المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مدن الغيظ



abdallahi_e
19-11-2010, 09:11 AM
_____

هو ذا أنت كالطفل العالق في الفراغ البدائي بين البياض ودنس البوح , على عتبة الدهشة الأولى مرة أخرى , تخلف ذلك النداء القادم من أعماق الروح : أن ابْكِ
لكن جسدك يستجيب لتلك الشهوة .هشاشة الشخص لا يدركها إلا بمحذاة شيء عظيم كالصمت , ذلك الحضور المذهل , والألفة الموحشة .. إننا نتوغل في أنفسنا كلما طال وقوفنا في الفراغ !
أنت الآن كالطفل تماما , تركض خلف الأشياء المبهمة , تفتش عن أمك بين أكوام الأجساد التي تعبرها بمشاعر مذعورة وتخترقك بعنفوان الخسارات الخالدة , لم يعد بمقدورك استرجاع هويتك الأولى , أو بصماتك التي اندفنت في مهاوي الذاكرة . محاصر بهذا التيه الذي لا تفهمه , وعناد اللغة معك بعد أن سُرقت أشواقك في وقت مبكر , كل هذه الخسائر المباغتة تستفز ضعفك وتدفع بأحزانك ودموعك إلى الواجهة .. لكنك لا تبكي .
وحده الكاتب يدرك تحت جبروت العزلة والخوف من الوحدة , سخرية أن يموت برصاصة صمت طائشة , سخرية أن يجلس بمحاذاة صفحة دون أن ينزف , ذلك البياض القاتل , تلك الأقاصي التي تدحرجه إلى ظلمة الموت شيئا فشيئا وذلك الشعور الذي تحدثه فيه هسهسة ورقة تحت وقع الأنفاس التي تسرق الأحرف من قلب نائم .. وحده يعي فجيعة فراق الورق , والحرائق التي لا تنطفئ إلا عليه .

كعاشقين نجلس أخيرا على طرف الصمت مثقليْن بالكلمات , ندور حولها دون أن نستسلم تماما لشهوة البوح , تلك اللذة التي تحملنا بعفوية , إلى حيث انمحاء الأحرف ورعشة القلوب حين تمتد التعابير من أطراف العيون إلى الخدود والشفاه ..
تبدو اليوم منهمكا, هذه الأغطية البيضاء التي تسمح تارة بعبور أشعة الشمس إلى وجهك , أتراها تقرأ لك من كتاب العجائب وتكشف لك المستور, أم أن الأشياء التافهة تكتسب الآن بعدا آخر, مثل رائحة الغواية التي تتعمق أكثر في الحواس لتوقظ الأشواق الدفينة , ومثل طفل لم يشبع بعد من رائحة أمه , يلتصق بصدر ذلك الكائن الدافئ الحنون , المانح دون مقابل لخوفه الدائم والخفي أن يتلاشى من بين يديه , تلتصق عيناك بتلك الأغطية .

نعم , بكيت حين ودعتها ذلك اليوم , لم تستطع إخفاء دموعك عن أبنائك الصغار , كانوا صغارا لدرجة لا تخول لهم أن يفهموا ماهية بكائك , هم بكوا فقط لأنك نقلت لهم عدوى البكاء !
عيثا تحاول إخفاء ضعفك , لكن النوافذ الممطرة تحاصرك في شتائك القارس , الحنين الطاغي إلى الفطرة , يسرقك على غفلة .
هذه المرأة التي كنت تعد الأيام , تعبر أقسى المسالك وأصعبها لتحتضنها , هاهو الموت يحتضنها قبلك . كرجل قادم توا من الحرب , ولم يكتب له أن يرتاح , يظن أنه ابتعد عن الموت قليلا لكنه يفاجؤ به في انتظاره بكل تفاصيله القاسية , ليفقد امرأة كانت تصارع الموت حتى تراه , وكان يتجنبه حتى يعود إليها , في هذه اللحظة البكر تصبح كل الخسارات الأخرى هامشية ..

كتب عليك اليتم مرتين إذن , مرة حين فرقتكما الحياة وأخرى حين فرقكما الموت , جئت مسرعا حين علمت بدخولها المستشفى لكنه كان أسرع , كنت ضحية الحياة , هذا السراب الذي يصعب القبض عليه , الشيطان الذي يحرضنا على التمادي في الغواية , هذه الكذبة التي تترك خلفها هذا الكم الهائل من الخراب والأذى , هذه الغفوة والاستكانة الموقوتة , وهذا الموت الذي ينطفي في أجساد أحبتنا بشهوانية وغيظ .

مازلت غارقا في تيه اللحظة ونتوءات الثواني , عالقا في هذا اليقين المفاجئ : ثمة امرأة واحدة في حياة الرجل لا يطيق فراقها !
ذلك الطابع الرجولي المرصع بالكذب يتلاشى فجأة , تختفي تلك القوة المعلنة وينكشف ذلك الضعف الخفي , ذلك الخيار الأحمق الذي نتخذه فجأة , تنقطع العلاقة الوشيجة التي نبنيها على مدى عمر مع الصخور , ونطوي في لحظة كل المسافات التي قطعناها مبتعدين عن أنفسنا ..
ثورة المشاعر لا يمكن السيطرة عليها .. يخذلنا الصبر كلما أوشكنا عليه , عذوبة الانفلات منه وإطلاق العنان لأرواحنا السجينة , تدفع بلا تردد بكل الدموع التي كنا نأجلها طوال مسيرة من الصبر إلا الظهور , نعترف لأول مرة أمام هذا الراهب الماجن بهشاشتنا , ننسحب من الأعالي التي ابتدعناها لحظة غرور إلى خانة الأطفال , هذا الانفضاح المفرط يكشف هويتنا المزورة ..

.. يتبع ..

محمدسالم
20-11-2010, 07:41 AM
الأستاذ الأديب عبد الله،
قليلون أولئك الذين يملكون إمكانية تسجيل البكاء على الورق، و قليلون أولئك الذين يصنعون من هذا التسجيل مشهدا ناطقا يعيد ولادة الدمعة كلما تبعثرت و تبخرت بفعل عوامل البعد من اللحظة الأولى..
قضيت فترة معك هنا، بكيت معك و انبهرت بأحرفك الموغلة في الجمال و الحزن، و ترحمت معك على تلك المرأة التي لم تستطع -رغم رحيلها- أن تغادر مربع الحب الأول و الحزن الأخير، رحمها الله...

العقيق
20-11-2010, 08:19 AM
كتب عليك اليتم مرتين إذن , مرة حين فرقتكما الحياة وأخرى حين فرقكما الموت , جئت مسرعا حين علمت بدخولها المستشفى لكنه كان أسرع , كنت ضحية الحياة , هذا السراب الذي يصعب القبض عليه , الشيطان الذي يحرضنا على التمادي في الغواية , هذه الكذبة التي تترك خلفها هذا الكم الهائل من الخراب والأذى , هذه الغفوة والاستكانة الموقوتة , وهذا الموت الذي ينطفي في أجساد أحبتنا بشهوانية وغيظ .

سيدي الفاضل ما أجمل أن نؤمن بالقدر خيره ، وشره ..
وبدون اعتراض على مشيئة الله ..
ولا تحسبن الأدب "مسمار جحا" يعلق عليه من شاء فضائحه وخسائره ..
وهشاشته الإيمانية بدعوى الأدب والثقافة والفكر ..
تماما كما أن البلاء ليس سببا كافيا للاعتراض على حكمة الله ..
قال الله تعالى ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ))

سيدي الفاضل أعرف أن الفرق بين الجعودة والقطط يسير ، وخاصة لدى الذين لا يعبؤون بالدلالات المباشرة للغة ، ويسعون للتأويل ..
مع ذلك فأنصحك باغتنام هذه الفرصة للصبر والصلاة ..
ورحم الله موتى المسلمين جميعا ، وأدخلهم جنات عدن خالدين فيها

abdallahi_e
20-11-2010, 05:53 PM
على جادة الموت التقينا إذن للمرة الثانية , نتقاسم هذا الاندثار المحتوم والتمزق الذي يصعب رتقه في اللحظات , ثقتك العمياء في الوقت انتهت , فهذه الحياة التي شذبتك طوال هذه السنين , لا تستطيع أن تنير الآن الزوايا المعتمة في جسدك .. الله وحده يستطيع أن يقطع يد الموت الغادرة , هذه الحقيقة التي أراها ممشوقة كجبل وحيد في الصحراء , لا تعبأ بكل هذه الأدوية التي أستدرج بها صحتك , محاولا تشجيعك لتعود من منفاك , ولا بانتظاري لك في كل مسالك العودة المعهودة , رغم شكي بأنك لن تعود!

أريد أن تعود لأقص عليك من أنباء أمك , عجوزك المشتهاة , تلك التي كانت لك الأم والأب , وكانت بابتسامة واحدة تسد كل نوافذ اليتم أمامك , تلك الفراغات المفجعة , التي يخلفها ذهاب الأب في وقت مبكر .. كانت استثنائية , بمقدورها أن تتكاثر في قلبك لتكون إخوتك التي لم تستطع إنجابهم لك ..
كان وجهك مرآتها التي تحدق فيها طويلا تتلمس فيه سعادتها الوافرة ويقينها الذي لا يهتز بحسنك .. لقد كنت عزلتها الجميلة التي تشكر الله عليها في كل حين , لأجلك تحررت من كل قيد , ورمت بأحلامها , حين كنت ضئيلا لا تفهم أي شيء , لم تكن ترغب أن يزاحمك شخص في قلبها , فيالحماقتك وإخفاقك حين أصبحت ضئيلة تتقلب على مضجع الموت !

قبل أن تذهب نهائيا , أريد أن أخبرك أن حلمها الأخير لم يكن عصيا , لم ترغب بشيء وهي على طرف الدنيا سوى أن تغمض عينيها على وجهك , أن تمسك بيدك قبل أن تمسكها يد الموت الغادرة .. كانت لا تغمض عينيها إلا لتراك مارا قبالة قلبها في حلم جميل , لكن الأحلام الضنينة تصيب باليأس أمام سطوة هذا القطار الذي لا يسمح لركابه بترتيب حقائب أشواقهم , و لا يعبأ بتقويمهم العشقي ..
كانت راضية بقضاء الله , أسوة لنفسها حين غدت وحيدة في مواجهة مع النهاية . من طيبتها صدقتني حين أخبرتها أنك اتصلت , وكان فرحها عظيما , جعلني أجلس عند رأسها لساعات أمسح الدموع عن خدها , وهي وتكرر ( فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن ) ..

قضيت أشهرا وهذه المرأة في مخيلتي , أفكر فيها حين أرى الأطفال يركضون إلى أحضان أمهاتهم بعد يوم طويل على غيابهن , تمر ببالي حين أرى عجوزا وحيدة تحاول أن تقطع الشارع , تتقهقر كلما عقدت العزم واتخذت قرارا بذلك خشية السيارات .تعلمت منها أن الزرع الذي يرمي به الله في القلب لا يحتاج إلى من يسقيه , يظل دائما يافعا ومكتملا رغم قساوة الظروف , الحب الذي يأتي عفويا دون أن نبذل أي مجهود في تحققه , دون أن نمنحه أي شيء , ذلك التعاطف الذي يبديه جسد الأم لكائن غريب عليه , خيار التبني لتلك العَلَقة .. تلك اللحظات العذبة رغم العناء والألم وتلك اللذة الباقية على أصابعها حين تمسك بمولودها للمرة الأولى .. صرخته الأولى التي تفتح لها طريقا من النور والسكينة , وتمسح من ذاكرتها أتعاب وآلام أشهر من الانتظار , تلك البهجة التي تأتي مع كائن صغير وهش , كل تلك الأشياء التي لا توصف جلعتني أراها في لحظات معدودة أقضيها معها , كل مرور أقوم به للاطلاع على حالتها الصحية !

.. يتبع ..

mariem
21-11-2010, 03:54 PM
هكذا هو الموت تماما .. حين يقف أمام أصحاب القيود الثقيلةِ والغاضبين في وجه الخراب
هو إدراكنا المتأخر دائما، والبذرةُ التي نغرسها في مستقبلٍ سنموت نحن قبل أن يستوفيَّ السقاء !

تجعلني دائما أتوقف عند كل سطر .. متابعة

جواز سفر
21-11-2010, 04:27 PM
هي المدن حين تحتفي بأرواحهم كثيرا،يغادرونها وتظل أفئدة الشوارع معلقة على أثارأقدامهم،وتبقى ذاكرة الجدران مغمضة أطرافها على ذواتهم ،وبعض من الصور بألوانها المختلفة جاثية على رف القلب،إنها مدننا حيث تطل بصباحاتها على الألم والغيظ ،وأعراض البكاء..إنه الموت!

abdallahi_e
23-11-2010, 05:08 PM
حين رأيتك ذلك اليوم عائدا للتو من مأتم أمك , تبحث عن تقريرها الطبي كي تقرأ آلامها الأخيرة , هادئا وضعيفا كأرنب مجروح في قلبه , ذلك الصوت المبحوح من الكتابة أو الصمت ! وذلك الإدراك الجنائزي المتأخر لسخرية الوقت , ولّدا لدي حميمية لا تقاوم نحوك . لكني أنا الذي تطلعت كثيرا إلى مصافحتك , أجدني مرغما على التراجع , اغتسلت أخيرا من ذلك الحلم , وانسحبتُ منذفنا في ذلك الزحام تاركا خلفي كثيرا من الأسئلة والفضول , مضِيعا صوتك الشاحب شيئا فشيئا بين أصوات غائمة , كأنها رسائل صويتة مازالت في أغلفتها !

كنت أدرك (حينها) أنني لن أجد فرصة أخرى لأشكرك على العناء الذي تكبدتَه لكتابة ذلك الثناء على كتيببي (( دراسة نفسية لشخوص الرواية الموريتانية )) , أنت القائل : لم أعرف شعبا أباده الكلام أكثر من هذا الشعب , علينا أن نهبه فرصة التقاط أنفاسه ..
كان ذلك الكتيب سري المكشوف , ورحلتي الاستكشافية الأولى , مثل الطفل أطارد الفراشات لأول مرة , طفقت أركض كرصاصة تائهة أطلقها جندي أعمى , تحملني نضارة الحبر والدهشة إلى عوالم مبهرة تتسع أكثر وأكثر كلما أوشكت على رسم حدودها , وتتوغل في داخلي كلما قاربت على التوغل فيها ..لكن اختياري كان خاطئا فالقارئ في هذا الوطن المنكوب في أخلاقه وتاريخه وحتى في نزواته مازال يحاكم الكتاب على فضائح أبطالهم , ينظر إليهم بريبة حين يسرق شخص ورقي , رغم أنه لا يمانع القيام بذلك في الواقع !
هذه الازدواجية , والضمير الحي الذي يموت أول فرصة يختلي فيها , وهذا المعطف الخلقي المزوّر , والفجور المضمر .. أمور مقلقة على مستقبل هذا القارئ البدائي تماما كما هي مقلقة على مستقبل الكتابة ..

بالكاد كنت أعرف اسمك ,إذ لم تكن ذائع الصيت إلا في موريتانيا , وهي حال كل المبدعين الذين تحتجزهم الجغرافيا , حال الأدب الشنقيطي الذي مازال متشبثا بتلك الأرض , مذعورا من الهجرة ..
حين عدتُ إلى أرض الوطن , بعد غيبة طويلة ومتعبة , كان لا بد أن أبحث عنك , لأزيح تلك الغشاوة عن اسمك , ذلك القدر المؤجل كان يناديني بلغة لا يمكنني استيعابها . لكني لم أعرف خبايا ذلك التيه , ولا كُنه تلك العزلة التي سدت كل الطرق أمامي ..
لم أعثر بعد بحث مضن إلا على بعض من أرشيف الجرائد , وكتاب كان مختبئا في رف مكتبة صغيرة , كنت فرحا بذلك الإنجاز لأنه قد يختصر جزء من المسافة الشاسعة التي بيني وبينك .

علمت بعد ذلك أنهم نهبوا أثاث ذاكرتك , وأحرقوا كل الأشياء التي هزت كيانك يوما , وقرروا استبدالك بما تأتى من أنصاف الكتاب ليسدوا بهم فراغ الصفحات , هؤلاء الأشخاص الرُّقَع يتناسلون بسرعة في هذا البلد كالعمل غير الصالح ..
بعد ذلك لم ترض أي جريدة وطنية أن تنشر مقالاتك , كانوا يعتذرون لك بخبث عن موتك , لأنهم يدركون جيدا أنك لا تتقن التنفس إلا كتابة , ولا السباحة إلا في بركة حبر بحنينك الدائم إلى الانطفاء .. كانو فقط يطبقون مقولتك الشهيرة : الكاتب حين يفقد قلمه يتآكل , يصاب بجرَب المشاعر , وهرش الحنجرة المزمن !
ظنوا أنهم قضوا عليك , بينما كنتَ في تلك المحنة عاكفا على إنشاء لغة جديدة من وضاءة الصمت ..



... يتبع ....
شكرا لحضوركم الجميل ..