واجهة العدد 83 من صحيفة الأخبار إنفو
الأخبار (انواكشوط) – تتزايد مخاوف الاقتصاديين والمسؤولين الرسميين في وزارة الشؤون الاقتصادية والتنمية والمالية من المأزق الخطير الذي يواجهه الاقتصاد الموريتاني بسبب الديون الخارجية المتراكمة عليه منذ عقدين من الزمن.


إضافة للتزايد الكبير الذي عرفته خلال المأمورية الأولى من حكم رئيس البلاد الحالي محمد ولد عبد العزيز، وانتهاء فترة سماح غالبية القروض التي تم أخذها في بداية مأموريته الأولى.

وبرر هؤلاء مخاوفهم بخطورة التوقف عن دفع الأقساط المترتبة على الدولة الموريتانية لصناديق دولية ودول أجنبية، وما يعنيه ذلك من تراكم هذه الديون فضلا عن التعرض لعقوبات، كما أن الاستمرار في دفعها يعني أن يوجه قسط كبير من الميزانية العامة للبلاد لقضاء هذا الديون، وارتفاع النسبة الموجه منه لهذا البند لتقارب 15%، مع بقاء هذا الدفع في إطار سقف الفائدة المترتبة على القروض، دون أن يتم قضاء أي أوقية من القروض التي استلامها.

وضاعف من مخاوف الخبراء والمسؤولين التراجع الكبير لأسعار الحديد – حيث وصلت خلال شهر سبتمبر الماضي 82 دولارا فقط بعد أن كانت في حدود و177 خلال الأعوام الماضية – إضافة لانسحاب عدة شركات دولية من السوق الموريتانية، كانت آخرها شركة "سفير مينرالس" التابعة لشركة "كلنكور" البريطانية / السويسرية، وبموجب انسحابها توقفت عن ضخ 900 مليون دولار كانت ستستثمرها في قطاع الحديد في موريتانيا، وهو ما أدى لتوقيف أحد مشاريع إنتاج الحديد في البلاد، وهو مشروع "آسكاف" لإنتاج الحديد الذي كان مقررا أن ينطلق في العام 2017.

وبرر الناطق الرسمي باسم الشركة البريطانية / السويسرية قرار انسحابهم من السوق الموريتانية "باستمرار تدهور أسعار الحديد عالميا".

كما انسحب شركة عالمية أخرى من السوق الموريتانية بداية العام 2014، ووصفت الاستثمار في البلاد بالمغامرة، كاشفة عن توقعها "لأضرار يقينية" على الاقتصاد الموريتاني بسبب تصرفات وتعامل إدارة الضرائب والحكومة الموريتانية بشكل عام مع المستثمرين الأجانب.

وأكدت إدارة شركة "توم ابروان -Tom – Browne " أنها "ستنصح كل الشركات الدولية العاملة في مجال والمعادن أن لا تغامر في موريتانيا حتى تتم معالجة الرشوة والفساد الظاهرين والتصرفات السيئة للحكومة".

وقررت إدارة الشركة الانسحاب من موريتانيا وإنهاء كل عملياتها فيها، مبررة قرارها بما وصفته "بالاستفزاز من قبل إدارة الضرائب، من خلال فرض دفع أموال بشكل يخرق جميع أعراف المعاملات في مجال الضرائب".

وقالت الشركة - التي كانت تعمل مع شركة تازيازت – إن إدارة الضرائب في موريتانيا "تمادت في سوء المعاملة، وبرهنت أن ثمة عقوبة للشركة عبر ضرائب مجحفة وغير معقولة"، كما أنها "لم تقدم أي براهين ملموسة تدعم قرار فرض هذه الضرائب".


321 مليار ديون جهتين فقط
وصلت مجموع ديون جهتين – من الجهات التي تقترض منها الحكومة الموريتانية – إلى 321 مليار أوقية خلال 5 سنوات (2009 - 2013)، موزعة بين ديون جمهورية الصين الشعبية، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي، فضلا عن هبات تلقتها الحكومة من الصين خلال هذه الفترة، وبلغ مجملها: 29.150 مليار أوقية.

ودخلت جل هذه القروض مرحلة السداد للجهات المقرضة، حيث سيكون على الحكومة الموريتانية أن تبدأ في دفع الأقساط المتفق عليها، ومراعاة نسبة الفائدة في كل قرض.

191 مليار من الصين
وبلغت ديون الصين وحدها 191.640 مليار أوقية، قدمت خلال قروض للحكومة الموريتانية خلال الأعوام الماضية، وكان أكبر قرض منها هو القرض المخصص لتمويل مشروع المركز الكهرومائي بكوينا، والذي بلغت قيمتها 138.300.000 دولار أمريكي (41.490.000.000 أوقية)، وتم توقيعه يوم 02 يناير 2014.

كما تلقت الحكومة الموريتانية قرضا آخر من الحكومة الصينية يوم 12 ديسمبر 2013، وبلغت قيمته المالية 200.000.000 إيوان صيني (10.000.000.000 أوقية)، وخصص هذا المبلغ لتمويل عدد من المشاريع العمومية دون تحديدها.

وكان القرض الثالث من الصين لموريتانيا يوم 23 سبتمبر 2011، وبلغت قيمتها المالية 50.000.000 إيوان صيني (2.500.000.000 أوقية)، وخصص هو الآخر لتمويل مشاريع عمومية لم يتم تحديدها.

وكان القرض الرابع من الحكومة الصينية للحكومة الموريتانية يوم 12 إبريل 2011، وبلغت قيمته المالية 50.000.000 إيوان صيني (2.500.000.000 أوقية)، وخصص القرض لنفس البند السابق: (مشاريع عمومية غير محددة).

وفي 29 سبتمبر 2010 قدمت الحكومة الصينية قرضا لموريتانيا بمبلغ 583.000.000 إيوان صيني (29.150.000.000 أوقية)، وفي اليوم ذاته تلقت الحكومة الموريتانية قرضا آخر من الصين مبلغ 60.000.000 إيوان صيني (3.000.000.000 أوقية)، وخصص القرضان لتمويل مشاريع عمومية.

وكان أول قرض تتلقاه الحكومة الموريتانية من الحكومة الصينية خلال المأمورية الأولى للرئيس الموريتاني الحالي محمد ولد عبد العزيز، هو القرض الموقع يوم 31 ديسمبر 2008، وبمبلغ مالي يصل إلى 2.000.000.000 إيوان صيني (100.000.000.000 أوقية)، وخصص لتمويل توسعة ميناء الصداقة. وتم توقيع كل هذه القروض في الصين.

أما الهبات المقدمة من الصين، فقد وقعت الحكومة الموريتانية على استلام اثنتان منهما يوم 24 سبتمبر 2009، وبلغت قيمتها الأولى منهما 3.000.000 إيوان صيني (150.000.000 أوقية)، وخصصت لدعم القطاع الصحي، أما الثانية فبلغت قيمتها 60.000.000 إيوان صيني (300.000.000 أوقية)، وخصص لدعم مشاريع مختلفة.

وفي 29 ديسمبر 2010 تلقت الحكومة الموريتانية هبة من الحكومة الصينية، بلغت قيمتها 60.000.000 إيوان صيني (300.000.000 أوقية)، وخصصت لدعم مشاريع عمومية متعددة.

وفي 12 إبريل 2011 كانت موريتانيا على موعد مع هبة جديدة من الصين، وجهت لتمويل مشاريع عمومية، وبلغت قيمتها 60.000.000 إيوان صيني (300.000.000 أوقية)، والمبلغ ذاته تلقت كهبة أخرى من الحكومة الصينية يوم 23 سبتمبر 2011، وخصص لتمويل مشاريع عمومية.

ويوم 07 يناير 2013 تلقت موريتانيا هبتين جديدتين من الحكومة الصينية، بلغت قيمة كل واحدة منهما 100.000.000 إيوان صيني (5.000.000.000 أوقية)، وخصص كل منهما لتمويل بعض المشاريع العمومية.

أما أحدث هبة من الحكومة الصينية للحكومة الموريتانية فبلغت قيمته 140.000.000 إيوان صيني (7.000.000.000 أوقية)، وخصص لتمويل مشاريع عمومية.

129 مليار من صندوق الإنماء

أما ديون الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي فبلغت إجمالا 129.360.000.000 أوقية، وذلك خلال الأعوام الخمسة الماضية (2009 - 2013)، وترتبت عليها نسبة فائدة 2.5%.

وكان أول قرض تتلقاه الحكومة الموريتانية من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي خلال العام 2009 قرض بمبلغ 10 مليون دينار كويتي، (10.5 مليار أوقية)، وخصص هذا القرض لتمويل المشروع الاستعجالي لكهرباء نواكشوط، وفي العام 2010 حصلت على قرض آخر بقيمة 10 مليون دينار كويتي، (10.5 مليار أوقية)، وخصص لتمويل شبكة توزيع المياه في مدينة نواكشوط.

وفي العام 2011 حصلت الحكومة الموريتانية على قرضين من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي، ووصل مبلغهما الإجمالي 38 مليون دينار كويتي (39.9 مليار أوقية)، وخصص أولهما لمشروع تطوير منظومتي توليد ونقل الكهرباء في انواكشوط، والثاني لتمويل مشروع تزويد منطقة آفطوط الشرقي بمياه الشرب.

وفي العام 2012 بلغت القروض المقدمة من الصندوق العربي للأنماء الاقتصادي للحكومة الموريتانية 20 مليون دينار كويتي (21 مليار أوقية)، وذلك من خلال قرض حمل الرقم: 580، وخصص لتمويل مشروع تزويد المدن والقرى الشرقية بمياه الشرب من حوض الظهر.

أما في العام 2013 فارتفع عدد القروض التي حصلت عليها موريتانيا من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي إلى خمسة قروض، وبلغ سقفها المالي 55.2 مليون دينار كويتي (57.96 مليار أوقية)، وخصصت هذه المبالغ لتمويل عدة مشاريع، من بينها تطوير محطات توليد الكهرباء في المدن الداخلية، ومشروع إنشاء مزرعة للرياح بقدرة 30 ميغاوات في العاصمة انواكشوط، إضافة لتمويل طريق النعمة - حدود جمهورية مالي (القسم الثالث)، وخصص أحدها لتمويل مشروع مطار انواكشوط الدولي الجديد، أما القرض الأخير منها فخصص لتمويل مياه الشرب وتنمية الواحات في المناطق الريفية.

وكانت نسبة الفائدة في كل هذه القروض 2.5%، وفترة سماحها 7 سنوات، على أن يتم تسديها على 37 قسطا نصف سنوي.


ديون تلتهم الميزانية


والتهمت الديون الخارجية لموريتانيا خلال العام 2013 حوالي 10%، من ميزانيتها تم دفعها على أقساط للدائنين الخارجيين، وبقي الدفع في إطار الفوائد المترتبة على هذه الديون، دون أن يصل الديون ذاتها.

ومع انتهاء فترة السماح لديون جديدة أخذتها الحكومة الموريتانية خلال الأعوام الماضية سترتفع النسبة التي على موريتانيا دفعها للجهات المقرضة، وخصوصا الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي، وهو ما يعرض الاقتصاد الموريتاني لمزيد من المخاطر.

وتؤكد المعطيات التي حصلت عليها الأخبار إنفو أن نسبة 30% من مدفوع الديون لسنة 2013 مثل الفائدة، أي أن حدود واحد وعشرين مليار فقط هي أصل الدين الذي تجاوز مدفوعه ثلاثا وثلاثين مليارا.

وفي هذه السنة تؤكد نفس المعطيات أن أكثر من ثلاث مليارات ونصف هو حجم الفائدة لما قضي خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة، حيث لم تبلغ ديونه سبع مليارات، بينما تجاوز ما قضي منها عشرة مليارات ونصف.

وبالإضافة للفائدة الكبيرة التي يفرضها أصحاب الديون الخارجية لموريتانيا، فإن الخزينة الموريتانية باتت مهددة تهديدا حقيقيا بفعل قضائها.

وتستغيث إدارة الديون الخارجية بوزارة المالية في موريتانيا معتبرة أن الديون لا يمكن تحملها بحال من الأحوال، وتطالب الإدارة في وثيقة سرية حصلت عليها الأخبار أنفو الجهات العليا في البلد باستئناف الاتصالات مع الجهات الدائنة، عساها تتفق مع موريتانيا على صيغة تخفف من وطأة أزمة المديونية.

وتشتكي "مذكرة حول الدين المطلوب لصالح الدول العربية" والتي أصدرتها إدارة الديون الخارجية من عدم مساهمة بعض الممولين العرب في الجهد الذي بذلته بعض الأطراف العربية والدولية في تخفيف المديونية الخارجية لموريتانيا، وتقول إن الصناديق العربية الوطنية والمتعددة الأطراف ساهمت تخفيف الديون على شكل إعادة جدولة أو إعادة تمويل.