يكون التركيز على المدلول في الفلسفة المركزية غلطا( ).

    ورغم دعوة دريدا إلى التخلي عن فلسفة "المركزية" فإنه لا يرى استبدالها باللامركزية لأن ذلك إذا حصل يخلق ببساطة مركزية جديدة، شكلا آخر للمعنى المؤسس على الاستقرار. إنه يبرهن على الاختلاف الثابت لحضور المعاني وأن المركز لم يكن أبدا قارا( ).
    ويدعو دريدا إلى الأخذ بفلسفة الغياب التي تنقض بنية الحضور وتتقبل الآخر من خلال "الاختلاف" أو الإرجاء أو الإبعاد difference، بدلا من فلسفة الحضور (المركزية) التي هي دعوة دائمة إلى تطابق الفكر مع مقولاته واعتبار الذات الواعية مركز الكون وشرط وجوده( ).

    وقد رفض دريدا تفصيل الكلام (نزعة مركزية الصوت phonocentrism) على الكتابة كمركزية للوجوس (الكلمة كأصل للأشياء وضمان للحضور الكامل للوجود). ومن هنا فقد رفض فكرة "التراتب القهري" وفكرة "التكملة supplement" التى ترى الكتابة مكملة للكلام كما يرى "روسو"، بناء على أن الفعل supplier يدل في اللغة الفرنسية على الاستبدال (إحلال محل كذا) إلى جانب الإكمال وهو ما يعني أن الكتابة ليست مكملة فقط بل (حالة) مستبدلة لأن الكلام مكتوب دائما، والكلام عنده بشكل من الكتابة بأمارة أننا نبحث عن أشكال (دوال) ثابتة في تفسيرنا للعلامات الشفاهية (للخطاب المنطوق) بغض النظر عن التنغيمات والتحريفات"( )
    ويرى دريدا أن علينا التخلى عن الكلمة (الدال) – فى حالة محو الاختلاف بين الدال والمدلول – بوصفها مفهوما ميتافيزيقيا وولكننا لا نستطيع أن نعمل دون مفهوم العلامة"( ). الأمر الذي يستلزم ضرورة الاختلاف بدل التطابق.

    وتعتبر آراء دريدا تطويرا للنقد النيتشي للميتافيزيقيا وانشطار الذات (نقد الوعي) إلى شعور/ لا شعور، مع " ألفريد "، وهدم " هيدجر "( ) للميتافيزيقا، للاهوت الوجود؛ بتحديده بوصفه حضور وتنصرف هذه الآراء عن منافسة " هيدجر " للسؤال كيف يعرض النص؟ إلى مناقشة (مطورة المسألة) السؤال كيف أن الكتابة تولد المعنى من خلال عملية ثابتة من الاختلاف والإرجاء؟ بحيث يكون المعنى مفهوما جيدا في خلال العلاقة (اللعب) بين المعرفة واللامعرفة بين الحضور والغياب بين المركزي واللامركزي"( ) فيصبح المعنى عنده فيضانا وتفسخا من الضوابط لدرجة أنه حتى النقاد إنما يتوصلون إلى مفاهيم ونتائج غير تلك التي قصدوا التوصل إليها( )، كأنما يريد أن يقول إن القراءة من حيث هي نتيجة نمط من أنماط التبدي الهيرمنيوطيقى Hérmeniotic .

    وبرغم ما اتسمت به آراء دريدا، التي أثارتها زوبعة بحثه "البنية والعلامة واللعب في خطاب العلوم الإنسانية" الذي قدمه في ندوة جامعة " هوبكنز " 1996، من عبثية وفوضوية، فإن لها أهمية كبرى بالنسبة لدراستنا التي تستهدف تحليل الخطاب السياسي؛ تلك الأهمية التي تتجسد في أنه إلى جانب الانساق والحضور البنيوي المرتكز على المدلول (المعنى الثابت) لفت دريدا لإنتباه إلى الدال كسلطة تنبع من داخل اللغة وتمارس نشاطا تفاعليا، لا يمكن إقصاؤه، مع المتلقي الذي يحدث المعنى عنده فقط ويحدثه( ).

    وبرغم ذلك تبقى لا محدودية المعنى النصي وفوضوية القراءة ولعب الدوال أو سياحتها، واستبعاد السياق المقامي للنص، عوائقا في سبيل الاعتماد على تفكيكية دريدا في هذه الدراسة دونما اقضاء لها لعلاقتهما بالأنا الذي هو اجتماعي دائما، ومن هنا يكون للقراءة بعد وجودي إلى جانب بعدها السياسي (النقدي الاجتماعي)( ).

    ويمكننا أن نلحظ نوعين من القراءة لدى المشتغلين بمقاربة النصوص وما تستوجبه من دراسة للمعنى والقاريء وعملية الفهم … هما:
    1. القراءة البرجماتية أو المقامية pragmatic :
    اختلفت آراء البرجمانيين في الموقف من معنى النص والقراءة وعملية الفهم، ففيما يرى " جون صون " الذي يقسم القراء إلى صنفين حقيقي وصوري( ) وعلى القارىء أن يكون مسلحا بثقافة مخصوصة تسمح له بفهم النص المقروء (الرصيد المعرفي أو الخلفية المعرفية Background) إذ لا يمكن للقاريء في الواقع فهم النص إلا إذا كان محققا القارىء الذي تصوره الكاتب (المرسل)، ولولا إراديا والذي يشترك معه في الرصيد المعرفي. وهذا ما دعا الخطاب السياسي والإعلامي البرجماتيين أن يجاريان الوضوح بغية إفهام متلقيهما، وذلك ما لا يكون إلا إذا كانت "دلالة الألفاظ (…) واضحة مفهومة بالنسبة للقارىء حتى يستوعب مضمون النص. والكاتب دائما ما ينطلق من المستوى الفكري والتعليمي لقارئة حتى يتسنى له أن يتجاوز كل عقبات التشويش الدلالي"( ).

    فيما يرى "جونصون" ذلك يرى "جيرالد برنس " ( ) أن القراء ثلاثة: حقيقي (الذي يمسك الكتاب بيده) وعرفي (القارىء الضمني الذي يفترضه المؤلف) والمثالي (يؤيد النص ويوافق على ما فيه)( ).
    وينصرف "ريفاتير( )" إلى أن المعنى نتاج للغة النص، منكراً بذلك انتاج القارىء للمعنى ومشاركته في تشكيله( ) كما يرى "استنالي فش"( ).

    5- نظريات التأويل، التلقي، القراءة: interpretion . Reception . Reading

    ننطلق في تناول النظريات القراءة من ما قدمته مرحلة ما بعد البنيوية من آراء تحتم في جوهرها مع روح التصور الهيدحبري وصروح طروحات " جاد امير " التأويلية ونظرية الاستقبال مع "هانز روبرت ياوس ".

    وينطلق " رولان بارت " سالكاً ذات المسلك الذين سلكته تفكيكية دريدا، من الثورة على الانساق البنيوية الثابتة وعلى البرجوازية محاولا زعزتها " بقراءة المتعة "، الحرة في فتح عملية دلالة النص أو إغلاقها دونما اعتبار للمدلول، وفي متابعة انزلاقات الدال، وتقلباته مراوغا المدلول( )، بحيث يكون القارىء منتجا للمعنى لا مفتشا عنه، ومستخلصا له من النص extracting from the text وانطلاقا من ذائقته وأرصدته المعرفية التي تشكلها المؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية …. وبناء على ذلك يكون تاريخ النص، أو تاريخ تلقيه( ).

    وفي مقابل إهمال، بل إقصاء دور الوضع الاجتماعي والسياق المقامي في عملية الفهم لدى التفسير الوجودي عند " جادامير "( ). ولدى التفككيين … يحظى المتلقى (وأفق التلقي) باعطائه أهمية قصوى في فهم النص لدى " جادامير " الذي يرى وجود أفق واحد كبير، يتكون من مجموعة آفاق، كالخاص بالمتلقي والأفق التاريخي، الذين بامتزاجهما ينتجان الفهم undertanding وذلك الأفق متحرك، نتحرك فيه نحن بما لنا من وعي ذاتي مختلط بالوعي التاريخي، إذ لا حدود فاصلة بين الأفقين في لحظة الحاضر( ).

    وينشط عمل اللاوعي الذي يوقظه النص في نفس القارىء (لحظة تلاقي أفق التلقي في النص) ويلتقي مع عمل التأويل في القراءة، تلك القراءة التي لا تحكم مسبقا على ما ستقع عليه( ) من وجهة نظر النقد التحليلي النفسي.

    - التلقي Reception :ويقصد بالتلقي - على حد عبارة د. عز الدين إسماعيل - في النقد الأدبي العملية المقابلة لإبداع الأدب، وهو مرتبط بالقارىء عبر علاقته بالنص بما لتلك العلاقة من جماليات. وهو غير "الفاعلية" التي يحدثها العمل والتي ترتبط بالعمل نفسه وتختلف في تاريخها عن تاريخ التلقي وفي جمالياتها "جماليات التأثير" عن جمالياته( ).

    وتستهدف نظرية المتلقي نقل الاهتمام من استراتيجية العلاقة بين المبدع/ النص إلى العلاقة بين النص /المتلقي( ) محاولة مع ذلك أن تكون بديلا للعلوم التجريبية (empirism) الاجتماعية ذات الطبيعة اللغوية الصرف، مرتكزة على آليات الكشف الأكثر عمقاً عن الخصائص الاجتماعية النفسية في نطاق البيانات الاجتماعية، وعلى التطور من تاريخ التلقي (الماركسية) إلى تجربة جمالية التلقي (الشكلانيون الروس الذين يجعلون الذات المدركة في المركز) إلى أفق التلقي (كخلاصة للنموذج الياوس) الذي يتكامل فيه التاريخ (وساطة التاريخ في التلقي لدى الماركسية المادية) مع علم الجمال (الشكلانية)( ).

    - القراءة Reading :

    القراءة هى عملية اتصالية لغوية، نقدية تنتج مشروطا بظروف السياق المقامي والاتصالي والخصوصية السيميائية للنص المقروء، لا عملية "وصف لغوي" كما يقول هيدفر( ).
    وتتغير القراءة النقدية الاجتماعية بتغير التاريخ والمجتمع اللذين تحركهما وتساهم في تشكيل الوعي بهما وتحديده.

    وقريب مما ذهب إليه " فش " رأي " كولر " J. Culler ( ) الذي يقول بوساطة "القدرة الأدبية"( ) لدى القارئ في إكمال عملية القراءة. أما "نورمان هولاند N. Holand"( ) فينظر إلى القراءة باعتبارها وجهة نظر شخصية( ). فيما يرى "ديفد بليخ" أن القراءة عملية ترميز في عقل القارئ( ).

    2- القراءة السيميولوجية أو سيميولوجيا القراءة (أو علمها) Semiotic of Reading:
    من أهم المسلمات التي جرى اتفاق نظريات التأويل عليها اثنتين هما:
    1. تأويل النص ويبدأ من الشروع في قراءاته.
    2. التأويل يقع مباشرة على المعنى العام للنص المشروع في تأويله وتستهدف القراءة سيميولوجيا (السيميائية كعلم للقراءة) وصف حقول ثلاثة( )هى :
    أ- النص نفسه: (المقروء كمجموعة دوال تدرس من مداخل منها:
    1- العنوان والعنوانين الفرعية 2. الإشارات إلى الجنس النصي
    3. دراسة المتتاليات الدلالية من حيث علاقات التعارض وعلاقات التوزيع، ومن حيث التراتب، ومن حيث النظام المنطقي والزمني.
    4. الوحدات النصية الأوسع مثل التبئير Lamise en bime.
    ب. نص القارئ أو القارئ بوصفه نصا نموذجيا يتفاعل مع النص المقروء ويشمل:
    1. الشفرات الثقافية الواسعة (خطابات، صور، رموز، ثقافة مشتركة…)
    2. المعرفة بمتطلبات النصوص النوعية
    3. جدولا غنيا بعض الشيء بالبنيات النصية والخطاطات البرهانية
    4. امتلاك إمكانات طرق المنطق المختلفة.
    ج- تلاقي النص والقارئ (عمل الدلالة) الذي يتفاعل فيه نص القارئ والنص المقروء وتشمل هذه العملية:
    1. البحث عن فرضية دلالية شاملة واختيارها (البنية الدلالية الكبرى في لسانيات النص) من خلال التعرف الضمني للسيناريوهات والتيمات.
    2. اختيار المنطق الذي يجمع حدود النموذج الدلالي.
    3. وبناء على اختيار الشكل والمنطق اللذين يحددان الانسجام يمكن للقراءة أن تعمل على مجموعة النص لتجعله ذا معنى. ومن هنا تكون القراءة عنفا يمارس على النص ليخضع لانسجام عقلاني.
    وهكذا تبدو القراءة السيميائية أو سيميولوجيا القراءة أكثر مناسبة لتحليل
    الخطاب - الكاشف عن علاقة النص بقارئه ولعملية القراءة والفهم بماله من آليات وحيثيات ومتطلبات - من القراءة البراجماتية اللانصانية الأحادية الجانب (الجانب التعبيري اللغوي في السياق) رغم ما تحويه من طروح تفيد منها هذه الدراسة كثيرا خصوصا تلك التي تشترك فيها هذه القراءة مع طروح الاتجاه البرجماتي المقامي الحديث الذي تطور إلى علم النص الذي ربما يتطور هو الآخر إلى علم آخر …

  3. #13
    مراقب المشهد الإعلامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    3,095
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي

    6- علم النص أو لسانيات النص أو علم تحليل الخطاب Sience of text or linguistics or sience of discourse analysis:

    لقد تفرع عن نفس الخلاف المفهومي والمصطلحي الذي نشب بين العلماء حول العبارتين "خطاب" و"نص" خلافهم حول "علم تحليل الخطاب" و "علم النص" و "لسانيات النص" تسمية للمنهج والنظرية الذين يتضافران ويتكاملان في سبيل تناول الخطاب بالدرس والمقاربة وهو خلاف لا نريد التورط فيه حتى لا يلهينا عن البحث في طبيعة هذا العلم وإجراءاته المنهجية Les procedures methodologiques.

    وإذا كان علم النص تطويرا لعلم اللغة الذي يهتم بـ "وصف العلاقات الداخلية والخارجية للأبنية النصية بمستوياتها المختلفة، وشرح المظاهر العديدة لأشكال التواصل واستخدامه كما يتم تحليلها في العلوم المتنوعة"( ). كما يعرفه صلاح فضل – فإن التحليل المضموني لا يقل عنه كثيرا إذ هو من أهم "ما نمته علوم الاتصال الحديثة وأطلقت عليه "التحليل المضموني" الذي يستهدف أيضا وصف النصوص بطريقة "عبر – تخصصية"( ) Interdiscplinaire. وتعنى عبارة "عبر تخصصية " تضافر علوم ومجالات معرفية مختلفة إلى الخطاب، في الممارسة التحليلية، ذلك أن علم الخطاب علم يستفيد من كل ماتوصلت إليه العلوم الإنسانية نفسية ولغوية واجتماعية … وهو بذلك علم "يأبى أن ينضوي تحت لواء أي علم منها… إنه العلم الذي استطاع أن يجمع بين عناصر لغوية وعناصر غير لغوية لتفسير الخطاب أو النص"( ).

    وغني عن القول أن على تحليل الخطاب discours analysis أن ينفذ إلى ممارسته المقاربة Approach أو التحليل عبر مدخل اللغة قبل أي عنصر آخر له صلة بالنص، ذلك أنه كما يقول " هارتمان Hartman "علامة لغوية أصيلة، تبرز الجانب الاتصالي والسيميائي"( ).

    ويقود هذا التعريف علم تحليل الخطاب إلى الاستعانة بالسيميولوجيا والاتنوغرافيا في الكشف عن العملية التواصلية الاجتماعية.
    وتأكيدا لنفس الموقف يرى الدكتور صلاح فضل أن الخطاب (النص) يتشكل "من أبنية لغوية، الأمر الذي يقتضي من أية مقاربة علمية له أن تتأسس على اللغة باعتبارها أهم متغير مناسب لطبيعته"( ).

    وتندرج عملية تحليل الخطاب من جهة أخرى في ما يعرف بالتداولية pragmalics التى هي " أحدث فروع العلوم اللغوية، وهي التي تعيش بتحليل عمليات الكلام والكتابة ووصف وظائف الأقوال اللغوية وخصائصها، خلال إجراءات التواصل بشكل عام"( ) وهي عملية عبر – تخصصية.
    وتدعو هذه الدراسات اللسانية (التداولية) والنفسية … إلى الإيغال التفسيري، التأويلي للخطاب المنخرط في منظومة الإجراءات والمقولات العقلية( ) وهي دراسات عبر-تخصصية تغذيها جملة من العلوم "من أهمها الفلسفة وعلم اللغة، والانتروبولوجيا، وعلم النفس والاجتماع"( ).
    لقد أبدت البحوث اللغوية (لا بالمعنى العام للسانيات) والانتروبولوجية والاتنولوجية … عدم كفايتها منفردة لمقاربة الخطاب مقاربة علمية تعطى النتائج المرجوة. برغم التقدم الكبير الذي أثرت به الأسلوبيات الحديثة البحث اللغوي في هذا المجال، والتي بقيت قاصرة هي الأخرى إذ لم تضىء جوانب كثيرة ومختلفة من الخطاب المدروس وذلك ما استطاع علم تحليل الخطاب تحقيقه أكثر من غيره، ذلك العلم الذي عرف عند البعض من اللغويين ب "مابعد الاسلوبية".

    و قد بدأ علم النص (تحليل الخطاب) بدايته الأولى مع "هاريس" Zellige, S. Harris الذي رأي وقوع الدراسات اللغوية الوصفية والسيكولوجية في خطأين هما:
    1. قصر الدراسة على الجملة
    2. فصل اللغة عن الموقف، داعيا إلى عمليات التوزيع distributional والربط بين اللغة والموقف والتخطي إلى النص بدل القصور على الجملة( ).

    ورغم اعتبار " دوبوجراند R. de beaugrande " نشأة علم النص عائدة إلى البلاغة الكلاسيكية وامتداداتها فإن باب النصانية (علم النص) تم فتحه مع الدراسات اللسانية التى ركزت في البداية على الجملة مهملة النص وناظرة إليه باعتباره غير داخل في تخصصها. (لفلولوجية* والوصفية*( )) فالتجميمة* مع "بايك" Pick، فالاسلوبية التقليدية، فالتوزيعية*، فالتماسك النصي* إلى أن جاءت مرحلة "هارتمان" و "فان ديجك" و "رايزر" Hannes reiser و "هاليدي" ورقية حسن … التي رسمت الملامح الرئيسيية لعلم النص.(2)

    وفي محاولة لتعريف علم النص يقول د. صلاح فضل إن : " نظرية النص هي أولا نقد مباشر لأية لغة واصفة، أي أنها مراجعة لعملية الخطاب ولذلك التمست تحولا علميا
    حقيقيا "(3). فيما يرى "رول" و "ابراون" أنه يمكننا تسمية "كل مقامر به تتحد لها موضوعا للوصف وحدة لغوية أكبر من الجملة تحليلا للخطاب"(4 ).

    وبينما يركز التعريف الأول على دلالة الوصف كخصوصية لغوية وعملية مراجعة الخطاب في عمومه كمعيار لتعريف علم النص، يرتكز الأخيران على البعد النحوي التحليلي كأساس لتعريف علم النص (نحو النص).

    وينضاف إلى ذلك البعد السياقي والاتصالي. اللذين يتصف بهما علم النص إلى جانب تداخله مع المناهج والمجالات المعرفية المختلفة من نفسية وفلسفية واجتماعية….
    ويمكن القول إن دراسة العلاقة بين المفاهيم التي تؤدي إلى حبك النص وتناظمه وربطه بالمقام (مقتضي المجال، نسبته في الواقع، ذهن السامع في البلاغة القديمة) أمر ضارب تاريخ التناول في ثقافة وتقاليد الدراسات اللغوية والبلاغية العربية (وخصوصا في الدراسات البديعية)(1).

    ويمكننا أن نلخص المستويات والأدوات المنهجية التي تشكل قواسم مشتركة بين علماء النص في ثلاثة مستويات هي المستوى النصي والمستوى الإتصالي والمستوى المقامي وذلك على النحو التالى:

    أ- المستوى النصى :
    سار علم النص على منوال المفصلة articulation السيميولوجية المنهجية حيث المستوى التركيبي، فالدلالي، فالبرجماتي كما مر بنا، وقد قصد علماء النص بالمستوى النصي المستوى العلامي، الشكل اللغوي، أو عبارة النص بما لها من جوانب نحوية وحرفية وصوتية وبلاغية وبما لها من ترابطات وتناص.
    وفيما تنصرف " اكريستوفا " إلى اعتبار النص عملية إنتاجية توزيعية وتفكيكية في آن واحد، وممارسة سيميولوجية للأقوال والمتتاليات التي تتقاطع وتناص مع العديد من النصوص حاملة في طياتها وحدة أيديولوجية، هي وظيفة التناص(2). ينظر رولان بارت إلى النص باعتباره نوعا من اللذة (من الممارسة الغزلية) ولا يعير الاثنان اهتماما للسياق الخارجي للنص، فلا يهتم به عند " كرستيفا " إلا بقدر حضوره فيه.

    ويرى " فان ديجك " أن النصوص طرف من أطراف السياق التي تعين على تصنيف أنواع النصوص، وذلك الطرف هو ما يمثل تعليمات السياق الصغرى
    micro-contextuelin struction (تحقق مكونات النص الداخلية (الجمل التي يحددها الإطار العام للنص وتتابعها) في مقابل تعليمات السياق الكبرى macro-contextuel instruct (الاطار العام للنص)( ).
    ويتشكل الإطار النوعي للنص الذي ينظم كيفية تتابع جملة من:
    1- النوع السردي expository
    2. النوع الجدلي orgumentative
    3. الأمر instructional ( )
    وتترابط النصوص حسب ما يرى " دوبوجراند " نوعين من الترابط
    1. الترابط النحوي sequential connectivity
    2. الترابط المعنوي conceptuel connectivity ( ) في حين يترابط النص عند رقية حسن من خلال أداة داخلية تعمل في إطار البيئة اللغوية النصية تسميها Endophoric وقد تشير أداة الربط عندها إلى "عنصر سابق عليها Anophoric أو لاحق عليها cataphoric ، وأما إذا كان العنصر المشار إليه خارج البيئة اللغوية للنص فيصطلح على تسميته في الإنجليزية Exphoric reference"( )

    ولكي يكون النص بالنسبة لـ" فان ديجل " منسجما يلزمه أن يتوفر على شروط اتخاذ مظاهر الانسجام الخمسة التي هي عنده الترابط، الانسجام وعلاقاته، الترتيب، اكتمال الخطاب (دلالته وانسجامه)، موضوع الخطاب أو البيئة الكلية هو ما ينظم ويختزل ويصنف الإخبار الدلالي للمتتاليات ككل"( ).
    أما "يول و براون" فينظران إلى إنسجام النص من زوايا أخرى لا تبتعد كثيرا عن تلك التي ذهب إليها "فان ديجك" وتلك الزوايا هي:
    1. مبادئ الإنسجام: وهي السياق وخصائصه، مبدأ التأويل المحلي. مبدأ التشابه، التغريض: (التيمة) وتأثير تنظيم الجمل، وما يبدأه الكاتب في تأويل ما يلي ما بدأه.( )
    2. عمليات الانسجام وهي: المعرفة الخلفية، الأطر، المدونات، السيناريوهات، الخطاطة، الاستدلال كافتراض تجسيري، الاستدلال كرابط مفقود، الاستدلال كتبرابط آلي، الاستدلال كملأ للفراغ.( )

    ويكون النص منسجما من وجهة نظر علماء الذكاء الاصطناعي حين تسير عمليته بشكل فعال( ). وذلك ما يتم من خلال بناء التصور الذي يتأتى للمتلقي عبر الترابط بين وحدات النص.
    ويتم تصنيف أنواع النصوص من خلال كيفية تنظيم المعلومات داخلها، أو من خلال مجالاتها المعرفية، أو عبارتها، أو اكتمالها أو نقصانها.
    ويجرفنا الحديث عن النصوص إلى الحديث عن نحو الجملة ونحو النص الذي ظهر أخيرا مع علم النص، والذي آن له أن يتطور إلى نحو الخطاب بمفهومه الأوسع من النص الخطاب، الممارسة الخطابية).

    ونظرا إلى أننا نحتاج في تحليل الجمل (في نحو الجملة) دائماً إلى الجمل الأخرى السابقة أو اللاحقة ونظرا إلى أن نحو الجملة يهمل السياق الاجتماعي للنص ويقصر الدراسة على الجملة دون أن يتعداها إلى الفقرة فالنص. كان لزاما على الدراسة النصية أن تتوجه إلى تشخيص ما وراء الجملة وما فوقها من خصوصيات وأمور نصية ومقامية ودلالية.( )

    ومن هنا نظرت الدراسات النصية إلى النص باعتباره وحده دلالية، لا وحدة نحوية (جملة أو مجموعة جمل)، مكتملة الدلالة بذاتها، متماسكة، منسجمة في كليتها دونما تجزئ لعناصرها( ) ذلك الانسجام الذي يتم من خلال تماسك الترابط بين البنى الدلالية الكبرى والبنى الدلالية الصغرى (ومن مؤثرات الترابط: العلامات الترقيمية، العطف الوصل، أسماء الإشارة، أدوات التعريف، أبنية الزمان والمكان( ) ….) على المستوى النصي، وإتمام التواصل (عملية الفهم) وما يصاحب ذلك من عمليات، وما يتضمنه من علاقات وتبادل تأثير وتأثر.

    وأحيانا يسمى المستوى النصي، التركيب الذي يتفاعل فيه النحوي والفكروي، فتتولد عنهما الظواهر الأسلوبية للنص (كبنى نصية ظاهرة في نظام جديد مختار)( ). كما عند "دوبوجران". وقد يسمى شكل الرسالة أو نمطها (علاقة المحاكاة في مقابل علاقة التعبير بين المتحدث والجمهور وعلاقة الاستقبال بين الموضوع والحقيقة والواقع) كما عند "هارتمان( )"
    كما تسمى بنوع الخطاب (الوسيلة) وهو أحد مظاهر سياق الموقف، وهو نفسه المكون النصاني بين المكونات الوظائفية للنظام المعنوي (وظائف اللغة التي يخدمها النص) في مقابل المجال والمشتركين في الخطاب والمكون الفكروي والمكون العلائقي كما عند "هاليدي( )" وقد تسمى الطبقة العلامية في مقابل الاتصالية والبراجماتية التي لا تنفصل عن بعضها البعض بحيث تكون عملية الاتصال عملية اتصالية براجماتية علامية في نفس الوقت Semi-Pragma Communicative interface وهي الطبقات التي تقوم عليها النصوص وتتطور داخل السياق بتعليماته الكبرى والصغرى كما يرى باسل حاتم( ).

    كما قد يسمى المستوى النصي - كما مر بنا مع أصحاب نظرية أفعال الكلام - بالفعل التعبيري (العبارة) locutionary.

    ب- المستوى الاتصالي (الغرضي أو الفكروي …)

    ويقصد به عملية ممارسة الاتصال اللغوي في إطار العلاقة ما بين المرسل والمتلقي، وفيما يسمى هذا المستوى بالمعنى (الترابط الفكروي) في مقابل التركيب والبرجماتيك عند "دوبوجراند( )" تسمى بالعلاقة التعبيرية، بين الجمهور والمتحدث عند " هارتمان " وبالمكون الفكروي أو المجال في مقابل نوع الخطاب (منطوق، مكتوب، سردي، جدلي، البناء البلاغي) والمشتركين فيه عند "هاليدي".
    أما باسل حاتم فيسمي هذا المستوى بالطبقة الاتصالية Communicative Layer. فيما يسميه أصحاب نظرية أفعال القول الفعل الاتصالي illoctionary.

    ج- المستوى البراجماتي (المقامي) :
    ويقصد له السياق المقامي الذي تتحدد فيه العلاقة بين الاتصال وعمليته … بالواقع أو البيئة اللغوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية … التي نشأ فيها الخطاب .
    ويعرف هذا المستوى عند "دوبوجراند" بالبرجماتيك (الخطط، الأهداف، الأفعال التي يسلك النص لتحقيق أهدافه). وبالعلاقة الاستقبالية بين الموضوع والحقيقة والواقع عند
    " هارتمان " وبالمجال والمشتركين في الخطاب كمكون وظائفي معنوي في النص) عند "هاليدي" وبالطبقة البرجماتية عند باسل حاتم.

    ويمكننا أن ننظم تلك المستويات وفق الشكل التالي

    دوبوجراند
    هارتمان

    هاليدي

    باسل حاتم

    اوستن
    نظرية أفعال القول المستوى النصي
    التركيب
    علاقة المحاكاة
    نوع الخطاب model
    المكون النصاني textual

    الطبقة العلامية semiotic layer

    الفعل التعبيري locutionary act المستوى الاتصالي
    المعنى
    علاقة التعبير
    المجال field
    والمكون الفكروي Ideational

    الطبقة الاتصالية comminicative
    Layer

    الفعل الاتصالي illocutinay
    act
    المستوى الإجمالي
    البرجماتيك
    علاقة الاستقبال
    المشتركون في الخطاب tenor
    المكون العلائقي inter-personal

    الطبقة البرجماتيةpragmatic
    layer

    الفعل المقامي pragmatic
    act

    وهكذا يمكننا أن نستخلص من تأكيد المنظرين في مجال علم النص ضرورة تخطي الدراسات الأسلوبية إلى دراسة مستويات الخطاب الثلاثة المذكورة آنفا، ليتمكن علم النص، من اكتشاف ما قصرت عنه الأسلوبيات في النص من وجوه "أدبية ولغوية واجتماعية ونفسية وسيميولوجية واتنوغرافية تواصلية.
    لذلك كان هناك الخطاب اللغوي بمستوياته الاجتماعية المتنوعة، والخطاب القانوني، والخطاب النقدي، والخطاب السياسي"( ).

    ويمكننا القول هنا إن علم النص أو علم تحليل الخطاب هو علم ينحو إلى دراسة كل أشكال الخطاب التي ترد على لسان شخص ما في زمن ومكان معينين، والتي توجه إلى مخاطبين معينين في ظروف اجتماعية معينة "أي أن هذا العلم يدرس كل ما يتعلق باتنوغرافيا التواصل اللساني"( ) وهو ما يمكن الباحث من كشف "الوجوه الإيصالية والتواصلية … ] و [ أن يفهم حركة المجتمع في السطح وفي الأعماق … ذلك لأن النظرية اللسانية – كما يذهب إليه اللساني الدانماركي هلمسلف – هي ضرورة داخلية لا لإدراك النظام اللغوي في شكله ومضمونه فحسب، وإنما لإدراك الإنسان والمجتمع التي تتجلى من خلال اللغة"( ).

    ويمكننا تلخيص آراء علماء تحليل الخطاب في ما انصرف إليه د. مازن الوعر من اعتبار ما أسماه بالمنهج الانتوغرافي، (التواصلي) أو نظرية تحليل الخطاب التي تهدف إلى أن تكشف للمتلقى (السامع، أو القارئ …..) عن أبعاد الخطاب الحضارية والثقافية واللغوية … المختلفة، أنجع سبل تحليل الخطاب وذلك ما يتم من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية:

    1. من قائل أو كاتب الخطاب ؟
    2. متى قيل أو كتب الخطاب ؟
    3. أين قيل أو كتب الخطاب ؟
    4. ماذا حوى الخطاب ؟
    5. لماذا قيل أو كتب الخطاب ؟
    6. كيف قيل أو كتب الخطاب ؟
    7. لمن قيل أو كتب الخطاب ؟
    8. ما سياسة الخطاب ؟( )

    وهكذا تحاول هذه الدراسة أن تقدم في الجانب التطبيقي لتحليل الخطاب السياسي (موضوع الدراسة) تحليلا يلتزم بالإجابة عن أسئلة التحليل الاتنوغرافي التواصلي هذه، ومن خلال الآراء والمقولات … التي قدمنا لعلماء النص – إذ لا فرق بينهما في نظرنا إلا قليلا – دونما حرج من الإفادة من مختلف المناهج اللغوية والمجالات المعرفية المختلفة لضرورة ذلك بالنسبة حتى لعلم النص والإتنوغرافيا عبر – تخصصيين.
    ومن المناهج التي قارب بها باحثون كثيرون الخطاب السياسي منهج الذكاء الاصطناعي ومنهج تحليل المضمون، وهما يحضران من حين لآخر في تحليلات الدراسة ونتناول المنهجين على النحو التالي:

    7- الذكاء الاصطناعي :

    ويسعى هذا المنهج إلي النفاذ إلى العمليات الذهنية التي يوظفها الإنسان في معالجة اللغة، فهما وتأويلا من خلال الحاسوب كوسيلة تمثل ذهن الإنسان من حيث تخزين المعلومات واستغلالها واستحضارها عند الحاجة، وذلك ما يمكن أن يساهم في إضاءة قضايا متعلقة بانسجام النصوص .
    ونظرا لتعقيد عملية توليد وفهم اللغة لما يتطلبه من عمليات متفاعلة يصعب إدراكها؛ لأن أثرها فقط هو المتجلي، فقد حاولت مقاربة الذكاء الاصطناعي "إنشاء نماذج حاسوبية للإواليات المسؤولة عن إجرائيتها"( ).

    ويسعى تحليل المضمون إلى دراسة جميع "الرسائل الاتصالية" من صحافة وكتب وخطب وسينما وتليفزيون ومقابلات وذلك لقبولها للقياس الرقمي. كما يجيب تحليل المضمون عن الأسئلة: من يتكلم؟ ماذا يقول؟ بأي وسيلة؟ إلي من يتوجه؟ بأي تأثير؟ . كما يسعى في مقاربته السياسية إلى القراءة التحليلية والنقدية للنصوص السياسية على مستويات ثلاثة.

    1. الفكرة العامة: كفكرة بعث الدولة (تجسيدها) كما عرف عند " ديجول " في مؤتمراته الصحفية.
    2. الطابع: كتجديد هوية البطل في الأعمال الأدبية والسينمائية، أو الرئيس في النصوص السياسية.
    3. الهدف النهائي للنص أو الخطبة أو الفيلم ومن ذلك سعي " ديجول " في خطبه إلى تمثيل وجه فرنسا وتجسيده في خلال برنامجه وفكرته عن الشرعية التي تتمثل في وحدة فرنسا والتفاف الشعب حول القائد( )
    ويتبع تحليل المضمون إجراءات تتمثل في:
    1. تحديد وحدات التحليل
    2. تحديد الفئات
    3. تكميم النتائج
    4. تحقيق الصدق والثبات
    أما أساليب تحليل المضمون " فتتضمن مناهج التحليل المنبثقة عن العلوم اللغوية والتي تعرف بمناهج تحليل النصوص أو الخطب"( ).
    وهى:
    1. منهج تحليل المنطوق
    2. منهج تحليل القوى الفاعلة
    3. منهج تحليل حقول الدلالة (المفاهيم).

    ومن الدراسات التي تناولت الخطاب السياسي بالمقاربة، تلك التي قامت بها د. مارلين نصر للخطاب الناصري وهي دراسة قائمة على الإحصاء التزامني والتعاقبي للمفردات( ).

    وهناك دراسة أخرى قام بها د. محمود خليل بعنوان "انتاج الدلالة في النص الصحفي" وهي دراسة معجمية تقع في ذات الأخطاء التي وقع فيها تحليل المضمون ونظرية أفعال القول والذكاء الاصطناعي ودراسة د. مارلين نصر. وهي أخطاء تتراوح ما بين عدم وضوح الرؤية في تناول بعض جوانب الخطاب أو إهمال أخرى. ولعلك تلاحظ معي التداخل بين هذه المناهج من جهة وبين تحليل المضمون والاتنوغرافيا الاتصالية، خصوصا من حيث الأسئلة التي يطرحانها. الأمر الذي يتضح أكثر في تحليل هذه الدراسة، تماما مثلما تفيد من الدراسة، التي قامت بها أميمية مصطفى عبود التي هي أقرب في منهجها (البرجماتي) من منهج الدراسة رغم قصوره عنه بكثير.

    وبدلا من هذه الدراسات التي تباشر الخطاب حاملة قضايا ومفاهيم جاهزة، فترغمه على قولها لتكتمل مهمتها التحليلية، تترك هذه الدراسة الحرية للخطاب في تضمن ما يحوي أو قوله فتباشرة بالمقاربة والتحليل.

    ( يتواصل إن شاء الله , و الموضوع الموالي هو ):

    II- تحليل الخطاب (التداخل المنهجي)

  4. #14
    مشرف مشهد التشريح الصورة الرمزية ابراهيم الشيخ سيديا
    تاريخ التسجيل
    Nov 2005
    الدولة
    الإمارات
    العمر
    44
    المشاركات
    841
    معدل تقييم المستوى
    14

    Smile قد يجمع الله الشتيتين ...

    شكرا لك أستاذي صيام على ما بذلت من جهد تسهيلا للوصول إلى هذا البحث القيم . و كلي لهفة إلى البقية ، فعجل رجاءً

    و تحياتي إلى الباحث الأستاذ ( الشيخ أحمد ) زميل الدراسة الذي فرقت بيني و بينه الظروف منذ سنتنا الأولى في قسم الأدب العربي بجامعة انواكشوط قبل 19 سنة
    http://i292.photobucket.com/albums/mm30/mushaheed/sigles/btt.gif

  5. #15
    مراقب المشهد الإعلامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    3,095
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة BTT مشاهدة المشاركة
    شكرا لك أستاذي صيام على ما بذلت من جهد تسهيلا للوصول إلى هذا البحث القيم . و كلي لهفة إلى البقية ، فعجل رجاءً

    و تحياتي إلى الباحث الأستاذ ( الشيخ أحمد ) زميل الدراسة الذي فرقت بيني و بينه الظروف منذ سنتنا الأولى في قسم الأدب العربي بجامعة انواكشوط قبل 19 سنة
    أستاذنا BTT الشكر -في الأصل- لكم لأنكم أول من نشر "مذكرات الرئيس المختار ولد داداه" كاملة في المشهد , و هي محاولة أكملت جهود الزميل khamis الذي كان قد بدأ نشرها بشكل غير منتظم فالشكر لكم و له , و أعتذر عن تأخر نشر بقية المواضيع لبعض المشاغل , كما أشير إلى أن الهوامش و الإحالات لا تظهر هنا -في هذا النص المقتبس- و إنما يظهر معقوفان يشيران إليها هكذا ( ) دون تحديد رقم أو تضمين مصدر الإقتباس أو الإحالة , و ستظهر -إن شاء الله- مع النص الأصلي الذي سأنشره بعد اكتمال هذه الرسالة التي نــُشــِرَ ثلثها حتى الآن.

    --------------------------------------------------------------
    بقية الرسالة :
    --------------------------------------------------------------
    - تحليل الخطاب (التداخل المنهجي) :

    لا شك أن التداخل الكبير القائم بين الممارسات الخطابية المختلفة، التي هي موضوعات تحليل المناهج المتنوعة سالفة الذكر، سيصطحبه تداخل بين هذه المناهج ذاتها. فلا انفصام بين المنهج النفسي والاجتماعي والأركيو – معرفي والبنيوي والتفكيكي والتاريخي، والفلسفي، والتأويلي، والسيميولوجي، والتداولي البرجماتي، واللساني النصي والاتصالي … وكل فصول الدراسة السابقة تؤكد ذلك. وحتى لا يكون حديثنا هنا اجترارا وتكرارا مملا لما سلف ذكرنا له نقدم هنا مجموعة من العلماء والمفكرين من مختلف التخصصات اللسانية والفلسفية رأينا مساهماتهم نموذجا للتداخل المنهجي في عملية تحليل الخطاب وذلك على النحو التالي:

    1- " هاريس " Harris :

    لقد عرف " هاريس " وهو من أوائل رواد تحليل الخطاب باستخدامه إجراءات اللسانيات الوصفية Descriptive Linguistics لكشف بنية النص Structure of text ( ).
    و " هاريس" أحد رواد المدرسة التوزيعية التي تتبني الدراسة الصرفيمية Morphologics والنظمية Syntactics ( ). مع النظر إلى الجملة باعتبارها شكلا لغويا "لا يدخل في تركيب مع أي شكل آخر"( ). (تعريف "ابلومفيلد").

    وقد أظهرت المركبات الاسمية والفعلية التي عرفنا عند " اتشومسكي " مع " هاريس " بحكم التقارب الملحوظ بين النحو التوليدي والنحو التحويلي والتوزيعية ذات الطبيعة الصرفية - التي تقوم بعمليات توزيع المورفيمات وإحلالها محل الأخرى التي تشترك معها في فئات دلالية أو مواقع نحوية أو صرفية مع الاحتفاظ - ما أمكن - بالسياق ومع الدعوة إلى استبعاد المعنى من التحليل( ) وبرغم اعتبار " هاريس " العلاقة بين اللغة والمجتمع والثقافة قضية خارج - لسانية ولذلك لم يهتم بها (على عكس غير - من التوزيعيين مثل "ادوارد سابير" (الجو الثقافي).

    وقد انطلق " هاريس " من تعريف " بلومفيلد" السابق للجملة متخطيا بالوصف اللساني الذي اعتمد أدواته (الجملة كوحدة تحليل)، الجملة إلى ما هو خارجها إلى الخطاب. وبناء على عرف " هاريس " الخطاب بأنه ملفوظ طويل من الجمل المتتالية،( ) ناظرا إلى بنيته المورفيمية التي تتوزع بشكل منظم منطقي (غير اعتباطي) يكشف عن بنية النص. ولعل هذا التعريف الذي ينظر إلى الخطاب على اعتبار أنه جملة جمل، هو ما منع " هاريس " من الاهتداء إلى نحو النص وإلى الدلالة النصانية ... التي تتعدى الجملة.

    وهذا ما دعا " دوبوجراند " إلى اتهام محاولات " هاريس " والتحوليين إيجاد قواعد عرفية لإنشاء النصوص، بالفشل لأنها لم تستطع أن تضع معيارا ثابتا للكيفية التي يتصرف بها الناص في إنشاء النصوص؛ ولأنها لم تستطع أن تحدد موقفا واضحا من النصوص غير النحوية ومن اختلاف الأساليب في داخل النصوص"( ).

    2- " هارتمان " Hartman :

    لقد كان سبب اهتمام "هارتمان " بالدراسات اللغوية واللغة منبثقا من اعتباره لها تفاعلا واتصالا وخطابا اجتماعيا؛ حيث النص مجموعة علاقات تعبيرية واستقبالية وعلاقة محاكاة كما مر بنا في حديثنا عن المشترك بين علماء النص.

    ويفرق " هارتمان " بين مدخلين لتحليل الخطاب، لساني وخارج لساني: حيث يبدأ اللساني من الخطاب (داخل بنية ) النص ثم يتساءل كيف يمكن للنص أن يحقق غرضه الخارجي؟ أما المشتغل بتحليل الخطاب من خارج اللسانيات فيبدأ من البنية الخارجية متجها نحو الداخل (داخل بنية النص) لمعرفة كيفية التقاء العناصر اللغوية (في النص مجال العملية) مع العناصر غير اللغوية Extra-Linguistics ، وكيف أنه لكي تتحقق " النصانية " يجب البحث خارج نطاق الجملة والعبارة، ذلك أن النصانية هي المجال الحقيقي لمعرفة الأحداث التي تتحكم في عملية الاتصال"( ) ومعرفة كيفية التقاء الخارجي بالداخلي في النص (الخطاب) الذي هو بيئة تلك العملية.

    3- " هانز رايزر " Hannes Reiser :

    وقد عرف بدعوته إلى نحو النص تأسيسا على الاستفادة من النحو التوليدي معتبرا نحو النص يبدأ من اللحظة التي يفشل فيها نحو الجملة في الإجابة على المسائل اللغوية( ).

    4- بيتوفي Petofi :

    ويتميز " بيتوفي " بتقديمه لأسباب حتمت ضرورة ظهور علم النص وهي:
    1. أن نحو الجملة لا يستطيع أن يعلل بوضوح قوانين التناسق في الجمل والمسائل المتعلقة بالقضايا themes وأجوبتها Rems.
    2. ولأنه لا يستطيع الإجابة عن سائر القضايا اللغوية من خلال الاتجاه الوصفي (اللساني الحديث).
    3. لابد أن نفرق بين العناصر المتعلقة بالمتحدث وبين تلك المتعلقة بالمستقبل وهذا هو مبعث إمكانية الإفادة من الألسنة التوليدية( ).

    وينطلق "بيتوفى" فى تحليله الدلالي ، التوليدي (متأثراً) بـ "تشومسكى"، والمؤسس على التحليل النحوي، من النظر إلى النص باعتباره وحدة دلالية كلية ، ومن توضيح كفاءات المتحدثين والمستمعين فى ذات الوقت (كيف يبدأ المتحدث المعنى ويسلسله فى التتابعات الجملية وكيف تصير عملية التواصل إلى أن يبدأ المتلقى عملية المتلقى) وهو مايضيف بعداً تداولياً لنموذج "بيتوفى" للوصف النحوي الدلالي الذى يبدأ بالنص (عملية التوليف) وينتهى بالاستماع أو التلقى (عملية التفكيك) وذلك عبر ترابطات معجمية نحوية وعبر ماأسماه "بنية النص وبنية العالم"( ).

    ورغم ذلك فإن "بيتوفي" لا يبتعد في تحليله النحوي والدلالي المترابطين عنده عن "التجزئة النحوية للنص" عند "فاينريش “Weinrich, H الذي يرى أن الجمل تتابع في النص مسهمة في فهم بعضها البعض فلا يتحقق المعنى من خلال الجزء الواحد (الجملة مثلا) بل من الأجزاء في معانيها مشكلة البنية الكلية لمعنى النص وفي خلال تفاعلات تواصلية مختلفة بين شركاء الاتصال( ).

    5- "هاليدي M.A.K. Halliday " ورقية حسن :

    ينطلق "هاليدي" مما يسميه فكرة "سياق المقام" وهو يتكون من عناصر ثلاثة كما مر بنا وهي المجال، والنوع أو الوسيلة، والمشتركون في الخطاب، وهما يقابل عنده المكونات الوظائفية التي للنظام المعنوي وهي : الفكروي والعلائقي والنصاني. هذه العناصر والمكونات هي التي تترابط خالقة اتساق النص الذي هو مهمة يقوم بها المتلقي بناء على معيار الترابط بين أجزاء الخطاب (جمل ….) الذي هو ذاته معيار لتحديد ما هو نص (ما يشكل كلا موحدا مترابطا) وما لا ليس نصا (جمل غير مترابطة)( ). هذا الترابط المتسق ما بين الداخل النصي والخارج المقامي.
    ذلك أن (هاليدي) نظر إلى اللغة باعتبارها ظاهرة اجتماعية فدرس علاقاتها بالمجتمع دون أن يقصي ما تمده به المناهج والمجالات المعرفية المختلفة. ولأن السياق عند "هاليدي" سابق على النص فإنه بدأ بمعالجته منطلقا من تعريف النص بأنه اللغة التي تخدم غرضا وظيفيا؛ أي أنه لغة (النظام) تخدم غرضا في إطار سياق ما. وقد تكون تلك اللغة مكتوبة وقد تكون منطوقة وفي الحالتين هي نظام سيميولوجي لغوي (الجانب النظامي كالنص أمر لم يحظ بالدراسة عند غيره من علماء النص في رأيه) ويتطلب منها فهم اللغة كنظام ، لفهم ، كيفية عمل النصوص لا الجملة( ).

    وتنقسم أدوات الاتساق (الترابط، العلاقات المعنوية) إلى أربعة هى : ( )
    1.الإحالة: وهي علاقة دلالية لا قيود نحوية عليها تتطلب التطابق الدلالي بين المحيل والمحال إليه (ضمائر، أسماء إشارة، أدوات مقارنة).
    2. الاستبدال: عملية داخل – نصية وهو تعويض عنصر في النص بعنصر آخر، وعلاقة بين عنصر متأخر في النص وعنصر متقدم (علاقة قبلية في الغالب).
    3. الحذف: عملية داخل نصية، قبلية غالبا، ويتميز الحذف عن الاستبدال بأنه لا يترك أثرا، تاركا للقارئ فرصة ملء الفراغ .
    4. الوصل: ويتضمن إشارة موجهة إلى البحث عن المفترض في ما تقدم أو ما سيلحق وتحديد طريقة ترابطهما، ويكون العطف سببياً وإضافيا وعكسيا وزمنيا.

    - أما رقية حسن فتتفق مع " هاليدي " في ما قدمنا عنه، إلا أنها تنفرد بأمور منها:
    1. أن بنية النص تتحكم فيها عناصر السياق (التي مرت بنا مع هاليدي)
    2. فكرة عنصر "النظم" “Texture” وهو المكون "الذي يتحكم في علاقات المعاني داخل النص ويكون وحدتها ويمكن استقصاؤه من خلال بعض العوامل اللفظية والنحوية، وعلى الرغم من أن النظم يخضع لبعض القوانين المحددة في الاستخدام العلامي للغة. فإن الحكم يخضع في النهاية إلى تقدير المستمع من حيث هو الذي يتلقى الرسالة وتنتهى أهدافها في عقله"( )
    وكما ذهب "هاليداي" انصرفت رقية حسن إلى أن الوحدة اللغوية ذات بيئتين لغوية وأخرى وراء لغوية ويتم التفسير إما من داخل اللغوية أو من خارجها. وهى تترابط (النص الوحدة اللغوية) من خلال أدوات أسلفنا ذكرها تقوم بمهمة ترابط النص داخليا وخارجيا …

    6- " فانديجك " Teun A. Van Dijk :

    انطلق "فاندريجك" في تحليلاته للخطاب مؤسسا على مجالات معرفية مختلفة كالفلسفة (المنطق) وعلم النفس المعرفي والذكاء الاصطناعي والنظرية اللسانية التي تتعامل مع البنية العقلية والممكنة لأنساق اللغة الطبيعية وتطورها التاريخي واختلافها الثقافي ووظيفتها الاجتماعية، وأسسها المعرفية"( )، انطلق من تصور أن الخطاب قائم على مفهومين دلالي (الترابط، الانسجام) وتداولي (السياقات وأفعال الكلام، تداوليات الخطاب، الأفعال الكلامية الكلية). وأن النحو يبقى ناقصا ما لم يهتم بوصف المعنى. ومن هنا جاءت الأبعاد الثلاثية للتحليل النصي (علم النص) عند "فاديجك" (المكعب النصي)( ) النحوي (الجمل المركبة فالمتتاليات) والمعنوي (الدلالي)، والتداولي (السياقي، التواصلي) الأمر الذي تبرزه مظاهر الانسجام( ) عنده والتي هي :
    2. الترابط : بين الجمل (مقبولية الجملة من عدمها)
    2. الانسجام : ويشير هنا إلى أننا لا نؤول الجمل والقضايا بمعزل عن الجمل والقضايا السابقة.
    ومن علامات الانسجام :
    - علاقة التطابق الذاتي Induvidual identity (ضمير/مضمره).
    - التضمن والعضوية Membership (الجزء / الكل).
    - مبدأ الحالة العادية المفترضة للعوالم.
    - مفهوم الإطار.
    - التطابق الإحالي (المحيل / المحال إليه، كأسماء الإشارة).
    - تعالق المحمولات (الحامل والمحمولات).
    - العلاقة الرابطة بين المواضيع الجديدة: علاقة الرؤية (الإشارة).
    3. الترتيب: ترتيب وقائع الخطاب العادي وتحكمه علاقات هي :
    العام والخاص – الكل والجزء – المجموعة والمجموعة الفرعية – المتضمن والمتضمن – الكبير والصغير – الخارج والداخل – المالك والمملوك.
    4- الخطاب التام والخطاب الناقص : وذلك ما يخرج إليه المتلقى وفق ضرورية المعلومات الخطابية وتمامها أم لا.
    5. موضوع الخطاب / البنية الكلية: ذلك أن وظيفيته أن يعد بنية دلالية بواسطتها يتم انسجامه، وتكون أداة إجرائية "حدسية" بها تقارب بنية الخطاب الكلية.

    وقد كان "فان ديجك" من أوائل رواد علماء النص الذين حاولوا تقديم دراسات ترقى بالدراسة اللغوية من نحو الجملة إلى نحو النص، تأسيسا على ما قدمته الدراسات التوليدية التحويلية. حيث أصبح النص نحو يحتاج في توصيفه إلى أبعاد دلالية وأخرى تداولية لا إلى علاقات الجملة الداخلية أو نظام مجموعة الجمل( ).


    7- " دوبوجراند " :

    انتقد "دوبوجراند" السيميولوجيا التقليدية التي درست عناصر التنظيم الشكلي تحت باب التركيب، والمعاني تحت باب السيمانتيك، والاستعمال اللغوي تحت باب البرجماتيك، دراسة تجزيئية مهملة الطبيعة التفاعلية بين هذه المستويات في النص، داعيا إلى ما عرف عنده بنظرية النظم systems theory التي تترابط في النص بشكل كلي بحيث يتحقق له أن يكون – كما يراه "دوبوجراند" وحدة قولية تخدم غرضا إتصاليا.

    ولعل أبرز ما أسهمت به الدراسات التي قام بها "دوبوجراند" توصله إلى خصائص ومؤشرات للنصانية في اللغة الطبيعية وذلك على النحو الذي يلي:

    أ- الخصائص النصانية : ( )

    1. النص نظام حقيقي لكونه عملية اتصالية.
    2. النص يختزل السياق عند كتابته.
    3. ما هو نصي وما هو غير نصى لا يخضع التفريق بينها للصرامة (كتلك التي عرف بها النحو الجملة الصحيحة وغير الصحيحة).
    4. يلزم النص أن يتوافق مع الموقف.
    5. على العكس من الجمل المنعزلة يهدف النص إلى تغيير موقف المتلقي
    6. وعلى عكس الجمل المقوننة لا يخضع النص لقانون صارم لأنه تتابع لحالات عاطفية واجتماعية وسياسية واقتصادية مختلفة
    7. على عكس الجمل تجد الأعراف الاجتماعية طريقها إلى التطبيق على النص
    8. بدل حاجة متعلم اللغة إلى معرفة القواعد الصرفية بغية تكوين الجمل، يحتاج إلى التناص لمعرفة إنشاء النصوص في بيئة اجتماعية وموقف مخصوصين
    9. ينصرف البحث في علم النص عن ايجاد قوانين ثابتة لتكوين النص إلى واجبات كيفية إنشاء النصوص في البيئة الاجتماعية والموقف كذا.
    10. فيما استبعدت ألسنية الجملة النماذج غير الملائمة (في دراستها) نجح علم النص في معالجة النصوص المختلفة القطاعات وألوان التعبير.
    11. بينما يهدف النحو إلى التفريق بين ما هو نصي وما هو غير نصي يهدف علم النص إلى معالجة نصانية النص.
    12. وبناء عليه فإن علم النص عبر – تخصصي.

    ب- مؤشرات النصانية :
    1. التناسق Cohésion .
    2-الترابط الفكري Cohérence (ربط الأفكار داخل النص).
    3. القصد Intentionality
    4. الموقفانية Stuationality
    5. التناص Intertextuality
    6. الإخبارية Informativity.
    7. القبول Acceptability

  6. #16
    مراقب المشهد الإعلامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    3,095
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي

    8- "يول" و "ابراون"( ) C.Brown, C.yule

    انطلق الكاتبان من إدراك تداخل المقاربات الاجتماعية والنفسية والبلاغية فاستفادا من المعالجة اللسانية الاجتماعية، واللسانية النفسية، واللسانية الحاسوبية، والذكاء الاصطناعي، وعلم النفس المعرفي… كما انطلقا في معالجتهما للخطاب من النظر إلى اللغة باعتبارها ذات وظيفيتين أساسيتين هما "النقلية" و "التفاعلية" دون إهمال الوظائف الأخرى.

    كما أبرزا أهمية المتكلم والمتلقي في عملية التواصل وتأويل الخطاب (التعابير) مرجعين بذلك للإنسان اعتباره (سلطته اللغوية) التي جردته منه بعض المناهج.

    ويفرق "بول" و "ابراون" بين وظيفة اللساني ومحلل الخطاب. ففيما يريان أن اللساني يبحث عن المعايير والقواعد التي تحكم الجمل المقبولة، يريان أن محلل الخطاب يضع في اهتمامه السياق الفيزيائى والاجتماعي وأغراض المتكلمين وردود فعل المستمعين.

    ويصبو تحليل الخطاب في نظرهما إلى الإجابة عن الأسئلة : كيف يستعمل الإنسان اللغة من أجل التواصل؟ وكيف يرسل المرسل رسالته ؟ وكيف يتلقاها المتلقي ؟ ويحاول تأويلها من خلال عملية ذهنية معقدة، بشكل يقرب الإنسان من الحاسوب عندهما. ومن خلال رصيده المعرفي … ليبني انسجام النص، ذلك الانسجام الذي يقوم على مجموعة من المبادئ والعمليات.

    وإذا كنا نستشعر مع المؤلفين - بل كلنا يقين – ضرورة اللجوء إلى أكثر من مجال أو متكإ معرفي، وأكثر من منهج في تحليل الخطاب ذي الخصوصية النوعية التي تستدعي ذلك، كما أكدته هذه الدراسة - ومن قبلها علماء النص – أكثر من مرة وما تزال تؤكده، لتصل المعالجة الخطابية إلى الهدف الذي تصبو إليه.

    وإذا كنا نتبنى رأيهما ذلك فإننا نشير من جهة أخرى إلى أننا نختلف معهما في التفريق بين وظيفة اللساني وهدفه البحثي ومحلل الخطاب، إذ لا يختلفان إلا في المداخل كما يرى هارتمان وهو الرأي الذي تبناه هذه الدراسة مع الاعتقاد في أن المدخل اللساني (اللغوي…) أكثر مناسبة في رأيها من السياقي لأنها تتفادى حمل الخطاب على تضمن أشياء مجترة من خارجه .
    ويقوم الانسجام الذي هو عملية ينهض بها المتلقي في نظر العالمين على المبادئ والعمليات التالية( ).
    أ‌- مبادئ الانسجــــام
    1- مبدأ السياق وخصائصه
    ويأخذ المحلل في الاعتبار هنا (المتكلم والكاتب، المستمع أو اللقاء، الزمان والمكان).

    وللسياق خصائص عشرة عندهما هي:
    1. المرسل 2. المتلقي 3. الحضور 4. الموضوع
    5. المقام (الزمان والمكان) 6. القناة (كلام، كتابة ، إشارة ….)
    7. النظام (اللغة ، اللهجة ….) 8. شكل الرسالة (دردشة، خرافة، رسالة غرامية )
    9. المفتاح ويتضمن التقويم: موعظة حسنة، شرحا مثيرا للعواطف.
    10. الغرض.
    2- مبدأ التأويل المحلي (جهد يقوم به المتلقي بناء على خصائص السياق).
    3- مبدأ التشابه (في شئ من التوقع).
    4- التغريض: (التيمة) وتؤثر المتتاليات وفقا للتفريض في تأويل بعضها فالجملة الأولى لا تحدد فقط تأويل الفقرة وإنما بقية النص، (ويقع العالمان هنا في خطأ اعتبار النص مجموعة من الجمل. كغيرهم كثيرين في حين توجد جمل منفصلة تماما لا تخضع لمفهوم التتالي أو التتابع الذي هو مفهوم نحوي).

    عمليات الانسجام
    1. المعرفة الخلفية
    2. الأطر: طريقة تمثيل المعرفة الخلفية (نظرية مينسكي).
    3. المدونات : التتابع الطبيعي للمفاهيم (نظرية التبعية المفهومية عند روجي شانك).
    4. السيناريوهات: يوصف بها مجال المرجع الممتد المستعمل في تأويل النص. وذلك من خلال تنشيط المتلقي للسيناريوهات لإكمال الفراغات وهي التي استعملها "سانفورد كارود".
    5. الخطاطة: وهي هياكل معرفية تعطي توجيهات حتمية يعتمد عليها في التأويل كالأحكام المسبقة (لدى متلقي الخطاب السياسي مثلا).
    6. الاستدلال كافتراض تجسيري: عملية يقوم بها المتلقي للإنتقال من المعنى الحرفي إلى المقصد الذي يريد المرسل إيصاله.
    7. الاستدلال كرابط مفقود: عملية البحث عن رابط مفقود بين جملتين ومثاله.
    1. اشتريت بالأمس دراجة 2. الإطار واسع جدا 3. للدراجة إطار.
    8. الاستدلال والترابط غير الآلي:
    وهو ما يتم بين عناصر النص من طريق التمثيلات المعرفية الموجودة مسبقا بين عناصر النص من طريق التمثيلات المعرفية الموجودة مسبقا كما في الجملة رقم (3) السابقة في المثال.
    9. الاستدلال كملأ الفراغ :

    وهكذا يتضح أن الانسجام لدى العالمين عملية استحضار ذهني يقوم بها المتلقي لخلفيته المعرفية …. وعملية استدلال مختلفة يتولد عنهما انسجام النص وتولد معناه، وبذلك تكون عملية الفهم مجرد مقابلة وتفاعل ذهني فكروي بين المتلقي والنص، وذلك اختزال كبير لها يهمل عناصر فاعلة أخرى لا يمكن الاستغناء عنهما كالنشاط السيميولوجي للنص وسياق الموقف الذي جاء شائها عندهما.
    كما نلاحظ تداخلا كبيرا بين أدوات الاتساق عند "هاليدي" ورقيه حسن ومظاهر الانسجام عند "فانديجك" ومبادئ عمليات الانسجام عن "براون" و "يول". هذا إضافة إلى التداخل بين عمليات الانسجام عندهما كما بين المدونات والسيناريوهات، وبين الاستدلال كرابط مفقود وبين الاستدلال كملأ الفراغ.

    9. ميشل فوكو:

    يعتبر "ميشيل فوكو" من أبرز محللي الخطاب، من خارج اللسانيات، الذين يتخذون السياق الخارجي (خارج النص) مدخلا لدراسة الخطاب. وقد اشتهر "فوكو" بمعارضته لفكرة التعالي والنرجسية التي طبعت الفلسفة الإنسانية والعلم والعقل ومؤسسات الثقافة الأوروبية ممثلة في سيطرة المدلول (المعنى)، والذات الأحادية، وهو ما يمكن اختزاله في فكرتي "الحضور" و "المركزية". و "فوكو" يتفق بذلك مع "دريدا" في أنه لا موضوع في الحياة له معنى ثابت( ).

    ومن أبرز ما يميز تحليلات "فوكو" للخطاب المنهج الذي اشتق لنفسه وهو ما وصفه بـ "اركيولوجيا المعرفة" بمعنى أنه دراسة آثارية، تتسم بأنها ليست أفقية ولا تاريخية إذ تقتطف نصوصا من كتب مختلفة الفترات، دونما اهتمام بسير مؤلفيها لتعرف "الأنماط الخطابية" التي تشترك فيها كل النصوص العائدة لعصر أو حقبة من الزمن (واحدة). ولسنا بحاجة هنا إلى التذكير بأهمية السياق في تحليل الخطاب كما أكدت هذه الدراسة أكثر من مرة ولكننا نشير إلى أن قياس الخطاب الذي هو أقرب ما يكون إلى الكائن الحي النشط (قابلية التفاعل أثناء التلقي….) بالآثار المادية (كالصخور) أمر فيه شئ بل كثير من عدم الدقة والاتساق في الوصف والقياس …

    ويدعم ذلك انصراف "فوكو" إلى أن الخطاب شأنه شأن الرغبة والقوة يتكشف "في كل مجتمع ضمن سياق الضوابط الخارجية التي تظهر على هيئة "قواعد استبعاد" قواعد تقرر ما يمكن أن يقال وما لا يمكن أن يقال، من له حق الكلام في موضوع ما"( ) وهذه أمور تربط بالسياق أكثر من النص كما تبرز البعد الإنساني الاتصالي الذي يجعل الخطاب يختلف عن الآثار سواء في تشكيلاته …. أو في بيئة نشأته وظروفها. وحسبك كذلك أن الخطاب (وهو تاريخ الممارسة الخطابية المتقطعة) دون أن يكون نصا كونيا عاما) هو نشاط إنساني مركزي( ) لديه.

    والأغرب من ذلك وقوع "فوكو" في التناقض الكبير المنبثق من فصله النصوص - العينات التي اختارها لتحليلها - عن سياقاتها والدعوة في ذات الوقت إلى ربط النص بالخارج بنصوص أخرى، وبالقوة وبالمجتمع على عكس "دريدا" Il N'y a Pas d’ors texte في حين يتفق معه (منتلمذين ل " نيتشن") في مفهوم( ) "التعمية" و "اللااشارية" التي يتصف بها النص (كنشاط سيميولوجي قائم على التأجيل الدلالي وسباحة الدال). بشكل يمكن أن يقال عنه إنه بعث حداثي للفلسفة السفسطائية التي عرفنا عن "جورج ياس" اليوناني القديم.

    وكما ناضل "دريدا" ضد فكرة الإعلاء من شأن الدال على حساب المدلول لدى الغرب حاول "فوكو" إظهار العكس تماما – على الأقل في العصر الحديث عصر النهضة الأوروبية – منصرفا إلى أن الكتابة ليست ممارسة شخصية لإرادة كتابية حرة، بل هي إعداد لنسيج معقد جدا من القوة التى توجد، خارج الدلالة ولا يجب أن تختزل فيها( ) دون أن يمنعها ذلك أن تكون محايثة للخطاب( )، فى المجتمع( )، ذلك النسيج هو الخطاب الذي يتخفى وراء الكتابة( ).

    وبذلك يكون الدال عند "فوكو" عملية رغبة لا تمثيلا لرغبة ومثل لذلك بالسجن لمبنى عمرانيا) بمعنى أن النص "عملية تدل على رغبة تاريخية فعالة في أن تكون حاضرة، توقٍ شديد إلى أن تكون نصا إلى أن تكون موقفا متخذا( )، أي نقدا وخروجا على سيطرة الثقافة وبالتالي تحريرا من قيود الإدارات والأنظمة والتقاليد وهو ما يعني أن للنصوص إذن فعالية تاريخية سياسية في نظره. وهي بتلك الخصوصية الكتابية قادرة على نفي نفسها بوضعها تحت إمرة الدال( ).

    10- ادوارد سعيد (6 ) :

    آمن الفلسطيني ادوارد سعيد الذي عكف على تفنيد كتابات المستشرقين أو قراءاتهم للمجتمعات الشرقية واتهامها بالكسل والخداع واللاعقلانية، آمن بأفكار "ميشيل فوكو" مع التميز بمعارضته في بعض الأمور، من ذلك تصوره أن الخطاب سبب ونتيجة في ذات الحين، بمعنى أنه فعالية ونتيجة تفاعل، وهو لا يستخدم القوة بل يستشير المعارضة، نظرا لارتباطه (الخطاب) بالصراعات الاجتماعية والسياسية الفعلية، الأمر الذي يستلزم جعل قراءة الخطاب من داخل "أرشيف" دائما، من داخل الواقع الذي يعني عند ادوارد سعيد بنية النشاط والحضور التاريخي للنص الذي يحدث على نحو متزامن مع الخطاب نفسه.

    ويرى ادوارد سعيد أن مغالاة النقد في "لا محدودية" التفسير تقطع صلة النص بالواقع وأن أي محاولة لفصل النص عن الواقع محكوم عليها بالفشل، وأن الواقع، اللانصي، الحضور يبقى دائما بمثابة تحد لما بعد البنيوية وهو محق في ذلك إلى حد بعيد.

    بعيد.

    11- النقد النسائي Feminist Criticism :

    ومن أشهر رائدات ورواده هذا النقد "سيمون ديوفوار" “Simondebeauvoir و "كيت ميللت Kate millett" و "آلن شوالتر Alaine Showalter" و "بربرا كودارد Barbara Godard" و "لوس إيريكراي Luce Irigray" و "جاك لاكان Jacque Lacan"( ).

    ويوصف النقد النسائي للخطاب بأنه نقد اجتماعي أيديولوجي سياسي أخلاقي، قائم على مفهوم الخطاب "الذكوري أو المذكر" الذي تفرضه المؤسسات التربوية والاجتماعية …. والدينية والاقتصادية والسياسية … وهو خطاب ذكوري في نظر رواد هذا النقد – يتضمن تفوق الرجل Superemacy وسيادة القيم الرجالية وسيطرة الرجل، الأيديولوجية المشرعة من طرف القساوسة والكتاب والعلماء. وهو ما قاومته "سيمون دي بوفوار" في كتابها "الجنس الثاني" 1949، الذي تعلن فيه عن المرأة بعبارتها ("أنا امرأة" ولا يوجد رجل بفعل ذلك). كما حاولت "كيت ميللت التعبير عن مشاعر الظلم الرجالي محاولة تعميق الوعي السياسي لدى المرأة وذلك في كتابها "السياسات الجنسية" 1971( ).

    وتتلخص مهمة النقد النسائي في السعي إلى تطوير خطاب أنوثي يحقق المساواة أو الاستقلال عن الخطاب الذكوري المهيمن، وإلى محاربة مساواة "المؤنث" باللاعقلاني في الثقافة الغربية، وإلى البحث عن سبيل للتخلص من سلطة تقليد الرجل إبداعيا وتفسيريا والبحث عن لغة جديدة وقراءة جديدة تساهم في إكمال فكرهن وإنضاج تجربتهن والتعبير عن معاناتهن ورؤيتهن كما تضمنته دعوة "إلين شوالتر"( ).

    وللنقد النسائي أهمية كبرى في تغطية البعد الاتنوغرافي بالمعنى الاجتماعي (السوسيولوجي) لا اللساني النصي أو الاتنولوجي اللغوي، بالنسبة لهذه الدراسة التي تسعى إلى إضاءة علاقات التأثير والتأثر المتبادلة بين الخطاب ومجتمعة وعلى طبيعة المتلقي وجنسه … ومن هنا فإنها تفيد بشكل ملحوظ من النقد النسائي الذي هو اجتماعي ونفسي وسياسي...

    وهكذا نخلص من هذا الفصل إلى حقيقة شدة التنوع والتداخل المنهجي الملحوظ بين المناهج التي باشرت الخطابات بالتحليل، لسانية كانت أم خارج لسانية، غربية أم عربية، وقد مر بنا الحديث عن الجابري في الباب الأول من الدراسة فلم نستلطف تكرار تناوله هنا.

  7. #17
    مراقب المشهد الإعلامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    3,095
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي

    ثانيا: الإطار الإجرائي للدراسة :

    وهكذا تستخلص هذه الدراسة من كل ما تم تقديمه إطارا إجرائيا يرتكز على أساسين، يتمثل أولهما في اعتماد المشترك بين الخلفيات المعرفية والفلسفية واللسانية، النظرية والمنهجية، بينما يتمثل الثاني في حضور كل منها بقدر، دونما إهمال لأي منها إهمالا كليا.

    وتعتمد الدراسة وحدة تحليلية هي النص في مقابل الفقرة أو الجملة في الدراسات اللسانية … أو هي الكلمة في مقابل الفئة والفكرة في الأدبيات والمقولات السياسية.

    وفي حين تنظر الدراسة إلى كل ما قدمت من تصور لتحليل الخطاب السياسي نظريا ومنهجيا وإلى ما ستقدمه من تصورات للخطاب السياسي الموريتاني، تنظر إليه على اعتبار أنه يتضمن التعريفات الاسمية لموضوعات الدراسة، فإنها تتحاشى في ذات الحين تقديم التعريفات الإجرائية التي يلزمها أن تحول إلى مؤشرات تتسم بالكفاية والصدق والثبات، تسعى الدرالسة إلى تأكيد صحتها أو خطئها( ) الأمر الذي ينطلق منه أي محلل سياسي للخطاب السياسي، إذ يتخذ من خارج الخطابات مدخلا لتحليله على عكس مدخلنا (اللساني) الذي هو النص ذاته، وهو المدخل الذي يعتبر أي مؤشرات أو أفكار سابقة على لحظة ولوج عالم النص بالتحليل، من قبل الحكم المسبق.

    وبينما يأتي المحلل السياسي بالفروض والمؤثرات من خارج النص يحاول المحلل اللساني استخلاصها من النص والإجابة عنها في صورة نتائج للتحليل، تلك مرحلة إصدار الأحكام المؤسسة على ما أمد به النص من مؤشرات وفروض وإمكانيات تساؤل، ومن مرتكزات وآليات ووسائل تمكن من بناء علاقات تلك المؤشرات والفروض، وقياسها، والإجابة عن تساؤلاتها والتأكد من كفايتها، وصدقها، وثباتها سواء على المستوى الكمي أم على المستوى الكيفي – بغية استخلاص الإشكاليات والطرائق والآليات التي تحكم تحليل الخطاب السياسي والخطاب السياسي الموريتاني على وجه الخصوص.

    وكل تلك الجهود إنما تبذل سعيا وراء إمكانية استخلاص نصانية (أو خطابية) للخطاب السياسي والخطاب السياسي الموريتاني، تمكن من معرفة الأيديولوجيا والنظام والفاعلين والتفاعلات والفكر والسلوك السياسي الموريتاني (عينة للخطاب السياسي)، أو تساهم في ذلك، كما تمكن من تقديم إطار إجرائي (تفكير وأدوات منهجية) لتحليل الخطاب السياسي.

    هذا الإطار الإجرائي أو المنهج التحليلي (اتنوغرافيا – الاتصال)، أو علم النص، أو تحليل الخطاب) هو زبدة ما توصلت إليه الدراسات اللسانية متعاونة مع الدراسات النفسية والإجتماعية والفلسفية والمعرفية المختلفة … ومفيدة منها، خالصة إلى منهج تحليلي يتأسس على الاجابة عن الأسئلة: من قائل أو كاتب الخطاب؟ متى قيل أو كتب الخطاب ؟ أين قيل أو كتب الخطاب ؟ ماذا حوى الخطاب ؟ لماذا قيل أو كتب الخطاب ؟ كيف قيل أو كتب الخطاب؟ لمن قيل أو كتب الخطاب؟ وتتم الإجابة عن هذه الأسئلة على مستويات ثلاثة نوردها على النحو التالي :

    I- المستوى الشكلي: ويتضمن الإجابة عن السؤال كيف كتب أو قيل الخطاب؟ كيف كانت اللغة (الخطاب) وسيطا ينهض بدور وظيفي اتصالي متميز يساهم في إتمام عملية الاتصال.

    وفي تحليل هذا المستوى تتم متابعة الوقائع اللغوية وتناولها بالدرس طبيعة وصياغة …. ويتضمن هذا المستوى النقاط التالية :
    أ‌- العنوان والشكل الهندسي (كما في الخطاب المكتوب)
    ب‌- المستوى الصوتي والتمثيلي:
    ويتناول هذا المستوى الخصوصية الشفاهية والكتابية الصوتية والسمعية والبصرية والإشارية والتمثيلية والخصوصية الرمزية (حرق أعلام الدولة المحتج عليها أو الشخصيات….)
    ونظرا إلى أن الباحث لم يحصل على الخطب مسجلة من الجهات المعنية فإن عدم تغطية الدراسة لهذا البعد تبقى ثغرة كبيرة في البحث، لأهمية هذا البعد التمثيلي الصوتي (التنغيمي مثلا) الكبير وأصالتها في خصوصية الخطاب.
    ج- المستوى الصرفي :
    - ونتناول هنا عدد الأفعال والأسماء وأسماء الفاعل وأسماء المفعول وعدد أفعل التفضيل وصيغ المبالغات والصيغة "تفاعل" ودلالة ذلك.
    - ونتناول كذلك هنا زمن الأفعال ودلالته بالنسبة للخطاب السياسي وكذلك تكرارات الضمائر.
    د- المستوى التركيبي : وفيه
    1. الجمل 2. الروابط النحوية والمعنوية التى تخلق انسجام النص ومن هذه الروابط
    * نحوية : ومنها
    - الاستبدال: علاقة داخل نصية، نحوية، قبلية في الغالب يتم فيها تعويض عنصر في النص بعنصر آخر فيه
    - الحذف: علاقة داخل نصية قبلية في الغالب لا تترك أثرا على عكس الاستبدال، ليتمكن القارئ من ملء الفراغ.
    - الوصل: الطريقة التي يترابط بها السابق باللاحق وهو إما محدد إضافي أو سببي أو عكسي أو زمني.
    * معنوية ومنها:
    الإحالة: ولابد فيها من العودة إلى العناصر المحيلة لمعرفة ما تحيل إليه ومن العناصر التي تمتلك خاصية الإحالة " الضمائر ، وأسماء الإشارة، وأدوات المقارنة ".

    والروابط النحوية والمعنوية كثيرة غير هذه يدخل في عدادها ما ذكرنا عن "فانديجك" من مظاهر انسجام ومال "يول وبراون" من عمليات انسجام التي هي في الواقع رابط معنوية.
    وكما تحتاج الجملة الواحدة نمطا من العلاقات داخل عناصرها يساعد على تحليلها ودراستها تحتاج الجمل إلى ترابطات تظهر حاجة الجملة إلى سابقتها أو لاحقتها في اكتمال خصائصها. والقيام بوظائفها تماما كما تحتاج الجمل إلى البعد الدلالي والمقامي لدراسة وتحليل النحو الكلي للنص.
    ولا يفوت هذه الدراسة أن البحث في انسجام النص، على مستوى الاتساق الداخل نصي يبدو غير ذي أهمية كبرى.

    بالنسبة لدراسة الخطاب السياسي ما دام الخطاب سليما وواضحا على المستوى اللغوي وقابلا لإتمام عملية التواصل. خصوصا وأن تحليل الخطاب السياسي إنما ينصرف بالدرجة الأولى إلى معرفة الفكر والايديولوجيا والسلوك السياسي عبر وساطة اللغة ……
    هـ – الصياغة : وعناصرها
    1- الترتيب
    -على مستوى الجمل (توليف)
    - على مستوى الأجزاء (تنسيق)
    - على مستوى الخطاب (ترتيب)
    * ترتيب الأجزاء:
    - الاستهلال: استمالة (استدعاء أحاسيس، تحريك مشاعر ….. )، اختيار، إبلاغ، إقناع.
    - سرد: سرد الأحداث والموضوعات والأوصاف (الدعوة إلى الأحداث والتدليل).
    - الاثبات: عرض الحجم (ابتكار القضية لهدف المجادلة) مع البدأ بالقوية فالضعيفة فالأكثر قوة.
    - الخاتمة: استدعاء الأحاسيس، الاستخلاص الإقناع.
    ونشير هنا إلى أن الخطاب قد لا يلتزم بذلك وكذلك الدراسة التي تقوم بها حيث يمكنها أن تركز على عنصر دون آخر أو نتناوله في مجال آخر (كالادلة التي سنتناولها في المستوى التداولي مثلا).
    2- الوسائل: ومنها
    - الوسائل اللغوية: الوضوح، الدقة، السلامة، الصور، الاساليب، الوجوه اللغوية، الزخارف.
    - الوسائل الاقناعية : الحجج (الوسائل الفكرية)
    - الوسائل التمثيلية:
    - الوسائل العاطفية: تحريك مشاعر ….
    - وسيلة صيغة الخطاب وهي (وسائل الإعلام السمعية، والبصرية، قناة النطق: كالخطب والحوارات، قناة الكتابة: كالرسائل الشخصية والمقالات والإعلانات والخطاب المكتوب …. ، القناة الرمزية ….
    3- الأسلوب :
    - الأسلوب الخبري: (ابتدائيا، وطلبيا، وانكاريا)
    - الأسلوب الانشائي.
    - امر (ترغيب، تهديد، إلزام، طلب، دعوة)
    - تهديد
    - نهي (ترغيب، ترهيب)
    - تمني، استفهام أمر ترددي، إنكارى، توكيدي)
    وهناك أساليب أخرى يمكن تصنيفها في الاثنين منها التأكيد والتقرير والإضمار والإشادة والفخر والمدح والذم وهي أكثر ورودا في الأسلوب الخبري.
    ولسيطرة أسلوب ما (اختيار لغوي ما) دلالة أكيدة وهامة بالنسبة لتحليل الخطاب.

    II- المستوى الدلالي :

    ويحاول هذا المستوى الإجابة عن السؤال ما إذا حوى الخطاب؟ وفي هذا المستوى نقوم باستخلاص البنى الدلالية الكبرى والبنى الصغرى والكشف عن طبيعتها وترتيبها (أهميتها) وكثافتها ومكانها الموقعي من الشكل الهندسي للورقة.

    كما سنقوم في هذا المستوى بالبحث عن البنية الدلالية الكلية التي ربما تكون لها علاقة كبيرة بالعنوان الذي يركز أحيانا موضوع الخطاب رغم أن الخطاب السياسي يتميز بالتداخل النصي Hybrid ففيه تظهر موضوعات اقتصادية وأخلاقية ….

    وتنظر الدراسة إلى البنيات الدلالية على اعتبار أنها مؤشرات (التيمات هنا) تتساوق وتتعالق لتجيب عن أسئلة بحثية وتقدم نتائج تساهم في بناء الفروض التي تؤكدها الدراسة التحليلية لا فروض توضع قبل التحليل ثم يبحث عن مدى صحتها بعد ذلك أثناء عملية التحليل.

    وستحاول الدراسة كذلك اختيار المفردات الأساسية للحقول الدلالية المسيطرة (البنى الدلالية الكبرى) والبحث عن العلاقات التي تربط تلك المفاهيم وتحليلها، ذلك أن النص هو الذي يملي عليها البنى الدلالية، فهي ليست موجودة " من قبل لدى المحلل ". وهي تمتاز بأنها تشكل وحدة كلية منسجمة مترابطة لا انفصام بينها. وربما كان للعنوان دور في تركيزها والكشف عنها.

    ولأن مفردات الخطاب ذات مضمون أيديولوجي فان علينا أن نبحث عن أيديولوجية الخطاب من خلال علاقاتها نصيا ومقاميا.

    ومن جهة أخرى يعمد الخطاب إلى تغييب موضوعات معينة وإلى إحضار أخرى، بشكل واع موزون بغية تحقيق غرض اتصالي صريح وآخر ضمني هو غاية الخطاب السياسي لأن الخطاب السياسي – كما مر بنا – غامض دائما ومضلل.

    وكما أن الموضوعات والمفاهيم …. قد يتكرر ورودها داخل الخطاب الواحد فإن الخطاب قد يتناص (جينيولوجيا اللغة) مع خطابات أخرى لنفس الخطيب كما قد يتناص مع خطابات وثقافة غيره( ).
    وقد ركزت بعض تحليلات الخطاب على تحليل المضمون (منهج تحليل المضمون) مفتشه عن تجسيد الفكرة العامة (بعث الدولة مثلا عند "ديجول" )، وعن تحديد هوية الرئيس والهدف النهائي للخطية. ويقوم هذا المنهج بنشاطة التحليلي من خلال الأساليب: منهج تحليل المنطوق، منهج تحليل القوى الفاعلة، منهج تحليل حقول الدلالة. وستفيد الدراسة منه كثيرا أو تتقاطع معه في كثير.

    III- المستوى التداولي (البرجماتي) :

    ويحاول هذا المستوى الإجابة عن الأسئلة من قائل أو كاتب الخطاب ؟ لمن كتب أو قيل الخطاب؟ ومتى وأين؟ وكيف قيل أو كتب الخطاب؟ (في علاقته مع الباث والمتلقي) ولماذا قيل أو كتب الخطاب؟ (الغرض الاتصالي) وذلك على النحو التالي:

    أ- الباث (الخطيب)
    لأن الخطاب يعبر عن ذات الخطيب وهو تجل لها في لحظة تاريخية معينة، وليس بشكل مطلق، كما يرى "فوكو"( ) وهو المكان الذي يتكون فيه فاعله كما يرى د. صلاح فضل( ).
    وفي هذا السياق يتناول التحليل الباث من حيث عدده، نوعه، طبقته، ثقافته، عمره، تاريخه، انتماءاته الأيديولوجية الفكرية والدينية …..، فكره، نوازعه النفسية، نسقه العقيدي، مدى احترامه للمتلقى، مدى إقناعيته، وأخيرا من حيث ما إذا كان وفق في إقناع متلقيه أم لا وهو أمر لا نملك اتخاذ موقف منه …. إلا على مستوى الباحث (كمتلقي).

    ب- المتلقي :
    وستحاول تحليلات هذه الدراسة أن تكشف أنواع المتلقين الذين يتصورهم الخطاب من حيث العدد والنوع والجنس والطبقة والثقافة والعمر والدور والإنتماءات الحزبية والأيديولوجية (للمتلقي الفرد والرأي العام) والهوية الشخصية ومن النفسية التي للمتلقي المتصور، والطموحات والرغبات التي يتعامل معها الباث لديه، وطبيعة تعامل الباث مع كل تلك(ومع ذهن المتلقي) الخصوصيات ومن حيث اهتمام الباث بالمتلقي كذا، وطبيعة مراوغته ومحاولته التحايل عليه (طبيعة الخطاب السياسي) من خلال الاحضار والتغيب ولفت الانتباه (السلطة التي يمارسها نص المرسل على نص المتلقي).
    كما سنحاول كشف الموقف السياسي للمتلقي الذي يستهدف المرسل التعامل معه معارضا كان أم مؤيدا. وغالبا ما يكون رد فعل المعارضة، من هذه الزاوية كمتلق الكشف عن أيديولوجيا أنظمة الحكم خطاب ونقاط ضعفها وتوظيفها من خلال خطاب المعارضة للرأي العام.

    كما ستحاول الدراسة البحث عن ما إذا كان هناك محظورات "تابو" يلف الخطاب من حوله أو يخلو منه ويتحاشاه ليكتسب متلقيه ….
    ونشير هنا إلى أن الباحث هو المتلقي الحقيقي في نفس الحين الذي هو فيه أحد المتلقين المتصورين، لأنه مواطن موريتاني وهو الوحيد المتاح هنا من المتلقين الحقيقيين وردود أفعالهم ومن هنا فإن الباحث لايدعي الموضوعية والالتزام بمعناه المطلق التقليدي، وإنما ينظر إلى قراءته وتأويله وتحليله للخطابات المدروسة (المدونة) باعتبارها تفاعلا لما له من خلفيات ومعارف (رصيده المعرفي، نص القارئ) وباعتبارها مجرد رأي شخصي قابل للحوار والمناقشة، والباحث هنا يتخذ موقفا أيديولوجيا من الخطابات بعد كل تحليل من خلال ما يمكن تسميته "أدلجة الخطاب".

    ج- السياق
    أ- السياق الاجتماعي (مجتمع الخطاب)
    ونتناول هنا المجتمع من حيث طبيعته (بناة العرقية والثقافية والسياسية والاقتصادية ….) ومن حيث مشاكله ومطالبه، وطموحاته ورغباته، وتشريعاته وتقاليده، ومن حيث ما يسمح بتحوله وما لا يسمح بقوله، ومن حيث مدى الالتزام والطاعة لديه (للدولة أو الحكومة، أو للقبيلة والجهة) ومن حيث انتماءاته وتاريخه ومستوى تحضره (مدنيته) ومن حيث القيم السياسية لديه (النظام الحاكم، النظام السياسي، الفكر والسلوك والفاعلين السياسيين، المرجعية القانونية التفاعلات السياسية، طبيعة النظام أشمولي أم دكتاتوري أم ديمقراطي ؟ والرأي العام (تهميشه وتقزيمه، احترامه ومشاركته أو إشراكه).

    كما ستحاول الدراسة تأكيد ما إذا كان المواطن، المتلقي المتصور في الخطاب، يعكس صورة مجتمعة بما له من خصائص أم لا، ذلك أن الخطاب السياسي يكشف عن مجتمعه كما يكشف عن خطيبه (المرسل).

    وتحاول الدراسة من جهة أخرى (أتنوغرافية خالصة) إدراك أساليب أو خصائص لغوية (عادات اتصالية) تجعل من الخطاب السياسي الموريتاني خصوصية لغوية (خطابية) للمتخاطبين السياسيين الموريتانيين. ومن جهة أخرى سنحاول اكتشاف ما يجعل من الخطاب السياسي الموريتاني لا يصلح لأن يوجه إلى مجتمع غير الموريتاني أو إمكانية ذلك (كأن تكون هناك مجتمعات أخرى عربية أو غير عربية تمتلك خصائص تقترب من خصائص المجتمع الموريتاني فيصلح أن يوجه إليها مع شىء من التغيير حتما). وذلك ما يسمح بإظهار علاقات التأثير والتأثر بين الخطاب السياسي الموريتاني ومجتمعه. واستخلاص خصائص ثابتة للخطاب السياسي الموريتاني من حيث الخصوصية الاجتماعية الاتنوغرافية.
    2- السياق المكاني
    3- السياق الزماني

  8. #18
    مراقب المشهد الإعلامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    3,095
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي

    د- الوسائل الإقناعية: الأدلة والبراهين وصيغها

    أولا- الأدلة وتنقسم إلى:
    1- الأدلة الداخل نصية: وهى
    1. التوكيد: تقديم حقائق غير قابلة للتنفيذ أو النقاش أو التشكيك (خصائص فكرة ما …)
    2. القياس الاضماري: وهو قياس منطقي ناقص / غالب التوظيف لدى الخطباء، يستخلص من الواقع، ويترك فيه الفرصة للمتلقي لاكماله.
    3. الأمثلة : وتأتى جودتها من حسن إدراك التشابهات وهي: أنوع:
    - دينية
    - خيالية
    - تاريخية اجتماعية
    - اسطورية: كاختراع بشري لا خيال خرافي
    4- النصائح والإرشادات 5- استدلالات أخرى

    ثانيا: الأدلة الخارج نصية وهي:1.
    1. البرهان المنطقي: وهو مؤسس على الاستنباط وطرح القضايا ونقائضها فالاستنتاج.
    2. شهادة الجمهور، والشائعات.
    3. الواقع لدى المتلقي بما له من خلفية معرفية وأطر وسيناريوهات وتوقعات وقدرة على التفاعل مع الخطاب وهو ما يمكن تلخيصه في:
    - الحقيقى
    - المحتمل
    - المضمر الثقافي

    هـ- الغرض الاتصالي
    ويبدأ الخطاب في الكشف عن غرضه بتقديم الأطروحة (سؤال مجرد يتضمن أحداثا، أوصافا، ظروفا، أشخاصا، موضوعات) ثم يتتالى تطور الموضوعات وسلسلة الاستدلالات بغية تحقيق الغرض الاتصالي الذي غالبا ما يكون:
    - إقناعا - إرشادا - إقتراحا - إخبارا - تهنئة
    - تربية - توبيخا - توكيدا.

    وقد لخص "شيشرون" هذه الأغراض في: التربية Instruire والإرضاء Plaire وتحريك المشاعر Emouvoire وذلك من خلال الإيضاح والإرضاء وتحريك المشاعر والإغراء.
    ويمكن تقسيم الغرض الاتصالي إلى صنفين :

    1. الغرض الصريح: المحتوى الظاهر Le contenu manifeste وغالبا يكون الغرض الاتصالي الصريح في الخطاب السياسي إدعاء حماية مصالح الأمة وخدمتها وتوفير الأمن والديمقراطية والتنمية وتوكيد السيادة والدفاع عن الحوزة والكرامة وصيانة المقدسات والتراث والهوية والشخصية القومية والإقليمية والحضارية، والمصداقية ….

    2. الغرض الاتصالي الضمني: المحتوى الكامن Le contenu latent وهو ما يمكن تصور أنه أمران هما:
    1. السمعة: فالخطيب يسعى في قرارة نفسه إلى ضمان تحقيق أكبر قدر من السمعة أو الشهرة، وإلى أن يتضمن راحة البال والشعور بالعظمة والسعادة والتفوق والكرامة والشرف والرفعة والرضى، وتحقيق المثل الأعلى؛ أو الشخصية البنيوية في المجتمع الأكثر قوة وقدرة على الاستمرار في السلطة والتمسك بها والأكثر حقا فيها.

    ولإكتساب الشرعية لدى الجمهور (الرأي العام الداخلي والخارجي) ولإشباع حاجات الأنا وتحقيقها بما لها من غرائز ومن هنا يتهدد المرء التسلط وسوء استغلال النفوذ …

    2. المعيشة: كما أن الخطيب يسعى من باب أولى بشكل أو بآخر إلى ضمان حياته واستقرارها، وذلك ما يكون من خلال مستوى معيشي معين (دخل ، عقار ….) يكون لائقا وضامنا للصحة ولإمكانية تحقيق الرغبات النفسية والجسدية وفي هذا الصدد يكون المرء مهددا بالشذوذ والإفراط المهلك ….
    هذا المحتوى الكامن هو اللاوعي المضلل الذي يطفو على وجه الخطاب السياسي ويتجلى فيجسده اللغوي بحيث يتكشف من خلال التأويل والتحليل النفسي في تقدير أصحاب الاتجاه النفسي( ) ومن هنا يكون الخطاب السياسي هو وعي اللاوعي المضلل ذلك.

    هذا ونشير إلى أن اعتبار المحتوى الكامن يعبر عن نرجسية مطلقة وبراجمانية (نفعية، ماكيا قبلية، تمصلح) سافرة أم يحتاج إلى شئ من التروي والاستدراك والتقييد خصوصا إذا ما نظرنا إلى الخطاب كفكر وسلوك من منظور ديني (كمفهوم نية مرضاة الله …) أو وطني تحرري … إذ قد يمارس الإنسان سلوكا (كالتضحية ….) .

    وفكرا لا يمكن اعتباره لغرض شخصي (نرجسية ….) في أغلب الأحيان، دون أن ينفي ذلك غلبة تلك والأنانية والنوازع الفردية ….

  9. #19
    مراقب المشهد الإعلامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    3,095
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي


    الباب الثالث
    تحليل الخطاب السياسي الموريتاني


    وتحاول الدراسة في هذا الباب أن تقوم بتغطية ما يشير إليه العنوان الفرعي لهذا البحث: "دراسة اتنوغرافية – اتصالية في الخطاب السياسي الموريتاني" الذي يمثل الجانب التطبيقي للعمل، وتتعامل الدراسة التحليلية مع الخطاب السياسي الموريتاني هنا باعتباره عينة تحقق في أغلب جوانبها أبرز خصائص الخطاب السياسي في عمومه، كما يمثل تحليل الخطاب السياسي الموريتاني عينة أو نموذجا لتحليل الخطاب السياسي، عنوان الدراسة.

    وتتعامل الدراسة مع الخطاب السياسي الموريتاني في هذا الجزء منها باعتباره نصا لغويا (ممارسة خطابية) يحقق ذات الخصوصيات التي ذكرت للغة في جزء التأصيل اللساني موضوع الدراسة، ويثير من جهة أخرى تلك الإشكاليات النظرية والمنهجية التي سبقت في متن الدراسة، وذلك ما تمكن ملاحظته من خلال المنهج المقترح لمقاربة الخطاب السياسي (الموريتاني هنا) بعد الخلوص من العمل التحليلي وفقا لآلياته وأدواته الإجراءية.

    والتزاما بضرورات المنهج المقترح نقدم هنا توصيفا لبيئة الخطاب السياسي الموريتاني الاجتماعية والاقتصادية والأيكولوجية والحضارية والثقافية …. وللحياة السياسية في موريتانيا والخطاب السياسي الموريتاني في عمومه (البيئة الخطابية).

    أما في الفصل الثاني من هذا الباب فتكمل الدراسة الجوانب المتبقية من متطلبات المنهج المعتمد، ثم تستعرض النتائج التي توصلت إليها والتوصيات المؤسسة عليها وذلك على النحو الذي يلى:

    I- الفصل الأول : بيئة الخطاب السياسي الموريتاني :

    وتكتفي الدراسة في توصيفها للبيئة الخارجية للخطاب السياسي الموريتاني بالإشارة إلى أنها هي ذاتها بيئةالدول النامية أو العالم الثالث في القرن العشرين بيئة ظهور الاستعمار وحركات التحرر والتطور العلمي والتكنولوجي، والحروب العالمية، والصراع بين الرأسمالية والاشتراكية، وانحسار ذلك الصراع، واستقلال الدول (بحدودها السياسية ….) وهزيمة العرب وضعف المسلمين، وفقر افريقيا وتخلفها وهزيمة الاشتراكية الشيوعية، وانتشار رياح التغيير الغربية الرأسمالية والدعوة إلى العولمة والحوار والاعتماد المتبادل والاقتصاد الحر، والتسامح والسلام، ونبذ الصراع والتعصب والعنف، وتلويث البيئة والسباق نحو التسلح والتفجيرات النووية وخرق الشرعية الدولية في الوقت نفسه.

    I- بيئة الخطاب السياسي الموريتاني (المحلية) :

    أ‌- تقديم موجز عن موريتانيا :

    تبدو الحاجة ماسة إلى تقديم معلومات عامة عن موريتانيا من حيث هي الإطار المكاني والزماني والبشري … للخطاب السياسي الذي نحن بصدد مقاربته، كما تتشكل لدى القارئ خلفية عن الخطاب والحياة السياسية في موريتانيا، وسياق الخطاب والطبيعة التكوينية للخطيب والمخاطب ولإشراكه في عملية فهم الخطاب السياسي المعي بالدراسة وقراءته وتحليله.

    عرفت موريتانيا عبر تاريخها تسميات مختلفة، لعل أشهرها "شنقيط ‎" التي ارتبطت بعهود التنوير الثقافي والإشعاع الديني للبلاد. غير أن الاسم الرسمي الذي عرفت به بلاد شنقيط هو "الجمهورية الإسلامية الموريتانية" أو "موريتانيا" ولهذا الاسم أهمية كبرى في إسداء الشفرة اللغوية الأولى التي تقود إلى معرفة الطابع العام للخطاب والحياة السياسية في موريتانيا.

    ويمكن أن نستخلص ذلك بتتبع دواعي التسمية حيث أن اختيار اللفظية "الجمهورية" بدل المملكة مثلا ينسجم مع الروح البدوية التي كانت تسود أغلبية المجتمع الموريتاني المشتة في أنحاء موريتانيا وصحاريها الواسعة وتضاريسها المتنوعة، لذلك كانت بدأت الحياة السياسية الموريتانية بالنظام البرلماني والتعددية الحزبية.

    أما اختيار عبارة "الإسلامية" فلم يكن عبثا حيث أن المجتمع الموريتاني يعيش تنوعا إثنيا Ethnique سبب قلاقل للبلاد، بعد استقلالها، استطاعت التغلب عليها ضمن العلاقات التاريخية القوية بين فئات شعبها، ولأن المجتمع الموريتاني يتكون من إثنيات عربية وبربرية وإفريقية موحدة تحت مظلة الإسلام، أرادت البلاد تحاشي إثارة الحساسيات فعمدت إلى اختيار عبارة "الإسلامية" كقاسم مشترك وعنصر وحدة للمجتمع.

    أما العبارة "موريتانيا" فقد أطلقتها فرنسا على البلاد عندما حكمتها، وهذه العبارة "مركب من كلمتي (موروس) الأسبانية (ثانيا) اللاتينيين ومعناهما بلاد السمر (اللون القمحي هنا) أو بلاد العرب كمرادف "لتراب البيضان" التي اعتمدها المستعمر في تقاريره ووثائقه.

    وكان الرومان قد أطلقوا اسم "موريتانيا على منطقة مغربية – جزائرية كانوا يحكمونها مقسمة إلى ثلاث مقاطعات.
    - موريتانيا القيصرية
    - موريتانيا استيفانية (الثنتين، ربما تعينان ما عرف بموريتانيا القرطاجية)
    - موريتانيا الطنجية( ) .

    وشعار موريتانيا هو ( شرف – إخاء – عدالة ) وهو شعار يشي بطبيعة المجتمع العربي (شرف) والإثنية المتنوعة (إخاء) والمرجعية الإسلامية والوطنية والدولية (عدالة).
    واللغة الرسمية في موريتانيا هي اللغة العربية. وهناك لغات وطنية أفريقية (البولارية والسنوكية والولفية).

    وتسمى عملة موريتانيا "الأوقية"، ويتكون علمها الوطني من مربع أخضر اللون يتوسطه هلال متجه إلى الأعلى، فوقه نجمة خماسية وهما ذهبيا اللون. وهذه هي نفسها الألوان والرموز التي ورثت الدول العربية من تاريخ الدولة الإسلامية.

    ويقع الإقليم "موريتانيا" في الشمال الغربي لإفريقيا وفي منطقة الصحراء الكبرى حيث تمتد فلكيا بين دائرتي عرض 30، 24 و24، 27 درجة شمالا، ومعظم الأراضي يقع جنوب مدار السرطان، ويمتد الإقليم بين خطي طول 40، 4، 8، 17 درجة غربا( ).

    وبعد أن كان عدد السكان في 1945 حسب تقدير بعض المصادر الإدارية الفرنسية يصل 500000 نسمة( )، وصل عدد سكان موريتانيا 830، 405، 1 حسب إحصاء 1977م وتوقع الإحصائيون وصول سكان موريتانيا في 1987م العدد 250، 742، 1 نسمة( ).
    ومن أهم ثروات موريتانيا السمك، الحديد، النحاس، الذهب والزراعة
    وتحد موريتانيا من الشرق والجنوب مالي، والجزائر من الشمال والصحراء والمغرب من الغرب والشمال الغربي – والسنغال من الجنوب.

    و يمتاز المجتمع الموريتاني بكونه يعيش في بيئة يغلب عليها طابع الجفاف، الأمر الذي كانت له تأثيرات وانعكاسات واضحة على سلوك وملامح المجتمع وعلى الثقافة المكونة له. كما كانت موريتانيا منطقة تجارية تربط بين افريقيا والبلاد المغربية( ) عبر المدن التاريخية الموريتانية (ولاته، تيشيت، شنقيط ….)

    وفيما يمارس السكان في الجنوب (على ضفة النهر) نشاط الزراعة كما في الشمال على عكس سكان المنطقة الغربية التي تمارس الصيد على الشواطئ الأطلسية، يمارس السكان في الشرق والجنوب الزراعة وتنمية المواشي بالإضافة إلى التجارة التي تمارسها غالبية الموريتانيين في داخل الوطن وخارجه.

    كما عرف الموريتانيون بحفظ وتدريس متون الفقه واللغة والأدب العربيين والقرآن الكريم. وكان الإسلام المرجع الأساسي لوحدتهم وهويتهم الجماعية.

    وقد انصهر في المجتمع الموريتاني الحديث حضارات عربية (بني حسان …. ونسبة العرب 86%) وبربرية (قبائل صنهاجة وأغلب المؤرخين يؤكد أنها قبائل حميرية وقبيلة بافور التي امتزجت بالمجتمع العربي الموريتاني فلم يبق لها أثر يذكر). وافريقية (نسبة الأفارقة الزنوج 14%)( ).
    وقد انتشر الاسلام في صفوف كل هذه القبائل عبر ما يعرف محليا بـ "المحظرة" وهي "جامعة شعبية متنقلة فردية التعليم طوعية الممارسة"( ). كما كانت الطرق الصوفية (تيجانية، وقادرية، وشاذلية) مدرسة تدرس القرآن والفقه المالكي وعلوم اللغة العربية.

    وتقوم أشكال النظام الإجتماعي البيظاني العربي على القرابة الدموية parente وخاصة جهة النسب من الأب، فالمجتمع الموريتاني مجتمع قرابي، يتكون من أسر وعشائر وقبائل، مفتوح.

    و "تتواضع مختلف الدراسات السوسيولوجية عن مجتمع البيظان ]على[ تقسيم هذا المجتمع إلى فئات ثلاث أساسية هى: بني حسان (العرب) والزوايا (من قبائل المرابطين) وفئات الخاضعين والتابعين (لحراطين – لمعلمين – إيفاون – اللحمة) ولا تبتعد المجموعات الافريقية هي الأخرى عن هذا التقسيم الثلاثي"( ).

    وتعني "لحراطين" العبيد وقريبي العهد بالحرية. وللعلم فقد ألغيت العبودية في موريتانيا بقرار صدر 1980، وتعنى "المعلمين" طبقة الصناع التقليديين، وتعني "إيفاون" طبقة الفنانين، وأخيرا "اللحمة أو أزناقة" وهم الغارمون. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التقسيم موروث عن المجتمع التقليدي الموريتاني وهو آخذ في الإمحاء.


    II- الحياة السياسية في موريتانيا :


    لقد عرفت موريتانيا عبر تاريخها السياسي عدة امبراطوريات منها امبراطورية غانا في ق32 "في تكانت والحوض وشمال نهر السينغال"( ). وامبراطورية مالي وهي امبراطورية اسلامية عاشت 500م وسلطانها " شواطئ المحيط الأطلسي " غربا وبعض مناطق الصحراء شمالا( ).
    كما انطلقت من موريتانيا طلائع دولة المرابطين في ق5 هـ، الذين حملوا مشعل الثقافة العربية والإسلامية إلى شمال افريقيا والمغرب العربي الكبير لتحط رحالها في الأندلس (دولة أسبانيا حاليا)( ).

    وقد جاءت بعد دولة المرابطين بقرون، بعد ما أسماه د. جمال ولد الحسن بالكسوف التاريخي أو "الفراغ الوثائقي"( ) حيث تكاد هذه المرحلة تكون مجهولة جهلا تاما، جاءت الهجرات الحسانية في القرن 8هـ ، وسيطرت على البلاد وكان (المغافرة) الحسانيون أقوى المجموعات العربية شوكة وأنفذها سلطانا( ) ومن أشهر الإمارات التي أقامها بنو حسان في موريتانيا إمارة أولاد مبارك، إمارة أولاد رزق ، إمارة ترارزة، إمارة البراكنة، إمارة أهل يحي بن عثمان، كما عرفت موريتانيا إمارتين تعودان في الأصل إلى قبائل صنهاجة وهما إمارتي إدو عيش. مشظوف في الحوض( ) وتمثل تأثير هجرة بني حسان على المجتمع الموريتاني في أمرين:1. إقامة نظام سياسي متميز
    2. تعريب المجتمع الموريتاني وطبعه بطباعهم( )

    و تبع قيام هذه الإمارات في ق11 هـ 17م محاولة ناصر الدين لإقامة دولة ذات طابع ديني، غير أنه فشل في أن يحقق هذا المشروع إثر هزيمته في حرب (شربب في حدود 1045 هـ – 1645 م) , وانتهى هذا الحلم (مشروع الزوايا) بموت ناصر الدين 1085 هـ. وكانت هذه الإمارات تتقاسم النفوذ السياسي مع فئة الزوايا صاحبة الزعامة الدينية. وإذا ا كانت الدولة المرابطية تعتبر بداية مشروع مركزية السلطة في موريتانيا، فإن النظام الأميري القبلي شكل بحكم تطور العصبية – كما عرفت عند ابن خلدون – خطوة في طريق التحول إلى الدولة (الحماية والموالاة السياسية).

    و كان دخول الاستعمار هذه البلاد صدمة هزت كيان المجتمع وخلخلت حياته السياسية وفتحت عينيه على التطور المذهل في العالم من حوله، رغم المقاومة العنيفة والجهاد الوطني ضده ثقافيا وعسكريا( ) إذ لم يزل البيضاني "يتفقه في علوم الدين والأدب واللغة. وقد وفر هذا الأمر صمودا للثقافة الموريتانية في وجهة الثقافة الاستعمارية الوافدة"( ).

    وكان لظاهرة الاستعمار دورها في نزوع المجتمع الموريتاني إلى المركزية في السلطة جراء النشاط الإداري الجماعي للمستعمر داخل البلاد (فتح مراكز إدارية مركزية للإقليم مجالس استشارية وتمثيلية)( ).

    وقد رحل المستعمر الذي دخل أول ما دخل مع البرتغاليين والهولنديين والانجليز وأخيرا الفرنسيين في ق16 م وذلك من خلال إقامة مراكز التبادل التجاري( ). رحل بعد حصول موريتانيا على استقلالها في 28 نوفمبر 1960م.

    وقد تميزت الحياة السياسية في موريتانيا بعد الاستقلال بعودتها عن التعددية السياسية التي عرفت قبل الاستقلال بسنوات قليلة في ظلال النظام البرلماني الذي اقتضته الصيغة الدستورية في 22 مارس 1959 وما قبلها حيث أنشئت أحزاب متعددة … في الساحة الوطنية.

    عادت موريتانيا إلى الانحسار الديمقراطي حين اعتمادها ديمقراطية جديدة في ظل نظام رئاسي حسب دستور 1961 م( ) وذلك بعد نكوص نظام ولد داداه عن التعددية السياسية التي يرى أنها ليست من مصلحته واتهمتها بأنها تجزيئية، وهو يريد بذلك جمع المجتمع المشتت المتنوع وكسب تأييده. ومن هنا كان مؤتمر كيهيدي الذي تم فيه الإعلان عن الاعتراف بـ (حزب الشعب) حزبا وحيدا في موريتانيا.

    وقد كان لولد داداه والأحزاب المتحالفة مع حزبه المتطور عن حزب التجمع، توجها أفرانكفونيا وهو ما لقى معارضة كبيرة من الموريتانيين. ورغم أن المعارضة الموريتانية حينئذ لم يكن لها تأثيرها المنشود على النظام الحاكم، فإن ولد داداه " ومع نشاط حركة المعارضة الوطنية خاصة بعد أزمات 66 و 1968 ]تبني[ خطاب المعارضة وماتعبر عنه من انتماء قومي لموريتانيا واستعادة الشخصية الموريتانية ] ف [ كانت قرارات التعريب والعودة إلى الأصول الإسلامية ……( ).

    ولم تفلح الأحزاب المعارضة -(حزب الوفاق، جمعية الشبيبة الموريتانية، حزب النهضة) ذات الخطاب القومي المتمسك بالهوية الحضارية والقومية لموريتانيا، ومعارضة الاستعمار الجديد - لم تفلح في توصيل خطابها السياسي إلى قاعدة جماهيرية تذكر( )، واقتصرت جهود أصحابها على علاقاتهم الشخصية.

    وفي 28 نوفمبر 1974 أعلن ولد داداه في خطابه بمناسبة ذكرى الاستقلال استعداد حزب الشعب للتعامل مع الكادحين الذين كادوا يزعزعون النظام وما لبثوا أن اندمجوا ساعتها في الحزب الواحد فكان ذاك فرصة ثمينة لولد داداه للاستحواذ على خطابهم لتسكت المعارضة( ).

    و بسقوط نظام ولد داداه 1978 جاء العسكريون فعطلوا الحياة السياسية التي كانت مفعمة بالديمقراطية والحوار، وعاشت البلاد مرحلة دكتاتورية دامت سنوات عصيبة إلى أن أخذت الديمقراطية تدب في جسم الحياة السياسية الموريتانية ثانية مع ظهور "هياكل تهذيب الجماهير" 1981م ثم الانتخابات البلدية 1986م وكلها كانت تنازلات نسبية من العسكر، وإشراكا للمواطن في أن يعيش حياته السياسة ويديرها.

    واستمر الوضع هكذا إلى أن " جاء الدستور الجديد في يوليو 1991م في صيغة ديمقراطية إذ يقر نظاما رئاسيا ويفتح على التعددية السياسية وحرية الصحافة وكان ذلك بمثابة التحول إلى مرحلة جديدة بعد ثلاثين سنة شهدت دكتاتورية الحزب الواحد ثم الدكتاتورية العسكرية"( ).


    III- الخطاب السياسي الموريتاني (البيئة الخطابية) :

  10. #20
    مراقب المشهد الإعلامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    3,095
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي

    III- الخطاب السياسي الموريتاني (البيئة الخطابية) :
    (1956 – 1995)

    لقد مر بنا أن موريتانيا قد عرفت قبل مؤتمر كيهيدي 1964م( ) الذي تقرر فيه توحيد الأحزاب السياسية تحت مظلة حزب واحد هو "حزب الشعب" مر بنا أنها عرفت في 1959م أحزاباً سياسية متنوعة الخطاب، منها ما هو معارض ومنها ما هو مؤيد للنظام الحاكم حينئذ.

    ومن الأحزاب المؤيدة للنظام والتي والت الرابطة الفرنسية حزب التجمع الموريتاني المكون من حزب (التفاهم والاتحاد التقدمي الموريتاني ومجموعة من رابطة الشبيبة الموريتانية) وتزعم هذا الحزب المختار ولد داداه(2).

    وفي المقابل هناك حزب النهضة المعارض الذي يؤسس خطابه على الاقتراب من وجهة النظر المغربية ومناهضة الاستعمار الجديد .. ويتزعم بياقي ولد عابدين هذا الحزب الذي زرع بذور التعددية الأولى في الحياة السياسية الموريتانية(3). وقد انضم إلى هذا الحزب رابطة الشبيبة الموريتانية بزعامة محمد أحمد التقي.

    وهناك أحزاب أخرى منها الحزب الوطني وهو فرع من الحزب الفيدرالي الأفريقي ويتزعمه موسى صال وكان مقره في داكار(4). وحزب اتحاد الاشتراكيين المسلمين الموريتانيين وكان يعمل من أجل ضم موريتانيا للأقاليم الصحراوية( ).

    وهكذا إذن يمكننا أن نلحظ أن الخطاب السياسي الموريتاني كان يتأرجح في نشأته الأولى بين خطاب يميل إلى الرابطة الفرنسية والتنمية والبقاء في حضنها، وخطاب يدعو إلى مغربة موريتانيا ومحاربة الاستعمار، وخطاب يعكس الصورة الأخيرة فيدعو إلى أفرقة موريتانيا (تزنيجها).

    لقد سقنا هذه المعلومات فقط لنبلور للقارئ الخصوصية العامة لولد داده والخطابات المعاصرة له مؤيدة أم معارضة بما لها من أهمية في الفهم الأعمق لخطاب ولد داده ومن ثم الخطاب الموريتاني في عهده.
    أما الخطاب السياسي في الفترة الاستثنائية (العسكرية) وهي فترة تشمل خطابين سياسيين ننوي دراستهما هنا هما خطاب محمد المصطفى ولد السالك وخطاب محمد خونة ولد هيداله – فخطاب يكاد يتسم بالأحادية وهو أمر مستحيل، وليس متوفرا منه إلا الخطاب الرسمي المعلن، لأن الخطابات الأخرى (المعارضة) ولدت محاصرة بالقمع العسكري ومصادرة الرأي ورفض الآخر وتكميم الأفواه، فكانت في معظمها مناشيرا وبيانات سرية لم ننجح في الحصول عليها إلا إشارات هنا وهناك إليها.
    وأما الخطاب السياسي الأخير الذي نحن بصدد دراسته فهو ذلك الخطاب الذي ولد أساسا في ظل دستور 1991 الذي سمح بإنشاء الأحزاب السياسية وحرية الصحافة والرأي … وتنافس أربعة مواطنين على رئاسة موريتانيا هم: معاوية ولد سيدي أحمد الطايع الذي فاز في الانتخابات الرئاسية الأولى من نوعها في الوطن العربي بنسبة 65، 62% في مقابل 75، 32% لأحمد ولد داداهو 2.95 % للمصطفى ولد محمد السالك و 1.39% للدكتور محمد محمود ولد اماه( ).

    وكانت هذه الأحداث السياسية الكبرى انطلقت غداة فوجيء الموريتانيون في عيد الفطر المبارك أبريل 1991م برئيسهم الذي كان زعيم حركة عسكرية دكتاتورية حرمت الشعب الموريتاني حياته السياسية الديمقراطية التي نشأ عليها نشأته الأولى، فوجئوا به يقول في خطاب موجه إلى الأمة "أيها المواطنون أيتها المواطنات إننا مصممون العزم على المضي قدما في إشراك كل مواطن في بناء موريتانيا حرة مستقلة ومزدهرة … وفى هذا الصدد أيضا وتلبية لرغبات الكثيرين من أبناء شعبنا سيقام باستفتاء عام من أجل المصادقة على دستور وستتم هذه الإجراءات بإذن الله قبل نهاية السنة الجارية"( ).

    وكانت هذه المرحلة إيذانا بالدخول في مرحلة التعددية السياسية ثانية، فنشأت أحزاب سياسية متعددة، حاول كل واحد منها أن يكون له خطاب سياسي متميز، بغية كسبب جماهير الشعب الموريتاني واستقطابها. وهناك تشابه كبير بين هذه المرحلة وديمقراطية النظام البرلماني الأولى في موريتانيا، ففيما كان حزب التجمع الذي يتزعمه المختار ولد داداه الحزب الأكثر فاعلية في الساحة السياسية الوطنية، وفيما ظل هذا الحزب يتطور إلى أن هيمن على الحياة السياسية وضم جميع الأحزاب تحت مظلته (حزب الشعب). كان الحزب الجمهوري الحزب الوحيد والأكثر فاعلية في الحياة السياسية الوطنية، والذي استطاع أن يجذب إليه جماهير الشعب الموريتاني صامدا بكل قوة أمام الطعنات والهجومات التي يشنها خطاب المعارضة عليه. هذا مع وجود اختلافات تقتضيها البيئة والظرف الوطني والدولي وروح الديمقراطية التي يتحلى بها كل من الحزبين مع اعتقادنا أن الحزب الجمهوري يسلك طريق حزب التجمع باستمراره في تهميش وتضعيف المعارضة اللذين يؤديان إلى اختفائها النهائي.

    ويجدر بنا هنا أن نقف ولو قليلا على خطاب أحزاب هذه المرحلة، لعل ذلك يسهم في توضيح صورة الخطاب السياسي الموريتاني بشكل عام بعد المنعطف الديمقراطي الأخير، وخطاب الرئيس ولد الطايع بشكل أخص.

    1- الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي :

    يعتبر الحزب الجمهوري خليطا من رموز القيادات السياسية( ) في النظام القديم، وشيوخ القبائل، ووجهاء المناطق، ونشطي السياسيين الماركسيين والناصريين والبعثيين والإسلاميين، وكبار رجال الأعمال وموظفي الدولة , وامتاز الحزب الجمهوري بحصوله على شتى مراكز الثقل وتأييد الجماهير، بل و اندفاعها إليه , وهو ما استنكره الرأي العام الموريتاني حيث يروج في الخطاب المعارض الناقد للحزب الجمهوري اتهام هذا الحزب باستغلال وسائل الدولة وقوتها وهيبتها.

    وقد استتب له أن يهيمن على الساحة السياسية ويقصي المعارضة إثر تأييد المنطقة الشرقية ذات الكثافة السكانية العالية( ) بالإضافة إلى منطقة آدرار التي هي منطقة الرئيس ولد الطايع وهذه نزعة جهوية واضحة( ).

    وقد اعتمد خطاب الحزب الجمهوري خطاب حركة 12 – 12 – 1984م كما ورد في بيانه السياسي، إذ التزم فيه بأن يكون أداة تحقيق أهداف هذه الحركة التي من أهمها:
    - إعادة مصداقية الدولة في الداخل والخارج.
    - التقويم الاقتصادي
    - الترقية الاجتماعية والثقافية – إقامة التعددية الديمقراطية
    وأخيرا نشير إلى ان خطاب الحزب الجمهوري لا يستند إلى خطاب أيديولوجية سياسة معينة.

    2- حزب اتحاد القوى الديمقراطية (عهد جديد) :

    أخذ هذا الحزب في الظهور في وقت قصير قبل الإعلان عن التعددية السياسية. وقاده بعض زعماء الحركات السياسية التي منها الحركة الوطنية الديمقراطية (ماركسية)، وانضمت إليها مجموعات سياسية: المبادرة من أجل الديمقراطية والوحدة، والتحالف من أجل موريتانيا جديدة، وحركة الديمقراطيين المستقلين (وهي حركة " الهالبولار " ذات الطابع الشوفوني المتطرف المعروف بـ Flam ( وحركة الحر (وهي حركة العبيد وقريبي العهد بالحرية) ونشير هنا – كما أسلفنا من قبل – إلى أن الرق تم ألغاؤه في موريتانيا – رسميا – في 1980م( ).

    وامتاز خطاب هذه المعارضة بالدعوة إلى تأكيد الوحدة الوطنية ودعم التلاحم الاجتماعي. واتهام النظام الحاكم بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في ما يخص الأقلية البولارية. والاعتراف بالتعددية الثقافية والعرقية لتحقيق تعايش وطني. والاعتراف باللغة العربية لغة رسمية مع ترقية اللغات الوطنية والاحتفاظ باللغة الفرنسية كلغة انفتاح. وخلق المجتمع العصري وتحقيق العدالة والتقدم والمساواة. ومحاربة الاسترقاق والعنصرية والقبلية( ).

    وتقف وراء هذا الحزب على حد عبارة ولد الفقيه "دوائر غربية وكذلك كبعض الأحزاب المتطرفة الافريقية( ). والامر رائج لدى الشارع العام الموريتاني. وقد عبرت الاتجاهات السياسية داخل الحزب عن عدم اتفاقها التام إلا على أمر واحد وهو مناهضة ولد الطايع وبالنظر إلى انتساب بعض القيادات القومية الزنجية المتعصبة إلى الحزب فإن المشاكل تبدو أكثر تفاقما على الدوام بين مختلف تياراته( ).

    3- حزب التحالف الشعبي التقدمي :

    وشعار هذا الحزب هو: ديمقراطية – عدالة – وحدة ويكاد هذا الشعار يكون نفسه الشعار الذي رفعته الحركة الناصرية منذ نشأتها: حرية – اشتراكية – وحدة وقد أنشأ هذا الحزب القوميون الناصريون( ) النشطون، المعارضون لانضمام القيادات التاريخية الناصرية إلى الحزب الجمهوري بحجة التوجهات القومية لزعيميه ولد الطايع وبالنظر إلى "سياسات التعريب التي تدخل في صميم مبادئ التوجه المذكور( ).

    وقد امتاز خطاب هذا الحزب بالحفاظ على الهوية الحضارية لموريتانيا والتمسك بالدين الإسلامى وتأصيل الثقافة الوطنية من طريق التعريب في جميع مجالات الحياة، وانتهاج سياسة اللامركزية وتغيير البنى الهيكلية الاقتصادية الوطنية وتحويله إلى اقتصاد مستقبل وذلك بالاعتماد على القرارات الذاتية وما يتيحه التكامل الاقتصادي المغاربي( ).

    كما يوجه الحزب خطابه نحو "محاربة الفساد الإدارى والدفاع عن حقوق المظلومين والفقراء بالإضافة إلى التبذير وتدهور القوة الشرائية للمواطنين … دون إغفال الصيغة القومية الواضحة في بيان الحزب وارتباطه بالأوضاع والمناسبات القومية (مساندة الشعب الفلسطيني والعراق والجماهيرية الليبية) والتذكير بدورها مع الإشارة إلى ما يميز هذا الخطاب من لغة حماسية تلهب المشاعر"( ).


    4- حزب الطليعة الوطنية :


    وقد أنشأ هذا الحزب القوميون الموريتانيون البعثيون رغم انضمام القيادات التاريخية لحزب البعث في موريتانيا إلى الحزب الجمهوري بحجة التوجهات القومية لزعيمه , ويمتاز هذا الحزب بخطاب قومي عربي يتهمه البعض بالتطرف في النزعة القومية في مقابل اتهام حركة Flam الإفريقية البولارية بالشئ ذاته. ويرفع هذا الحزب الشعار: وحدة وطنية – حرية – عدالة اجتماعية، ويوشك هذا الشعار أن يكون الشعار الذي رفع حزب البعث العربي الاشتراكي: وحدة – حرية – اشتراكية

    5- حزب التجمع من اجل الديمقراطية والوحدة :

    ويغلب على خطابه الدعوة إلى إلغاء الاعتبارات القبلية والعرقية والطائفية وتنمية الديمقراطية وإرسائها على قواعد ثابتة وصحيحة ضاربة في أعماق الثقافة الموريتانية. وإلى توضيح مفهوم الدولة والقضاء على الطبقة الاجتماعية والعمل على إزالة الفوارق( ).

    6- حزب الاتحاد من أجل الديمقراطية :

    وأهم ما يميز خطاب هذا الحزب اهتمامه بالوحدة الوطنية واعتباره موريتانيا كيانا "من عناصر مختلفة مصهورة في بوتقه القيم الإسلامية الخلاقة"( ).

    7- وهناك محاولة من حركة الإسلاميين فى موريتانيا لإنشاء حزب تسميه حزب الأمــة وقد تم حظره رسميا لنص الدستور على رفض إنشاء حزب على أساس دينى، وخطاب حزب الأمة إسلامى.

    8- كما يوجد حزب آخر ما يزال حتى الآن مرفوضا :
    يعرف بــالمؤتمر الشعبي الاشتراكى الذي ترمي حركة اللجان الثورية في موريتانيا إلى تأسيسه، ويلتزم خطاب هذا المؤتمر بالقيم الثورية التي تدعو إليها النظرية العالمية الثالثة رغم اقتناعها بأن من تحزب خان وأن التمثيل النيابي تغييب للجماهير عن ممارسة سلطاتها.

صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. الرسائل الجامعية /الدور السياسي للجيش الموريتاني
    بواسطة Siyam في المنتدى مشهد الموسوعة السياسية
    مشاركات: 19
    آخر مشاركة: 09-08-2011, 10:01 PM
  2. فهرس الرسائل الجامعية المنشورة على المشهد
    بواسطة Siyam في المنتدى مشهد الموسوعة السياسية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 28-02-2011, 11:38 AM
  3. الرسائل الجامعية/ المعاملات المصرفية الإسلامية موريتانيا نموذجا
    بواسطة Siyam في المنتدى مشهد الاقتصاد و التنمية
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 28-02-2011, 11:18 AM
  4. الرسائل الجامعية/المفاوضات في عقود التجارة الدولية
    بواسطة Siyam في المنتدى مشهد الموسوعة السياسية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 18-12-2010, 09:23 PM
  5. المسكوت عنه في الخطاب السياسي-
    بواسطة OULD-RIM في المنتدى مشهد الأخبار السياسية و الوطنية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 24-08-2008, 03:27 PM

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
من نحن
شبكة المشهد الموريتاني
روابط
Enter your links here
شاركنا
Title
Enter your content here