المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حوار صامت



زاهية بنت البحر
24-09-2011, 09:47 PM
هي
نظرةً ثانية أرميك بها وأنت تكلمها هاتفيًا.. أتراها تعرف بأنني قربك أسمع ما تقوله لها من كلام أجيد تفسيره، ولو كان لغزًا محيرًا؟ كنتَ تكلمني هاتفيًا بنفس الطريقة من قرب أمك قبل أن نتزوج، وكنت أفهم ما ترمي إليه ببساطة لتكراره كلما كنتَ في البيت مع أهلك.. كان حبًا جارفًا يوم تعاهد قلبانا عليه، ورغم كل المصاعب التي وقفت في طريقنا فقد تزوجنا، وسعدنا معًا ردحًا من الزمن.. أحببتك بكل ذرة في كياني، وكنتَ كذلك.. في عينيك الخضراوين كانت حياتي تزهر أجمل الأماني، وأعظم الآمال.. أحاول قطفها كلما تفتحت منها وردة جورية.. أحملها بحنان، وأضعها في مزهرية حبنا..
ياااه كان زمنًا مخمليًا ضمنا معًا في بيتٍ صغير ما لبث أن امتلأ بصغارنا عصافير الجنة.. ما أجملهم بعيونهم البنية والخضراء والسود والعسلية.. تعذبتُ بتربيتهم، ولكن عذاب سعادة كان.. كلمة ماما كانت ترتمي بأحضان قلبي بأطنان السعادة، فتحملني إلى أجواء بديعة لا يعرفها إلا أصحاب القلوب العاشقة للحب.. المترفة بنبضات المودة.. المستكينة لصدر الرحمة بأنفاس الدفء، ولمسات الحنان.. تضع السماعة وابتسامة فوق شفتيك سحرتني حدَّ التقزم عهدًا سابقا.. ما بالك تمسك ابتسامتك عندما التقت عيوننا؟ أتخاف أن أظنها لي؟ لا لن أفعل ذلك، فقد مضى وقتها بالنسبة لي، وحلَّ مكانها بين عينيك عقدة أكرهها لا تفارق مبسطها مادمتَ في البيت.. أذكر عندما ولدتُ ابني البكر.. كان جميلا.. ولكنه كان مقطبًا، فرحتُ أفرد مكان العقدة بأصابع يدي المرتجفة، وأنت وأمك تضحكان مما أفعل.. هاأنت الآن تضع العطر فوق ذقنك وحول عنقك استعدادًا للخروج من البيت.. أنظر إليك ببرود، وصورٌ من الماضي تقتحم ذاكرتي ..لن أدعك تراها ستظل سجينة رأسي الذي أتعبه التفكير بك.. اذهب حيثما شئت ولمن شئت، أمَّا أنا فسأظل هنا في بيتي بين أولادي وبناتي.. أحميهم من الرِّيح إن هبَّت عليهم، ومن الشَّمس إن اشتدَّ وهجها، ومن الليل إن جنَّ بهيمه.. أسمع صوت إغلاق الباب وراءك، فأبتسم، وأنهض من مكاني لأحضر لأطفالي طعام الغداء..
هو
بلهاء عيناك الناعستان تقول هذا.. كانتا جميلتين يومًا ما، أو ربما كنتُ أظن ذلك، وأنا غارق في وهم حبِّك، ولكنه كان وهمًا رائعًا رغم أن الحقيقة اليوم مروِّعة.. الحقيقة أيتها الغبية أنك رفستِ النعمة برجلك، فوقعتِ بشر أعمالك.. هجرتك عاطفيًا علَّك تذوبين شوقًا لأيامٍ خلت.. أدري ماتقوله لي عيناك، ولكنها تكذب عليك، فأنا أفهمها أكثر منك.. ورغم ذلك سأظل أنظر إليك دون اكتراث ..أحرمك ابتسامتي التي كنتِ تعشقينها، ومازلتِ رغم ادعائك الكراهية لي بتصنعك المقزز هذا.. غبية وستظلين غبية.. تظنين أنني أتكلم مع امرأة أحبها.. أعرف ذلك.. عادتك السيئة هذه أفسدت عليك حياتك جعلت الشك قاسم حياتنا المشترك.. لو كنت أحب أخرى فما يمنعني من الزواج بها.. أنت لا تستطيعين فعل شيء، فقط عيون باهتة النظرات معلقة بالفراغ..انظري إلى المرآة هل تعجبك هذه المرأة التي تقف داخلها؟ أنا لا تعجبني لأنها مهملة .. سيئة الظن.. لا تعرف صالحها من طالحها.. يا لنظراتك السخيفة.. ليتك تخرجين من الغرفة.. أعلم أنك تتعذبين، وأنا أتكلم مع إحدى عميلات مكتبي.. لن أخبرك من تكون.. اجتهدي بتفسير كلامي كما تشائين.. عادة سيئة دخلتِ بها حياتي منذ أيام زواجنا الأولى، ومازلت تنحازين إليها أكثر من انحيازك للعقل.. ما بال عينيك تلمعان، وأنا أنهي مخابرتي الهاتفية.. ستزداد غيرتك عندما أضع عطري المفضل وأغلق الباب ورائي.. ياااه الحمد لله خرجتُ من البيت، وبقيت أنت تصارعين عفاريت أفكارك الخادعة التي ستخرب بيتك ذات يوم، ولو بلغ عدد أولادنا المئة.
بنتهما
أعرف أنكما لا تقصدانِ إيلامي، وأنا أراكما كل يوم على هذه الحال من الصمت المقيت بينكما.. ليتني أستطيع اختراق رأسيكما اليابسين، وقراءة ما يدور فيهما من حوار الصمت المبهم.. بل ليتكما تخترقان لمرة واحدة رأسي الصغير، وتقرآن ما فيه من مذكرات لا تسرُّ عدوًا ولا حبيبًا.. لقد تسببتما بتشتت فكري وانسلاخي عاطفيًا عنكما.. لا تستغربا ذلك، فأنا أعيش بلا قلب منذ أن أحرقتما أحاسيسي في حمأة صراعاتكما الدائمة التي يشتد لظاها لأتفه الأسباب.. أتظنان أن الحياة في بيت الأسرة هي طعام وشراب وكساء؟
أشكرك يا سيدي فأنت تعمل ليلًا ونهارًا لتوفر لنا حياة رفاهٍ يحسدنا عليها الكثيرون، وأشكرك يا سيدتي على أنك تطبخين لنا كل يوم ألذ وأشهى المأكولات التي تزيدنا بدانة وكسلًا.. تختارين ثيابنا من أحدث صرعات الموضة وأغلاها ثمنا لترهقيه بميزانية فوق طاقته المادية، فيظلُّ يلهث وراء كسب المال منشغلا عن التفكير بامرأة أخرى تجعله سعيدًا.. الحياة ليست طعامًا أو لباسًا، ولا مسكنًا فخمًا، ولا سيارة طولها عدة أمتار.. ليتكما قبل أن تتزوجا دخلتما دورة تدريبية لدراسة أصول الحياة العائلية السعيدة.. ليتكما تعلمتما كيفية تربية الأولاد تربية صالحة قبل أن يتخرجوا من بيت محطَّم عاطفياً، فيدخلون المجتمع عاهاتٍ مؤذية، فتزيده خرابًا..
لن أسامحكما أبدًا على ما ألقيتما في قلبي من آلام.. بسببكما تعلقت بأستاذي وها أناذي أقطف ثمار عملي حرقة ووجعا.. من سأخبر منكما أنه لن يتزوجني لأني كما يقول أصغره بثلاثين سنة؟ ياله من كاذب مخادع.. ماذا سأفعل بهذا القلب الذي ينوح في صدري، فلا يجد أنيسًا يقاسمه همومه؟ مازلت صغيرة كما تقولان لمن يأتي لخطبتي.. هل أنا حقًا صغيرة وعمري عشرون عامًا؟! أم أنكما لا ترياني وقد اكتسيتُ شبابًا وجمالا .. هكذا قال لي سميح زميلي في الجامعة، وهو يعترف لي بحبه.. اعتذرت منه لتعلق قلبي بأستاذي الذي تقدمت به السن.. أحببته رجلا كاملا طمعًا بتعويضي شيئًا من حنان الأب والأم، ولكنه كان وغدًا رفض الزواج بي بعد عامين من انطلاق شرارة الحب بيننا.. بالله عليكما كفَّا عن المراوغة بالنظرات التي تقطِّعني.. أراكما ممثلين بارعي التمثيل تؤديان دوريكما بنجاح، كما أؤدي دوري بنجاح، والنار تجري تحت بساطِكما وأنتما لا تشعران..

بقلم
زاهية بنت البحر

منت ابوها
25-09-2011, 04:29 AM
جميل جدا ماكتبت ِِ
الأستاذه: زاهية بنت البحر
فأنت كاتبه رائعه وشاعره أيضاممتازه
قصة:حوار صامت رائعه فعلا
ومعبره ..
سلمت يداك الذهبيتان

قرأت المدونه أعجبتني كثيرا
تقبلي مروري وإعجابي

كندة اليمانيه
25-09-2011, 05:39 AM
قصه راااااااااااااااااااائعه ما يدور بين الابوين مضحك .............ولكن حال الأبنه محزن كما قالت أحبت أستاذها لكي يعوضها بعض حنان الأبوين اذا ليس حبا يا صغيرتا ما زلت........سلمت يداك أخت زاهيه

عبد الله اسلم
25-09-2011, 07:02 AM
لزاهية حضور أنيق في الأدب و عمق في النص الشعري شبيه بالبحر الذي اختارت الانتساب إليه ..

ملامح القصة و واقعها و معالجتها جميل متسلسل ، و تلقي ضوء على واقع أليم..


شكرا لك أيتها المبدعة ، و لا تعتبي علينا فالتعليق على نصوص مثل نصوصك يتطلب تركيزا من نمط الاطلاع و القراءة الكثبرة و الالمام بالمدارس ...

زاهية بنت البحر
27-09-2011, 06:57 AM
جميل جدا ماكتبت ِِ
الأستاذه: زاهية بنت البحر
فأنت كاتبه رائعه وشاعره أيضاممتازه
قصة:حوار صامت رائعه فعلا
ومعبره ..
سلمت يداك الذهبيتان

قرأت المدونه أعجبتني كثيرا
تقبلي مروري وإعجابي



أهلا ومرحبا بك أختي المكرمة بنت أبوها
أسعدني حضورك هنا وفي المدونة
جزاك الله عني خير الجزاء
أختك
زاهية بنت البحر

زاهية بنت البحر
27-09-2011, 07:01 AM
قصه راااااااااااااااااااائعه ما يدور بين الابوين مضحك .............ولكن حال الأبنه محزن كما قالت أحبت أستاذها لكي يعوضها بعض حنان الأبوين اذا ليس حبا يا صغيرتا ما زلت........سلمت يداك أخت زاهيه


كندة اليمانية أختي المكرمة
كثيرا مانسمع من القصص ماتقشعر له الأبدان
منها المبكي ومنها المضحك المبكي . هي الدنيا
للأسف قلَّ جدا وندر من يقود دفة الحياة
فيها بوعي وإدراك
أهلا بك ومرحبا
أختك
زاهية بنت البحر

زينانا
09-10-2011, 09:02 AM
تسلسل رائق من قلم مبدع
زاهية بنت البحر دمت مبدعة

زاهية بنت البحر
12-11-2011, 11:08 PM
لزاهية حضور أنيق في الأدب و عمق في النص الشعري شبيه بالبحر الذي اختارت الانتساب إليه ..

ملامح القصة و واقعها و معالجتها جميل متسلسل ، و تلقي ضوء على واقع أليم..


شكرا لك أيتها المبدعة ، و لا تعتبي علينا فالتعليق على نصوص مثل نصوصك يتطلب تركيزا من نمط الاطلاع و القراءة الكثبرة و الالمام بالمدارس ...


بارك ربي فيك أخي الكريم أستاذ عبد الله
كل عام وأنت بخير
أختك
زاهية بنت البحر

زاهية بنت البحر
12-11-2011, 11:09 PM
تسلسل رائق من قلم مبدع
زاهية بنت البحر دمت مبدعة

جزاك الله الخير
شكرا لك
كل عام وأنت بخير
أختك
زاهية بنت البحر

عذبة الشفــــــاه
13-11-2011, 05:27 PM
حوار صامت صارخ بخبايا و ألام جراح كثير من الأسر

زاهية بنت البحر
13-11-2011, 09:01 PM
حوار صامت صارخ بخبايا و ألام جراح كثير من الأسر


عذبة الشفــــــاه أختي المكرمة
أجل ياعذبة الروح أيضا هو كذلك
أختك
زاهية بنت البحر

mecanique
24-01-2012, 08:00 AM
شكرا على القصة الجميلة والمميزة تسلم ايدك ودمت بود

لمينة
19-01-2014, 11:46 PM
لقد أبحرت بناااا في عالن الإبداع بأشرعة متنكنة ومطواعة للغة الضااااااد
الفاضلة زاهيو منت البحر . شكرااااااا لهاته الرحلة الفكرية الطيب
تقبلي مروري المتواضع ولي عودة بإذن الله
فمشهدنا حضن دافئ لكل الطاقات الإبداعية

خدي
24-10-2014, 11:55 PM
بسم الله اشكرك اختي جزيل الشكر على كتابة موضوع مطروح وموجود فلطالما نجد جل الاسر تعاني من قلة الحوار والابتعاد من الوضوح اوعلى الاقل شرح ومناقشة بعض متاعب البيت او مشاكل الاولاد بدعوى عدم وجود الوقت وسرعة الزمن في حين ان الابناء هم من يحصدون تلك الفجوات باللجوء الى الغير سواء بالزواج الغير المتكافئ اوحتى فضفضة مع الغرباء وبدالك تفشي اسرار البيت ودخول اشخاص في حياتهم .واكرر شكري لطرح مثل هده المواضيييع .