المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إصدار روائي جديد لفينوس خوري غاتا : نصٌّ يُشرّح رغبات المرأة ومشاعرها



albawah
17-05-2010, 08:35 PM
http://www.almashhed.com/vb/uploaded/19813_1274128444.jpg






يتخذ من موريتانيا مرجعية لشخصية محورية:
مثيرةٌ رواية فينوس خوري غاتا الأخيرة التي صدرت حديثاً لدى دار Mercure de France الباريسية تحت عنوان "الفتاة التي كانت تسير في الصحراء". ففي نصٍّ لا يتعدّى مئة وخمسين صفحة، تسرد لنا الشاعرة قصة امرأتين تتقاسمان ذاكرة كاتبٍ واحد، قصةً قد تبدو عند الوهلة الأولى عادية ومألوفة، لكنها تتحوّل منذ الأسطر الأولى، بفضل المهارات المستخدمة في تشييدها، إلى منصّةٍ فريدة ومثالية لمقاربة جميع المواضيع الغالية على قلب فينوس، كتلك المقابلة الثابتة بين عالمَين، وموضوع الانزواء بأسبابه وعوارضه، وموضوع الغريب الذي يأتي ليُعكّر صفو الأشياء.


الرواية يمكن تلخيصها على النحو التالي: بمناسبة محاضرتها حول الكاتب أدام سان جيل، تلتقي شابة تدعى آن بأرملة الكاتب، ماتيلد، وتبيت في منزلها الريفي على أمل دفعها بالبوح لها عن تفاصيل جديدة تساعدها على كتابة سيرة هذا الكاتب الذي لطالما أحبّت كتبه. ومن ليلةٍ واحدة، تمتد إقامة آن إلى شهورٍ تنفّذ خلالها مهمّات يدوية شاقة لصالح ماتيلد مقابل وعدٍ من هذه الأخيرة بالسماح لها بقراءة مخطوط سان جيل الأخير الذي بقي غير منجَز. وخلال هذه الفترة، تتعرّف آن على زهرة، أخت ماتيلد من أبيها وعشيقة سان جيل قبل وفاته، التي تعيش كسيحةً في منزلٍ مجاور وتفضي لها بأسرارٍ تكشف الجانب المستور من حياة الكاتب...

لكن أفضل تلخيصٍ لهذه الرواية يبقى بدون شك عنوانها الذي يشكّل خير استعارة لقدر كلٍّ من بطلات الرواية الثلاث معاً. "فالفتاة التي كانت تسير في الصحراء" هي أوّلاً زهرة ابنة البدوية اليتيمة التي اختارها عالم الآثار الفرنسي عشيقةً له فعاشرها وأنجب منها فتاةً بقيت إلى جانبها حتى وفاتها خلال غارةٍ جوية، زهرة التي شاهدت أمّها تُضرب وتهان من نساء القبيلة وتُغتصب من رجالها بدون أن تتذمّر، زهرة التي عُثر عليها بعد الغارة هائمة في الصحراء بحالةٍ يرثى لها فانتقل بها أبوها إلى منزله في فرنسا، بعد وفاة زوجته، فعاشت في كنف أختها ماتيلد غير مرغوبة في محيطها بسبب أصولها ولون بشرتها، زهرة التي عرفت متعة الجسد منذ المراهقة ونظرت إلى الجنس كمصدر عافية، زهرة التي أحبّها الكاتب بسبب رائحة الرمل العالقة في قدمَيها فتحوّلت إلى منبع حيويته، زهرة التي لم يمنعها شللها بعد وفاة عشيقها ووقوعها تحت رحمة أختها الحاقدة، من الاستمتاع بالحياة وبالطبيعة المحيطة بها.

قمر أيلولhttp://www.almashhed.com/vb/uploaded/19813_1274128485.jpg

لكن "الفتاة التي تسير في الصحراء" يمكن أن تكون أيضاً ماتيلد التي "لم تعرف، وفقاً إلى زهرة، سوى رجلٍ واحد، الزوج وليس العشيق، فحرمت نفسها من حلوى الحياة التي تجعل المرأة تتلألأ كقمر أيلول"، ماتيلد التقليدية المتزمّتة التي لم يحبّها سان جيل بل تردّد على منزلها لإعجابه بوالدها ولافتتانه بالبلدان التي كان هذا الأخير ينقّب فيها، وتزوّجها للعيش معها وللتفرّغ للكتابة بدون أن يضطر إلى العمل لكسب عيشه، ماتيلد التي أهانتها علاقات زوجها بالممثلات الشهيرات في باريس قبل أن تقضي عليها علاقته مع زهرة بالضربة القاضية، ماتيلد التي تجنّبها سكان القرية التي تعيش فيها كما لو أنها ساحرة شمطاء فانعزلت في منزلها وفضّلت عشرة الغربان على البشر...

وحتى الشابة آن يمكن أن تكون تلك "الفتاة التي تسير في الصحراء" نظراً إلى العزلة التي تلفّ حياتها وتشبه عزلة "محطات القطار في الريف التي لا يقصدها إلا مسافرون نادرون ينظرون إلى مكانٍ آخر"، آن التي استقرّت في قريةٍ مشحونة بالحقد والغضب لملء فراغها بتجارب حياة أختين تتنازعان على حبيبٍ واحد ومتوفّى، آن التي أصغت إلى الأختين حتى ساخت في رمال حياتهما ووقعت في شرك قصّتهما فتحوّلت مأساتهما وذكرياتهما الموحلة إلى مأساتها وذكرياتها وأصبحت هي الضحية لعجزها، بعد شهورٍ من الإصغاء إليهما، عن تشكيل فكرة واضحة عن الكاتب انطلاقاً من أقوالهما المتضاربة، فكلّما استمعت إليهما كلّما تحوّل سان جيل إلى شخصٍ غريبٍ بالنسبة إليها، وكلّما فرغت هي من أي حياة شخصية امتلأت من حرمان الأختين وحقدهما وآلامهما...

ضحية وجلاد

وبخلاف الشخصيات النسائية التي تلعب الأدوار الرئيسية في هذه الرواية وتنكشف إلينا طباعهن وأفكارهن ومشاعرهن بطريقةٍ حميمة، لا نتعرّف على الشخصيتين الرجاليتين إلا بطريقةٍ مواربة وسريعة، من خلال وصف الأختين لهما. ويظهر كلّ منهما كضحيّة وجلاد في الوقت ذاته، مدمِّر ومُحسِن، تماماً كالأختين، وإن بطُرُقٍ مختلفة. فعالم الآثار وقع ضحية شغفه بالصحراء وبآثارها فكان أباً وزوجاً وعشيقاً عابراً، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الكاتب الذي فشل في التوفيق بين شغفه بالحياة وشغفه بالكتابة فرحل إلى موريتانيا بحثاً عن ماضي زهرة كموضوع لروايته، لكن خيوط هذا الماضي، مثل رمل الصحراء، كانت تنساب من بين يديه كلما حاول الإمساك بها، فعاد مع عشيقته للعيش قرب زوجته وبشروطها، قبل أن يتوفى بحادث سيرٍ على مفترق طريقَين، على مفترق امرأتَين.

ولا يسع قارئ هذه الرواية إلا أن يربط بين مسلسل أحداثها والمثل: "الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون"، مع فارق بسيط، لكن معبِّر، هو أن البنات هن اللواتي يدفعن الثمن في هذه الرواية. لكن هذه النقطة، على أهميتها، تبقى جانبية في نص فينوس المشيّد خصوصاً لاستكشافٍ جريءِ وعميق لمشاعر الغيرة والمنافسة بين أختين من عالمَين مختلفين: ماتيلد الغربية التي تميل إلى متعة القراءة والكتابة، وزهرة الشرقية التي تميل إلى متعة الجسد والقلب، كما أن النص مشيّدٌ لتلك المواجهة المثيرة الأخرى بين آن الشابة القادمة من المدينة وبين ماتيلد العجوز القروية المحافظة. ولتحقيق ذلك، اعتمدت الشاعرة تقنية سردية ممتعة بقدر ما هي استراتيجية وتقوم على استخدام لغة المخاطب في الفصول التي رصدتها للشابة آن التي تقف في الحقيقة فينوس خلفها، ولغة المتكلِّم في الفصول التي رصدتها لماتيلد. والهدف من ذلك تجنّب أي اختلاط محتمل لصوتيهما ونظرتيهما إلى الأحداث في ذهن القارئ، وتمكين هذا الأخير من التآلف مع امرأة فظّة ومغلقة مثل ماتيلد ومعرفة ما يدور في خلدها. أما خيار إدراج جميع مداخلات زهرة داخل الفصول المرصودة لآن فهدفه بالتأكيد الإشارة إلى تعاطُف هذه الأخيرة، وبالتالي فينوس، معها