المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رؤية في إسلامية الأدب



ابن الحسن
05-01-2007, 01:49 PM
رؤية في إسلامية الأدب بقلم محمد سالم ولد محمدو

تشكل الظاهرة الأدبية والفنية عملية استعادة لتجربة حياتية معينة وهذا لاستعادة تأخذ شكلا خياليا كما هي في اتجاهها المقروء شعرا ونثرا أو حركيا على المسرح حين يتم نقل التجربة الإنسانية بواسطة الإنسان ذاته، ومقدرته على تطويع مواهبه وما يحيط به من أجل نقل هذه التجربة وتصويرها وبهذا المعنى يصل الأدب حباله التي لا يمكن أن تنبت أبدا، برؤى الحياة واضطراباتها. والدين جزء مؤثر في تكوين الحضارة الإنسانية

من أول أيامها وقد كان الإنسان مجبولا بنداء فطري يضج في أعماقه يدعوه إلى تقديس الله الذي يجد الشعور بوجوده آخذا بمجامع فؤاده لكن قد تتشعب الطرق المؤدية إلى معرفة هذا اليقين ولذلك فقد مثلت وثنية اليونان بما هي عليه من أرباب متفرقة وخطاب ميثيولوجي ضاغط أساس ينابيع الرؤى في الأدب والفلسفة، لقد كانت هذه الأساطير والوثنية التي تتعدد فيها الآلهة بتعدد الأفكار والأشياء أهم أساس بنيت عليه روائع الفن اليوناني سواء في نطاقه السردي المكتوب أو في صوره التشكيلية الصامتة الناطقة بل قد مثل الكتاب المقدس العمود الفقري للآداب الغريبة عموما، وحتى في إطار المناهج المعادية له كان الخطاب الديني حاضرا من خلال تصويره عدوا ماضويا،إن الخطاب الديني في الأدب بمعنى من المعاني يظل مستحكما سواء ضجت مفرداته وبرزت واضحة محاولة توجيه مسار النص أو أعلن النص تبرمه منها وسعى إلى تقزيمها أو محاربتها سيظل الخطاب الديني حاضرا سواء بشكله البدائي أو إطاره المتمثل في الوحي والديانة السماوية،من هذا المنطلق شكلت الأسطورة باعتبارها شكلا من أشكال المعتقد تتقارب خطوط التواصل بينها وبين الدين، رافدا معتبرا للشعر الجاهلي الذي كان في بعض تجلياته ينحو منحى تدينيا أو منحى تحنثيا يقدس الظواهر الدينية وفي هذا المجال تحتل الأساطير حيزا في البنية الثقافية والعقدية للإنسان الجاهلي يحاول أن يسد من خلالها فراغا في جسم الفطرة التي تنزع إلى عالم الغيب وتحاول جاهدة أن تطبع به عالم الشهادة.
وأكثر من هذا شكل الدرس القرآني والمحاولات الدؤوب لجمع ما تنافر من وجوه إعجاز القرآن الكريم محورا أساسيا في الكشف عن أدبية النص وجمالية السياق، وبهذا البحث الدءوب استطاع العقل العربي المسلم الانتقال من الجزئيات المتشتتة إلى إطار النسق الكلي المتكامل، ومن الظاهرة التي تفرض نفسها وتقتطع جزءا من الانتباه إلى عالم النظرية المتكاملة ومن شتات الملاحظات المتناثرة إلى العلوم المتماسكة والثقافة المتواشجة وكانت القيمة الجمالية للنص القرآني والدلالات المشحونة في إطارها تأخذان بمجامع فؤاد العربي المتلقي وتحيلانه إلى عالم الإبداع وتؤسسان له مرجعية فكرية وإبداعية صلبة ومرنة وتفتحان أمام المبدع عوالم لا تسد من عذب الرؤى وصفاء الصورة وتحملانه على أجنحة الروح حيث يكون الدليل القرآني خير معين للمبدع مهتديا بسراج" ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خط على قلب بشر" .
ومتى وعى المبدع المسلم هذا الاتجاه النظري في تأسيس الأدب على الدين وامتياحه من مشرعه ثم علم كذلك أن المذاهب الأدبية، لم تعد مجرد متع جمالية تنشد رفع السأم الآني عن الإنسان بل تجاوزت ذلك لتصبح قوالب تنقل الأنساق الفلسفية والرؤى والتصورات أرضية كانت أو متشبثة بأهداب السماءِ.
وأن الأدب والفن احتلا منذ زمن ليس بالقريب مكانا عليا في وسائل التغيير الثقافي والاجتماعي بل وحتى النضال السياسي وأن المبدع الذي يحترم نفسه ويتوخى التغيير النظري من خلال إنتاجه الأدبي ربما أنفق في العمل الواحد السنين ذوات العدد من أجل أن يقدم رؤية كاملة متماسكة لأنه باختصار لم يعد الشاعر ولا الأديب الذي يتلمس مظان العطاء ويعيش آلامه وحده الأديب الذي تحتضنه قيثارته ويعيش مع "خاصة نفسه" بل قد صار من أولى المسلمات أن وظيفة العمل الأدبي على اختلاف لغاته وأشكاله هي ربط الأنا بالغير والكلمات هي المعبر الأساسي والمعبر الضروري إلى عقول الآخرين.
هذه المنهجية المتوخاة دفعت بأحد الروائيين الفرنسيين إلى أن يقول إنه "قرأ ألفي كتاب من مكتبة المتحف الفرنسي ليتمكن من تشكيل الأرضية الثقافية والاجتماعية لإحدى رواياته".

إن الوعي بهذه المنطلقات سوف يعطي للأديب المسلم دفعا قويا لا يجد فيه غضاضة أن يعود إلى المنبع الإسلامي عودة مركزة ليس هدفها الاسترجاع الآلي ولا المحاكاة الشكلانية بل هي عودة تأسيسية واعية للذات والموضوع وغني عن التعريف أن المبدع الإسلامي هو مبدع ملتزم ينطلق من فكرة واضحة ومن رؤية إسلامية فهو مسكون بهموم الأمة.. حامل لفكرتها.. هذا الأديب هو على طرف مناقض لقسيمه الثاني عند منظري الحداثة المعاصرين فالشاعر عندهم "لا ينطلق من فكرة واضحة بل من حالة لا يعرفها هو نفسه معرفة دقيقة ذلك أنه لا يخضع في تجربته للموضوع أو الفكرة أو الأيديولوجية أو العقل أو المنطق" على حد تعبير أدونيس في مقدمتة للشعر العربي وانطلاقا من هذه المقدمة طبيعي أن يصطدم مصطلح الأدب الإسلامي برؤى الذين يريدون للمبدع والناقد والمتلقي التخلص التام من سلطة الدين باعتبارها سلطة ماضوية لا ينبغي أن يتأسس عليها الإبداع بل إن هذه الدعوة قد تبلغ أوجها عندما تعلن صارخة " أن فكرة الدين هي من صنع الإنسان الذي خلقها بذاته فاستبعدته وان عليه أن يسترجع مخلوقه هذا وان يمارس الكفر من خلال الدين والأخلاق من خلال المجون" أي أن يمارس عملية تذويب حارقة لجدر المصطلحات، وأن يواشج في لحظة حلولية ضاغطة بين المتناقضات ليتخلص تماما من الرؤى والأفكار المسبقة والعقل والمنطق والإيديولوجية" وبهذه الدعوة يستعلي الشكل الفني في النص ويتم سلخه عن المضمون العقدي سلخا نهائيا يؤدي إلى سلخه من الحياة وحشوه برياح المهاترات اللفظية والتهويمات التي لا تقنع الشاعر نفسه، وقد لا يفهمها هو، فير تكس إلى ماضوية عتيدة تستنجد بقول أبي تمام لم "لا تفهمون ما يقال".
,وطبيعي كذلك أنه حامل رسالة وساع إلى تبليغ رسالته إقتداء بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ومن هذا المنطلق سوف يكون طرف نقيض للآخر الذي لا يحمل رسالة ولا هدفا مما سيجعل بينه وبين الرمزيين حاجزا ليس الهدف منه التنكر لهذا المعطى الجمالي الذي استخدمه القرآن الكريم في سبيل توصيل الرؤية الإسلامية عبر ضرب الأمثال ، لكن الهدف السامي الذي يحمله الأديب الإسلامي هو هدف يستخدم الوسائل التعبيرية ولا تستخدمه هذه الوسائل ، بمعنى أن الرمزية التي نادت بتغيير بوظيفة اللغة الوضعية ، والعمل على إيجاد علاقات لغوية جديدة تفقد من خلالها الألفاظ وظيفة الانطباق على المدلولات الأصلية ، وإنما خلق موضوعات جديدة ومسميات تحتل نفس الألفاظ التي كانت تستعمل لمدلولات قد لا يربطها بالمدلولات الأخيرة أي رابط ، ومع أنا لا نعارض أبدا استعمال الرموز لكننا نرى أن هذه الرموز ينبغي أن تكون جزءا من الأطر المعرفية للمتلقي وأن تنتمي للنسق الثقافي الذي يعيشه ، وفوق ذلك أن لا تصادم المرجعية الدينية التي تنبني عليها مؤشرات الاستقبال عند المتلقي المسلم
ليس من الطبيعي لدى الشاعر المسلم الذي يحترم نفسه وجمهوره أن يملأها بالرموز اليونانية مثلا التي تناقض في إطارها العام أخص خصائص العقيدة المسلمة وهي التوحيد ، ولا أن ترتفع أصوات كؤوس الخمر وأفاعيلها في النص الشعري وهي الموصوفة بأنها أم الخبائث ن وليس أن الشعراء يقولون مالا يفعلون بالدليل المبرء للشاعر المسلم في مثل هذا المجال ن وللتدليل أكثر على ما يحمله الرمز من شحن فلسفية تتجاوز جمالية النص ، ينبغي أن ننظر قليلا إلى ما يحظى به الفترات المظلمة من التاريخ الإسلامي من احتفاء لدى الحداثيين والعلمانيين عموما وما تجده الرموز التي خرجت عن قدسية الشريعة وضوابطها الآن من احتفاء ، فقد أصبح الخروج عن الشريعة اتباعا " لشيخ الزهاد الحلاج " وأصبحت الزندقة إتباعا وسيرا على خطى " الحزب التحرري من القرامطة والحشاشين "
ولكي تتأسس الرؤية الإسلامية للأدب الهادف والبناء تشكل المزاوجة التامة بين الشكل الفني والمضمون أهم ميزات العمل الهادف ومن هنا يؤتي الأدب الإسلامي في الغالب عندما يتضخم الكثافة المضمونية على حساب الشكل الفني، الأمر الذي سيركز الخطاب التبسيطي الوعظي الملتحف برداء الوضوح والمباشرة الذين هما أشد خوارم الإبداع جدير بالذكر هنا أن الخطاب الوعظي في مضمونه الإسلامي يحمل من مقومات الشعرية أو بعبارة أخرى يتوفر له من مقومات الأدبية مالا يتوفر لغيره نتيجة لتعلقه بمجال اللامحدود واللامتناهي ، حيث الحديث عن عظمة الله تعالى والحديث عن الجنة والنار والتفكر في آلاء الله تعالى ومن خلال هذه المعطيات سوف نحصل على نصوص متميزة ترتوي من معين القرآن ومن معين الإيمان ومن تواشج هذين الكريمين نستخرج شجرة أدبية رائعة أصلها ثابت وفرعها في السماء
ولكي يحمل الشحن الإيمانية المتوخاة يأخذ هذا الأدب بعري مميزات تجعله صادحا بالرؤية الإسلامية آخذا بزمام الشكل الفني المعبر أول هذه الميزات:

-1. أن لا تطغى الأطر المرجعية على الأطر التأثيرية أو يكون بينهما جو من الوئام والتو اشج بمعنى أن لا تطغى الصورة على الفكرة.

- 2. الفعل الاختياري "الصادر عن قناعة ذاتية داخلية وهو فعل يحمل صفة الالتزام العقدي لا الجانب ألإكراهي الإلزامي بمعنى أن الفعل الاختياري يضفي على الإبداع جانب المسؤولية باعتبار الأدب الإسلامي رسولا من رسل عالمية الإسلام ورسالته الخاتمة.

3. - عالمية الأدب الإسلامي التي تذوب في أحضانها الفوارق والنظرات الإقليمية الضيقة، سعيا إلى تشكيل نسق أدبي عالمي.متكامل مواز لعالمية الأطر المرجعية التي يتأسس عليها

- 4. المبدئية فهو أدب عقائدي يضج في أعماقه و بين قوافيه صوت خبيب بن عدي
ولست أبالي حين أقتل مسلما
على أي جنب كان في الله مصرعي
- 5. الواقعية التي تحيله إلى التعامل مع الممكنات الواقعية والتي تحمل مفردات الواقع وهذه الواقعية تختلف تماما عن قسيمها الذي نعيشه في أدبنا المعاصر حيث تضج الروايات بعرق الكادحين وآهاتهم التي تختصر مسألة الشقاء الإنساني والصراع الطبقي دون أن يكون للدين أي دور في توجيه المسار الحياتي في هذا الصراع أو أن يرتفع فيها صوت ساكنة قرى الحرية المطلقة حيث تضج الغرائز الجنسية ويرتكس الأدب إلى وظيفة المصور الآلي لانفجارات براكين الغرائز المتقدة وهو في واقعيته يجانب المثالية الشعرية المجنحة التي تتعامل مع الممكن الذهني أو غير الممكن أكثر مما تحمل هدفا واقعيا.

6. - العمل الهادف: يسعى هذا الأدب إلى هدم واقع يختلف مع مرتكزاته المرجعية وأطره التأسيسية، محاولا بناء مرتكز ثقافي وفكري يمتاح من رؤى الإسلام وثقافته.إنه بهذا المعنى أدب مقاتل يسدد ضربات موجعة إلى دعاة "الفن للفن "
.7 - الانفتاح: الأدب المتأسس على المرجعية الإسلامية أدب بعيد عن التقوقع والانزواء والعبثية، تعيش الثقافات كلها في أحضانه ما لم تمارس عليه عملية قرصنة فكرية أو سطو ثقافي يدعوه حينءذ إلى مواجهتها إنه باختصار أدب ينشد الحب والسلام

وهو فوق هذا أدب مستقبلي يقدم رؤية جديدة للحياة ويركز في النفوس حتمية الفجر الإسلامي الناصع مركزا على أن الحقبة الإسلامية هي أعلى حقب الحياة الإنسانية.

وتأسيسا على ما سبق يحمل هذا الأدب روحا طلائعيةر، واستبشارا وتفاؤلا وتنطلق فيه الروح المبدعة من آسار لحظة المأساة إلى العمل الجاد الذي يتزود منها ليتجاوزها.

المراجع :
- عبد الرحمن العشماوي - شبهات حول الأدب الإسلامي، مجلة البيان عدد 52، 1992
- د. عبد الله ولد أحمد الحمدي (الالتزام في الشعر الموريتاني المعاصر) رسالة دكتوراه