المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجدار



كندلكي
09-02-2010, 07:46 PM
الجدار (قصة قصيرة)

بقلم: محمد عمر ولد أباه

كلب يغرز أنيابه في الريح وحارس
يرتدي أسمالا بللها
ندى ليلة شتاء بارد...
ويجر رجليه المتثاقلتين
ليفتك بصرصور ونملة...
طفل وديع في حضن دجال
يهز أذن حمار مصلومة،
ويطل الاثنان من شرفة قصر منيف
تنبعث منه روائح موائد شتى ..
طبق إزاء طبق , ألوان وألوان ,



وفي الركن القصي من الطابق السفلي
فتى ذو لحية كثاء يحبَِر الآية السابعة
والسبعين من سورة النساء.. .
شوارع تجوبها سيارات متهالكة...
تسير بالفقراء وعابري السبيل...
فيلاهات تتجاور تجاور القبور ...
وكلاب تلتقي كل مساء للعب
وهي أحفظ لحق الجار من أصحابها ,

جدار رهيب... موحش... محروس من بطش
الفئران... تتوسطه فوهة صدئة يهبط
منها دخان المحرقة.
ليغطي وجها لعالم آخر .

في أسفل الجدار فأر يصارع كتيبة حراس
واهنة...من نافقته سددت ناظري إلى باطنه
فإذا هو سور دعائمه صراخ وأنات وبكاء
وعويل... تلمست موطأ قدمي... التفت ولم
أعقب... قررت أن أطلق ساقي للريح, فإذا
صوت رهيب يسد علي الطريق... يملأ الدنيا
كأنه سيل جارف... خطر

ببالي حديث الشيخ (...مهما يظل يبسا قاعا
صفصفا فسيأتيه محق وسيل وغرق ) ...
لا مفر إلا إلى الخلف ففيه تلال سبعة ورمال
جرداء, و عطش وغسق...
من خلفي لاح بشر كالسعالي يصارع أمواج السراب...
أهؤلاء مراد العفاريت الغرثى, يقلدون بغام
الغول ومشية العنقاء... قلت رؤيا جدتي قد
جعلها ربي حقا... بلغ قلبي حنجرتي فزعا...
رباه أبصري يخدعني... أي أرض... أي
سماء... أهو سطح القمر...
أأنا تائه... أم نصف تائه ربع تائه أو ثلثه .




أرسلت عيني المبصرة إلى السماء
فإذا هي ملبدة سحبا، رفعت أسفاري الزرقاء
وأنا أدعو- باحثا عن النجاة- دعوة المضطر...
أظلتني سحابة تدلى منها صوت في غاية
اللطف والحنان ....

قال: لا تخف... ألتفت وراءك و أرجع البصر
كرتين ثم أرجعه أخرى وصف ما ترى... دققت
النظر..فإذا قط هزيل يبحث عن غذاء... وعجوز
درداء تلوك حبات فستق متفحم، تبحث هي
الأخرى عن غذاء... وكوخ تعوي فيه الريح،
وبداخله صغار يشوون القراح، يبحثون عن
غذاء... ولص أعمى يكسر الباب
الخلفي ليسرق ما في الكوخ من ماء. ..


قلت: أرى عالم الجدب والخراب والضياع ...

قال: أنسيت العالم الأول؟

قلت: كلا ..

قال: بصوت فيه شدة وجفاء: صفه نثرا
لا شعرا ودون إطناب و لا تكلف.

قلت: هو عالم الخصب والدعة والهناء .

قال: صدقت فألق في اليم ما بيمينك ولا تخف،
فما عادت بالأسفار التي ستغني عنك شيئا. ..

قلت: أما علمت أنها شعر... شعر كتبناه للسلطان،
وبيراع شنقيط ودواتها, وبه صدحنا
من أعلى كدية الجل. ..

قال: هراء... هراء إنه عمود يحتاج مسحجا
ودهانا و إلا فليحترق ..

قلت: بالله من أنت

قال: لن تعرفني

قلت: كيف وأنت تتدثر دثار الأولياء.
قال: أنا بذرة في الهواء تنبت سبع سنابل...
جئت هذه اليَبَس بوجه لن تراه مادمت مصرا
على حمل وجهين اثنين...
أرني وجهك الحقيقي لأقطع الوجه الآخر. ..
عجبا لبني جلدتك كلكم له وجهان... حتى
شياطينكم لهم وجه إنس ووجه جان...
حتى الكلاب لها ضحك و نباح. ..

ولن يعم العدل إلا باقتلاع الضرس السوداء
التي يخفيها هؤلاء... وتعفير كل الوجوه
الزائفة... وقطع الأيدي التي سرقت أحلام
الشعب... إن لي في ذلك مآرب أخرى وأنا به
زعيم وعندها لن تظل المدينة مقسمة بجدار
باطنه رحمة وظاهره عذاب...


قلت: هل تقبل أن أساعدك ...

قال: لا ما أنت بالمستطيع لي عونا وكيف وأنت
من قوم ما عرفوا من العدل إلا ظله وأنا بمهمتي
كفيل. ..

قلت: ألك عصا سحرية...

قال: ويحك حكمة وإرادة...

قلت :أرينهما

قال: لن تراهما عفوا بلا تعب ودون أن تكلف
عينك النظر إلى ذلك الجدار الرهيب
فإذا انهار قبل أن تقوم من مكانك فستراهما
رأي البصيرة...

قلت:عجبا !! وأغمضت عيني السابعة،
ثم فتحتها قبل أن يرتد إليه طرفه فإذا الجدار
ينهار وأمواج السراب تصارع لجج الماء
والمدينة تحتضن عالما ينعم بالرفاه،
وإذا العجوز الدرداء تزف لشاب
أمرد و اللص يحملق بعينين ناظرتين
في كل منهما حور...



قلت: سبحان ربي أي تحول هذا...



قال: لا تعجب فالبحر يسعد اليوم بزفافه
للرمال الجرداء والسنين السبع طويت...
وانهار الجدار... هذه ساعة العدل فأحصد سنابلك
وأملأ بيادر شنقيط زيتونا ونخلا...
مددت يدي لأقبله ولساني يردد شعرا ...

أنت سلطان الزمان... أنت ..

قال: أي بني أفق فقد طال سباتك....
وابشر فرؤياك رؤيا الحقيقة...

قلت: أهي مجرد رؤيا...

قال: بلى واليوم فهمت الدرس وغدا تستوعب
الفرق بين حقيقة الرؤيا ورؤيا الحقيقة...
وبعثوا في المدائن حاشرين,جحافل المعبرين
تحث الخطى... جزم وتنبؤ... فالسمان

لابد أن تأكلها العجاف والتلال ستصبح قاعا
صفصفا... ويحدث انحراف لن تسأل فيه الموءودة
عن ذنبها, ولا حتى متى وكيف قتلت. .
حلما ضائعا... وفردوسا مفقودا,
جوع وماء
آسن وغسق... كل الأصوات مبحوحة,
ومن كل الجهات تتراكم أشباح
الظلام المروعة, أصحاب النظارات
المجهرية هم وحدهم من يلوح لهم
من خلف الظلام: فقراء يأكلون فقراء
و أغنياء يرمون بسلاحهم في الشوارع,
وأغنياء يجلسون
القرفصاء و يمسحون بأذقانهم المحلوقة
جوارب السلطان... انحراف لا يحتاج
لتصحيح ودرس الغد لم يُعدَ, ففي الجدار
تتشابه الدروس وفيه يحل عالم الفقر
في عالم الغنى... ويتجلى الضد في الضد
و تتلاشى الفروق, حتى العوالم كلها
تتمازج فلا أين و لا كيف...حتى اللغات
تتخلى طواعية عن مدلولاتها لتتعطل لغة الكلام
و تنمحي الكلمات والحروف... ورغم ذلك
يظل الجدار جاثما على صدور أصحاب الحق
حتى الأحلام يقظة أو مناما - لم تفلح في إزالة
ملاط سبع لبنات منه ليبق الجدار هو الجدار....
ولا صوت يعلو صوت الجدار...

محمد جواد
09-02-2010, 08:49 PM
صورة تكاد تنطق من تلقاء نفسها . ورمزية تداعب حافة الغموض.
شكرا اخي الكريم .