الوطن: بصفتك عسكريا سابقا وخضت تجربة حرب الصحراء، ما تقييمك للعروض التي قدمتها القوات المسلحة وقوات الأمن في نواكشوط؟
محمد سالم ولد هيبه: أود بداية أن أتوجه بخالص الشكر لموقع "الوطن" ومن خلاله لمجموعة "اشطاري" الإعلامية على إتاحة هذه الفرصة للحديث عن مواضيع تهم الشأن الوطني عموما وقواتنا المسلحة على وجه الخصوص.
أهنئ ـ عبر منبركم الحر هذا ـ رئيس الجمهورية، محمد ولد عبد العزيز، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وجميع قادة الأركان العسكرية والأمنية.. اللواء محمد ولد الشيخ محمد أحمد، قائد الأركان الوطنية؛ اللواء انجاكا جينغ، قائد أركان الدرك الوطني؛ اللواء فيليكس نيكري، قائد أركان الحرس الوطني؛ اللواء محمد ولد الشيخ ولد الهادي، المدير العام للأمن الوطني؛ اللواء محمد ولد مكت مدير مكتب الدراسات والأمن الخارجي؛ اللواء مسقارو ولد سيدي، قائد التجمع العام لأمن الطرق، وكافة القادة الميدانيين وقادة المديريات العسكرية والأمنية، وجميع الضباط وضباط الصف والجنود في قواتنا المسلحة وقوات أمننا المجيدة.
أعتقد أن العرض العسكري الذي شاهدناه جميعا حمل خمس رسائل واضحة ومهمة..
الرسالة الأولى موجهة إلى شبه المنطقة، أي إلى جيراننا وأشقائنا في منطقة الساحل والصحراء، مؤداها أن موريتانيا باتت رقما محوريا في المعادلة العسكرية والأمنية في هذه المنطقة الحساسة من الناحية الإستراتيجية، ولم يعد بالإمكان تجاوزها في أية مقاربة تتعلق بأمن واستقرار هذا الجزء من إفريقيا والعالم.
الرسالة الثانية موجهة إلى الجماعات المسلحة وعصابات تهريب الأسلحة والمخدرات والهجرة غير الشرعية، وخاصة ما يسمى "تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي".. مضمون هذه الرسالة هو أن القوات المسلحة وقوات الأمن الموريتانية أصبحت تسيطر على كافة منافذ الحوزة الترابية للجمهورية، وتملك زمام المبادرة، بحيث أصبحت قادرة على صد أي عدوان وإجهاض أي مخطط يستهدف النيل من أمن البلاد وسلامة مواطنيها والمقيمين فيها من الأجانب.. وهنا لا يفوتني أن أنوه بالقدرات العالية التي تتمتع بها قواتنا الجوية بفضل اقتناء أسطول جوي يمكن من تأمين كامل التراب الوطني سواء من خلال الطلعات الاستكشافية أو من خلال دك معاقل الإرهابيين وتدمير مواقع تمركزهم وقواعد انطلاقهم.
الرسالة الثالثة موجهة للأطراف السياسية التي دأبت على انتقاد المؤسسة العسكرية والتشكيك في قدراتها وكفاءات أفرادها.. مضمون هذه الرسالة أن القوات المسلحة وقوات الأمن الموريتانية تملك الوسائل البشرية والمادية الكفيلة بضمان تأدية مهمتها الأساسية المتمثلة في حماية الوطن والمواطنين؛ وتمتلك فوق ذلك كله ـ روحا معنوية عالية وجاهزية قتالية متميزة.
لقد دعت بعض تلك الأطراف السياسية الجيش إلى "تحمل مسؤولياته"، وكان رد الجيش واضحا من خلال العرض العسكري الذي نتحدث عنه، إذ برهن على انه يتحمل ـ فعلا ـ مسؤولياته ويؤدي مهامه على الوجه الأكمل، عبر صد العدوان وتدمير قواعد العدو وحماية المؤسسات الدستورية للجمهورية، وفي مقدمتها مؤسسة رئيس الجمهورية المنتخب ديمقراطيا بإرادة أغلبية الشعب الموريتاني.
وبخصوص هذه النقطة لم أستوعب ـ شخصيا ـ كيف يطالب بعض السياسيين الجيش بالتدخل وتحمل مسؤولياته، بينما يقاطعون احتفالاته وعروضه.. ألم يكن الأولى بهم أن يشاركوه احتفالاته ويبرهنوا له عن تضامنهم ودعمهم من خلال حضور تلك الاحتفالات؟
الرسالة الرابعة موجهة للرأي العام الوطني والدولي.. مؤداها أن موريتانيا آمنة ولا ينطبق عليها ما ينطبق على بلدان أخرى في المنطقة العربية من ثورات وصراعات داخلية.. تمثلت هذه الرسالة في إشراف رئيس الجمهورية شخصيا على عروض القوات المسلحة وقوات الامن في منصة عادية؛ وكذلك سيره على مسافة طويلة جدا أثناء استعراضه لمختلف الوحدات والتشكيلات المشاركة في العرض العسكري، ومروره بين المواطنين الذين كان حضورهم لافتا، يبين مدى تعلقهم بالمؤسسة العسكرية والأمنية للبلاد.
أما الرسالة الخامسة والأخيرة، فهي رد واضح على أطراف سياسية ما فتئت تتهم السلطة بتخصص كل النفقات العسكرية للحرس الرئاسي، وهذا ما أظهر العرض زيفه، إذ تبين بشكل واضح أن الحرس الرئاسي لا يملك شيئا بجانب العتاد الضخم الذي عرضته مختلف تشكيلات القوات المسلحة وقوات الأمن.
هذه من وجهة نظري الشخصية، أهم الرسائل التي حملها العرض العسكري الذي نظمته القوات المسلحة وقوات الأمن تخليدا لعيدها الوطني.
وبصفتي عسكريا سابقا، شارك في حرب الصحراء ضمن صفوف الجيش الوطني، أقدم ـ من خلال منبركم الحر ـ شهادة أمام الله وأمام التاريخ، بأن موريتانيا اليوم أصبح لها جيش قوي يعتمد عليه ويبعث الطمأنينة والاعتزاز في نفوس كل موريتاني وطني نزيه.
كما أؤكد أن الفضل في هذا الأمر يعود ـ بالدرجة الأولى ـ إلى رئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز.. ولعل أصدق برهان على ذلك هو أن تاريخ مختلف المعدات والآليات والعتاد يعود إلى ما بين 2009 و 2011، وتعلمون أنه قبل هذا التاريخ كان جنودنا وضباطنا يذبحون في أماكن نائية بلا دفاع ولا إمكانات..
الوطن: ظهر سلاح الجو لأول مرة في تاريخ العروض العسكرية للقوات الموريتانية، كما تم إنزال مظليين لأول مرة فوق أرضية معبدة.. هل يعني هذا ـ من وجهة نظرك ـ تحولا في الإستراتيجية العسكرية للجيش الموريتاني، خاصة في مجال الحرب ضد "القاعدة" في الصحراء؟
محمد سالم ولد هيبه: أولا أنوه إلى أن ما رأيتموه خلال العرض من طائرات عسكرية ليس سوى جزء بسيط من الأسطول الجوي الذي اقتنته القوات المسلحة الوطنية.. هناك العديد من الطائرات المقاتلة وطائرات الاستطلاع لم تشارك في العروض.. إضافة إلى منصات الرادار وراجمات الصواريخ والبطاريات وصواريخ أرض ـ جو، وصواريخ أرض ـ أرض، والمدرعات والآليات المختلفة ووسائل الاتصال وغيرها..
أشير إلى نقطتين أساسيتين برأيي، ميزتا عروض عيد القوات المسلحة هذا العام.. النقطة الأولى تمثلت في توشيح الضابط الذي قاد عملية قصف وتدمير مواقع الإرهابيين في غابة "وقادو"، وتوشيح الشهيد الذي سقطت طائرته أثناء التدريب في شنقيط.
أما النقطة الثانية فهي عملية الإنزال المظلي فوق أرض صلبة ومن ارتفاع يزيد على كيلومترين، وحرص رئيس الجمهورية على تحية العناصر المشاركة في الإنزال بشكل مباشر والتعبير لهم عن الإعجاب والتقدير.
الاهتمام بسلاح الجو يعكس وعيا حقيقيا بطبيعة ساحة الحرب التي يخوضها جيشنا ضد الإرهاب وعصابات القرصنة والتهريب والجريمة العابرة للحدود، وكذا بخصوصية الأراضي الموريتانية وتضاريسها الوعرة.. ذلك أن الطيران الحربي يوفر الإسناد لمختلف الوحدات البرية، ويضمن لها التغطية أثناء الهجوم وأثناء التحرك في منطقة القتال.. كما يقوم بعمليات الاستطلاع واستكشاف الأرض ودك معاقل العدو عند الاقتضاء.. وسلاح الجو يلعب دورا محوريا في حماية الحوزة الترابية للوطن والدفاع عن مياهه الإقليمية، ولا يمكن حصر مهمات القوات الجوية في أي بلد من البلدان، لاسيما في بلد صحراوي شاسع المساحة مثل موريتانيا. أعتقد أن الطيران ليس وحده ما ميز هذه العروض العسكرية.. فقد شاهدنا مشاركة غير مسبوقة لإدارة العتاد واللوجستيك، وهي إدارة تم استحداثها قبل فترة قصيرة ولها قيادة خاصة وتملك وسائل متطورة وإمكانيات تتيح صيانة مختلف التجهيزات والأسلحة والآليات العسكرية وتضمن جاهزيتها على الدوام.
ولا شك أن التنوع كان الميزة الرئيسية لاحتفالات القوات المسلحة وقوات الأمن؛ حيث رأينا مشاركة كل من الجيش بمكوناته البرية والبحرية والجوية، والدرك بمختلف فروعه وتجمعاته المختصة، والحرس بكافة أقسامه ووحداته، والشرطة بجميع اختصاصاتها الأمنية والقضائية والعلمية وغيرها؛ والحماية المدنية، وأمن الطرق.. ورأينا ـ لأول مرة ـ تلاميذ المدارس العسكرية في سن مبكرة جدا، مما يبشر ببناء مؤسسة عسكرية مستديمة وقابلة للتطور ومواكبة مختلف التحولات المتسارعة في العالم المحيط بنا.
باختصار، يمكن القول بأن موريتانيا اليوم لديها قوات مسلحة وقوات أمن قادرة على حماية أراضيها وصون سيادتها واستقلالها..
لقد حققت أجهزة الأمن الخارجي والداخلي نجاحا جديدا من خلال كشف واعتقال مجموعة من المشتبه بانتمائهم للجماعات الإرهابية، وضبطت بحوزتهم أسلحة ومواد متفجرة وأجهزة اتصال..وهذه مناسبة أخرى لتقديم التهنئة لقادة الأجهزة الأمنية الوطنية..
الوطن: على ذكر الاستقلال، تحتفل موريتانيا غدا بعيد الاستقلال الوطني.. ما الذي يميز ذكرى الاستقلال هذه السنة برأيك؟
محمد سالم ولد هيبه: عيد الاستقلال هذا العام يمتاز ـ من وجهة نظري الشخصية ـ بعدة خصوصيات عن الأعوام السابقة..
أولا هذه الذكرى تتميز بالحوار الوطني الذي جمع مؤخرا بين الأغلبية وقوى مهمة في المعارضة، وتمخضت عنه نتائج إيجابية جدا. و تميز هذا الحوار بإشراف رئيس الجمهورية على انطلاقه واختتامه، وبالانفتاح الكامل وتناول جميع الأمور التي تهم الساحة الوطنية، سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا، ثقافيا، إعلاميا، أمنيا. وحتى عسكريا.
خرج المتحاورون بتوافق كامل وارتياح عام، وتم اعتماد الشفافية الكاملة في المسار الانتخابي عبر إنشاء لجنة انتخابات مستقلة دائمة مكونة من قطبي الموالاة والمعارضة، تتولى تنظيم كل الانتخابات والإشراف عليها ومتابعتها وإعلان نتائجها..
وأدرجت التعددية الثقافية، وتجريم العبودية في الدستور؛ كما تم تجريم أي شكل من أشكال الوصول إلى السلطة بغير صناديق الاقتراع، وبالتالي وضع حد للانقلابات العسكرية بشكل دستوري ونهائي.
أعتقد أن حصيلة السنتين الماضيتين تثبت ان ما تحقق من إنجازات ونجاحات في موريتانيا لم يتحقق من قبل.. فما أنجز في عهد الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز لم ينجز في عهد أي من الرؤساء الذين حكموا موريتانيا من قبله، بدءا بالرئيس المرحوم المختار ولد داداه وانتهاء بالرئيس السابق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، رغم أن كل واحد من رؤساء موريتانيا السابقين حقق بعض الإنجازات واجتهد في إنجاز ما أمكنه إنجازه.. أنا أحترم كل رؤساء موريتانيا وأقدرهم، واعرف أن لكل منهم إيجابياته وعليه بعض المآخذ.. لكن لا أحد يمكن أن ينكر أن ما حققه ولد عبد العزيز لموريتانيا من نجاحات اقتصادية وأمنية وسياسية، لم يحققه احد قبله. وهذا فضلا عن مناخ حرية الرأي والتعبير الذي نعيشه والذي قل أن نجده في أي بلد من بلدان العالم.. هذا ليس تطبيلا ولا نفاقا، بل اعتراف بواقع جلي يعيشه الجميع.. لقد تضاعفت الاستثمارات الخارجية في البلد، في قطاعات المناجم والصيد البحري والبنى التحتية، ونالت موريتانيا العديد من التمويلات مما يؤكد ثقة الشركاء والممولين في السياسة المنتهجة..
ورغم الصعوبات الناجمة عن الأزمة الاقتصادية العالمية، والنقص الحاد في الأمطار هذا العام، إلا أن الدولة تعمل جاهدة على ضمان مستوى من الخدمات الأساسية وتقديم العون للمواطنين لإبقائهم خارج دائرة الخطر التي تعاني منها شعوب وبلدان أخرى في القارة الإفريقية وخارجها، وقد اعتمدت خطة للتدخل لصالح سكان المناطق الريفية والقروية وشبه الحضرية، تتمثل في برنامج "أمل 2012"، الذي نأمل أن يطبق بشكل سليم ووفق مباديء الشفافية والعدل والمساواة، حتى نتجنب ما آلت إليه برامج أخرى من قبله.
ما تحتاجه موريتانيا هو إرساء العدالة والمساواة بشكل حقيقي وشامل؛ ونشر ثقافة التسامح والتآخي والتضامن بين كافة الموريتانيين، بعيدا عن الفرقة والصدام.
موريتانيا حققت الكثير من الانتصارات الميدانية ضد الإرهاب والجريمة العابرة للحدود وأصبحنا نسمع بعمليات خطف الأجانب في البلدان المحيطة بنا، بعد ان كانت بلادنا مسرحا لها في فترة معينة..
الوطن: ذكرى الاستقلال تتزامن أيضا ـ هذه السنة ـ مع منح رخص بفتح قنوات تلفزيونية ومحطات إذاعية لفاعلين خصوصيين.. وقد لاقت هذه العملية انتقادات واسعة في الساحة الإعلامية، خاصة أن كثيرين اعتبروا أن السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية لم تكن شفافة ولا نزيهة في انتقاء الملفات، بل ذهب البعض إلى اتهامها بأنها لم تمنح تلك الرخص إلا لمقربين من الرئيس ولد عبد العزيز.. ما رأيك؟
محمد سالم ولد هيبه: أولا لا اتفق مع من يقولون بأن السلطة العليا للسمعيات البصرية منحت الرخص فقط لمقربين من الرئيس.. هذا غير صحيح من وجهة نظري. لم يحدث أي تدخل ذي طابع قبلي لدى هذه الهيئة لمنح الرخص لمجموعة معينة دون غيرها.. الواقع أن السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية هي التي تتحمل كامل المسؤولية عما حدث، ولها كامل الصلاحيات في تحديد العروض الفائزة بالرخص قبل تقديمها لوزارة الاتصال..
أرى أن من حصلوا على رخص البث الإذاعي والتلفزيوني يستحقون أن تمنح لهم الرخص، وأنا أهنئهم بهذه المناسبة..
لكن هذا لا يعني ـ بالضرورة ـ أن الآخرين لم يقدموا عروضا تلبي كل الشروط وتستجيب للمعايير المطلوبة..
كان من المنتظر أن تمنح خمس رخص لتلفزيونات خاصة، ولم تمنح غير رخصتين فقط.. لماذا؟ القائمون على السلطة لم يقدموا أي مبرر مقنع بهذا الخصوص..
ومن غير المقنع ـ إطلاقا ـ أن يقصى إعلامي متمرس ورائد في المجال السمعي البصري مثل عبد الله ولد محمدي، ومن غير المستساغ ـ إطلاقا ـ أن يقصى خبير في مجال الإعلام والاتصال حائز على دكتوراه في هذا المجال، مثل الدكتور كان حاميدو بابا.. ومن غير المنطقي أن يقصى إعلامي متمرس مثل محمد عبد الله ممين، ولا مؤسسة إعلامية ناجحة ومتميزة مثل "السراج، ولا صحفي مخضرم مثل محمد فال ولد عمير ولا قناة شنقيطوغيرهم ممن أثبتوا جدارتهم في الميدان...
أنا أحمل السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، وحدها، كامل المسؤولية.. وأطالب وزارة الاتصال بالتدخل العاجل عبر القيام بتحقيق معمق ودقيق حول ملابسات ما جرى بشأن ملفات رخص الإعلام المرئي والمسموع، وتقديم نتائج ذلك التحقيق إلى رئيس الجمهورية حتى تتضح الأمور وتعود الطمأنينة إلى النفوس ونتجنب أن تكون بداية انطلاق الإعلام السمعي البصري الحر في بلادنا مشوبة بالغموض وعدم الشفافية.