المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من أدب العظيم جابريل غارسيا ماركيز



محمد اباه
12-12-2006, 05:56 PM
يزخر الأدب الاتيني -أو ما اصطلح على تسميته كذلك- بالروائع ,
ومن أهم كتابه جابريل غارسيا ماركيز
الذى يسعدني اليوم تقديم مختارات
من قصصه لمرتادي المشهد الموريتاني:
بائعة الورد
تحسست مينا طريقها في عتمة الفجر, و لبست ثوبها القصير الأكمام الذي كانت قد علقته في الليلة الماضية قرب الفراش, و جعلت تفتش في الصندوق الكبير عن الكمين المنفصلين الذين يكسوان الذراعين امتثالاً للواجب قبل الذهاب إلى الكنيسة ... ثم بحثت عنهما فوق المسامير المعلقة على الحائط و خلف الأبواب, حريصة في كل ذلك ألا تحدث أقل جلبة لكيلا توقظ جدتهما العمياء, التي كانت نائمة في نفس الغرفة ... و لكن ما أن اعتادت عيناها العتمة, حتى لاحظت أن جدتها قد نهضت من الفراش, فذهبت إليها في المطبخ لكي تسألها عن الكمين .. فقالت الجدة العمياء :
- هما في الحمام .. إنني غسلتهما أمس بعض الظهر ..
و فعلاً وجدتهما في المطبخ, معلقين من سلك ممدود بمشبكين .. و لكنهما كانا لا يزالان مبتلين .. فعادت مينا بهما إلى المطبخ و بسطتهما فوق أحجار الموقد .. و كانت الجدة العمياء تقلب القهوة و قد سمرت حدقتي عينيها الجامدتين على جدار الشرفة التي رصت فيها أصص الزهور مليئة بأعشاب طيبة ..
قالت لها مينا : لا تأخذي أشيائي مرة ثانية .. لا يمكنك هذه الأيام أن تتأكدي من طلوع الشمس ..
حركت المرأة العمياء وجهها نحو الصوت و قالت :
- إنني نسيت أن هذا يوم الجمعة الأول من أسبوع الفصح, موعد القداس ..
و بعد أن تأكدت الجدة بنفس قوي من فمها أن القهوة نضجت, رفعت الإناء عن الموقد, ثم قالت :
- ضعي قطعة من الورق تحت الكمين, لأن أحجار الموقد متسخة .
أجرت مينا أصابعها على أحجار الموقد .. فوجدها متسخة فعلاً, و لكن بطبقة من السناج المتحجر الذي لا يمكن أن يلوث الكمين إذا لم يحتكا بالأحجار .. على أنها قالت لجدتها :
- إذا اتسختا فستكونين أنت المسؤولة !..
و ما لبثت الجدة العمياء أن صبت لنفسها قدحاً من القهوة, و قالت و هي تجذب مقعداً شطر الشرفة :
- أنت غاضبة .. و من المحرم أن يذهب الانسان للقداس و هو غاضب ...
و جلست لشرب القهوة عن كثب من الزهور في الحوش .. و عندما انبعث رنين دقات الناقوس الأولى إيذاناً بموعد القداس رفعت مينا الكمين عن الموقد, فكانا لا يزالان مبتلين .. بيد أنها لبستهما .. فإن القس لا يرضى دخول أحد إلى الكنيسة بثوب عاري الذراعين .. ثم مسحت آثار الأحمر من وجهها بمنشفة, و أخذت كتاب الصلاة و الشال من غرفتها, و خرجت للشارع ...
و بعد ربع ساعة عادت أدراجها ...
فقالت الجدة العمياء و هي جالسة في مواجهة الزهور في الحوش :
- سوف تصلين إلى هناك بعد القراءة الأولى ..
أما مينا فقالت و هي تتجه إلى دورة المياه :
- لن أتمكن من الذهاب إلى القداس اليوم .. الأكمام مبتلة, و الثوب كله " مكركش " ..
و على الأثر شعرت بعينين فاهمتين تتبعانها ..
و ما لبثت العجوز أن هتفت : يوم الجمعة الأول و لا تذهبين للقداس !..
و لما عادت مينا من دورة المياه صبت لنفسها قدحاً من القهوة و جلست في المدخل المطلي بالمصيص الأبيض عن قرب من العجوز العمياء .. بيد أنها لم تستطع أن تشرب القهوة .. و غمغمت في سخط كامن و هي تشعر بأنها توشك على الغرق في دموعها الحبيسة :
- أنت السبب !..
فهتفت العجوز العمياء : أنت تبكين !..
و أضافت و هي تمر قرب جدتها بعد أن وضعت قدح القهوة على الأرضية : يجب أن تذهبي للاعتراف لأنك جعلتني أضيع قداس يوم الجمعة الأول !..
أما الجدة العجوز فقد لزمت مكانها جامدة تنتظر أن تغلق باب غرفة النوم .. و ما لبثت أن اتجهت إلى آخر الشرفة ثم انحنت تتحسس حتى عثرت على قدح القهوة على الأرض غير مشروب .. فقالت و هي تسكب القهوة في الإناء الخزفي :
- الله يعلم أن ضميري مستريح ..
و في هذه اللحظة خرجت أم مينا من غرفة النوم, و قالت للعجوز :
- مع من تتكلمين ؟..
فأجابت : مع نفسي !.. قلت لك قبل الآن انني في طريقي إلى الجنون !..
و عندما احتجبت مينا في غرفتها فكت أزرار " المشد " و أخرجت ثلاثة مفاتيح صغيرة معلقة في مشبك .. ففتحت بأحدها الدرج السفلي في " التواليت " و أجرت منه علبة متوسطة فتحتها بمفتاح آخر .. و من داخلها أخرجت مجموعة خطابات مكتوبة على ورق ملون و مربوطة بحزام من المطاط .. فأخفت الخطابات داخل مشدها ثم أعادت العلبة إلى مكانها و أغلقت الدرج .. و أخيراً ذهبت إلى دورة المياه و ألقت بالرسائل في المرحاض ..
و لما رجعت مينا إلى المطبخ قالت لها أمها :
- حسبتك في الكنيسة ..
فتولت الجدة العمياء الرد قائلة : لم تتمكن من الذهاب .. أنا نسيت أن هذا يوم الجمعة الأول, و غسلت الأكمام بعد ظهر أمس ..
فغمغمت مينا : انها لا تزال مبتلة ..
فقالت العجوز العمياء : انني أقوم بأعمال كثيرة هذه الأيام ..
و قالت مينا : و أنا مطالبة بتسليم مائة و خمسين " دستة " ورد لمناسبة عيد الفصح ..
و لم تلبث حرارة الشمس أن تزايدت مبكراً .. و قبل الساعة السابعة كانت مينا قد أعدت " مشغل الورد الصناعي " في غرفة المعيشة : سلة مليئة بأوراق الورد, و لفافة سلك, و علبة من ورق الكريب, و مقصان, و بكرة خيط, و إناء به غراء.. و بعد برهة جاءت ترينيداد التلميذة المترهبة في الكنيسة تحمل علبة كرتون تحت إبطها, و سألتها على الفور لم لمْ تذهب لحضور القداس .. فأجابت مينا :
- لم تكن الأكمام جاهزة ..
فقالت ترينيداد : كان يمكن استعارة كمين من أي أحد ..
و جذبت كرسياً و جلست قرب سلة أوراق الورد .. فقالت مينا :
- وجدتني متأخرة كثيراً ..
و فرغت من صنع وردة .. فوضعت ترينيداد علبة الكرتون على الأرض و اشتركت في العمل .. فنظرت مينا إلى العلبة قائلة :
- هل اشتريتِ حذاءً جديداً ؟
فأجابت ترينيداد : هي فئران ميتة ..
و لما كانت ترينيداد ماهرة في تركيب أوراق الورد, فقد تفرغت مينا لعمل سيقان من السلك مغلفة بورق أخضر .. و ظلت كلتاهما تعمل في صمت دون أن تلاحظا تقدم الشمس في غرفة المعيشة, التي كانت مزخرفة بصور تزينية و عائلية .. و عندما تفرغت مينا من صنع السيقان تحولت إلى ترينيداد بنظرة تفيض أسى, فكفت هذه عن العمل و قالت لها :
- ماذا جرى ؟
فمالت مينا نحوها و قالت : إنه رحل !..
فألقت ترينيداد المقص في حجرها قائلة : لا ... لا تقولي هذا !؟؟
فكررت مينا كلماتها قائلة : إنه رحل !..
فحدقت ترينيداد فيها طويلاً, و قالت مقطبة : و الآن ؟..
فأجابت مينا بصوت ثابت : الآن لا شيء ..
و قبيل الساعة العاشرة تأهبت ترينيداد للانصراف, فاستمهلتها مينا لكي تلقي الفئران في المرحاض, و في طريقها مرت بالعجوز العمياء التي كانت تستقي الزهور في الأصص, فقالت لها مينا :
- أراهن أنك لن تعرفي ما بداخل هذه العلبة ..
و هزت العلبة بالفئران ... فأرهفت العجوز حواسها, قائلة :
- هزيها مرة ثانية ...
فكررت مينا العملية, بيد أن العجوز لم تستطع أن تتعرف على ما بداخل العلبة رغم هزها مرة ثالثة, فقالت مينا :
- هي الفئران التي وقعت في المصيدة في الكنيسة الليلة الفائتة .

و عندما عادت أدراجها مرت بجانب الجدة العمياء دون أن تكلمها .. بيد أن العجوز تبعتها إلى غرفة المعيشة لكي تستكمل مينا عملية الورد الصناعي, و قالت لها :
- يا مينا .. إذا أردت أن تكوني سعيدة, فلا تعترفي بشيء لشخص غريب عنك ..
تطلعت إليها مينا دون أن تتكلم .. فجلست الجدة العجوز في المقعد المواجه لها محاولة أن تساعدها في العمل . بيد أن مينا استوقفتها ..
فقالت الجدة العمياء : أنت عصبية .. لماذا لم تذهبي إلى القداس ؟..
- أنت تعرفين السبب أكثر من غيرك ..
فقالت العجوز العمياء : لو كان السبب الأكمام, لما فكرت في الخروج من البيت .. هناك شخص كان ينتظرك في الطريق, و هو الذي سبب لك الشعور بخيبة الأمل ..
مرت مينا بيديها أمام عيني جدتها, كأنما تمسح لوحاً غير مرئي من الزجاج, و قالت :
- أنت ساحرة !..
فقالت المرأة العمياء : إنك ذهبت إلى دورة المياه مرتين هذا الصباح .. و أنت لا تذهبين دائماً أكثر من مرة ..
استمرت مينا في استكمال الورد الصناعي, بينما عادت العجوز تقول :
- هل تجسرين على أن تريني ما تخفينه في درج "التواليت" ؟..
فتركت مينا الوردة التي بيدها متمهلة و أخرجت المفاتيح الثلاثة الصغيرة من مشدها و وضعتها في يد العجوز قائلة :
- اذهبي و انظري بعينيك ...
فجعلت العجوز تفحص المفاتيح بأناملها, و قالت :
- إن عيني لا يمكنها الرؤية في قاع المرحاض !..
رفعت مينا رأسها, و عندئذ اعتراها إحساس مختلف .. فقد شعرت أن الجدة العمياء عرفت انها تتطلع إليها .. و لهذا قالت لها :
- انزلي في المرحاض إذا كان ما افعله يهمك إلى هذه الدرجة !..
تجاهلت الجدة العجوز هذا الرد اللاذع, و قالت :
- أنت دائماً تجلسين في الفراش و تكتبين حتى الصباح المبكر ..
فقالت مينا : أنت نفسك تطفئين النور قبل النوم ..
فعاجلتها العمياء قائلة : و في الحال تنيرين أنت بطاريتك .. و بإمكاني أن أعرف أنك تكتبين, من صوت انفاسك
بذلت مينا جهداً للاحتفاظ بهدوئها, و قالت دون أن ترفع رأسها :
- جميل .. و لنفرض أن هذا هو ما يحدث, فما هو الغريب في ذلك ؟..
فردت العجوز قائلة : لا شيء .. إلا أن هذا أضاع منك حضور قداس يوم الجمعة الأول ..
و عند هذا الحد حملت مينا بكلتي يديها بكرة الخيط و المقصين و كومة من الورود التي لم تتم, و ألقت بها جميعاً في السلة, ثم واجهت الجدة العمياء قائلة :
- هل تحبين أن أقول لك ماالذي ذهبت لكي أفعله في المرحاض ؟
و ظلت الإثنتان متحفزتين إلى أن تولت مينا الرد بنفسها, قائلة :
- ذهبت لكي آتي ببعض المخلفات !..
و عندئذ طوحت الجدة العمياء بالمفاتيح الصغيرة في السلة, و غمغمت قائلة و هي تتجه إلى المطبخ :
- كان يمكن أن يكون سبباً لا بأس به, و كان يمكن أن تقنعيني لولا أنها المرة الأولى في حياتك التي سمعتك فيها تشتمين !..
و في هذه اللحظة كانت أم مينا آتية في الممشى من الناحية المقابلة محتضنة كومة من الورود الشائكة , و قالت :
- ماذا جرى ؟..
فتولت الجدة العمياء الرد قائلة :
- إنني جننت .. لكن الظاهر أنكم لا تفكرون في إرسالي إلى مستشفى المجانين طالما لا أرمي أحداً بالحجارة
ترجمة خالد الجبيلي

محمد اباه
12-12-2006, 06:04 PM
أرجو ان تكون القصة اعجبتكم

لدي بعض هذه القصص للعملاق ماركيز في مجموعة 12قصة مهاجرة
وهي بترجمة حسام ابو سعدة
وكم هو جميل أن نقرأ قصة لماركيز من خلال عدة مترجمين ..
قصة الجمال النائم والطائرة
ترجمة : بن سويعد عبد الحليم
في المجموعة التي ترجمها أبو سعدة يسمي هذه القصة ( الجميلة النائمة )
وهذه القصة تدل على أن تأثر ماركيز برواية بيت الجميلات النائمات للياباني ( كاواباتا) هو تأثر قديم ومستمر لأنه قاد ماركيز لكتابة هذه القصة القصيرة ثم لكتابة روايته الأخيرة ذاكرة غانياتي الحزينات)
قصة أشباح أغسطس
المترجم:إدريس الكنبوري
في مجموعة 12 قصة مهاجرة يسمي المترجم هذه القصة باسم ( لودو فييشيو)
أما قصة في يوم من الإيام
ترجمة رافع الصفار
فقد ترجمها عبد الهادي سعدون وملك صهيوني في كتاب جميل بعنوان قصص من امريكا اللاتينية والملاحظ أن رواية ماركيز ساعة نحس على ما أعتقد لأنني أكتب من الذاكرة مبنية على شخصية طبيب الاسنان وشخصية العمدة بطلي هذه القصة القصيرة .

يتواصل.................. ......

zeine77
12-12-2006, 06:23 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخي محمد اباه أعجبتني كثيرا قصة بائعة الورد و كأنها لم تكتمل...

شكرا لك و فب انتظار المزيد.

دمت للمنتدى

محمد اباه
13-12-2006, 06:38 PM
شكرا لك أنتzeine77 لحضورك الذي يشبه نسائم العيد,
ويسعدني أن أقدم لكم رائعته الأخرى:
(في يوم من الأيام) ترجمة: رافع الصفار.
أتمنى لكم وقتا ممتعا مع هذالساحر الساخر.

فجر الاثنين ، دافئ وغير ممطر. أوريليو أسكوفار، طبيب أسنان من دون شهادة، مبكر جدا في النهوض، فتح عيادته عند الساعة السادسة. تناول بضعة أسنان اصطناعية، مازالت موضوعة في قوالبها الكلسية، من علبة زجاجية ، ووضع مجموعة من الأدوات على الطاولة مرتبا إياها حسب حجمها كما لو كان يجهزها للعرض. كان يرتدي قميصا عديم الياقة مغلقا عند العنق بزر ذهبي، وبنطلونا بحمالات. وكان منتصب القامة، نحيفا، قلما ينسجم مظهره مع الموقف، تماما كما هي حالة الأصم.

عندما انتهى من ترتيب العدة على الطاولة، سحب المثقاب ناحية كرسي المعالجة وجلس ليباشر في صقل الأسنان الاصطناعية. وكان يبدو شارد الذهن، لا يفكر في تفاصيل العمل الذي يؤديه بدقة وثبات متواصلين، وكانت قدمه تظل تضغط على عتلة المثقاب حتى عندما تنتفي حاجته إلى الآلة.

بعد الثامنة توقف لبرهة كي ينظر إلى السماء من خلال النافذة فرأى صقرين منشغلين في تجفيف نفسيهما تحت الشمس على سقيفة البيت المجاور. عاد إلى عمله وهو يقول لنفسه بأن المطر سيسقط قبل موعد الغداء. صوت ابنه الحاد والمفاجئ شتت تركيزه

- بابا.

- ماذا ؟

- العمدة يريد أن يعرف إذا كنت ستخلع له ضرسه.

- قل له بأنني غير موجود.

كان منشغلا بصقل سن ذهبية. حملها أمامه وراح يتفحصها بعينين نصف مغلقتين. عاد ابنه ذو الأحد عشر عاما يصرخ مجددا من غرفة الانتظار.

- يقول بأنك موجود، وأيضا لأنه يستطيع أن يسمعك.

ظل الطبيب منشغلا بتفحص السن. وعندما أنجز عمله واخذ السن شكله النهائي وضعه على الطاولة وقال:

_ هذا أفضل.

شَغَّل المثقاب ثانية، وأخذ بضعة قطع تركيب من علبة كارتونية حيث يحتفظ بالأشياء التي تحتاج إلى انجاز، وباشر بعملية التعديل والصقل.

- بابا.

أجابه مستخدما نفس التعبير

- ماذا؟

- يقول بأنك إذا لم تخلع له سنه فسوف يطلق النار عليك.

دون تعجل، وبحركة شديدة الهدوء أوقف المثقاب، دفعه بعيدا عن الكرسي، وسحب الدرج السفلي للطاولة، وكان هنالك مسدس. قال:

- حسنا، قل له أن يأتي ويطلق النار علي.

دفع الكرسي بمواجهة الباب، وكانت يده تستقر على حافة الدرج. ظهر العمدة عند الباب. كان قد حلق الجانب الأيسر من وجهه، لكن الجانب الآخر كان متورما وبلحية لم تحلق منذ خمسة أيام. رأى الطبيب في عينيه ليالي من التوجع والأرق، فأغلق الدرج بأطراف أصابعه وقال برفق:

- اجلس.

- صباح الخير.

أجابه الطبيب:

- صباح الخير.

وبينما انشغل الطبيب بتسخين أدواته، أسند العمدة رأسه على مسند الكرسي الخلفي فشعر بشيء من الارتياح. كانت أنفاسه تطلق بخارا في الهواء. كانت عيادة بائسة: كرسي خشبي قديم، مثقاب يعمل بدواسة، وعلبة زجاجية تحوي قناني السيراميك. في المواجهة للكرسي نافذة تغطيها ستارة من القماش. عندما شعر العمدة باقتراب الطبيب شبك ساقيه وفتح فمه.

أدار أسكوفار رأس العمدة باتجاه الضوء. وبعد أن تفحص السن الملتهبة، أغلق فك العمدة بحركة حذرة، ثم قال:

- سأقلعه ولكن من دون مخدر.

- لماذا؟

- لأنه لديك خرّاج.

نظر العمدة في عيني الطبيب. قال أخيرا وهو يحاول أن يتبسم.

- حسناً.

ولم يرد الطبيب على ابتسامته. جلب إناء الأدوات المعقمة إلى الطاولة وراح يخرجها من الماء المغلي بملقط صغير بارد، دون أن يبدو عليه بأنه في عجلة من أمره. دفع المبصقة بطرف حذائه، وذهب ليغسل يديه في المغسلة. قام بكل ذلك دون أن ينظر إلى العمدة، لكن العمدة لم يرفع عينيه عنه.

كان سن عقل سفلي. فتح الطبيب قدميه وأمسك بالسن بالكلاّب الساخن. تشبث العمدة بذراعي الكرسي، واضعا كل قوته في قدميه. شعر عندها بفجوة باردة في كليتيه، لكنه لم يصدر صوتا. حرك الطبيب رسغه فقط. ومن دون حقد، وبرقة لاذعة قال:

- الآن ستدفع لموتانا العشرون.

شعر العمدة بانسحاق العظام في فكه، وامتلأت عيناه بالدموع. لكنه لم يتنفس حتى أدرك بأن السن قد أقتلع، ثم رآه من خلال دموعه. في تلك اللحظة كان عاجزا تماما عن فهم عذاب الليالي الخمس الفائتة.

انحنى على المبصقة، لاهثا يتصبب منه العرق. فتح أزرار سترته الضيقة ومد يدا الى جيب بنطلونه ليخرج المنديل. ناوله الطبيب قطعة قماش نظيفة. قال له:

- جفف دموعك.


كان العمدة يرتعش وهو يجفف دموعه. وأثناء انشغاله بغسل يديه، رأى أسكوفار السقف المتداعي وشبكة العنكبوت المغبرة وبيض العنكبوت والحشرات الميتة. عاد الطبيب وهو يجفف يديه. قال للعمدة:

- خذ غرغرة ماء بالملح، ثم اذهب إلى الفراش .

نهض العمدة واقفا. أدى تحية وداع عسكرية ثم تحرك باتجاه الباب وهو يدفع ساقيه، ودون أن يغلق أزرار سترته الضيقة. قال:

- ابعث بالفاتورة.

- لمن ؟ لك أم للبلدة ؟

لم ينظر إليه العمدة. أغلق الباب وراءه وهو يقول:

- لا فرق.

zeine77
14-12-2006, 04:06 PM
جميل يا محمد اباه ...

يبدو أنها " حكمتلي" مع صاحبنا فلا تبخل بالمزيد...

سأأجل الشكر إلى القصص القادمة ...
يغير ما تزعفش واصل

دمت..

محمد اباه
01-01-2007, 01:11 PM
أخي العزيز zeine77
لك جزيل الشكر, ولكم يسعدني أن ألبيّ رغبتك/رغبتي ,
في الإستمتاع بأدب العظيم (غارسيا).
وأعتذر عن التأخير بسبب العيد , كل عام والجميع بخير ,
واليوم لنا ميعاد مع رائعة (غارسيا):
أشباح أغسطس


وصلنا إلي أريزو قبل منتصف النهار بقليل، وقضينا أزيد من ساعتين في البحث عن القصر الذي يدل علي عصر النهضة، الواقع في ذاك المكان الشاعري من القرية البدائية، والذي اشتراه الكاتب الفنزويلي ميغيل أوتيرو سيلفا. كان يوم أحد من أول أسبوع من شهر آب (أغسطس)، حارا ومثيرا للأعصاب، ولم يكن من السهل مصادفة شخص يعرف شيئا عن القصر في الشوارع التي تغص بالسائحين. وبعد عدة محاولات للبحث بدون جدوي عدنا إلي السيارة وغادرنا البلدة عبر طريق صغير تحفه أشجار السرو دون هدف واضح، لكن امرأة عجوزا كانت ترعي الإوز دلتنا في النهاية علي مكان القصر بالتحديد، وقبل أن تودعنا سألتنا إن كنا سنقضي الليلة هناك، فأجبناها، وفقا لما كان مقررا في الدعوة، بأننا ذاهبون فقط للغذاء، فقالت:
ـ هذا لحسن الحظ، لأن المكان يثير الرعب.
وبما أننا، زوجتي وأنا، لم نكن نؤمن بأشباح منتصف النهار، فقد سخرنا من كلامها، لكن طفلينا، البالغين من العمر تسعا وست سنوات، انتابهما الفرح لكونهما سوف يريان أشباحا حقيقية.
وجدنا ميغيل أوتيرو سيلفا، الذي كان علاوة علي كونه كاتبا جيدا مضيافا رحب الصدر، ينتظرنا بطعام الغذاء الذي لا يمكن نسيانه أبدا. وبما أننا وصلنا متأخرين فلم يكن لدينا وقت لكي نتجول في أرجاء القصر قبل الجلوس إلي مائدة الطعام، ولكن منظره من الخارج لم يكن مما يثير الخوف، بل إن مشهد المدينة التي كانت تبدو لنا من المكان المرتفع الذي نتغذي فيه كان كافيا لطرد أي شعور بالكآبة.
كان من الصعب أن يتصور المرء كيف يمكن أن يولد في هذه البيوت المتكاتفة فيما بينها فوق هذه الهضبة، حيث يعيش حوالي تسعة آلاف من الأفراد متزاحمين أشخاص ذوو عبقرية دائمة، لكن ميغيل أوتيرو سيلفا قال لنا بمزاجه الكاريبي أن أيا من هؤلاء الأشخاص الممتازين ليس أفضل ما في أريزو، وأضاف:
ـ إن أفضلهم كان هو لودوفيكو.
هكذا: لودوفيكو، بدون ألقاب زائدة، أحسن رجال الفن والحرب الذي بني هذا القصر الحزين، والذي استفاض ميغيل أوتيرو سيلفا في الحديث عنه طيلة وقت الغذاء، عن قوته التي لا تقهر وغرامياته التعسة وموته المأساوي، وكيف أنه في لحظة جنون قاسية قتل عشيقته علي السرير الذي مارسا فيه الحب ثم أثار عليه بعد ذلك كلاب الحرب الذين قطعوه أربا. وأكد لنا، بلهجة يقينية، أن شبح لودوفيكو يخرج بعد منتصف الليل ويبدأ في التسكع في جنبات القصر وسط الظلمة محاولا إعادة السكينة إلي مطهر حبه.
لقد كان القصر في الحقيقة واسعا جدا ومعتما، غير أن قصة ميغيل لم تبد لنا في واضحة النهار مع امتلاء المعدة وانشراح القلب إلا مجرد مزحة شبيهة بمزحاته الكثيرة التي يحاول الترويح بها علي ضيوفه. وخلال تجوالنا بعد فترة القيلولة من دون أي شعور بالخوف بدت لنا الغرف الإثنتان والثمانون التي يتكون منها القصر وكأنها خضعت لتغييرات كثيرة من طرف ملاكيه المتعاقبين. قام ميغيل بإصلاح الطابق الأسفل كاملا وبني غرفة نومه بطريقة حديثة وجعل أرضيتها من الرخام، وحماما بخاريا علي الطريقة الفنلدنية، وشرفة زودها بورود فاقعة حيث تناولنا طعام الغذاء. أما الطابق الثاني الذي خضع للاستعمال كثيرا خلال القرون الماضية فقد كان عبارة عن سلسلة من الغرف التي لا تحمل سمات معينة خاصة بها، فيها أثاث ينتمي إلي مختلف العصور ترك بلا عناية. لكن في الطابق العلوي كانت هناك غرفة لم تمس في السابق يبدو أن الزمن لم يتمكن من الوصول إليها فبقيت كما كانت. إنها غرفة نوم لودوفيكو.
كانت لحظة ساحرة. فهناك كان السرير المحاط بالستائر الموشاة بخيوط من الذهب، والأغطية الحريرية العجيبة المتغضنة التي لا يزال بها أثر دم العشيقة المقتولة، والمدفئة الرمادية المتجمدة التي تحول فيها الحطب الأخير إلي حجر، والدولاب التي لا تزال به الأسلحة الفتاكة، والبورتريه الزيتي في إطار من الذهب للفارس وهو يتأمل، مرسومة بيد واحد من كبار فناني فلورنسة، لكن الذي أثار اندهاشنا هو وجود رائحة الفراولة ما تزال نفاذة في غرفة النوم دون تفسير واضح.
الأيام في الصيف في توسكانا طويلة وبطيئة، حيث يبقي الأفق مستقرا في مكانه حتي التاسعة ليلا. وعندما انتهينا من التجول داخل القصر كانت الساعة تشير إلي الخامسة من بعد الظهر، ولكن ميغيل أصر علينا بأن يأخذنا لنري اللوحات الجدارية لبييرو ديلا فرانسيسا في كنيسة سان فرانسيسكو، وبعد ذلك جلسنا لتناول القهوة والدردشة تحت تعريشة المكان، وحينما عدنا إلي القصر لحمل حقائبنا وجدنا أنهم أعدوا طعام العشاء، وهكذا اضطررنا للبقاء.
فيما كنا نتعشي تحت سماء خبازية اللون لا توجد بها سوي نجمة يتيمة، أخذ الولدان المشاعل من المطبخ وراحا يستكشفان غرف الطابق العلوي وسط الظلمة. ومن مكاننا في الأسفل سمعنا أصوات ركضهم الذي كانا يقلدان به الخيول علي السلم، وأنين الأبواب، والأصوات الناعمة السعيدة التي تنادي لودوفيكو في الغرف المظلمة. وخطرت للولدين تلك الفكرة السيئة بأن نقضي الليلة هنا، وساندهم ميغيل أوتيرو سيلفا سعيدا بها، فلم نجد في أنفسنا الشجاعة الأدبية لنرفض الدعوة. بعكس ما كنت أتخوف، نمنا تلك الليلة جيدا، زوجتي وأنا، في غرفة نوم بالطابق السفلي بينما نام الولدان في الغرفة المجاورة. كانت الغرفتان معا قد أدخلت عليهما إصلاحات بشكل جعلهما حديثتين، لذلك لم تكونا معتمتين. وفي انتظار أن يأخذني النوم بدأت أتلهي بتعداد الضربات الإثنتي عشرة للساعة الجدارية الكبيرة، فتذكرت تحذير راعية الإوز، لكننا كنا متعبين جيدا فنمنا نوما ثقيلا مليئا بالأحلام، وصحوت بعد الساعة السابعة صباحا بقليل علي نور الشمس المتسلل عبر فتحات النوافذ، وكانت زوجتي إلي جانبي ما تزال نائمة، فقلت في نفسي: يا لها من حماقة، أن يؤمن المرء في هذا الزمن بالأشباح.
وفي تلك اللحظة بالذات اجتاحتني رائحة الفراولة التي كأنها قطفت للتو، وصورة المدفئة الرمادية المتجمدة التي تحول فيها الحطب الأخير إلي حجر، والبورتريه الزيتي للفارس الحزين في الإطار المذهب وهو ينظر إلينا من وراء ثلاثة قرون. واكتشفت بأننا لم نكن في الحقيقة نائمين في نفس الغرفة التي نمنا فيها ليلة أمس بالطابق السفلي، بل في غرفة نوم لودوفيكو، تحت الستائر التي علق بها الغبار والأغطية الملطخة بالدم الذي لا يزال طريا علي السرير اللعين.
ترجمها عن الإسبانية:إدريس الكنبوري
عن القدس العربي
2005/10/31

zeine77
03-01-2007, 12:50 PM
شكرا لك أيها العزيز محمد اباه و تأكد أني في المتابعة حتى و لو لم أضع ردا و أرجو منك المعذرة حينها.
دمت...