المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ..وينتكس سيبويه مرة أخرى



مصطفى ولد زين
15-04-2010, 01:44 PM
..وينتكس سيبويه مرة أخرى

منذُ عقود خمسةٍ خلت وذلك الرجل الطويل القامة الذلق اللسان "سيبويه" يدخل ويخرج ولا يملّ .... كل اهتمامه أن تكتب له بياناتُ جنسيته باللغة العربية بدل اللغة الفرنسية .
تعاقبت عليه الأنظمة باختلاف اتجاهاتها، وشاب قرناه من إخلاف الوعود المتكررة بتحقيق مطلبه السهل الممتنع .
طالما وقف بأبواب الإدارات والمكاتب فلم يجد من يكلمه بإحدى لغاته الأربع التي يعبّر بها .... كلُّ ما يُكتب أو يُلفظ بالفرنسية لا غير .
مع إطلالة كل نظام جديد يتفنَّن في إظهار فصاحته ووجاهة مطلبه ، وبين يدي كل مسؤول يفتح كتاب الدستور ويقرأ ويشرح المادة السادسة منه ، ولكن دون جدوى .. فيرجع إلى البيت خاويَ الوفاض ، وفي انتظار الصباح يقضي ليلته على أمل غدٍ أحسن من الأمس ، ويرفع عقيرته ينشد :
لنا العربيةُ الفصـحى وإنـَّا **** أشدُّ العـالمين بها انتفاعا
فمُرْضَعُنا الصغير بها يُناغِي **** ومُرْضِعـُه تكوِّرُها قناعا
وذات حقبةٍ اقتضت السياسة أن تأخذ القيادة شيئا من الشجاعة، وتحاول أن تحقق له ما طلب، فقام كبير القوم وأعلن للجميع : لابد من تعريب جنسية هذا الرجل ، ولا بد أن ننصف هذه المادة التي طالما ذاقت مضاضة ظلم ذوي القربى.. وإلا فستظل الدولة فاقدةَ السلطة ناقصة الهُوِّية .
عندها تهلَّل وجه الرجل فرحا وابتهاجاً وهو يرى أحلامه القديمة تكاد تتحقق ، وانهالت عليه التهاني والتبريكات .
وما إن اكتملت له الفرحة حتى قام أفراد ينتمون معه إلى ذات الوطن ونفس الديانة – ومن المؤكد أنهم لا تربطهم بالأوروبيين خؤولة ولاعمومة – يستهجنون موقف القيادة ويطالبون بإبقاء بياناتهم وبيانات غيرهم مكتوبةً بالأحرف الفرنسية، بدعوى أن ذلك يهدد مصالحهم بل وجودهم ويعزلهم داخل وطنهم .
سيَّروا المسيرات وطالبوا القيادة بالاعتذار.. ولم يطُل كثيرا ذالك الشد والجذب حتى قام مأذونٌ من أسرة القيادة وقال : إنما قلناه قبل أسابيع قد أسيئ فهمه - لعله بسبب لغته العربية - وأن ذلك النقد والتشهير موجّه إلى اللهجات الأجنبية وليس إلى لهجاتنا الوطنية.. فالمعذرة .. المعذرة .
هدأت ثورة الثائرين وخفتت أصوات المتظاهرين ، وعاود سيبويه بثُّه القديم وأيقن أنها انتكاسة أكبر من أختها الأولى ، وأنه عاد إلى نقطة البداية، وخسر نصف قرن من المطالبات والوعود...حاول أن يحتجَّ كما فعل الآخرون لترجع القيادة إلى صوابها وتعتذر عما بدَر منها في حقه وبعد تَرَوٍّ وتفكير عميق أدرك أن أيادي خارجية تعمل من قديم على إحباط مساعيه، وأن قيادته ليست من السذاجة بحيث تقدّم لإخوته بالأمس اعتذارا ثم تقف اليوم وتعتذر عن الاعتذار..
راح يمني نفسه : عسى الله أن ياتي بالفتح أو أمر من عنده .. عند الله أحتسب مُصيبتي في جنسيتي ... سأنفق بقية أيامي فيما يحقق هوية بلدي التي مهرتها بدماء شهدائي وعمرتها بعرق جبيني وخلعت على مغانيها من قلائد شعري:
مغاني الشِّعب طيباً في المغاني **** بمنزلة الربيــع من الزمان
ولكنَّ الفتــى العربيَّ فيـها**** غريبُ الوجه والـيدِ واللسانِ



تحياتي: مصطفى ولد محمد سالم