للكاتبة الموريتانية - اميلي منت الغوث
الفساد في موريتانيا : حرب إعلامية و جنوح للسلم
لم تشهد موريتانيا طيلة تاريخها في الفساد الممتد منذ الاستقلال و حتى اليوم زوبعة من الفضائح اكثر مما تشهده هده الأيام عبر التسريبات و التصريحات و الكشف المتأخر عن حالات من الفساد شملت مختلف قطاعات الدولة من الاقتصاد للسياسة و من القانون للدبلوماسية ، روائح مزكمة تظل الشارع الموريتاني وسط حرب إعلامية و اجندات انتخابية ضاعف من صوتها المدوي ما أعلن عنه الرئيس نفسه و يعلن عنه في كل مناسبة من هجوم كاسح على المفسدين و الذي توسع حتى شمل كل من يعارض النظام حتى و إن لم يشغل في حياته وظيفة و لم توضع تحت يده ميزانية .
و لعل هذا ما دفع الكثيرين للتساؤل عن جدية الحرب الكلامية التي اصبحت فيها ايقونة "مكافحة الفساد" لازمة خطابية في وقفات الاحتفال و التعازي و في التعيين و الإعفاء و حتى سجن المعارضين او الخارجين عن سيطرة النظام و ايديولوجيته سواء من المعارضين المعروفين او من المستقلين و حتى الحقوقيين .
لا يتوقف الفساد في موريتانيا منذ فترة على الفساد المالي فقط بل يتعداه للفساد الإداري و لا يتعلق بجهات الصرف فقط بل تعداها لجهات التحصيل و الحفظ و الرقابة و كان نصيب الخزينة و الجهات المحاسبية في مختلف القطاعات نصيب الأسد من هذا الفساد حيث ظهرت العشرات من الحالات في مختلف المواقع بدء من المؤسسات الحكومية و شبه الحكومية و في الوزارات و السفارات و من الوزراء للمدراء ومن السفراء للمحاسبين . إلا ان الفساد الإداري الذي يعتبره البعض أهم أسباب الفساد المالي و عوائق التنمية يتربع على عرش الفساد في موريتانيا من خلال أوجه المحاباة و المحاصصة و السمسرة و تضخيم الفواتير و الصرف غير المبرر في العديد من المؤسسات وهو ما يخفي أكبر كارثة خاصة حين يتعلق الأمر بأشخاص من حاشية السلطة او من المتعاطفين معها أو من لديهم حماية كافية من النظام و مراكز القوى فيه .
الفساد في موريتانيا :
رغم ما اسلفناه عن الحديث الإعلامي و السياسي و تصدر كلمات الخطاب السياسي بمكافحة الفساد و الضرب بيد من حديد على المفسدين منذ دخول موريتانيا في حركة الديموقراطية في العالم الثالث مع نهاية الألفية الثانية و رغم الحديث عن الشفافية و الارتباط بالمؤسسات الدولية ذات الرقابة المفترضة إلا انها هي الأخرى تظل محل شك خاصة في شهادات التبريز التي تصدرها في كل مرة للكثير من الأنظمة بالنزاهة و الشفافية و التنمية و لا يكتشف عكس ذلك الا مع سقوطها لتبدأ روائح الفساد تفوح في سماء البلاد ، بل إن العديد من الباحثين يذهب إلى ان الكثير من هذه المؤسسات المالية الدولية تشترك في ك عمليات الفساد من خلال رقابة مالية تمكنها من صرف المديونيات التي تمنحها على أمور كثيرة لا تتعلق بالتنمية بل بالاستهلاك المباشر و الاستشارات المكلفة للجهات المستدينة بما يعزز فرص استنزاف القروض في مسائل لا تتعلق نهائيا بالعملية التنموية .
و في هذا السياق يمكن للمراقب رصد ابرز الأوجه في عمليات الفساد في موريتانيا من خلال :
الفساد الإداري و المالي :
يعرف الفساد على انه الإساءة في استعمال السلطة التي يخولها القانون أو الوظيفة العمومية للكسب الشخصي او الإكساب لجهات أخرى مهما كان بعدها أو قربها من المسؤول أو حين يقوم موظف بقبول او ابتزاز الرشوة من المتعاملين لتوفير متطلبات المراجعة او تقديم خدمات يٌتوقع تقديمها للجمهور مجانا ، كما يمكن ان يكون استغلال المنصب العام بالتعيين القبلي أو الجهوي أو الفئوي أو أية صلة أخرى و هذه الأخيرة توفر الكثير من السبل للمسؤول لممارسة الفساد ضمن نطاق أسري يتكاتف دائما للتستر عليه سواء من خلال صرف العلاوات و الرواتب بطريقة غير مشروعة أو اكراميات أو غيرها من مواد الصرف التي تتطلب تبريرا بما يعيدها لحسابه الشخصي او حساب الموظف نفسه وهو من أكثر انواع الفساد الشائعة في موريتانيا ، اضافة لاكتتاب الموظفيين الوهميين او تقاضيهم للرواتب دون تقديم الخدمات مما يسهم في تبديد الميزانية العامة و يعرض الخدمات للاستنزاف بسبب الفساد و طرقه المتعددة التي يمارسها بعض المسؤولين و موظفيهم في ابتكار شتى الطرق لها ، مما يؤثر على النفاذ السلس للخدمات المقدمة و يزيد من فرص البطالة في صفوف حملة الشهادات و الكفاءات و يزيد من فرص تشغيل الكفاءات المتدنية تحصيلا و قيما خلقية و هو ما يؤهلهم للعب دور مشبوه في كل العمليات الوسخة في المؤسسة و يزيد من فرص ابتزازهم حتى و إن لم يمتلكوا القناعة للاختلاس او المشاركة في التزوير في المستندات أو الفواتير أو غيرها من أدلة الصرف و أدلة التنفيذ .
و من شبه المؤكد ان آثار الفساد لا تتوقف عند الآثار المادية الاقتصادية و المالية و المتعلقة بالشؤون المادية للإنسان بل تتعداه للفكر بما تسببه للنظم السياسية و الحزبية من ارباك حقيقي و اختلال في فرص المشاركة السياسية في التسيير العالم لشؤون البلاد و لا تتوقف هنا بل تتعداه للقيم المجتمعية بما تخلقه من تحكم للمال في المجتمع و توجيه دفة الاستهلاك و تأثير ذلك في نسيج المجتمع و سلوكيات افراده و تحكم قيم المادة فيه ، بما يوجه الفرد للكسب بشتى الطرق المتاحة أمامه في ظل غياب القانون و العدالة في الوظيفة و سبل العيش الكريم .


الفساد السياسي : لقد دأبت السلط الحاكمة منذ سيطرة الجيش على السلطة على أحادية التسيير و اقصاء الخصوم و تشكيل طبقة مالية و اقتصادية مقربة من هرم السلطة بشكل خاص و الدوائر و مراكز القوى المحيطة به كل حسب موقعه و درجة سيطرته و تأثيره في هرم السلطة وهذا الاستغلال و إن كان يأخذ في عمومه الوجه القبلي و الجهوي أو الأسري الضيق فإنه كذا يأخذ قوته من التأييد السياسي و العامل الانتخابي و تأثير ذلك في مجريات العملية السياسية في البلاد و حشد التصويت في الاستحقاقات للسلطة في كل مناسبة و ما يشكله المال السياسي و الانتخابي في أوجه الفساد من خلال شراء الذمم و القناعات و تبديلها و حتى منعها من ممارسة حقها الدستوري ..
لقد شهد الفساد السياسي أوجها جديدة لا تتوقف عن بيع الذمم فقط بل و بتعطيل الحق الدستوري فقد درجت السلطة طيلة الانتخابات الماضية و الاستحقاقات المختلفة على عمليات مبرمجة لتقييد حرية الناخبين و منعهم من خلال ممارسة حقوقهم في الانتخابات من خلال التعامل مع وسطهم للحصول على بطاقتهم الشخصية و حتى بتأخير وصول بطاقات التصويت و اللجان و بشتى الذرائع التي يمكن ان تؤثر على خيارات الناخبين خاصة في المناطق ذات التوجه السياسي المغاير او التي تشكل فيها الجهات المعارضة قوة مؤثرة، فقد شكلت ثقافة البيع و الشراء في العملية السياسية أحد أهم روافد الفساد من خلال الزعمات التقليدية و دورها في بيع ذمم رعاياها و توجيههم للتصويت للسلطة مقابل امتيازات شخصية للزعماء ، عضدها تخلي السلطة عن واجباتها تجاه السكان و ربطهم بالزعماء حيث تحولت كافة الخدمات الضرورية من علاج و تشغيل و تمدرس و ماء و كهرباء والتي يفترض ان يقدمها النظام للسكان لعطية شخصية تقدمها الحكومة للزعيم و قبيلته و فئته مقابل التأييد للسلطة و البقاء ضمن مولاة النظام بل و البقاء تحت سيطرة الزعيم ..لقد تحول الزعيم القبلي بفعل الفساد الذي تقوده السلطة للسيطرة على الناخبين لوسيط ضمانٍ، للسيطرة و هكذا و للدور الذي اصبح يلعبه اضحى بإمكانه تعطيل الأحكام القضائية و الافراج عن اللصوص و القتلة بل و اصبح بامكانه حتى ان يحول العدالة لصالحه و ان لم تكن كذلك من خلال الحصول على احكام غير قابلة للطعن لأكل أموال للناس بالباطل ..
لقد اضحت القبلية التي حاول نظام الاستقلال على علاته القضاء عليها لتقويض دور الزعامات التقليدية مقابل سيطرة الدولة الناشئة ، يٌجمع الكل خاصة على مستوى الدولة و على مستوى النخب بغيابها بشكل شبه نهائي في مجال التوظيف و الخدمات المقدمة و الحوافز و اصبحت من الماضي ، بل ان كثيرين من ما بعد عهد الاستقلال بقريب يؤكدون انهم لم يكونوا يعرفون قبائل اقرب المقربين منهم و يستحون من السؤال عنها علنا ، لتمكن ثقافة محاربة القبلية في الدولة الحديثة وهو الأمر الذي ظل قائما إلى ان ظهرت الديموقراطية التي اجبر العسكر للظروف الدولية و الداخلية بالقبول بها مما شجع النظام لاحياء النعرات و استخدام الثقل القبلي في توجيه خيارات الناخبين حتى اضحت المعارضة نوعا من العداء للحكم يؤدي للتهميش و إقالة ابناء القبيلة و توزيع الكعكة السلطوية دونهم ، بل و تهييج النعرات القديمة لهم من خلال دعم الخصوم التقليدين و حتى تشجيع الانقسام القبلي و دعم نفوذ زعامات جديدة من خلال المال السياسي و الحظوة في السلطة ..
و لا تقتصر هذ الأساليب في عملية الفساد و تشعباتها على هذا ،إذ لم تسلم منها مؤسسة موريتانية و لعل أهم صور تلك العمليات ما سنتعرض له في محاولة رصد أوجه الفساد في موريتانيا .
المؤسسة العسكرية و تهم الفساد : ظلت المؤسسة العسكرية حسب المراقبين بعيدة بخلاف السلطة الحاكمة عن كثير من عمليات الفساد الظاهرة إلا انها كانت دائما محل جدل خاصة في ظل غياب الشفافية في التسيير و الميزانية و وضعها ضمن الخطوط الحمراء التي لا يتم التطرق لها حتى تحت قبة البرلمان با عتبارها أمنا قوميا لا يمكن التطرق إليه . و لعل ابرز ما يتم – حديثا - تناوله عن تحويل مبالغ مالية معتبرة كالمساعدة السعودية لضحايا فيضانات الطينطان للمؤسسة العسكرية و العديد من التمويلات تصر المؤسسة الحاكمة على انها حولت للمؤسسة العسكرية لدعمها ، و يقول الكثيرون إنها لم تصرف بصورة نهائية على مؤسسة الجيش و لم تظهر على البنى التحتية و لا على التسليح و لا التكوين و لا على الدعم اللوجستي لمختلف القطاعات العسكرية التي تعاني ضعفا في الرواتب و العتاد و المستلزمات إذا استثنينا ما ينعم به كبار الضباط من أبهة و و حوافز و مشاريع و شركات ، اضافة لما تعانيه المؤسسة من فساد في الاكتتاب و طرقه و ما تتناوله العديد من المؤسسات الحقوقية عن عمليات أقصاء ممنهج لكثير من فئات المجتمع عن الترقيات و الرتب العليا و المبادرة بالتقاعد لكافة تلك الرتب بعد فترة قصيرة عكس فئات أخرى . و لا يتوقف البعض على ذلك بل يتعداه لتغلغل المؤسسة العسكرية منذ انقلاب 2005 و انقلاب 2008 في العملية السياسية و بصورة واضحة بعد ان ظلت المؤسسة بعيدة عن السلطة إداريا في ظل العقيد ولد الطايع الذي اعتمد في سلطته على قوات خاصة و مقربين أساسيين في توفير الأمن حتى اضحت وزارة الدفاع وزارة من قبيل وزارة المغرب العربي او الشباب و الرياضة فالملمح الجديد هو المحاصصة الوزارية التي لا يكاد تخلو منها وزارة حيث تتكرر الأسماء المتشابهة بين الوزارة و قادة الجيش و الضباط المتنفذين وحتى الوزراء المحسوبين على كبار الضباط إن لم يوجد من داخل العائلة من يمكن ان يشغل المنصب الوزاري .
و لا يتوقف الاختلال في دور هذه المؤسسة حيث ان التعويض المادي و المعنوي من طرف السلطة يتعداه لمنح كبار الضباط المتقاعدين شركات و فرصا تربح أخرى من خلال شركات مقاولات تسيطر على كثير من سوق العمل مما يؤكد فرص وجود شركات عقد الباطن تستفيد منه جهات في هرم السلطة او المحيط المقرب منها و تسمح بتداول المشاريع و التربح على حساب الجودة و حقوق المستخدمين لتشعب المتنفذين و تعدد مصالحهم مما يؤثر على الأعمال الموكلة من ناحية الإنتاجية و حقوق العمال فيما يشبه نظام السخرة في ظل البطالة المتفشية و لعل حادثة عمال مسيرة ازويرات هي خير دليل على ما ينعم به كبار الضباط المتقاعدين . يتفاقم الوضع بتولي كبار ضباط على رأس المؤسسة العسكرية او متقاعدين لمؤسسات اقتصادية و مالية كبيرة تتطلب مهارات و خبرات تسييرية فائقة مما عرضها لتدهور كبير في مستوى الأداء و ظهور عمليات مشبوهة يعتبرها البعض مؤشرا للفساد و لعل التصريحات التي اعلن عنها أحد كبار الضباط الذين رأسوا واحدة من أهم المؤسسات الاقتصادية و الرقابية للثروة البحرية الموريتانية المتمثلة في مندوبية الصيد و إعلانه عن العائدات الربحية المخصصة له من المخالفات و الضرائب المحصلة على البواخر المخالفة قد اصابت الرأي العام الوطني بالخيبة من الجهود الدعائية و الإعلامية التي يطلقها النظام ممثلا في الرئيس و حكومته و حتى من الحزب الحاكم فيما يصنفون باقي المعارضة في صف الفساد .
لقد اصبحت ظاهرة المستشار في المؤسسات الاقتصادية و و رئاسة مجالس الإدارات في الشركات العامة و المختلطة وظيفة عسكرية بامتياز تمنح كجائزة نهاية خدمة لكبار الضباط المتقاعدين و المسؤولين الأمنيين في هرم السلطة و ضباط مخابرات النظام الذين خدموه دون تقديم خدمات للوطن .
و لا يتوقف الفساد في المؤسسة العسكرية كما يبرز في هذه الصور بل ان صور استثماراموال المؤسسة العسكرية في بعض الأعمال خاصة الهندسة العسكرية و الطيران و النقل و مشاركتها في عدة صفقات خاصة و توليها لمشاريع عامة بتكليف من الدولة يلقي بظلاله أيضا على أن المؤسسة يتم تشغيلها لمقاصد التربح الشخصي و ليس الاستثمار لتقوية المؤسسة و انتهاج سياسة استراتيجية بما يحقق الأهداف و ينقل المؤسسة لتغييرات جذرية تنمي فعاليتها و صناعة قاعدة تسهم في تدعيمها و مدها بالخبرة المطلوبة لغياب العقلية التنموية الحقيقية ، و يرجع ذلك لتوقف الكثير من المشاريع التي اشرفت عليها المؤسسة العسكرية بسبب الخلافات حول الحقوق مع شركاء التنفيذ و سبب أزمات في تنفيذ المشاريع الموكلة مما يؤكد لدى البعض ان العوائد و الاتفاقيات لم تكن بين المؤسسة العسكرية كشريك بل لمتنفذين تحت يافطتها فقط و تستخدم فيها المعدات العسكرية للتنفيذ .
لقد تفاجئ الرأي العام قبل عامين حين دوت فضيحة بطلها محاسب من الجيش و مدني دأبوا على استغلال الأموال المودعة و استخدامها في دورات شراء و بيع و استثمارها مما راكم الديون على المدني و اظهر ثغرة كبيرة في ادارة صناديق الجيش و لا يستبعد المراقبون للشأن العسكري أن تتجاوز العملية مجرد عملية فقد ثقة بين متعاملين اثنين فقط لتكون فقرة من اخطبوط طويل و متشعب في الاستثمار بأموال مؤسسة لا تخضع للرقابة و لا تعرف أصولها و لا حساباتها و يتم التصرف فيها حسب أهواء كبار الضباط و القادة ، و لم تنته المفاجئة مع هذا فكان قرار رئيس الجمهورية بالعفو عن المدني (أحد المقربين اجتماعيا منه ) قبل انتهاء محكوميته التي لم تكن رادعة حسب الكثيرين لتزيد قناعتهم بتردي المنظومة القانونية و القضائية في البلاد و بتدخل السلطة في الشأن القضائي فيما لم يحكم على المحاسب الضابط سوى بمدة قصيرة جدا مع عدم وضوح حول شفافية تسوية الموضوع و عودة الأموال المنهوبة في القضية ..
أما على مستوى كفاءة الجيش فقد شكلت عمليات القاعدة ضد الجيش مؤشرا واضحا على ضعف الكفاءة و الدعم للوجستي للحاميات العسكرية و الدوريات الحدودية التي تعرضت لعدة هجمات اظهرت كثيرا من الخلل في المؤسسة و امكانياتها و انقطاعها عن قياداتها و فقد التواصل معها حيث شكلت عملية المغيطي و تورين والغلاوية و حتى العمليات الأخيرة التي كانت فيها القاعدة مستهدفة من طرف الجيش ضربات مؤلمة- للأسف الشديدة- كلفت جيشنا الوطني و افراده الكثير من الضحايا و العتاد رغم الآلة الدعائية للنظام بتصوير انجازات عن المعارك التي خاضتها و الحقيقة ايضا ان هناك تقدما على مستوى التسليح و الجهوزية لكنه لم يحد من الخيبات التي اصابت قطاع الطيران في المؤسسة التي تمتلك عدة طائرات صغيرة و سمتية كانت في مجملها عرضت لخلل و فقدت منها اثنتان في حوادث شهيرة خلفت ضحايا لعل اكثرها اثارة للجدل هو مسار الرحلة و المشغل الذي ارتبط بشركة منجم ذهب تازيازت ،على بعد 400 كيلومتر شمال شرقي نواكشوط، الذي تستغله شركة "كينروس" الكندية في "إطار عقد نقل بين الجيش" والكنديين ، و لم تكن الطائرة العسكرية للرئيس بمعزل عن هذه الأخطاء حيث هبطت اضطراريا في منطقة انبيكت لحواش بسبب خلل فني ، و يصر كثير من ضباط و افراد القوات الجوية ان كافة الأخطاء في مجملها عائدة للصيانة الردئية و المكلفة التي تصان بها الطائرات و تؤدي في كل مرة لكارثة جوية مكلفة ..
و لا يقتصر الشك حول هذه الروايات فكافة عمليات الشراء و التجهيز التي تشرف عليها إدارة المشتريات في المؤسسة العسكرية تنسج حولها روايات لا يصدقها الخيال بسبب الفساد و الفوترة و غياب المواصفات و لعل صفقة الطائرات الأخيرة من البرازيل و شراء الطائرة الرئاسية كلها أمور تصب في نفس الموضوع ..
سباق الفساد : انجازات في العلن و فساد في الخفاء
يلاحظ المراقب منذ فترة و خاصة منذ وصول ولد عبد العزيز للسلطة لتفاقم ظاهرة رخص التنقيب و البحث عن المعادن النفيسة ، و إذا كان نظام ولد الطايع قد عرف بنظام رخص الصيد التي اصبحت تجارة رائجة في الأوساط القبلية و منحا للزعمات التقليدية و رجالات النظام ، يتاجرون بها و يبيعونها للأجانب للممارسة نهب الثروات دون رقابة . فقد عرف نظام ولد عبد العزيز بأنه نظام رخص المعادن و البحث عنها حيث لا يخلو اجتماع لمجلس الوزراء من عشرات التراخيص للجهات المعلومة و المخفية محلية و أجنبية للبحث عن كنوز الأرض و معادنها بمختلف انواعها و يجمع المراقبون على أن كافة التراخيص التي تتم الموافقة عليها تتطلب ان تمر عبر سماسرة معروفين من المقربين من السلطة و حاشيتها و عبر وسطاء من المقربين وهو ما يحمل بذور الفساد الواضح من خلال العمولات و السمسرة من تحت الطاولة و كانت آخرها ما تناوله الإعلام المحلي حول ترخيص شركة الكوارتز بين نجل الرئيس و شركاء محليين و أجانب ..
آلاف الرخص التي تذاع موافقاتها كل ليلة عبر بيانات مجلس الوزراء و المؤتمرات الصحفية تتم بطريقة دعائية هدفها إيهام المواطن البسيط ان الدولة تتجه للإزدهار و التنمية و كأن تلك الرخص هي بداية زوال الفقر و الالتحاق بركب الغنى و توديع أيام الفقر المريرة، و الحقيقة هذه العملية التسويقية لا تنعزل عن طرق الفساد و التشويش التي تعتمدها السلطة في تضليل الرأي العامي الذي ينساق وراء هذه الدعاية المدروسة في وقت تعبر فيه هذه الموجة المفرطة من توزيع الثروة على قلة قليلة و شركاء أجانب خارج القواعد المتعارف عليها و دون العودة للبرلمان و الجهات المخولة بالمنح لتفتح فرصا سانحة لتبديد الثروات و انتشار الفساد و غياب الرقابة على كافة العمليات ..
و في مجال الطاقة شكلت فضائح النفط الموريتاني و استغلاله اكبر فضائح الاقتصاد الموريتاني و رغم الدعاية التي صاحبت الاستخراج و الاستغلال التجاري لصالح الأنظمة المتعاقبة سياسيا فإن اي نتائج مهما كانت بساطتها لم تنعكس على حياة السكان و لا على الحياة الاقتصادية للبلاد ، اللهم ما كان من عمولات و زبونية و بيع للاتفاقيات لصالح الشركات الأجنبية و التي يقدرها المراقبون بمئات الملايين ، مازالت الأسئلة تحوم حولها و دخلت أروقة المحاكم دون ان يقوم فيها حكم ، بل ان ابطالها عادوا و بقوة للمشهد مما يؤكد ان الصراع الذي وصلت فيه للعدالة لم يكن سوى عملية شد الحبل و العضلات بين مراكز القوى المتنفذة للحصول على جزء من العائدات..
الصحة و الفساد :
لم يشهد اي قطاع من موجات الفساد كما شهده قطاع الصحة و لا سوء الخدمات مثل ما يقدم في هذا المرفق الحيوي ، حيث باتت أحياء المرضى الموريتانيين القادرين على البحث عن العلاج معروفة في مختلف مدن المغرب و تونس و و السينغال فيما يعاني مئات الآلاف من الفقراء و متوسطي الدخل سوقا من الأدوية المزورة و عيادات اقرب للمسالخ و المقاصب و مستشفيات هي اقرب لملاجئ القطط و الأوبئة ، وسط كادر يفتقر لأدنى أساليب التعامل و الخبرة في مجال الطبابة ..
فالعشرات من ملفات الأخطاء الطبية تخرج يوميا من ردهات المستشفيات ليعود اصحابها بجثة أو عاهة مستديمة في ظل غياب للقانون أو المتابعة لأي ملف و عزوف المحاكم عن استقبالها و كأن هذا الشعب فرض عليه ان يكون فئران تجارب تحت مبعض الطبيب و مشرح الجراج الذي لا يهمه من الأمر سوى ان يمتلأ ملفه الوظيفي بالعشرات من العمليات الجراحية دون وجود تقارير إنجاز ..
لقد صدم الشعب الموريتاني منذ أيام قليلة بإطلالة احد نواب الشعب من الأغلبية الحاكمة ليؤكد ان الطلاب في كلية الطب الوليدة يفوقون في الخبرة و التراكم المعرفي نظراءهم في أوروبا لأن أولئك يطبقون على الدمى في المختبرات الطبية في وقت يطبق المتدرب الموريتاني في الأرواح البشرية رغم الأخطاء الفادحة التي تحصل – يقول النائب – "لكن هذا مهم لأنهم يتعلمون" ..
و في ذات السياق فقد شكلت الأدوية هاجسا لكل المرضى في موريتانيا حتى يلجأ البعض لارسال الوصفات الطبية الضرورية و المكلفة لاقاربهم في بلدان الجوار للحصول على الدواء الأصلي بعد ان تكررت الحوادث القاتلة مع المرضى و بصورة ملفتة و هو ما أكدته مختبرات خارجية و اطباء في الخارج زارهم بعض المرضى و عرضوا عليهم الأدوية التي كان افضلها مصنع من السميد و مكونات نباتية حيادية لا تمت للدواء بصلة فيما صنعت أخرى من مواد كيميائية خطيرة و بجرعات لا تخضع للمواصفات ، و تفتقد لشروط التعليب و التخزين ، و قد حملت فوضوية الصحة حتى لا نقول خصصتها فتحولت لمشروع تجاري محض بعد ان كانت أولوية حكومية و خدمة مجتمعية تتولاها الدولة و تسهر عليها و تراقب مدخلاتها و مخرجتها مما أدى لغياب كامل للسلطة عن رقابتها و تحولت الصيدليات لعيادات دون مراعاة للشروط و دفتر الالتزامات الخاصة باقامة المنشأت الصحية كما ينص عليها القانون ، فيما تحولت شركة استيراد الادوية لتجارة فردية و فرصة للتربح من خلال توفير أدوية بديلة من مصانع من دول العالم الثالث و الصين و الهند و نيجيريا اقرب ما تكون لأوكار الجريمة منها لمصانع الدواء ،حيث تحولت المطارات و الموانئ و المنافذ البرية للدولة لمراكز مرور آلاف الشحنات من الأدوية و العقاقير المزورة مقابل رشوة بسيطة لرجال النقاط الحدودية لتصل ليد الموزع ثم المريض رغم علم الصيدليات و الأطباء أنفسهم انها لا تلبي احتياجات المرضى ..
التعليم و الفساد : لا يختلف إثنان على ان أن ما اصاب المنظومة التعليمية الموريتانية من فساد و تدهور على مستوى المناهج و المخرجات قد عزز فعليا نتائج الفساد في كل القطاعات الأخرى و عزز من انتشاره حيث شهدت موريتانيا مع موجة ما سمي باصلاح التعليم الذي شهدته البلاد في نهاية الثمانيات و ما أدى له من تدهور في المستويات سواء على مستوى الطلاب و المدرسين و قد أدت لهذا النتائج جملة من الأسباب :
- الاستغناء الارتجالي عن المئات من الخبرات التدريسية العربية و الأجنبية التي ظلت تؤطر للتعليم على مدى زمن طويل دون اتخاذ الدولة لقرار الاستفادة منهم في تكوين المؤطرين المحليين و احلالهم بخبرات وطنية ناشئة لم تنضج تجربتها بالمستوى الكافي خاصة في التعليم الاعدادي و الثانوي .


  • قدوم حملة شهادات عربية من عدة بلدان فيما عرف ب"شهادات السياسة او الايدولوجيين" و هي الشهادات التي منحتها العراق و ليبيا و سوريا أحيانا أخرى لبعض الطلاب الأحرار من خارج البعثات التعليمية و التي عرفت بتدني مستوياتها لعدم مباشرتها للتكوين في مدارس هذا البلاد و ظل جل تركيزها على العمل السياسي و هي التي ستشكل مستقبلا تلك الخلايا التنظمية النشطة في المؤسسات التعليمية مما أثر على الطلاب و المخرجات و النتائج و عزز حضور السياسة و صراعاتها بين الطلاب فيما بينهم و بينهم مع الإدارة و حتى مع السلطة .
  • التوجه الارتجالي نحو التعريب : و مع ان التعريب هو مطلب وطني و دستوري إلا ان القرار المتعجل للتعريب قد أثر بشكل كبير على العملية التربوية التي كانت حتى وقت قصير مؤسسة اقرب ما يقول عنها انها مؤسسة مزدوجة و توفر حالة اتزان عام سواء على المستوى السياسي او الاجتماعي او الاقتصادي من خلال تعليم يلبي احتياجات السوق و غير متعارض مع البنية الأساسية للمؤسسة التعليمية وهو ما تهدم مع القرار حيث شهدت المؤسسات التعليمية حركة تغييرات واسعة دون بنى تحتية جاهزة للتثبيت القرار و تدعيمه مما أثر على نفسيات الطلاب و مستوياتهم و اثر على النتائج وهو ما استمر لفترة طويلة و انتج برامج و مناهج جديدة تميزت بالعشوائية و الارتجالية في الطرح لما كانت تلبيه من احتياجات السياسية على حساب الاحتياجات الاجتماعية و الاقتصادية وهو ما استمر حتى اليوم و مزالت البلاد تعيش فيه في ظل انقسام ثقافي ينذر بالكثير من الأزمات و غياب اللغة المشتركة التي تعزز الوحدة و تعزز قدرة الادارة على تسيير ملفاتها و توفر للمواطن الولوج للخدمات دون عوائق ..
  • سياسة المنح و البعثات الدراسية الخارجية : لقد اسهم الفساد في المستشري في وزارة التعليم لخلل خطير في توزيع المنح حيث حرم منه الطلاب المتفوقون و منح لأصحاب المعدلات المتدنية من أقارب المسؤولين كما يتم توجيهم لأكثر المقاعد أهمية مما ينعكس على النتائج المستقبلية للطلاب و دورهم في العملية التنموية و الاسهام في الرفع من مستوى الخدمات التي سيقدمونها مستقبلا بعد التخرج .


و الحقيقة ان الفساد في العملية التعليمية لا يقتصر على هذه المواقف و التي قد لا تكون ضمن ما يمكن ان يوصف بالفساد و ان يوصف باي وصف أخرى الا انه كان ضروريا للولوج لمشاكل التعليم و ما تعانيه هذه المؤسسة الحيوية من مشاكل و عراقيل اصبحت تشكل معضلا حقيقيا للبلاد يتطلب ايجاد الحلول المناسب اكثر من اي وقت مضى ..

و مما زاد الطين بلة في مجال الفساد في التعليم هو التحول السريع مع نهاية عقد الثمانينات للخصخصة التعليم و نشوء مدارس جديدة خارجة على المسطرة التقليدية و توفر كرسيا للراحة و الاستجمام مقابل مبلغ مادي يمارس فيها الطلاب شتى متطلباته حياته الشخصية و يمارس فيها المدرس تحت ضغط الادارة الصمت الرهيب مقابل كل تلك المخلفات تصل في بعض الاحيان لتوفير الأجوبة في الامتحانات و الاختبارات .
لقد كانت بداية خصخصة التعليم هي القاصمة في ما اصاب البلاد التي عرفت على مدى سنوات في الجامعات الأوروبية و العربية بامكانيات مبتعثيها و زادهم المعرفي و تمكنهم من العلوم لتشهد في غضون سنوات قليلة بيع أول شهادة باكلوريا مقابل 150 الف اوقية للراغبين بها و هو ما عرف بفضيحة وزير التعليم انذاك التي تعتبر اكبر جريمة في تاريخ البلاد ، حيث ظلت هذه الشهادة على مدى السنوات عصية على الفساد حيث يؤكد البعض ان المئات من تلك الشهادات قد دخلت لدوائر العمل و التعليم و تم التسجيل بها في جامعات و حصل بعض حملتها على حقوق لم تكن له..
و الحقيقة ان ما اصاب كل مرافق الدولة من انتشار سريع للهب الفساد كان بسبب ما اصاب التعليم على مدى عقود ماضية و الأجيال التي تخرجت بلا وزاع علمي و لا اخلاقي و تدرك مدى ضعفها مما أهلها لتكون مستعدة للتخلي عن أي شيء مقابل الحصول على وظيفة و راتب و الركوع تحت ارجل المتنفذين مما شكل في المستقبل جيل الفساد الذي تغلغل في كل شيء و وصل بالبلاد لما تعانيه اليوم من مشاكل مزمنة و خطيرة توشك ان تجعلها على قائمة الدول الفاشلة وفق العديدين من المراقبين المحايدين ..
و في الختام فإن هذا المقال يحاول الوقوف على الصورة الحقيقية للفساد و ان لم يقدم البدائل و لم يوفر الوثائق و الأدلة و انما تناول الفساد بما يتداول اعلاميا و مجتمعيا و ما يشكله كموضوع للنقاش بين النخب و من حقائق أحيانا و تفسيرات أحيانا و حتى رؤية شخصية للموقف وهو من هنا يدعو كافة الخيرين للمساهمة في رصد الظاهرة و التشكل في هيئات و منظمات تعنى بهذه الظاهرة الخطيرة و ما يمكن ان تشكله من خطر محدق بالبلاد و مستقبلها ..