المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طوْف رئة البحر والكواسر البشرية



أحمد الحسن
27-10-2006, 12:55 PM
1

قد لا نبالغ إلا قليلا إذا قلْنا إن الحركة الرومانسية العالمية انطلقتْ، في الاصطلاح الأوربي السائد، من الشواطئ الموريتانية، وبشكل أدقّ من جزر حوض "آرغين". انطلقتْ لأسباب أقل ما يقال إنها غير رومانسية. انطلقتْ من نفس المكان المدهش بل والعجائبي الذي تُنسب إليه أحداثٌ ومفارقاتٌ ملفتة والذي يَفترض أغلبُ المؤرخين أن الملحمة المرابطية اتخذتْ منه مرتكزها الأول تسعة قرون أو أقل قليلا قبل طفو الحركة الرومانسية التي ميزتْ القرن التاسع عشر على صعيد الفن والأدب كما طبعتْه بتداعياتها الاجتماعية والسياسية.

كانت البداية الرومانسية في عُرْف مؤرخي حركات الفن مع ظهور لوحة الرسام جريكو "طوف المديز" أو "طوف رئة البحر" سنة 1819. اُعتبرتْ اللوحة منذ البداية، وقبل أن تعرف التتويج العالمي الذي حظيتْ به تاليا، كبيان للفن الرومانسي ـ وهو المصطلح الذي أطلقه عليها فور ظهورها النقاد الإنجليز ـ كما اُعتُبرتْ في نفس الوقت وبشكل مفارقي كمقدمة رائدة للفن الواقعي. يتأسس عمل "جريكو" في هذه اللوحة على حدث محدد زمكانيا هو مأساة ركاب الفرقاطة الفرنسية "المديز" التي غرقتْ بحوض "آرغين" صيف سنة 1816 ثلاث سنوات قبل ظهور اللوحة النسيجية.




ـ2ـ

تمثّلٌ مأساة سفينة "المديز" حادثة من أشهر أحداث النصف الأول من القرن التاسع عشر وتلخص بذاتها وبملابساتها أبرزَ جوانب تلك الحقبة. لنتذكر قليلا بعض ملامح الوقائع المعنية من منظور السياق الذي يهمنا هنا. عرفتْ سنة 1816 استعادة فرنسا العاصمة الغرب إفريقية "سنلوي" والمناطق التابعة لها من المملكة البريطانية. استعادتْها بالمفاوضات بعد أن هُزمت في معركة "واترلو" الشهيرة أي بعد أن انهارت الأحلام الإمبراطورية النابليونية وبعد أن تم نفي نابليون بونابرت إلى جزيرة "القديسة هيلينا" وبعد أن ارتدّتْ فرنسا إلى الملكية مع لويس الثامن عشر الذي ساعدتْه العروش الأوربية على استعادة تاج عائلته انتقاما من الفرنسيين ومن الحروب النابليونية. كان يلزم الملكَ الجديدَ أن يبعث حاكما وطاقما إداريا عسكريا إلى "سنلوي" وهو ما بدأ تنفيذه أواخر شهر يونيو من نفس السنة عندما انطلقتْ فرقاطة "المديز" من ميناء جزيرة "ايكس" باتجاه المدينة السنغالية وعلى متنها الحاكم الجديد وعائلته وعدد من العسكريين والخبراء وعشرات آخرون ممن تملأ خيالهم روعة مستوطنات "ما وراء البحار".



ـ3ـ

كانت الرحلةٌ تحتَ إمرة الضابط القبطان "هيج دي روا دشوماري". تسميتُه كافية في تقاليد الألقاب الفرنسية للتنبيه على مكانته الإقطاعية وعلى علاقته بمنظومة ماقبل الثورة التي استرجعتْ حينها السلطة وإن بشكل أخف وطأة. علاقة الضابط "هيج" بالنظام القديم كانت إذنْ عبئا عليه لاسيما أن اقتناع مساعديه أن خبرته ضحلة وأنه لم يترأس عليهم لكفاءته وإنما فقط لعلاقته بالتاج الجديد كان عنصرا كافيا لتأجيج العلاقة بينه وبين بقية أعضاء قيادة السفينة. ثم تراكمتْ الغلطات، خطأ يتلو الآخر وليس لمساعديه أي صلاحية نافذة تسمح لهم بتصويبه رغم أن حياتهم وحياة غيرهم من الركاب ترتبط حينها بقراراته. تراكمتْ الأخطاء وظل القبطان وفيا لإصراره. وعندما وصلتْ السفينة إلى حوض "آرغين" على بُعد مائة ونصف المائة كيلومتر عن شاطئ "ايمراغن" اصطدمتْ بالجزر التحت مائية المتوارية. جزر يبدو أنها كانت معروفة بمختلف تفاصيلها للقباطنة والبحارة. حينها انكشف أن القبطان قد ارتكب في منطلق الرحلة خطأ آخر أشد، خطأ شبيها بما صار يعرف عالميا (منذ الفيلم الذي حمل نفس الاسم) بحالة "سفينة التيتانيك" التي غاصت هي الأخرى في الأطلسي سنة 1912 قرابة قرن بعد الفرقاطة الشقية. فعندما تأكد للقباطنة أن لا سبيل إلى إنقاذ "المديز" من الغرق وأخذ طاقم السفينة في إخراج زوارق الإنقاذ إذا بها غير كافية لعدد الركاب. تلك إحدى الصدمات. وستليها أخريات. فقد بادر القبطان الرئيس وخص نفسه والشخصيات "الرسمية" بزوارق الإنقاذ ونصب مع الجنود والبحارة طوفا خاصا بهم على أن تقوده الزوارق. أما غيرهم من "المواطنين العاديين" فقد تركهم على ظهر السفينة المنكوبة يواجهون مصيرهم لوحدهم. ذلك مبلغ فهمه لمهمة القبطان وأخلاقياته. ثم كان على الزوارق أن تقود الطوف ولكن بمجرد أن بدأتْ تظهر للضابط مشكلة ثقله وبطئه ـ فعلى ظهره مائة وأربعون بحارا وجنديا ـ تخلى عنه وقطع الحبال التي تجره وانطلق بقاربه. أما الجنود والبحارة الذين بقوا في الطوف فلم تختلف كثيرا أخلاقياتهم عن قائدهم. إذْ مع مرور الأيام وهم على ظهر الطوف التائه ومع انقطاع الأمل في النجاة حكّموا في أنفسهم شريعة الغاب وتملكتهم مختلف النزوات الشريرة والكواسرية التي قد تصيب النفس الإنسانية. كل من استطاع منهم أن يستقوي على الآخر رماه في البحر "تخفيفا" أو قتَله ليأكل لحمه. هذا بالذات ما لفت إلى قصتهم الفنان "جريكو" ليعبر من خلالها عما يمكن أن يصله الإنسان من قبح وعدوانية وما يمكن أن تختزنه النفس الإنسانية من همجية قد تتخفى كثيرا في الظروف العادية خلف الأقنعة الاجتماعية.



ـ4ـ

عندما اكتشفتْ الصحافة الفرنسية النكبة شهرين بعد حدوثها ونشرتْ تفاصيلها للرأي العام اضطر الملك للاعتراف بالجريمة كما اضطر إلى محاكمة القبطان الرئيس وإدانته.

أما السفينة الموريتانية التي توهمت يوما أنها ستجد بديلا عن الملك الذي يأخذ كل سفينة غصبا, السفينة التي أبحرتْ ذات يوم من "سينلوي" لا إليها فلم تجد بعد ملتقى البحرين من يحاكم قباطنتها الذين أغرقوها. "رحلنا" و"أبحرنا" حتى صدقتْ فينا رؤيا عرافة سفين "أحمدو ولد عبد القادر". الذين أغرقوا السفينة ما زالوا طليقي الأيدي بل يطمحون دون رهبة أو خجل أن يعاودا الكرة. لنتأمل مرات "طوف رئة البحر" لنرى البشاعة لا الرومانسية، فالكواسر البشرية ما تزال في هذا المنكب تنهش بحرا و تنهش برا وما بينهما وما تحت الثرى.

بدي ولد ابنو

alkooz
27-10-2006, 05:15 PM
أخي العزيز أحمد الحسن تحية لك ولموضوعك الرائع....

وفعلا كفان الله شر ؤلئك "النهاش" أو النهاهشة .




وكل عام وأنت بخير،،،