للشاعر الدكتور/ عمر الفاروق بن محمد زين العابدين

ما أصعب الرثاء، و ما أصدقه، قصيدةٌ في رثاء
والدي صاحب الفضيلة و السماحة، العلامة السيد محمد بن زين العابدين - عليه رحمات الله - أكتبها بدمي و دمع عيوني لا بحبري. حديث ابنٍ إلى روح أبيه، خالية من التكلف و التَّصَنُّع.



نَمْ بالجِنَانِ


المَجْدُ بَعْدَكَ لَا أَهْلٌ و لا بَلَدُ **** و الجُوْدُ دُوْنَكَ لا ظَهْرٌ و لا سَنَدُ
و المَكْرُمَاتُ عَلَى ذِكْرَاكَ نَائِحَةٌ *** و خَيْمَةُ العِزِّ لا رِكْزٌ و لا وَتَدُ
و العِلْمُ مُنْعَدِمٌ و الزُهْدُ مُرْتَحِلٌ*** و الفِقْهُ مُنْتَحِبٌ و المَتْنُ و السَّنَدُ
و الفَضْلُ مُنْكَسِرٌ يَبْكِيْ فَضَائِلَكُمْ*** و الدِّيْنُ والعُرْفُ والأَخْلَاقُ تُفْتَقَدُ
و أَبْحُرُ الشِعْرِ قَدْ جَفَّتْ مَنَابِعُهَا*** طُرَّاً و فِيْ لَحْدِكَ الآدَابُ تَحْتَشِدُ
و حِلَّةُ الأَرْبَعِيْنَ اليَوْمَ قَدْ رُزِئت*** أَيَّ المَنَاهِلِ مِنْهَا بَعْدَكمْ تَرِدُ
و الأُفْقُ يَا بَدْرُ لا بَدْرٌ يُطَالِعُهُ*** و الأَرْضُ يَا طَوْدُ لا طَوْدٌ و لا جُدَدُ
مَا عَادَ فِيْ أُفُقِ الأَوْطَانِ مُتَّسَعٌ*** لَمَّــا نُعِيْتَ و لا غَــوْثٌ و لا مَــدَدُ
فَارَقْتَنَا جَسَدَاً، فِيْ لَحْدِهِ الجَسَدُ**** و طِبْتَ رُوْحَاً إِلَى بَارِيْكَ إِذْ تَفِدُ
فَارَقْتَنَا جَسَدَاً، أَنْعِمْ بِهِ جَسَدَاً*** و طِبْتَ رُوْحَاً بِنُوْرِ اللَّهِ تَتَّقِدُ
نَفْسِيْ فِدَاؤُكَ لَوْ كَانَتْ مُخَيَّرَةً*** و هَلْ يُخَيَّرُ فِيْ أَمْرِ البِلَى أَحَدُ
نَفْسِيْ فِدَاؤُكَ لَوْ كَانَتْ مُخَيَّرَةً*** لَكِنَّهَا لِحُجَى الأَقْدَارِ تَفْتَقِدُ
هِيَ المَنَايَا و قَدْ أَعْيَتْ طِبَابَتُهَا*** و عُقْدَةُ الطِّبِّ إِذْ تُزْرِيْ بِهِ العُقَدُ
سَهْمٌ مَضَى مِنْ سِهَامِ المَوْتِ مُرْسَلَةٌ**** فَأَيُّ سَهْمٍ لَهَا فِيْ مُهْجَتِيْ صَدَدُ
لَوْلا اليَقِيْنُ بِوَعْدِ الله مَا رَضِيَتْ*** نَفْسِي وَ لَكِنْ لَهَا دِيْنٌ و مُعْتَقَدُ
أُسَلِّمُ الأَمْرَ لِلْبَارِيْ أُفَوِّضُهُ*** و إِنْ تَكَوَّتْ بِنَارِ الحَسْرَةِ الكَبِدُ
اللهُ يَعْلَمُ كَمْ غَمَّاً أُكَابِدُهُ*** و اللهُ يَعْلَمُ أَنِّيْ عَاجِزٌ حَرِدُ
أَوْدَعْتُكَ اللَّحْدَ مفْطُوْرَ الفُؤَادِ وَ مِن*** حَوْلِيْ شَقِيْقَانِ قَدْ أَعْيَاهُمَا الكَمَدُ
نَسْتَوْدِعُ الله أَغْلَى مَنْ نُوَدِّعُهُ*** و قُرَّةَ العَيْنِ مَحْمُوْدَاً لِمَنْ حَمِدُوا
نَسْتَوْدِعُ الله أَغْلَى مَنْ نُوَدِّعُهُ*** و رُبَّ مُسْتَوْدَعٍ أَرْجَى لِمَنْ فُقِدُوا
نَسْتَوْدِعُ الله قِرْمَاً سَيِّدَاً عَلَمَاً*** طَوْدَاً فَيَا عَجَبَاً أَنْ ضَمَّهُ اللَّحَدُ
هَذِيْ البِلَادُ غَشَاهَا طَائِفٌ حَلِكٌ*** و ذِيْ سَمَاءُ الحِجَازِ اليَوْمَ تَرْتَعِدُ
ضَاقَ الفَضَاءُ كَأَنِّيْ خِلْتُهُ قَفَرَاً*** و اسْتَوْحَشَتْنِيْ بِهِ البَطْحَاءُ و النُجُدُ
يَا أَيُّهَا الفَارِسُ المِقْدَامُ فِيْ مَهَلٍ *** لِمَ التَّعَجُّلُ أَنْتَ الكَيِّسُ التَّئِدُ
دُنْيَاكَ فِيْ رَغَدٍ بِالمَجْدِ تَمْلَأُهَا *** و حَوْلَكَ الجَاهُ و الأَمْوَالُ و الوَلَدُ
خُذْ مِنْ شَبَابِيْ شَبَابَاً تَسْتَزِيْدُ بِهِ *** يَفْدِيْكَ عُمْرٌ عَلَى ذِكْرَاكَ يَسْتَنِدُ
مَوْلَايَ رُدَّ جَوَابَاً إِنَّ سَائِلَكُمْ *** كَأَنَّ عَيْنَيْهِ مِنْ فَرْطِ البُكَا رَمِدُ
بَعْضُ البَرَايَا حَبَاهَا اللهُ مَكْرُمَةً *** و أَغْلَبُ النَّاسِ فِيْ دُنْيَاهُمُ عَدَدُ
و أَنْتَ مِنْ صَفْوَةِ البَارِيْ و خِيْرَتِهِ *** و أَنْتَ مِنْ خَيْرِ مَنْ صَامُوا و مَنْ سَجَدُوا
قَدْ كُنْتَ أَشْرَفَ مَخْلُوْقٍ أُعَاصِرُهُ *** سَامِي الطِّبَاعِ فَلا غِلٌّ و لا حَسَدُ
مِلْحَ الحَيَاةِ وَ كُنْتَ الظِّلَّ وَافِرَهُ *** و جَنَّةَ اللَّهِ فِيْ أَرْجَائِهَا الرَّغَدُ
و كُنْتَ غَيْثَاً مُغِيْثَاً فِيْ نَوَائِلِهِ *** تَسَاوَتِ النَّاسُ مَنْ دَانُوا و مَنْ بَعُدُوا
و كُنْتَ شَمْسَ شِتَاءٍ لا غُرُوْبَ لَهَا *** و كُنْتُ نَجْمَ مَدَارٍ حَوْلَكُمْ سَعِدُ
و اليَوْمَ أَيَّ مَدَارَاتٍ أَطُوْفُ بَهَا *** ضَرْبٌ مِنَ التَّيْهِ مَا أَلْقَى و مَا أَجِدُ
مَا كُنْتُ أَرْجُو بَقَاءً وَسْطَ فَانِيَةٍ *** مَعَ النَّوَائِحِ لا حَوْلٌ و لا جَلَدُ
لِحُزْنِهِم أَمَدٌ تَقْضِيْهِ ثَالِثَةٌ *** و مَا لِحُزْنِي عَلَيْكُمْ سَيِّدِي أَمَدُ
يَا أَيُّهَا الخَالِدُ البَاقِيْ بِمَجْدِكُمُ *** و بالمَعَالِيْ كِرَامُ النَّاسِ قَدْ خَلُدُوا
أَوْرَثْتَنِيْ مَجْدَ آبَاءٍ لَنَا سَلَفُوا*** نِعْمَ الجُدُوْدُ و نِعْمَ الإِرْثُ و التَلَدُ
خُذِ العُهُوْدَ و عَهْدُ الحُرِّ مَالِكُهُ *** و ابْنُ الحَرَائِرِ يُوْفِيْ بِالَّذِيْ يَعِدُ
سَأَنْهَجُ النَّهْجَ و الدَّرْبَ الَّذِي سَلَكُوا *** و أَحْفَظُ المَجْدَ و العِّزَّ الَّذِي رَصَدُوا
إِرْثٌ يُؤَازِرُنِي فِيْ حَمْلِ رَايَتِهِ *** نِعْمَ الشَقِيْقَانِ ذَا زَنْدٌ و ذَا عَضُدُ
تَشُدُّ مِنْ أَزْرِنَا أُمٌّ لَهَا شَرَفٌ *** بِالعَقْلِ و الدِّيْنِ و الأَنْسَابِ تَنْفَرِدُ
طِيْبُ الرِجَالِ إِذَا طَابَتْ مَنَابِتُهَا *** عَلَى الخَؤُولَةِ مَجْدُ النَّاسِ يَنْعَقِدُ
أَرْجُوْ الإِلَهَ سَدَادَاً فِيْ خَلَافَتِكُم *** و أَنْ يُحَالِفَنِيْ مِنْ رُشْدِكُمْ رَشَدُ
فالله يَعْلَمُ أَنِّيْ لا أُمَاثِلُكُم *** لَكِنْ عَلَى عِصْمَةِ الرَّحْمَنِ أَعْتَمِدُ
و الله أَرْجُوْ عَزَاءً فِيْ مُصَابِكُمُ *** يَا مَنْ غَزَتْ بَعْدَهُ الأَسْقَامُ و السَّهَدُ
فالله يَنْظُرُ حَالِيْ إِذْ تُفَارِقُنَا *** حَالِيْ بِدُوْنِكَ لا رُوْحٌ و لا جَسَدُ
نَمْ بِالجِنَانِ قَرِيْرَ العَيْنِ مُنْبَسِطَاً *** مَعِيَّةُ الله لا حُزْنٌ و لا نَكَدُ
بِقُرْبِ طَهَ حَبِيْبِ الله جَدِّكُمُ *** مَنْ كُنْتَ فِيْ حُبِّهِ تَسْعَى و تَجْتَهِدُ
تَلْقَاكَ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ بِضْعَتَهَا **** و الآلُ يَا أَيُّهَا الفَخْرُ الَّذِي وَلَدُوا


د. عمر الفاروق بن محمد زين العابدين