المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حادث اصطدام/غراهام غرين



the runaway
25-01-2007, 03:48 PM
حادث اصطدام

قصة:غراهام غرين

ترجمة:رافع الصفار


لــ موقع عراق الكلمة



-1-

صباح يوم الثلاثاء، أستدعي جيروم إلى غرفة المدير خلال فترة الإستراحة بين الحصتين الثانية والثالثة. ولم يكن خائفا من المشاكل، لأنه كان (حارسا) وهو اللقب الذي ارتأى صاحب المدرسة ومديرها أن يطلقاه على الأولاد المميزين والموثوق بهم في المرحلة الأساسية، بعدها يتم ترقيتهم إلى لقب (راعي)، وأخيرا وقبل مغادرتهم المدرسة ذات الإمتيازات العالية، وعلى أمل أن تكون وجهتهم إلى (مارلبورو) أو إلى (فريق الركبي)، يحصلون على لقب (صليبي). وكان السيد (ووردزورث)، مدير المدرسة، جالسا خلف مكتبه وقد بدت عليه علائم التوجس والإرتباك. وعندما دخل جيروم الغرفة تكون لديه انطباع بأنه ربما يكون سبب هذا الخوف.

بادر المدير إلى القول:

- إجلس يا جيروم. هل الأمور جيدة في مادة المثلثات؟

- نعم..أستاذ.

- استلمت إتصالا تلفونيا من عمتك، وأخشى أن هنالك أخبارا سيئة.

- نعم...أستاذ ؟

- والدك تعرض لحادث.

- أوه.

نظر المدير إلى جيروم باندهاش. أضاف قائلا:

- حادث خطير.

- نعم...أستاذ ؟

كان جيروم يحب أباه إلى درجة العبادة. وكما يعيد الإنسان خلق الرب، فإن جيروم أعاد خلق أبيه..من مجرد مؤلف أرمل غير مستقر الى.. مغامر غامض يجوب أصقاع الأرض..نيس، بيروت، مايوركا..وحتى جزر الكناري. والآن يبدو أن والده قد تعرض لوابل من رصاص رشاش أوتوماتيكي.

كان السيد ووردزورث يلعب بالمسطرة فوق المكتب. كان تائها لا يدري كيف يواصل حديثه. قال:

- انت تعرف بأن أباك كان في نابولي.

- نعم..أستاذ.

- عمتك إستلمت إتصالا من المستشفى اليوم.

- أوه.

قال المدير وهو في حالة يأس تام:

- كان حادث طريق.

- نعم استاذ ؟

كان جيروم على يقين من أنهم لن يطلقوا على الحادث إسما آخر. وبطبيعة الحال فإن الشرطة هي التي بدأت بإطلاق النار، أما بالنسبة لأبيه فإن التضحية بحياة الإنسان هي الملاذ الأخير.

- أخشى أن يكون أبوك في حالة خطيرة جدا.

- أوه.

- في الحقيقة يا جيروم أن أباك توفي بالأمس...ومن دون أن يتألم كثيرا.

- هل كانت الإطلاقات موجهة إلى قلبه؟

- عفوا، ماذا قلت؟

- هل كانت الإطلاقات موجهة إلى قلبه؟

- لم يطلق أحد عليه النار ياجيروم. لقد سقط عليه خنزير.

وتقلصت عضلات وجه المدير، كما لو أنه كان على وشك أن يضحك. أغلق عينيه وأعاد تشكيل ملامح وجهه بشيء من التجهم وقال بسرعة:

- كان والدك ماشيا في أحد شوارع نابولي عندما سقط عليه خنزير. حادث مريع حقا...على ما يبدو أن الناس في الأحياء الفقيرة من مدينة نابولي يحتفظون بالخنازير في شرفات البناية. وكان هذا الخنزير في الدور الخامس، ولعل زيادة وزنه أدت إلى تهدم الشرفة، فسقط الخنزير على أبيك.

عندها نهض السيد وردزورث من مكتبه وتوجه إلى النافذة معطيا ظهره لجيروم.

قال جيروم متسائلا:

- وماذا حدث للخنزير؟


-2-


لم يكن ذلك تبلدا في الأحاسيس من جانب جيروم حسب التفسير الذي ذهب إليه السيد وردزورث عندما نقل لزملائه الطريقة التي تلقى بها الفتى خبر وفاة والده. كان جيروم يحاول رسم المشهد الغريب للوصول إلى التفاصيل الصحيحة. كما أنه لم يكن من النوع الذي يمكن أن ينهار سريعا، بل على العكس من ذلك كان فتى شديد التأمل، ولم يحدث له طوال فترة وجوده في المدرسة الإعداية أن وجد نفسه في موقف يكشف له حقيقة الوضع العبثي والمضحك لوفاة والده، بل ظلت واعتبرها هو جزءا من أسرار الحياة. لكن في فترة لاحقة، خلال الفصل الأول له في المدرسة الثانوية العامة، عندما حكى القصة لأحد أصدقائه المقربين، بدأ يدرك طبيعة التأثير الذي يمكن أن تتركه لدى الآخرين. بعد تلك المواجهة صار يُعرف من قبل الجميع وبشكل لاعقلاني وغير عادل بإسم (خنزير).

ولسوء حظه لم تكن عمته تملك شيئا من حس النكتة. كان هنالك صورة لأبيه مكبرة وموضوعة على جهاز البيانو، رجل ضخم حزين الملامح يرتدي بدلة سوداء ذات حجم غير مناسب، في مدينة كابري، يحمل بيده مظلة (كي تحميه من ضربة الشمس)، وصخور (الفاراغليون) تشكل خلفية الصورة. في سن السادسة عشرة، كان جيروم يدرك تماما بأن الصورة لمؤلف كتب (شروق الشمس والظلال) و (متسكعون في الباليرك) أكثر مما هي لعميل في المخابرات. رغم ذلك كان يحب ذكرى أبيه، فهو ما يزال يحتفظ بألبوم يضم صور الكارتات التي استلمها من أبيه خلال رحلاته المتعددة (بعد أن عمل على نقل الطوابع منها إلى ألبوم آخر)، وكان يتألم كثيرا عندما يسمع عمته تروي وفاة والده للغرباء.

وغالبا ما تبدأ قصتها قائلة:

- حادث إصطدام مريع.

عندها تتشكل ملامح التعاطف والفضول على وجه الغريب أو الغريبة، وهي دون شك ملامح زائفة، لكن ما كان يرعب جيروم كثيرا رؤيته للفضول الحقيقي وهو يطل من عيني المستمع أو المستمعة بعد أن تتكشف جوانب الحدث المثير في القصة.

وتقول العمة:

- لا أدري كيف يمكن لأمور كهذه أن تحدث في بلد متمدن. وأعتقد أن إيطاليا كما يفترض الجميع هي بلد متمدن. نعم المرء يتوقع كل شيء وهو خارج بلده، وأخي رحالة كبير. كان على الدوام يحمل فلتر الماء معه بدلا من شراء قناني المياه المعدنية لتوفير مبلغ لابأس به من المال. وكان دائما ما يقول بأن الفلتر يوفر له على الأقل نفقات مشروبه. ولعل في هذا ما يدلل بأنه كان رجلا حريصا وحذرا، فهل تتوقع بالله عليك وبينما هو يقطع شارع دوتور مانويل بانوتشي في طريقه إلى متحف الهايدروكرافيك أن يسقط عليه من السماء خنزير.

لم يكن والد جيروم كاتبا متميزا، ولكن غالبا ما يحدث بعد موت الكاتب أن يبادر أحد المهتمين بالكتابة إلى الملحق الأدبي لجريدة التايمز يعلن عن نيته بكتابة السيرة الذاتية للأديب المتوفى ويسأل عمن يستطيع أن يزوده برسائل ووثائق تخص الكاتب، أو اية قصة أو حكاية يمكن أن يبعثها الأصدقاء والأقارب. وبطبيعة الحال فإن معظم السير الذاتية لا تظهر أبدا مما يدفع المرء إلى التساؤل فيما إذا كان الأمر برمته لايتعدى أحد أشكال الإبتزاز الخفي، أو أن الكاتب المزعوم للسيرة قد وجد في ذلك سبيلا لإنهاء دراسته في كنساس أو نوتنغهام.

وجيروم، على كل حال، بإعتباره محاسبا مرخصا لم يكن يفقه شيئا من عالم الأدب والأدباء. وكان في الحقيقة يبالغ كثيرا في حجم الخطر الذي يتهدده بسبب الحادثة الغريبة التي أدت إلى موت أبيه. لهذا بدأ يلجأ في الفترة الأخيرة إلى التدرب على أفضل طريقة في سرد القصة من أجل التقليل من العنصر الفكاهي فيها إلى الحدود الدنيا الممكنة. وبالطبع من غير الممكن أن يرفض في تقديم المعلومات، ففي مثل هذه الحالة ومن دون شك سيلجأ كاتب السيرة إلى عمته التي سوف تسرد له كل التفاصيل دون أدنى تردد.

وقد توصل إلى طريقتين. الأولى تسرد التفاصيل بطريقة متأنية وهادئة من شأنها أن تجعل الحادثة الرئيسية (موت والده) شيئا ثانويا، إذ أن خطر الانفجار بالضحك يكمن دوما في عنصر المفاجأة، ولهذا فهو في طريقته هذه يبدأ بالتحدث بصورة مملة ومضجرة قائلا:

- هل تعرف شيئا عن نابولي ومبانيها السكنية الشاهقة الارتفاع؟ قال لي أحدهم مرة بأن سكان نابولي يشعرون في نيويورك وكأنهم في مدينتهم، تماما كشعور أهل تورين وهم في لندن، لوجود النهر في كلا المدينتين كما تعرف.... عم كنت أتحدث؟ آآآ..نعم، نابولي.. بالطبع. ستصيبك الدهشة بالتأكيد عندما تعرف ماذا يضع الناس في الأحياء الأكثر فقرا في شرفات البنايات، لا..لا.. ليس الغسيل كما هو متوقع..بل أشياء مثل..بعض الحيوانات كالدجاج...أو حتى الخنازير. وطبعا هذه الخنازير لاتمارس أي نوع من الحركة في مكان ضيق كالشرفة مما يؤدي بالتأكيد إلى زيادة وزنها في وقت قياسي وبشكل غير طبيعي على الإطلاق.

يمكنه الآن أن يتخيل مستمعه وقد اتسعت عيناه وتألقت.

- هل لديك أدنى فكرة عن الوزن الذي يمكن أن يبلغه خنزير كهذا. أنا لا أعرف بالضبط، ولكن حدث أن شرفة في الدور الخامس قد انهارت تحت أحد هذه الخنازير، فاصطدمت بشرفة الدور الثالث قبل أن يسقط الخنزير إلى الشارع. كان والدي في طريقه إلى متحف الهايدروكرافيك عندما سقط هذا الخنزير عليه، فتوفي في الحال.

ربما كانت هذه محاولة فذة في وضع الموضوع الممتع ضمن إطار ممل.

الطريقة الثانية تتسم بالإيجاز الشديد:

- لم يكن موته طبيعيا بل قتله خنزير.

- وأين حدث هذا؟ في الهند؟

- لا في إيطاليا.

- غريب، لم أعرف أبدا بأن الايطاليين يهوون مطاردة الخنازير. هل كان أبوك مولعا بلعبة البولو؟

ومع مرور السنوات، ليس مبكرا جدا ولا متأخرا جدا، وبعد أن تعامل مع الموضوع، باعتباره محاسبا مرخصا، حسابيا وبالأرقام واستخرج النسبة والمعدل، قرر أن يتزوج من فتاة مليحة الوجه في الخامسة والعشرين من عمرها، أبوها يعمل طبيبا في (Pinner)، واسمها (سالي) وكاتبها المفضل هو (Hugh Walpole)، وتعشق الأطفال منذ أن حصلت وهي الخامسة من عمرها على دميتها الأولى التي تحرك عينيها وتذرف الدموع. وكانت العلاقة بينهما هادئة وخالية من الانفعالات العاطفية مما ساعد على بقائها واستمرارها لأنها ببساطة شديدة لم تكن تتعارض مع حساباته وأرقامه.

ظلت مسألة واحدة تقلقه كثيرا. حبه الكبير لأبيه، وتشبثه بهذا الحب وخوفه من أن تهتز صورة هذا الحب لو أن سالي لم تدرك تماما جوانب الموضوع وانفجرت بالضحك عند سماعها لقصة وفاة والده. وسيكون من المحتم أن تسمعها عندما يأخذها إلى العشاء مع عمته. وقد حاول في بضعة مناسبات أن يحكي لها القصة بنفسه، بما أنها كانت متلهفة لمعرفة كل شيء عنه.

- هل كنت صغيرا عندما توفي والدك؟

- فقط تسع سنوات.

- أمر محزن.

- كنت في المدرسة عندما نقلوا لي الخبر.

- وكيف كان وقعه عليك؟

- لا أتذكر.

- لم تخبرني أبدا كيف حدثت الوفاة.

- حادث طريق....وحدث الأمر بسرعة.

- وماذا عنك يا جيمي (صارت تدعوه بجيمي)، هل تقود بسرعة؟

ولم يتمكن من الانتقال إلى الطريقة الثانية التي تتحدث عن مطاردة الخنازير.

وكانا يخططان للزواج في مكتب للتسجيل وقضاء شهر العسل في (توركوَي)، وقد تجنب جيروم أخذ عروسه إلى عمته حتى الأسبوع الأخير من موعد العرس. وعندما حلت الليلة التي تلتقي فيها عروسه بعمته لم يكن على يقين فيما إذا كان قلقا وخائفا على ذكرى أبيه أم على حبه.

وجاءت اللحظة بأسرع مما كان يتوقع، عندما سألت سالي وهي تلتقط صورة الرجل صاحب المظلة:

- هل هذه صورة والد جيمي؟

- نعم يا عزيزتي، ولكن كيف عرفت ذلك؟

- له نفس عيني وحاجبي جيروم...أليس كذلك؟

- هل أعارك جيروم كتب أبيه؟

- لا لم يفعل.

- حسنا، سأهديك مجموعة منها بمناسبة عرسك. أجمل كتبه كانت حول رحلاته. أما المفضل لدي فهو (زوايا وخبايا). كنت أتوقع له مستقبلا باهرا، لكن حادثة الاصطدام تلك قتلت كل شيء.

- أمر محزن....

تمنى جيروم في تلك اللحظة لو يغادر المكان قبل أن يرى الوجه الحبيب وهو يتقلص كي ينفجر في ضحكة مفاجئة.

- كثيرون من قرائه بعثوا برسائل إثر سقوط الخنزير عليه.

لم تكن عمته أبدا مباشرة بهذا الشكل من قبل. عندها وقعت المعجزة ولم تضحك سالي، بل تسمرت في موضعها مذعورة العينين تستمع لعمته وهي تواصل سرد القصة حتى النهاية.

- أمر مرعب حقا، ويدفعك إلى التأمل. هكذا فجأة يأتيك من السماء.

امتلأ قلب جيروم بالبهجة، فلقد أزاحت عنه رعبه وإلى الأبد. وفي سيارة الأجرة التي أقلتهما إلى البيت طوقها بذراعيه وقبلها بحب غامر لم يكشف عنه بمثل هذه القوة من قبل، وكانت ردة فعلها واضحة عندما تلألأت الدموع في عينيها الزرقاوين. سألها:

- بماذا تفكرين الآن يا عزيزتي؟

طوقت كفه بيديها وقالت متسائلة:



- وماذا حدث للخنزير المسكين؟


- من المؤكد أنهم تناولوه على العشاء.


قال ذلك وهو يقبل عروسه ثانية، وقد غمرته سعادة مفاجئة.

zeine77
25-01-2007, 07:28 PM
السلام عليكم

قصة جميلة أخ الهارب.

بما أني لم أقرأ قبلا لغراهام غرين فاستسمحك في طلب قصص أخرى للكاتب و سيرته الذاتية إن أمكن.

مع جزيل الشكر.

محمد اباه
25-01-2007, 09:28 PM
أخي العزيز zein77
دمت-كما كنت دائما- صديقا وفيا للثقافة ,
والأدب العالمي خصوصا .
والشكر موصول للكاتب المتميز the runaway
والشكر له على الإضافة القيمة , ونيابة عنه هذه نبذة
مختصرة جدا عن الكاتب:
فقد ولد الكاتب البريطاني غراهام غرين Grahame Greene في سنة 1904، ودرس في مدرسة بيركهامستيد حيث كان والده مديراً لها.
وبعد فشله في كلية باليول بأكسفورد,
عمل مدة أربعة أعوام محرراً مساعداً في صحيفة (التايمز).
في سنة 1935 قام برحلة عبر أراضى ليبريا.
وقد نشر خلال حياته أكثر من ثلاثين عملاً في مجال الرواية
والمسرحية والقصة القصيرة وكتب الرحلات والأطفال.
ولنا عودة بتفصيل أكثر باذن الله,
عن الكاتب وعن قصصه .

zeine77
26-01-2007, 07:11 PM
Salut, cher m.b.i
Mes remercies pour ton effort géant
Je serai tjrs là incha allah et n'oublie pas Garcia

Avant de finir je m'éxcuse car je n'ai pas de clavier arabe

the runaway
28-01-2007, 05:44 PM
العزيز الزين لقد ذكر الأخ إباه موجز الرجل وبقي فقط أن أضيف بأنه كاتب من أذكى ما يكون,حين تقرأ له تجد نفسك أمام عقل لا يمكنك أن تتوقع له سقفا,وتدرك بأنه سيعزفك كما يشاء لأنك ستندمج بقصته ولن تُفيقك نقطة النهاية,ستنفعل وتتألم,ستبكي وتنفجر بالضحك!,وستندهش(لأنو حيوريك اللي عمرك ما شفتو:) )

أسلوبه ساحر وساخر ولغته مباشرة تصل القارئ بيسر وسهولة..

تعرفت عليه في "حفلة القنبلة" ومن يومها وأنا مدمنُه,لدي كثير من أوراقه الإلكترونية,وسأنثر لك منها كل مرة..


اليوم أجلب هذه,وهي مليئة بالأخطاء الإملائية واللغوية,أرجو أن تسامحني والقراء,لا أملك وقتا الآن لإصلاحها,ولكني سأعود لاحقا من أجل ذلك..



البريء

قصة:غراهام غرين

ترجمة:صالح رزوق

لقد كان أمرا إدا أن أصحب لولا إلى هناك. فهمت ذلك منذ اللحظة الأولى التي استنارت وجوهنا بأنوار القطارات في محطة البلدة الهامشية . في أماسي الخريف بمقدور المرء أن يستعيد خيطا أطول من الذكريات عن أيام الطفولة بالمقارنة مع أية فترة أخرى من العام ، و إن وجهها المشرق و الغامض ، و حقيبتها البسيطة التي يصعب أن تستوعب بين أشيائها لوازمنا الليلية ، كانت بصراحة غير منسجمة مع الإطار الذي يحيط بنا : صوامع الحبوب القديمة في عرض القناة الرفيعة ، الأنوار القليلة التي تشع في أعالي المرتفعات ، و بوسترات فيلم من عهود بائدة.
حينما قالت لي : ( دعنا نذهب إلى الأرياف ) أول اسم ورد إلى الذهن ، طبعا ، كان لراعي الكنيسة هيندرون . ما من أحد سوف يفطن أن لي هناك ، و لم أتكهن أنني هو من سوف يكون في تيار الذكريات. حتى الحارس الطاعن في السن قلب علي المواجع. قلت : ( سوف نجد مركبا بأربعة دواليب عند البوابة ). و بالفعل لقد كانت هناك. و لكن أول الأمر لم ألاحظ ذلك ، و انشغلت عنها بتأمل عربتي تاكسي أجرة و بشوارد من الأفكار. ( إن الماضي آت لا محالة ). كان الوقت معتما ، و الضباب الخريفي الخفيف ، مع روائح الأوراق الرطبة و ماء القناة لها جميعا أبعاد معروفة في أعماق الوعي الباطن.
قالت لولا : ( و لكن لم انتقيت هذا المكان؟ إنه كئيب).
لم يكن يجدي نفعا أن تفصح لها عن ابتهاجي به ، فقصور الرمال بمحاذاة القناة كانت هناك منذ الأبد و إلى الأزل ( أذكر : حينما كنت في السنة الثالثة من عمري خامرتني الظنون أن هذا هو القصد وراء ارتحال البشر إلى شواطئ البحار ) . أخذت الحقيبة ( ذكرت لكم كم هي خفيفة ، إنني أعدها بمثابة جواز سفر مزيف إلى عالم المظاهر ) و قلت علينا أن نتابع سيرا على الأقدام . وصلنا إلى الجسر المعلق و عبرنا من البيوت المشجرة. حينما كنت في الخامسة رأيت رجلا في أواسط العمر و هو يهرع إلى إحداها اينتحر. كانت بيده سكينة ، و في أعقابه كل الجيران على الأدراج . قالت : ( لم أعتقد أبدا أن الأرياف على هذه الحالة ). كانت تلك البيوت المشجرة قبيحة بالفعل ، مجرد علب من أحجار رمادية صغيرة ، و لكنني كنت أحفظها عن ظهر قلب. إن ذلك المشوار عندي يعادل الاستماع إلى عزف موسيقي. و لكن توجب علي أن أذكر شيئا أمام لولا. لم يكن خطأها أنها لا تنتمي إلى هذا المكان. تجاوزنا المدرسة ثم الكنيسة، وصلنا إلى محيط الشارع الرئيس العريض ، و إلى الإحساسات البشرية الأولى بالسنوات الإثنتي عشرة من بواكير حياتي. إن لم أحضر لن يتبادر إلى ذهني كم هو هو ذلك الشعور قوي و متمكن ، و بالأخص أن تلك السنين لم أتمتع فيها بشيء من الحبور أو بشيء من الشقاء ، بالمعنى الحرفي لتلك الكلمات ، لقد كانت سنوات عجافا ، و لكن الآن و مع رائحة أنفاس خشب الوقود ، و ما يهب علينا من نسمات باردة قوية من أحجار أرصفة مشحونة بالعتمات و الرطوبة ، أعتقد أنني أدركت كنه القيود التي كبلت جوارحي. إنها الرائحة التي تميز عهد البراءة.
قلت إلى لولا : ( هذا بنسيون جيد ، و لن تنجم عنه معاناة ، سوف ترين ، إنه مناسب للاستراحة. سنحصل على وجبة عشاء مع كؤوس شراب ثم نأوي إلى الفراش ). و لكن أسوأ ما في الأمر أنني رغبت من كل قلبي لو أتيت بمفردي. فأنا لم أعمد إلى العودة في السنوات التي خلت ، و لم أفهم لم الذكريات عن المكان حاضرة في ذهني. أشياء غابت في النسيان ، من قبيل كثبان الرمال تلك ، تصعد في رأسي مع نفحة مؤثرة من النوستالجيا و الشغف. لقد كنت في تلك الليلة على شفير السعادة الكبرى و لكن بطريقة مختلفة ، سعادة على شفا مزاج خريفي أسود غامض. و أنا أفكر بمصير البلدة الصغيرة ، مع البحث عن إشارات إلى تلك المرحلة من العمر ، حينما كنا نتحلى بقدر من التبصر و الأمل ، على الرغم من تعاستنا. هذا أمر تم و انتهى ، و لن يتكرر أبدا ، لأن لولا برفقتي ، و هي بلا صلة بموضوعي على الإطلاق. فقد تصادف أن التقينا قبل يوم خلى في بار ، و أحب الواحد منا الآخر. كانت لولا معقولة ، و ما من أحد سواها أرغب بمكوثه معي طوال الليل ، غير أنه كان يعوزها المكان المناسب في خضم بحر هذه الذكريات . كان الأجدى لنا لو ذهبنا إلى ميدنهيد. ذلك المكان يعتبر من الأرياف كذلك.
***
لم أجد البنسيون في المكان الذي أتذكره بالتحديد. رأيت هنالك مقر البلدية ، و كان بجوارها مبنى جديد لسينما ذات قبة على النمط المغربي ، و كافتيريا . و كان هنالك علاوة على ذلك كاراج لم يكن له وجود في أيامي .
و نسيت أن أخبركم عن اللغة باتجاه اليسار نحو أعلى منحدر هضبة توجد فيلات على جانبيها.
قلت : ( لا أعتقد أن هذا الدرب كان سالكا في تلك الفترة ). سألت لولا : ( في أيامك؟).
- ألم أخبرك؟ لقد ولدت في هذه النواحي.
قالت لولا : أود لو أصفعك على قفاك لأنك أتيت بي إلى هنا. أظن أنك اعتدت على التفكير بليال من هذا النوع ، حينما كنت صبيا.
قلت : ( نعم ). فالغلطة أولا و أخيرا ليست غلطتها. إنها فتاة معقولة. و قد أحببت عطرها. و كان لها على شفتيها روج لونه من نوع مفتخر. و لكنها سوف تستنزف مدخراتي، كما لو أنني مصاب بنوبة اسمها لولا. بعدئذ ستأتي كل تلك الفواتير و الأثمان و المشاريب. حاذر أن يذهب من الذهن أن النقود تتسرب من يديك في أي مكان في العالم. على هون مشيت في أسفل الطريق. كان هنالك شيء ما يضطرم في رأسي ، و لكن لم يكن بوسعي أن أتذكر ما هو ، لو لم ينحدر في تلك اللحظة من سفح الهضبة حشد من الأولاد نحو دائرة القناديل المضيئة. كانت أصواتهم حادة و لها طنين. و أنفاسهم تتبخر إلى أعلى و هم يمرون من تحت المصابيح المشعة. و بحوزة كل منهم حقيبة من الكتان ، و بعض تلك الحقائب مطرزة بالحروف الأولى. و كانوا في أبهى حلة وة تبدو الثقة في النفس عليهم. و قد التأمت الفتيات الشابات الصغيرات في صف متراص واحد ، و كان لهن مظهر متماثل من ربطات شعر و أحذية ملمعة و فرقعة صاردة من عصف أصابع البيانو. لم يخامرني الشك أبدا أنهن في الطريق إلى تمرين راقص ، مثلما اعتدت أن أفعل من قبل بالذهاب إلى الذهاب بيت صغير له شكل مربع يقودك إليه درب متعرج صاعد حتى منتصف سطح الهضبة. أكثر مما سبق تمنيت لو أن لولا ليست معي. إنها تفقد تآلفها التدريجي مع المكان ، و كأن هنالك ، مثلما خطر لي ، " شيئا مفقودا من الصورة " ، أو إحساسا بالضنك الملتهب القاتم في أعماق الذاكرة. جرعنا قدرا من الشراب في البار ، و لكن كان علينا أن نقتل نصف ساعة من الوقت قبل أن يحين موعد إعداد\ مائدة الطعام. قلت لولا : لن ترغبي بالتسكع في هذه البلدة. إن لم تمانعي ، سوف أنسحب مقدار عشر دقائق لأتفقد مكانا كنت أعرفه ).
لم تعترض. رأيت في البار رجلا محليا ، ربما هو مدير مدرسة ، يتشوق لدعوتها إلى كأس . كان باستطاعتي أن أراه كم يحسدني ، و أنا برفقتها في البلدة من أجل ليلة واحدة.
**
تسلقت منحدر الهضبة. كانت البيوت الأولى كلها جديدة. لقد أبغضتها. إنها تحجب عني عناصر من الذاكرة مثل حقول و بوابات كانت هنا. و أصبحت أشبه بخارطة لحقت بها الرطوبة و هي في الجيب إلى أن اختلطت أجزاء منها بأجزاء أخرى. حين تفتحها لا بد و أن تذهب في طي الخفاء مساحات واسعة منها. و لكن عند منتصف الطريق رأيت البيت الحقيقي هناك. إنه الدرب إذا. و لعل السيدة العجوز بذاتها هي التي تلقي الدرس الآن. في حضور الأولاد ينتابك الإحساس السري بتقدمك في العمر. في تلك الأيام لم تكن في تقديري تزيد عن خمسة و ثلاثين عاما. بوسعي أن أسمع ضربات البيانو. إنها لا تزال تتبع الروتين نفسه. أولاد ما دون الثامنة من العمر ، ما بين الساعة 6 -7 بعد الظهر. أولاد ما بين البداية و دخلت منها إلى ممر صغير. كنت أحاول أن أتذكر. لم ما هو سبب الذكريات. ببساطة أعتقد إنه الخحريف ، البرد ، أوراق الغابات المبللة ، و ليس البيانو الذي كنا نعزف به ألحانا في تلك الفترة. تذكرت أيضا الفتاة الصغيرة بالطريقة التي تأتي بها الذكريات غلى المرء من غير عون الصور الفوتوغرلفية. كانت أكبر مني بسنة واحدة. كانت في بداية عامها الثامن كما أظن. لقد أحببتها كما لم أحب أحدا ، كما أعتقد. على الأقل لم أسخر من هوى الصغار، خطيئة نرتكبها عادة. إنها تبعث فيك الشعور المستحيل البغيض بالفراق ، فقط لأنه لم يعد هنالك طمأنينة. بالطبع ، المرء يبتدع حكايات عن بيوت تلتهمها النيران ، و عن حروب و عقوبات مؤجلة ، لتثبت كم أنت مقدام. و هذا تراه في عينيها . و لكن دون أن تجرؤ على التفكير في الزواج على الإطلاق. إن المرء يدرك دون أن يخبره أحد أن هذا لن يحدث ، و مع ذلك إن معاناته لن تكون أقل. و عادت إلى الذاكرة كل تلك الألعاب في حفلات أعياد الميلاد ، و أنا أشهق معصوب العينين وراء رغبة شاقة في الإمساك بها. و بذلك تتسنى لي الفرصة كي ألمس ز أحضن ، و مع ذلك لم يحصل أن ألقيت القبض عليها. كانت دائما تعرف كيف تبتعد عن طريقي. و لكن مرة في الأسبوع و خلال شتائين حصلت على الفرصة : لقد رقصت معها. و هذا جعل الأمور تسوء ( لقد بتر سبيل اتصالنا الوحيد ) حينما أخبرتني في أحد الدروس الأخيرة أنها في الشتاء القادم سوف تنضم إلى الصف الأعلى. لقد أحبتني جدا ، إنني على ثقة من ذلك ، و لكن لم يكن في حوزتنا طريقة للتعبير الأمثل عن هذا الحب. اعتدت أن أذهب إلى أعياد ميلادها ، و هي كانت تشاركني مناسباتي. و لكن لم نتسابق معا في طريق العودة من دروس الرقص إلى البيت. إن ذلك لا يخلو من الغرابة ، و لكنه لم يخطر لنا. كان علي أن أنضم إلى جماعتي عن الذكور المشاغبين مثيري الأعصاب. و كانت هي الجنس المحاصر بمشاعر الاعتزاز و بطنين و حفيف الرغبة ، على الطريق الهابط من الهضبة. ارتجفت هناك في الضباب. فرفعت ياقة معطفي. كان البيانو يعزف لحن رقصة قديمة من نمط سي بي كوشران <*>. يبدو لي أن هذه رحلة طويلة عليها فقط لأعثر على لولا في نهايتها. هنالك شيء ما يتعلق بالبراءة يصعب على المرء أن يفقده . و الآن لأنه لا تنتابني السعادة فيما يخص هذه الفتاة ، بإمكاني و ببساطة أن أغادر من هنا لأبتاع أخرى. و من ثم إن أفضل ما أفكر فيه هو تحرير رسالة ملتهبة بالعاطفة أقوم بعدئذ برميها في ثقب ( إنه من المدهش كيف تبدأ في تذكر كل شيء ) منحوت في البوابة ، لقد ذكرت لها في إحدى المرات موضوع ذلك الثقب ، و لا شك أنها عاجلا أو آجلا سوف تمد أصابعها إلى داخله لتعثر على رسالتي. و تساءلت ماذا يمكن لوضوع الرسالة أن يكون. ليس بوسع المرء أن يكتب الكثير عن أحاسيسه ، هكذا خطر لي ، في تلك الأيام. و لكن لأن التعبير المكتوب لن يلم بالحقيقة ، ذلك لا يتضمن حكما أن العذاب قد زال و أصبح أقل وطأة مما نشعر به من معاناة أحيانا و الآن. و أذكر كيف كنت أتلمس بأصابعي ذلك الثقب لعدة أيام متتالية لأجد الرسالة في مكانها. ثم توقفت دروس الرقص . ربما في شتاء السنة التالية. لم أعد على يقين. ما أن غادرت من البوابة حتى بدأت أنظر إن كان الثقب في موضعه. كان هناك. وضعت أصابعي فيه ، و في مخبئها الحصين من تقلبات الفصول و توالي السنين ، نتفة الورق تلك كانت في مكانها. تناولتها و فتحتها. و أشعلت عود كبريت ، لسان خفيف من النار توقد في الضباب و الظلام. و لقد صدمني أن أرى بتلك الشعلة صورة مخزية و فظة. ليس هنالك من خطأ في الأمر. كانت هنالك الحروف الولى من اسمي تحت رسوم صبيانية غير دقيقة لرجل و امرأة. غير أن هذا لم يحرض الذكريات مثلما فعلت الأنفاس المتبخرة الحقائب الكتانية ، الأوراق الرطبة ـ أو حتى أكوام الرمال. لم أتعرف على هذا الخط ، ربما يود غريب مريض النفس و شاذ أن يرسمها على جدران مرحاض. كل ما نما إلى ذاكرتي كان عن نقاء و كثافة و عذاب تلك العاطفة. شعرت في البوابة كما لو أنني ضحية لمؤامرة خائنة. خلت لنفسي ( على كل حال ، لولا ليست خارج هذا السباق ). و لكن ، فيما بعد ، و في تلك الليلة ، حينما أدارت لي لولا ظهرها و أخلدت إلى النوم. بدأت أدرك بأعماقي كم هي تلك الصورة بريئة. لقد كنت على ثقة تامة أنني رسمت شيئا جميلا و له معنى. إنه الآن ، و بعد مشوار ثلاثين عاما فقط ، من هذه الحياة ، بدت الصورة في ناظري فاجرة.

1937

هامش المترجم :

*- ( 1872 – 1951 ) Charles B. Cochran: مدير فني شجع على ثقافة اللهو من التزلج على الجليد إلى المصارعة و الموسيقا. حصل على لقب الفروسية عام 1948 .

نشرت القصة :

The Innocent ( 1984 ), by Grahame Greene, In : Twenty One Stories, Penguin Books, p.p.110-114.

صالح الرزوق

zeine77
29-01-2007, 09:35 AM
العزيز The Runaway ,

لك جزيل الشكر على جهدك الرائع
و بالفعل " وراني ألي عمرو ما شفت " :o


لم أسخر من هوى الصغار خطيئة نرتكبها عادة

واصل نثر أوراقك فنحن لها بالمرصاد.

دمتم و إلى الملتقى

جليس
15-04-2007, 10:57 AM
قصص رائعة جدا لكاتب مقتدر وساحر

شكرك أخي الهارب أباه

وأتمنى أن لا تنقطع علينا متعة القراءة

واصل