المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "حج الفجار" لولد أبنو وأبنيتها الدلالية



عبد الله اسلم
03-07-2006, 09:21 AM
قراءة في رواية موريتانية في بلد المليون شاعر
"حج الفجار" لولد أبنو وأبنيتها الدلالية
محمد ولد أحظانا

صدرت رواية “حج الفجار” للروائي الكبير موسى ولد ابنو، هذه السنة وذلك عن دار الآداب في بيروت، الرواية صدرت في 280 صفحة من الحجم الصغير وهي في تبويبها مؤلفة من أربعة فصول بعناوين: “إحرام” و”وقوف” و”تشريق” و”طواف”.وكل فصل من هذه الفصول هو محطة من محطات الحج الجاهلي، بما فيه من عوالق وثنية وبحث عن المنافع المادية. وما يحويه من طقوس وممارسات مختلفة. والرواية كذلك إن نظرنا إليها تاريخيا فهي وثيقة مهمة عن تفاصيل الحج وطقوسه في العهد الجاهلي، مما فيه من طواف العراة، واستقسام بالأزلام وهدي للأوثان، وإنشاد للشعر في المحفل القرشي، سوق عكاظ وغير ذلك، فكيف يمكن أن نقرأ هذه الرواية قراءة نقدية تضعها في سياقها الأدبي؟ تتطلب الإجابة عن هذا السؤال حديثا مطولا لا يتسع له المقام، لذلك سأحاول من منطلق أنني قارئ من بين قراء عديدين أن أقدم انطباعات أولية عن هذه الرواية المثيرة لقارئها، سواء كان معها أو ضدها.

سأستخدم منهجاً قرائياً أطبقه عادة على بعض النصوص التي أعمل عليها وهو منهج قائم على أن النص يحمل في ثناياه كل الأبعاد الشعورية واللاشعورية مشاركة في تشكيل شخصية صاحب النص ومن ثم معالم نصه، فالنص فعل إنساني للإنسان ولذلك تتزامن داخله كل العوامل التي أنتجته أصلا، وأي قراءة لا تستطيع أن تكشف عن تلك الخلفيات هي قراءة اختزالية تجعل النص فقيراً مجرداً من أغلب إحالاته ودلالاته.

سأتحدث حديثين منفصلين أحدهما عن المتواليات يسلك الحوار بينها لحمة النص الروائي، وهي متواليات عديدة نختار بعضها كأمثلة، أما الحديث الثاني فسأخصصه لإحالات النص الروائي على عدد كبير من المفاتيح الدلالية التي تثري قراءة النص قراءة حديثة تخرج به من سياق الحكي إلى سياق المحكي، في هذه المرة سأقتصر على الحديث الأول لأتبعه بالثاني لاحقاً.

متواليات نصية

نستطيع أن نضبط بعض المتواليات التي يشكل الحوار الخفي والمعلن بينها لحمة الرواية في شكلها ومضمونها، ونذكر من تلك المتواليات:

أولاً: المتوالية النصية:

ينتظم الشكل القصصي من خلال التراوح الحواري بين نوعين من النصوص. نص استطرادي ونص يمكن أن نسميه إنشائياً مبتدعاً.

فالنوع الأول من النصوص هو المادة التراثية التي بنى عليها الروائي موسى ولد ابنو نوعين من البناء بناء معمل الرواية على أساس المعطيات التي يتضمنها النص التراثي فهو بالنسبة له كان مادة للبناء وأصلا له، والنوع الثاني من البناء هو تشكيل نصه الروائي الذي هو من عنده على نموذج النص التراثي تركيبا ومفردات، فالنص التراثي قد وظف في الرواية من حيث هو مضمون تاريخي للرواية وأبطالها كما هو نموذج لبناء شكل الخطاب حتى ان القارئ لا يستطيع أن يميز بين أسلوب النصين ومادتهما اللغوية.

والنوع الثاني من النصوص هو النص الإنشائي الإبداعي، وهو من جهة مبني بنية النص التراثي، إلا أنه من حيث الحوارية يخلق أفقا أشمل لنفسه ليجعل النص التراثي نصا يخدم النص الإبداعي وينضوي تحته، أي ما يمكن أن نسميه إعادة احتواء التراث أو تملكه في سياق البنية الروائية الحديثة للنص الكلي، فإذا كان الشكل تراثياً فالانبناء الضمني حديث.

إن المحاورة الخفية والعلنية بين هذين النصين تشكل إحدى المتواليات المحددة لبنية رواية “حج الفجار” ونموها وتفاعلاتها الداخلية.

ثانياً: متوالية الزمن والتزامن

تقدم لنا الرواية نفسها على أنها نص تاريخي أحادي الأبعاد وهذا ما يضعها في خانة الزمن الماضي الذي تتالى وانتهى، لكن بإعادة قراءة الرواية نلاحظ أن متوالية الزمن والتزامن تضرب أطنابها في أحشاء “حج الفجار”، فإذا كان الزمن الخطي هو فترة الحج بالترتيب فإن التزامن صنفان من الحضور في الرواية، الصنف الأول تزامن الأحداث غير المتزامنة تاريخيا، وهو لعب بالمعطيات لصالح البناء الروائي.

فالأحداث جرت في أيام قليلة هي أيام الحج قبيل الهجرة ولكن أحداث كثيرة سابقة ولاحقة تنادت على الرواية فحولت المتتالي الزمني إلى متزامن يحدث في نفس اللحظة وهذا ما يجعلني أقول إن الرواية ليست تاريخية وإن كانت لها خلفية تاريخية.

الصنف الثاني تزامن الحدث التاريخي “والزمن الثقافي” للروائي فإذا كانت الأحداث تجري في زمان مضى وانقضى فإن ميكانيزمات تحليل الحديث واستحضار الشحنة المفهومية جلية في طيات بناء الحدث الروائي، فالزمن الثقافي للأحزاب تحاور بعمق مع الزمن الثقافي للكاتب. وتجلى ذلك في الوصف وشكل الحوار وبناء الحدث والعلاقة بين الوعي واللاوعي وآخر ما تتضمنه النظرة الحداثية من معالم ولذا أرى أن الرواية مشبعة بالحداثة رغم غنائها التاريخي واللغوي.

ثالثاً: متوالية الواقعي والأسطوري

تعانق الواقع والأسطورة في الرواية على نحو بديع، فكان الواقع بمعنى من المعاني أسطورة، وكانت الأسطورة بمعنى من المعاني واقعا، وقد كانت هذه المتتالية ناظما أساسيا في الرواية، كما هي ناظم أساسي للسلوك الاجتماعي والفردي في مجتمع الرواية.

فكل فعل في الواقع مدفوع بتخيل أسطوري. كما كان ذلك الواقع أيضا مفسرا بفعل أسطوري، وهكذا لم تكن الأسطورة في مجتمع الرواية من إنس وجن منفصلة عن الواقع. بل إنها تخلقه وتوجهه وتفسره، وبالمقابل كان الواقع مصدقاً للأسطورة وتشريعا وإعادة خلق وتجسيم لها.

إن هذه المتتاليات هي التي تدعونا إلى الزعم بأن الرواية رواية حديثة حتى ولو تحجبت عنا خلف غلالتين ماضويتين إحداهما غلالة التاريخ والثانية غلالة اللغة.

بعد الحديث عن الأفق العام لرواية “حج الفجار”، لكاتبها موسى ولد أبنو، نفرد تحليلنا للبناء الروائي ونجرب مجموعة الإحالات التفصيلية، وذلك حسب قاعدة منهجية بينا وجها منها ونوضح الآن وجهها الآخر.

إن النص عادة من إنتاج كاتب ما، وقد كان أثناء الكتابة يستحضر بوعي أولا وعي كل أبعاده النفسية والاجتماعية والثقافية والعقلية والخبرية المهارية، والنص في هذه الحالة دال يحيل إحالة إشعاعية على كل المتضمنات في لحظة الإبداع، إن من يستحضر البنية وحدها أو التاريخ أو البيئة ينضب النص من بعض إحالاته.

طبقاً لذلك فلا مناص من محاكمة النصوص ونقدها على أساس ثرائها وشفافيتها في عكس هذا الثراء، المدرك من خلال تعدد الإحالات، وسنذكر بعض هذه الإحالات كما عكستها رواية “حج الفجار”.

أولا: الإحالة على المصطلح

وقد كانت إحالة النص على المصطلح منصبة على غشاء لغوي سميك يتراءى للقارئ العادي وكأنه غير قابل لاختراق الأداة الاصطلاحية، تعود في مجملها إلى المعجم الجاهلي كما ضبط في عصر التدوين العربي، ولكن المصطلح عموما من جنس اللغة التي يتداولها مجتمع الرواية في حينه والرواية بهذه الإحالة رواية تاريخية المصطلح لا حينيته، ويمكننا أن نلاحظ أن هذه السماكة المصطلحية تتفاوت بين مستخدمي اللهجات الحضرية واللهجات البدوية، حيث يرد كثير من مصطلحات الرواية في سياق المصطلح اللهجي المتداول الآن للهجات البدوية مثل الحسانية، لكن هذا لا يقلل من نخبوية الرواية في مصطلحها.

ثانياً: الإحالة المعرفية

أحالت الرواية على أغلب المعارف المتداولة فوق مصافها، وقد كانت معارف ملفقة بعضها صدقة معينة، وبعضها متهافت تهافتا كاملا وهي معارف تعود أساسا إلى التداول السماعي والقبلي المعاين.

أما المعارف المجردة فلم يكن لها حضور يذكر (أفق معرفي حسي المآتي خبري الاستنتاج) وأنا اعتقد أن الرواية وفقت في عكس هذه الصورة على نحو متجانس من البداية إلى النهاية دون استثناءات تذكر.

ثالثاً: الإحالة الأخلاقية

يحيل النص على مجموعة مبادئ أخلاقية متناقضة، مراوحة في مكانها، تعاني أزمة صدقية تنعكس من خلال عدم الامتثال وغياب أي نص تواضعي أو غير تواضعي لاستنقاذها من عوادي التبديل والتغيير المزاجي استجابة لأحداث جانبية أو دوافع ذاتية عاطفية.

وكان ظهور المنظومة الأخلاقية الإسلامية قد بدأ يمارس ضغوطا جانبية متصاعدة على المنظومة الجاهلية السائدة فظهر عليها الارتباك وفقدان روح المبادرة. فقريش التي مثلت أرستقراطية الجاهلية ونبلها أصبح لها سفهاء يسخرون من الحجيج وهي بدعة في الجاهلية، وأصبحت الممارسات الشائنة مما يؤتي في الطواف إلى غير ذلك، من الدلائل على تأزم المنظومة الأخلاقية التداولية التي كانت سائدة حينها. ان الرواية كانت أمينة لعكس حقيقة الأزمة الأخلاقية في آخر العصر الجاهلي وعبرت عن رؤيتها المتجانسة لهذه الأزمة على نحو متماسك.

رابعاً: الإحالة التاريخية

أحالت الرواية على تحول تاريخي أساسي في الجزيرة العربية هي لحظة الانتقال من حالة تشتت وغياب الرؤية الموحدة كما في الجاهلية إلى فترة الرؤية الموحدة والتجمع في المجتمع العربي على أساس ظهور الإسلام.

خامساً: الإحالة الثقافية الاناسية



أحالت رواية “حج الفجار” بكثافة على حالة ثقافية يسودها الرمز ويخف فيها التركيب المادي (شعر غزير، نثر، سجع، أمثال، حكم، حكايات، وانطباعات نقدية) مقابل فقر مدقع في الأبنية والأشياء المصنعة، أليس ببعيد على المجتمع أن ينتقل من حالة التداول الثقافي إلى حالة تقاطع أقرب إلى الحالة المتوحشة وقد عكس حلم (صاحب تهدد وسلوك) وجود ذلك الحاجز الرقيق الحائل بين الحالة الآدمية الثقافية والحالة الحيوانية الوحشية. بهذا المعنى عكست الرواية البعد الثقافي لمجتمعها على نحو واضح.

آفاق الخطاب

تحيل الرواية على التدخل المذهل بين الشرائع والأديان في الجزيرة العربية، ليس في الطواف وإنما ضمن اعتقاد الشخص الواحد، وهذا التلفيق الذي يصل أحيانا إلى حد التناقض بين التعاليم التي يحملها الشخص الواحد كانت حالة تمهيدية طبيعية لشيوع دين توحيدي متجانس الرؤية، وقد بدأت قدسية الشعر التقليدية تنحسر مفسحة المجال للنص القرآني المعجز. في هذه الإحالة نجحت الإحالة في تصوير اللوحة الدينية السائدة.

الرواية من جنس النحت المعاصر فهي وإن نحتت في صخور لغوية وأسلوبية تاريخية صلبة إلا أن ملامحها ملامح حديثة التشكل.

لقد شبهتها بالمنحوتة الحديثة لأنها كانت اختزالية الأبعاد، مشبعة برموز ثرية بالإيحاءات الإسقاطية تحمل المتلقي إذا تجاوز الطبقة اللغوية إلى تتبع ملامحها الغامضة الموحية، فهي ليست ملامح تقليدية، ولذلك تعيد ترتيب الذائقة ترتيبا غير ما ألفته الملامح العادية للنحت القديم.

التوحيدي
08-07-2006, 04:07 PM
شكرا لك سيدي المراقب العام على هذا النص الراقي و الرائق...و تنويه بسيط بالأستاذ ول احظانا و إن كان في غنى عنه, و الأديب الروائي ول ابنو كما هو معروف أغزر الموريتانيين إنتاجا في باب الرواية و إن لم تعجبني بعض راوياته (خاصة الحب المستحيل ...) فقد أعجبتني أخر منها (مدينة الرياح ) و لعل النقص مني لا منه. و أنا متلهف لأر هل حقا كما قال الأتاذ الناقد استطاع ول أبنو أن يضفي على لغته الجزالة العربية التي تميز الجاهلية و صدر الإسلام أم طغت عليه التراكيب و المصطلحات الغربية (كما في روايته الحب المستحيل ) و هل وقع في فخ الأناكرونيسم أي التزامن الجزافي وهو أن يقرأ الماضي بوعي معاصر ويحمل الأحداث ما لا تطيقه من دلالات سياسية و فكرية غير معقولة من أهل الجاهلية. (و الناقد كأنه أشار إلى شيء من هذا)
و الله يكون في عونك أخي الباز.

شاب
11-07-2006, 07:53 AM
شكرا لك أخي إضافة الموضوع ،حبذا لو أتيت بالجزئ الثاني من قراءة النص .
مع تقديري