المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مشاهدات عائد من الوطن



المحايد
19-08-2006, 01:24 PM
عندما كنت أعد حقائبي للعودة للوطن للمرة الأولى منذ سقوط ولد الطائع لم يكن باستطاعتي تحديد مشاعري المتضاربة يمنة ويسرة ، كان الشوق هو المسيطر لكني لم أكن أدر حتى تلك اللحظة وجهة هذا الشوق ولمن له الغلبة فيه هل هي العودة لأحضان الوطن بعد غربة دامت عدة سنةونيفا ، أهي للشوق للعائلة التي فارقتها رغم الاتصالات المتواصلة على الأقل أسبوعيا أم ....؟
كل ما اعرفه أنني كنت متشوقا لشيئ ما في داخلي لم أكتشفه إلا عندما وطأت قدماي أرض الساحة الأمامية للمطار .أدركت أن سيطرت الوطن على قلبي كانت أكثر بكثير من شوقي لكل الأحبة والأصدقاء .
كانت السيارة تخترق بسرعة الشوارع متوجهة للبيت فمستقبلي كان يقدر درجة الشوق بالنسبة لي ودرجة الاشتياق لمن فرضت عليهم ظروف عدة البقاء بالبيت دون استقبالي بالمطار ..
كان بصري يخترق الزجاج كمن يريد أن يحتضن كل شيء بل كنت أحيانا أهم بطلب التوقف للحظة لأروي عطشي من مناظر عدة تعني لي الكثير فحمولة الباص على سقفه وزوائده التي تمتلأ بالأقدام والأيادي المتعلقة بأي شيء من أجل الرحلة كانت تغريني بالنظر إليهامرات ومرات، ولبائع بطاقات التزويد الأشعث على ناصية الشارع حبا كبيرا ولبائعات الكسكس والعيش والنعناع أريج الحدائق والزهور ، وللغبار المتطاير من فوضوية السير وعدم الالتزام بالمسارات نسيم مكيفات "السبليت" بعد جولة على الأقدام ولفحة من حر وقبضة من الرطوبة المزكمة ..
كان بودي أن تسير السيارة بأدنى سرعة لعلي اسجل كل تلك اللحظات وأن استعيد الصور بطريقة ملونة أكثر من تلك الصور الباهتة التي ظلت شاشة الذاكرة تستعيدها كل يوم وليلة حتى فقدت ألوانها وتداخلت معالمها ،لقد كنت أدرك أن استعادة الشريط مرات ومرات تفقده ألوانه بل وقد تؤثر على جودته لكنني لم أدرك كم القدر الذي سببه اجترار الذكريات من طمس لكل الألوان التي أختزنها ...
كل شيء يدعوني للاستقراق وكل شيء في الوطن يدعوني للنظر له أكثر وكأنه لوحة جديدة يسدل عنها الستار لأول مرة أمام أعين محبي الفن ومحبي الاقتناء من أصحاب الملايين للتفاخر والتفاخر فقط ...
زحمة السير وقلة المسارب أنقذتني من الحرج فلم تدع لسائقي المستعجل الإفلات من الطوابير الممتدة وصفعات الأبواق التي كانت تنطلق إليه كالسهام مشبعة بآلاف عبارات السب والشتم كانت كفيلة بأن يهدئ من سرعته ويرضى بالواقع وان يصل للبيت كما يرغب هؤلاء لا كما يرغب هو ..
خاطبته قائلا أين الكيلومترات المعبدة التي أعلن عنها لتوسيع الشبكة ؟؟ضحك بسخرية وقال أظن الصفقة حولت لصالح خطوطنا الجوية فمسارات طائرتنا الوحيدة تحتاج لشوارع معبدة في الفضاء بعد أن منعتها جل الدول من استخدام ممراتها لعدم استجابتها لشروط المواصفات والملاحة الجوية ...
سكت ناغما ومرغما من إجابته بما تحمله من سخرية ...
قلت فما الجديد الملاحظ بعد سقوط ولد الطايع ...
قال كلام كثير وفعل قليل وأمل لدى الأغبياء كبير ...
أصبحت الآن متشوقا لشيء واحد أن يوصلني هذا السائق الناغم سالما للبيت قبل أن أصفعه وأن تتحول رحلة الاستقبال لرحلة استشفاء في أحد مراكزنا الصحية ...
وصلت للبيت كان لهفة اللقاء كفيلة بمحو كل آثار الرحلة المخيبة للأمل من المطار حتى وصولي للبيت واندمجت في الاستقبال والوقوف والجلوس كلما طرق أحد الأقارب أو الأصدقاء الباب حتى "لا يبرد سلامي " كما يقول ..
لم يتغير بيتنا كثيرا لعل الشيء الوحيد الذي لاحظته هو تغييرات أوضاع الأثاث التي يحرص أهل البيت على القيام بها كل مدة لرفع الروتين إن لم يجدد الأثاث ...
كنت اتشوق لهبوط الليل بسرعة فلحظات المساء الأولى تعطيك فرصة كبيرة ونادرة لتكتشف أنواكشوط شارعا شارعا وحارة حارة ، يمكنك أن تزور كل الأمكنة التي تحرص على الوقوف بمرابعها من دون أن يراك أحد فنعمة تقصير شركة الكهرباء وإفلاسها لحظة لا تعوض لزيارة كل الأمكنة من دون أن يفضحك أيا كان .بإمكانك حتى أن تدخل البيوت دون أن تسلم على أهلها وأن تجلس في أبعد مكان دون أن يلحظ أحدهم وجودك وكأنك تضع على رأسك "طاغية الاختفاء " ..
طلبت مفاتيح السيارة وتحججت بوجود رسالة مستعجلة لابد من إيصالها قبل الساعة العاشرة بعد أن أجريت مكالمات وهمية حتى لا أضطر لاصطحاب أحد وعللت ذلك لأحد الأصدقاء بان شوارع أنواكشوط لا يمكنها أن تضيعني مهما غبت عنها ومهما أغلقت شوارعها "بالكزرات وساحاتها بالفلل المشرعة من الوالي"..
أنطلقت من أمام البيت بعد أن حددت أول الأهداف يجب أن أمر على نقاط تجمع الشرطة والجباية الشهيرة من تقاطع المركز السعودي باتجاه دوار مدريد فلعل الوجوه تغييرت ولعل الأخلاق تغييرت ...
لم أكن مسرعا جدا لحظة اختراقي للشوارع بل كنت أحاول قدر الإمكان اخترام الاشارات المرورية و اشارات التنبيه المائلة على ناصية الشارع وحتى المتجهة لوجهة أخرى بفعل عملية صدم لاذ صاحبها بالفرار في عتمة الليل ،وساورني العجب والكبر و الدراية بقانون السير و أنا أقرأ تلك الللوحات ومدلولاتها حتى وهي مقلوبة على ظهرها ..
لم تكن أهدافي التي حددت بعيدة جدا لكني لم أتوقع أن تكون تجربتي الاستقرائية في موقع قبلها حتى انبثق الشبح القاتم من أمامي وكأن الأرض انشقت عنه فجأة ليتوسط الشارع رغم السيارات ورغم قلة الإضاءة التي تنير الشارع ، لم أجد بدا من التعشيق المفاجئ والضغط على المكبح حتى أتجنب كارثة تقضي على إجازتي القصيرة في أول ليلة منها ...
توقفت في مساري مرغما و محاولا الخروج لرصيف الشارع حتى أستقبل أول ضيوف الحكومة المرحبين بي على طريقتهم في أول ساعات وصولي للبلاد .
تقدم إلي الشبح المنهك بخطوات ضعيفة وقف على مسار ثلاث خطوات و حياني بقبضة عسكرية مع كلمات لم أتبينها أبدا ، لكني جربت فيها ما يحكى عن قراءة الشفاء وتبينت ليلتها أنني خبير قراءة شفاء و إشارات البكم والصم وتصورت نفسي أصحب إحدى المذيعات المتألقات في الجزيرة لأترجم نشرة الأخبار المسائية وخصوصا أنباء الانفجارات التي تهز بغداد وأنا أخطط بأصابعي في الفضاء واضم قبضتي لأطوح بها دلالة على قوة الأنفجار ..
طلب مني الشبح الهزيل أوراق السيارة وبسرعة بدأت أبحث عنها في كل الجيوب وأخير عثرت عليها سلمته أياها دون أن انبس بكلمة وعيناي معلقة به لأتضح معالم وجه لعل وعسى أن أتذكر إن كنت قد دفعت له قبل هذا غرامة مجانية ، لكن عمامته كانت تحجب أية رؤية ممكنة ..
قلب الوراق مرات وغادرني دون كلام ليقطع الشارع للجهة المعاكسة ، في لمح البصر انسل زميله من الجدار المقابل سلمه الأوراق وعاد ليوقف ضحيته الجديدة ،انتظرت لدقائق لعله يعود إلي وقررت أن ابادر بوصل العلاقة بعد طول انتظار ،توجهت إليه لأستفسر منه عن النقص في الأوراق
، قال لي أن أذهب لزميله فهو مسؤول النقطة وعلي التحدث معه ، اتجهت إليه و انا أتكلف الاحترام و التحضر بادرته بالسلام مصافحا ومد لي يده بقليل عناية و اسررتها في نفسي قائلا زميلك أخذ مني أوراق السيارة
- فرد علي ما المطلوب مني
- قلت اريد استعادتها إن لم يكن بها نقص
- قال بهذه البساطة
- قلت إن لم تكن لديك ممانعة
- قال الأوراق لاتحتوي على رخصتك
-استللت رخصتي الأجنبية اعطيتها له نظر لها شزرا
ثم قال : هذه الرخصة لا تغني عن الرخصة الموريتانية
- قلت صحيح لكنني هنا ضيف منذ عقدين من الزمن ، ولأني كنت أريد كسب المعركة فقد اخرجت له هذه المرة رخصة دولية للقيادة في أكثر من بلد ومن ضمنها موريتانيا
- نظر لها كثيرا وقال ولا هذه انت موريتاني وهذه مخصصة للأجانب
- قلت إذن لم منحت هذه برأيك ؟؟
- قال لا أدري انت تعرف أن الرشوة ليست فقط في موريتانيا
أدركت أن الحديث ينحدر باتجاه المفيد وأن الطريق للمفاوضات أصبحت أقصر
بادرته إذ قل لي ما علي فعله أنا مستعجل ..
- قال بيدك لا بيدي ..
تأكدت هذه المرة انا سائقي كان على حق وانني كنت شاعريا لدرجة كبيرة ومفتون بالوطن وبالتغيير لكن ذلك لن يضعف من إيماني به فهذه صورة واحدة لا تعبر عن الوطن الجديد.
- قلت ما المطلوب .
- قال البوسطة لم تتعشى ولم تشرب الشاي منذ الساعة السادسة ..
- تسللت يدي لأوراق القليلة التي زودت بها للرحلة وكأن الأهل يعلمون المعاناة التي ساتعرض لها، لم استطع تمييزها بحاسة اللمس وهي بعيدة أيضاعلى حاسة الشم
لم أجد فرصة أيضا لرؤيتها أو تمييزها وأخيرا توكلت على الله وقرأت كل أدعيتي ودعوات واستللت ورقة من فئة الخمسمائة أوقية ، وحمدت الله أنها لم تكن ورقة الألفين التي أعول عليها
لإنعاش ليالي قادمة ..
تبادلناها في حركة سريعة كما يتبادل المتفاوضون -بعد نقاش شرس مشبع بعدم الثقة- أيديهم للمصافحة أمام عدسات المصورين ..
رجعت مدبرا للسيارة ولسان حالي يقول "تلك أولى حلبات الذئب "ومنيت نفسي بصور أخرى لوجه الوطن المأمول أكثر جمالا وبهاء
قررت العودة للبيت لكن لا بد من المرور على الأقل أحد أهداف الرحلة وقررت الاتجاه لتقاطع المركز السعودي ..
اخيرا أقترب من الهدف واستجمعت قواي للمواجهة فلدغة النقطة الوهمية كانت حرارتها تسري في جسدي وكما توقعت انطلقت الصفارة مع الذراع الممدودة لتحدد لي مكان توقفي بالسانتمتر
وتوقف كما يتوقف أي سائق خبير مباشرة عند قدميه لنتواجه هذه المرة تحت مصابيح الإنارة وانكشفت اسنانه تحت بسمة واسعة
أدركت معها أنني لن أدفع هذه المرة فهذا الوجه الصبوح ليس كباقي الوجوه ...
سلم علي سألني عن الحال والأحوال ومتى عدت و تيقنت هذه المرة أن الرجل يعرفني جيدا وعادت بي الذاكرة لفصول الدراسة لأتفرس أوجه الزملاء جميعا فلم اتسطع
وحاولت تذكر كل الأقارب والجيران لعلي أعرف أيهم ..فالرجل يعرفني جدا ألم يسألني عن عودتي ومتى كانت ..!!!
ولكي أخرج نفسي من الورطة بادرت بمد الأوراق مع الرخص هذه المرة ..فرد يدي على الفور ..
قائلا : لا لا - "ألا تعرف أنا لاهي نكز بعد أشوي وعندي مشكلة نختيرك اتحله لي "
استحيت من كرم الرجل وأخلاقه معي : وقلت خيرا ..
قال : عادي اتصلت علي الأسرة ظرك فيه ضيوف جاوني في الدار حالا ومحتاج أوقيات يكاني أنقيسهم ..
تذكرت ورقة الألفين والألف الوحيدة في جيبي ودعوت الله أن يوفقني هذه المرة في استلال الأصغر منهما حتى لا أعود بخفي حنين ..
ستللت أوراق من الكومة في الجيبي لأتفاجئ بالجواز الملعون يخرج الورقتين معا وكأنه مغناطيس ، حاولت جاهدا أن أخفي ارتباكي للمفاجئة و اخترت ورقة الألف بسرعة
لأمدها له وعيني ويدي لا تطاوعني ، انقشعت أساريره عن ضحكة صفراء تعبر عن خيبة الأمل قائلا هذه لا تنفعني .
قلت أنا قادم من سفر ولدي مشاغل عاجلة إلى مرة أخرى قال انا محتاج لأربعة آلاف بالتحديد المريح ..
قلت لكن المبلغ ليس معي كل ما لدي هو ثلاثة لاف وقد أعطيتك واحدة وبدأت معركة الكر والفر لأعود بخمسمائة متسخة بعد أن فككنا الألف عند المحطة المقابلة وتصافحنا على أمل اللقاء منه وعلى أمل أن تسرق منه وهو يركب الباص المتجه لتوجنين ...

انتظروا الحلقة القادمة قريبا فقط على المشهد

بيسان
26-08-2006, 11:14 PM
يا سيدي الكريم سأنتظر
بكل شوق الدنيا انتظر ايها العائد الى وطنك
ومع كل هذا
حركت بداخلي حنين الى وطن لا يعرفني يسكنني بقوة
حتى زياراتي الأولى له كان يعاملني على اني السيدة القادمة من دولة بعيدة
لا تحمل من ملامح موريتانيا سوى كلمات
وجواز سفر كتب عليه موريتانية لا يعرفها موريتان
احب كل شيء موريتاني
حتى الأخطاء وانقطاع الكهرباء
احبها ليس بيدي

efyfe
31-08-2006, 12:48 PM
أيها العائد إلي الوطن
بنا شوق لما سيكتب...

في إنتظار


دمت

آب ولد أبنو
31-08-2006, 01:56 PM
نستناوك مالنا لعد نبغ نجبروا حد كيفتك يكتب لنا كلما طرأ!!!.
مرحب بيك والسهل في المنتدي و شكرا لك.