المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وفاء



زينانا
23-09-2010, 10:59 PM
رنين جرس الهاتف اعاده الى الواقع، بدأيبحث عن جواله بين الاوراق على مكتبه ،صمت الرنين ،احنى راسه من جديد بين الاوراق لكن الرنين عاد ليعود هو للبحث عنه من جديد،ليس بين الاوراق و لا في الجوارير اين هو، تذكر انه في جيب سترته المعلقة على الكرسي، انقطع الرنين و قبل ان تمتد يده الى جيبه عاد الرنين من جديد، أخرج الهاتف نظر الى الرقم ثم لوى شفتيه، انها وفاء.
ستقول له كالمعتاد امي تريدك ان تتصل بها، او ربما هي من المرات النادرة التي تريد منه ايصالها الى مكان ما، بكل حال هو مشغول جدا ،ثم ضغط زر الجوال:'نعم وفاء ،ماذا تريدين؟' لم يكن صوت وفاء؟ انه صوت آخر جاف هل انت السيد........
رآه كل العاملين بعد انسمعوا جميعا صرخة اللوعة التي انطلقت من بين شفتيه و كانت تحمل اسما واحدا "وفاااااااااء"
داخل سيارته خيل اليه ان الطريق طويل جدا و ان اشارة المرور الحمراء هي جمرة بين عينيه و لا زالت الكلمات الحارقة تلسع اذنيه" سيدي صاحبة هذا الهاتف تعرضت لحادث مروع، لقد صدمتها شاحنة لم يتمكن سائقها من استعمال مكابحها على الممر المخصص للراجلين، لقد تم نقلها الى المشفى اتصلنا بك لان رقم اشير اليه بعبارة بابا هل انت والدها؟
قفز من السيارة امام باب المشفى و انطلق كالرمح موظفة الاستقبال اخبرته انها ادخلت قسم المستعجلات و هناك اخبروه انهم يحاولون انعاشها و انها نزفت كثيرا ، كيف لي ان أخبر أمي؟ تساءل كيف لي ان استوعب انا اولا؟
وفاء ناداها في اعماقه نداء كأنه صلاة عاجز ،نظر من خلف الزجاج الفاصل ثم ارتد الى الخلف مستندا الى عامود الرخام البارد و اغمض عينيه ، وفاء ذلك الكيان الجميل الرائع، بقوامها الممشوق و قدها الجميل،وصبرها و حلمها هي الوفية الصبورة دوما،
ايقظه من ذهوله الصوت المرتفع لجهاز الانعاش و اندفاع الاطباء الى غرفة الانعاش وجد قدميه تجرانه جرا الى ان التصق وجهه بالزجاج البارد و هناك رأى الطبيب و هو يلصق جهاز الصعقة الكهربائية بصدر وفاء مرة....مرتين.....ثلا.... ثم ..........
صرخة امه هزت كيانه ، صرخة قلبه خنقت روحه ،لوعة الجميع و هم يلتفون حول دلك الغطاء الابيض الذي ترقد تحته جثة كانت يوما نابضة بالحياة اسمها وفاء ، دمع منهمر من كل المقل حزن عميق ،غضب لم تكن كل المشاعر التي امتجزت في تلك اللحات رحيمة به بل مزقته الى قطع تطايرت في مكانها ..
لا يعرف كيف ان تلك الايام مرت و لا يعرف كيف تجرأت يداه و اهالت التراب على جسدها و حتى عرف او استوعب غيابها عن ساحة حياته و عيون ايامه.
بعد ايام اتجه الى مخفر الشرطة التي استدعته لاكمال الاجراءات الادارية حيث سلموه حقيبة يدها الصغيرة و حاملة اوراقها و جهاز الكمبيوتر و هاتفها النقال، اخذ هذه الاشياء الى مكتبه و جلس ينظر اليها و كان وفاء ستقفز امامه الان من بينها، امتدت يده دون ارادته الى الكمبيوتر لتفتحه و تشغله ، اول ما طالعه صورة على السطح ابنته ضاحكة ،كانت ابنته روح وفاء و كانت وفاء راحة ابنته و بدأت يده تبحث بين تلك الملفات الخاصة الى ان استوقفه عنوان منزو بعيدا و كأنها ارادت اخفائه "رسالة"
فكر انها ربما تخص عملها او احد اصدقائها اقفل الجهاز و جر جسمه ليلقي به بين اوراقه عله يستطيع ان يعود للانغماس بالعمل، و عند عودته مساء لبيته استقبلته صغيرته لتقفز تلك الرسالة بين عينيه من جديد، ترى لمن كتبتها وفاء؟ و وجد نفسه منكبا على قراءتها،
أخي العزيز،
ستكون هذه هي المرة الأولى التي اكتب و انا اعرف اني لن ارسل ما كتبته الى اي عنوانو اهي لن اسمح حتى بقراءته و ربما امحوه من على جهازي هذا ،
أخي العزيز،
و ستكون ايضاا هذه هي المرة الأولى التي أتجرأ فيها و أحدثك عن ما يدور في الذات من أفكار و ما يعتمل فيها من مشاعر متضاربة،و ربما أيضا قد تكون هذه هي المرة الأخيرة.
أخي،
كنت دائما أتصور أني عندما أكبر سيكون لي حظ في أفكار و أسرار كل واحد منكم، وما وجدته أني كلما كبرت زادت الهوة التي يصر كل منكم على حفرها اتساعا، صحيح أني منغلقة كليا على ذاتي و أني بقدر ما أظهر أخفي بل و أكثر من ذلك أخيف البعض منكم و إن كان ذلك دون قصد مني .
أخي،
حسبت أني بعد وفاة والدي سأكون أقرب، وفي البداية كان كل واحد منكم يصر على أن يكون كذلك ربما لأسباب عدة كان من أهمها وضعي الصحي آن ذاك و وحدتي و بعدي و ما لا أستطيع فهمه هو لماذا انعكس الوضع حدة ، هل كان تماسكي و قدرتي على تحمل الوضع السبب في جعلي أعاني من الوحدة أم أن هناك سببا آخر أم أن كل واحد منا يعيش أحزانه لوحده و بتالي يرفض أن يشارك في غيرها من المشاعر.
أخي، أعرف أني حادة الطباع و لكن ما لا يعرفه الجل و ربما الكل عني هو أن حدة طبعي تظهر فقط كتعبير عن رفضي للوضع الذي تحاولون فرضه لأني و إن لم تعترفوا بذلك لم أعد تلك الطفلة التي تحاولون حمايتها ،و أن ما يظهر جليا هو أني أظل كذلك حتى اللحظة التي يحس أي منكم بأي تهديد فأصبح بالنسبة له المنقذ و المنفذ الوحيد نحو الآخر و عندما ينتهي مني يعود لركني بعيدا في زاوية النسيان و في المناسبات يتملقني و يدعي أني في الذاكرة و... و... و....
أخي،
أنا أتكلم بكل هدوء و انسيابية ،و أتجرأ على أن أقول لك أنا أيضا لدي انفعالاتي و أخيلتي و إن كان العديد منها دفن مع والدي، و جعلني أتحول من الطفلة المدللة ذات الظفائر الطويلة و التي تتقافز في كل مكان ، و المراهقة التي كانت حديث العديد إلى امرأة ناضجة أصبح جل همها أن تضمن الحياة الكريمة لأخوة ربما هم أيضا لا يحملون لها سوى مشاعر الأخوة الباردة التي يمليها الواجب.
أخي ،
لا أعرف التعبير عن الحب و أهرب من كل واحد يحاول أن يجعلني أحب ليس لأني أرفضه هو بالذات و لكن لأني أرفض الحب لأنه يقيدني و يجعلني أحس أني كلما تعلقت بشخص ما أو بشيء ما أفقده، ولأني عندما أفقد الشيء الذي تعلقت به لا أحس بالندم بل بأن قلبي زاد تحجرا عما كان و تزداد نقمتي على الحياة و على الأشخاص و صدقني هناك من لا أريد فقدهم.أكثر من ذلك في بعض الأوقات أتسلى برؤية الأشخاص يدورون في فلكي و أتلهى بجعلهم يتصورون أني سهلة المنال و أني مغناج مطيعة مدللة بدون رادع، و أخيرا أصبح ضحية إشاعة تكبر لتأخذ حجما في الوقت و الأيام و يكون دفاعي أني لم أغادر بيتي لأقابل أيا كان، و أني لن أطرد من بيتي أيا كان ثم يأتي وقت تنتهي الإشاعة لتترك مكانا لضحية أخرى.
أذكر أن هناك شخصا حملت له نوعا من المشاعر الحقيقية لأنه في وقت ما كان لي نعم الصديق و هو الشخص الوحيد الذي نصحته من البداية و طلبت منه أن يبتعد كما قلت له أني صفقة خاسرة لمن يحاول أن يفرض علي سلطة لم و لن أتقبلها يوما.
أخي أستميحك عذرا لأقول لك أني رغم كل هذا لا زلت أخاف من أن تظن أني أريدك أن تكون دفاعا لي ، لأني بعد أبي لم أشعر يوما أن أيا منكم يستطيع أن يكون لي عونا فهو وحده كان الصديق و الرفيق و المعلم و لأني بعد كل هذا أقول لك أني لم أكن صريحة معك لأكلمك عن علاقاتي المشبوهة و البريئة و الصادقة و الحقيقية و لأني لحد الآن لا أعرف ماذا ستكون ردة فعلك هل يمكن أن يغلب الإنسان المثقف في داخلك على الرجل الشرقي و هل ستكون أخي بدلا من أخي؟ لا أعرف و لكن سأحاول أن أعرف.
وفاء
هل هو توقيع على رسالة او انه احساس بالموت داخل الحياة اغمض عينيه و ........