“بكل شيء يتنبأ القاموس″ : بول فاليري




ـ1ـ
آخذ هنا أحد الأمثلة “الصغيرة” التي أصبحتْ جدّ مألوفة. منذ سنتين وفي نقاش بإحدى القنوات العربية حوْل جرائم نظام من الأنظمة العربية القائمة، استخدم متحدثٌ ما لغة طائفية في وصف هذا النظام. أوقفه مدير الحوار ودعاه إلى تفادي منح الجهات الحاكمة صفة الانتماء الطائفي المفترض لرئيس البلد المعني. بدا المتحدث منفعلا وفي موقف هجومي واستخدم عبارات من نمط أنه لم يعد هناك مجال للمجاملة أو لعدم تسمية الأشياء بمسمياتها. أشارت عليه صحافية مشاركة في إدارة الحوار بالاستمرار. بدا زميلُها وحده الذي لم يفهم بعد أن زمن “تسمية الأشياء بمسمياتها” التي لا تمْلكها قد هيمن وهدَمَ كل الاعتبارات الأخرى كالمواطنة والتعايش المشترك.

ـ2ـ
تخْـلصُ ورقة بحثية أعدّها المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في شهر مارس الماضي عن “الطائفية والاحتفاظ بالسلطة في سياق الربيع العربي” إلى ثلاثة عناصر أساسية. أولها أن تدشين ما سمي بالربيع العربي تميز بتحركات شعبية حاولتْ، في مواجهة القمع الفوقي، تفادي فخ الهويات الجزئية وعملتْ على صياغة سرديات جماعية تصالحية (الأمثِـلة المستثمرة مأخوذة من أربعة بلدان : سوريا والعراق والبحرين ولبنان). كما تَميزَ بأن الحكومات والفاعلين السياسيين المهيمنين “بدل أن يكونوا حارسين للسيادة والوحدة تكشّفوا بصفتهم مصدر الصراعات الفئوية.”

ـ3ـ
في المستوى الثاني لم تستطع السرديات التصالحية أن تعمَّرَ طويلا لأن التحركات الشعبية لم تكن تتحدث بلسان واحد. لم تكن تتمتع بالمستوى الكافي من الأطر التنظيمية القادرة على بسط ثقافة الانضباط. كان من السهل على الأصوات المتطرفة ذات الأجندات الطائفية أن تخرج عن الإجماع الأصلي وتدخل مع الأنظمة في استقطاب طائفي يهمِّش من لا يتبناه. وبقدر ما ازداد القمع وعدد الضحايا بقدر ما تمّ تحييد السرديات المناهضة للطائفية. الطبيعة القمعية للأنظمة الموروثة كانت قد جعلتْ الفضاءات الخصوصية للطوائف وحدها التي تتمتع بمستوى من الاستقلال الذاتي رغم محدودية الأخير. وسهَّلتْ تماهي أي حركة في الفضاء العام مع تعددية حركية موزعة على الفضاءات الخاصة للإنتماءات الطائفية والفئوية. وفي المستوى الثالث مثّلَ التحاقُ بعض الأحزاب والتيارات التقليدية بالتحركات الشعبية عواملَ زادت الزخم الشعبي ولكنها أيضا ضاعفت الاستقطاب الطائفي (طبيعة هذه التيارات وما تمثله من أجندات إقليمية ودولية إلخ.)

ـ4ـ
تُميزُ الورقة بين نوعين من العنف عرفهما الربيع العربي. العنف الذي واجه به بن علي التونسيين ومبارك المصريين. وهو عنف موحِّد لأنه عني ميدانيا معاناة مشتركة ليست لها إلا هوية السلطة التحكمية الفوقية. أما العنف مثلا في سوريا والبحرين فقد استطاع تفكيك لحمة الثورة لأنه نجح في استثمار الذاكرة الطائفية وفي تغذيتها، نجح في أن يفتعل هوية أفقية اجتماعية تخفي جزئيا مصدره السياسوي الفوقي. تستنفر لذلك إنشائيات مضادة تعمل على توظيف شبكة من المفردات ذات
...