المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ولد "أهل " الفصل الأول



محمد جواد
30-12-2009, 12:27 PM
القصة معروضة للتشريح والنقد


لم تشرق الشمس ـ قط ـ في سماء حياة جدي العتيقين كما أشرقت اليوم ، حين استيقظا من نومها صباحا ليجداني ـ بعد طول فراق ـ قائما بين تظهرانهم . وبالنسبة لي فلقد كان ألأمر شبيها إلى حد ما باللحظة الفارقة بين نشوة الحياة وغمرة الموت. فأدنى منازل العيش إلى العدم الغربة كما عشتها، وقمة الإحساس بالحياة لحظة لقاء الأحبة بعد طول فراق.
كنت صغيرا ومتهورا لكي أدرك معنى أن يتغرب المرء ، وذالك ما يفسر جزئيا البساطة التي اتخذت بتا قرار الهجرة وترك الأهل والوطن. والواقع أن مرارة الحاضر وصعوبته وانسداد آفاق المستقبل وقتام دفعا بي فيما يشبه الإكراه في ذالك الاتجاه دفعا . فبعد حصولي على شهادة "المتريز" حاولت أن أجد عملا ما ، وحين يئست واستولى علي الإحباط ، قررت الرحيل الى ساحل العاج في صمت وبهدوء .
تلك لعمري جراح في القلب والروح أمسى مجرد التفكير فيها ينكؤها ، وفصول من حياتي أخشى على فرحتي بالعودة الحديث عنها ، إذ لها في عيني لون الظلمة ولها في نفسي طعم المأساة .
كان الليل مظلما والجو عاصفا وممطرا عندما توقفت السيارة التي كانت تقلني ، ومع أنه قد مر زمن طويل منذ أن رأيت هذه المنطقة لآخر مرة ، فقد حدست ـ حين طلب مني السائق النزول بأنني لم أصل بعد الى الوجهة التي أقصدها . فقلت فيما يشبه الاحتجاج :
ـ أظن أننا لم نصل بعد الى القرية ؟ فقال الرجل في برود
ـ كيف عرفت ذالك ؟
ـ ثمة أمارات عديدة لا أجدها هنا.
ـ شيء طبيعي جدا وسط كل هذا الظلام.
ـ إحساسي يقول لي بأنها مازالت بعيدة ؟
ـ ليس تماما ، إنها على بعد أربع أو خمسة كلمترات فقط .
ـ لكنها لا تبعد عن الطريق كل هذه المسافة كما قيل لي.
ـ لا يمكنني الاقتراب منها أكثر من هذا، فالطريق موحل وحمولة السيارة زائدة.
ـ ولماذا تقول لي ذالك الآن ؟ لقد دفعت لك أكثر من الآخرين ، وتعهدت بأن توصلني إلى " "اكرج" القرية .
ـ وهذا ما فعلته فأ"كراج" على بعد خطوات منك .
ـ لكنك تقول عدة كلمترات ؟
ـ أقصد القرية ، وليس "اكراج"
ـ لكن "اكراج" لا يبعد عن القرية سوى كلمتر واحد. كما أخبرتني.
ـ كان الطريق سالكا عندما مررت من هنا أول أمس، أما الآن فقد اختلف الوضع.
ـ إنك تريد التخلص مني وحسب، لكن لا يمكنني النزول وسط هذا الجو العاصف والظلام.
ـ إنها سيارة قديمة ـ يا صاحبي ـ وإذا ما علقت، وسط هذه البرك والأوحال، أو انزلقت في أحد هذه الأخاديد المغمورة فعليها وعلى حمولتها السلام.
ـ وأنا ـ يا أخي ـ شبه غريب وإذا ما تركت وحيدا وسط هذا العصف والظلام، فعلى روحي وعلى عقلي السلام.
ـ لقد عاندتك الظروف ، ولا حيلة لي إزاء ذالك .
ـ بل عاندني جشعك، وعدم وفائك و... واستشاط الرجل غضبا وأخذ يسب هذا الزمن اللعين الذي جعلني وأمثالي ننسى أنفسنا ومن نحن ، ونركب السيارات و... قبل أن يبدأ في لعن الظروف التي جعلته يقف في هذا الموقف السخيف، ويتعرض للإهانة والسب. وثرت أنا بدوري ورددت عليه بما عن لي ، وصرخ بعضنا في وجه بعض وكدنا نشتبك بالأيدي عدة مرات . لكن الركاب نجحوا أخيرا في إنهاء الموقف بيننا عندما أقنعوني بأن الرجل على حق ، فاقترابه من القرية أكثر من هذا ـ كما زعمواـ يعد مغامرة كبيرة ، واقترحوا علي أن أتجاوز إلى المحطة القادمة حيث يمكنني المبيت هناك ، ولن أعدم وسيلة ـ في اليوم التالي ـ للوصول إلى أهلي . أو أن أنزل مع ما خف حمله من أمتعتي ، على أن يوافيني الرجل ببقيتها عندما يمر من هنا في طريق عودته إلى المدينة بعد يومين أو ثلاثة . فهو كما قالوا شخص أمين ، ومعروف لدى الجميع ، ومحل ثقة. ترددت للحظات قبل أن أختار الاقتراح الأخير. فوجهوني نحو القرية ووصفوا لي الطريق إليها . وتلمست طريقي بتهيب وحذر على أرض زلقة ارتوت لتوها بالماء ، وسط الظلام والعواصف و بين الأحراش والوحل . ومع أنه كان بحوزتي مصباح يدوي صغير إلا أن ضوءه كان أضعف من أن يخترق قوى الظلام التي كانت تحاصر بصري من كل جهة ، والتي كان يخيل إلي ـ كلما أشعلته بأنها كانت تزداد كثافة وحلكة من حولي . لم أكن خائفا فهذه السماء سمائي، وهذه الأرض أرضي، و رغم الظلام وطول العهد فإنني كنت أجد في داخلي إحساسا بالألفة إزاءهما، وكنت أجد بأنهما كانتا تبادلانني نفس الإحساس. واستأنست روحي لهبات من ذكريات الصبا كان كل شيء من حولي يعبق بها ، وبأضواء مصابيح مضطربة كانت تلوح في سماء القرية بين الفينة والأخرى ، ورويدا رويدا بدأت أحس بالإرتخاء ، وأخذ يدغدغ نفسي الشعور بالاطمئنان . عندما دخلت القرية كان أغلب الناس نياما، وحاصرتني الكلاب لبعض الوقت ، وكادت أن تفتك بي ، قبل أن يستيقظ أحد أهل "ادباي" ويقوم بجزرها .شكرته ، وسألته عن بيت جدي فدلني عليه .
وفكرت حين وجدتهما غارقين في النوم يلفهما الهدوء والسكون ـ بأن أدعهما لأحلامها وأنام حتى الصباح ، لكنني لم أتمالك نفسي عندما رايتهما أمامي مسجيين ، فألقيت بنفسي بينهما وطفقت أقبل رأسيهما في لهفة طفولية وحبور. فزعا قليلا ، وحين عرافاني هبا من مرقدهما غير مصدقين نفسيهما . وبينما جأر جدي بالحمد والشكر لله ، غلب التأثر جدتي فأجهشت بالبكاء. واستيقظت أختاي اللتان كانتا تنامان عندهما ، وأطلقتا صيحات فرح أيقظت معظم الجيران ، فجاءت أمي مهرولة بالكاد تعي ما حولها ، وتبعها والدي وبقية العائلة ، ثم تقاطر علينا بعض الجيران والأهل والأقارب . كان فرح الجميع بي عظيما خاصة جدي وجدتي العتيقين اللذين تربيت في كنفهما وكنت أحسبهما أبوي الحقيقيين ، وشعرت ولما تمر على وصولي سوى لحظات قليلة بأن عبئا ثقيلا كان يجثم على صدري قد انزاح نهائيا ، وحين امتلأت عيناي بسحنات وجوههم المكدودة ، وتردد في مسامعي صدى أصواتهم الطروبة ، غمرني إحساس بالاطمئنان جارف لا عهد لي به ، لعله الشعور بالأمان الذي فقدته منذ أن غادرتهم يخترق مواقع الخوف في نفسي ، ويدك الحصينات التي أقامها القلق حول مكامنه فيها . وحين اصطبحت أذناي بصوت كر حبات سبحة جدتي . وبحسيس توقد الجمر في الفرن تحت "مغراج" جدي، أدركت بأنني لم أكن واهما ولا حالما كما خلت أول وهلة. نعم هؤلاء أهلي حقيقة . الاستقرار حل محل الرحال ،و "أدباي" انضم إلى "لفريج " فولدت "النعيم" كيف ؟ ولماذا ؟ لن أرهق ذهني المرهق ـ أصلا ـ بالتفكير في الأمر، وسأعرف كل شيء في حينه . فتحت منخري للهواء جيدا ، فشعرت لانسيابه في رئتي لذة غريبة ، لذة طالما طاردتها في يقظتي بخيالي ، وفي نومي بأحلامي ، وصار لوشوشة الأغصان وتمايلها في نفسي معنى آخر غير التبرم والتأفف كما كنت احسب أيام الغربة . وأصغي لعربدة الرياح بين بنيات الحي تهزها لكنها لا تهز نفسي بل تلقي فيها بالمزيد من الهدوء والراحة. ويزداد اطمئناني إلى الحياة حين انقل بصري يمنة ويسرة إذ لا خوف هنا ولا قلق. نعم الخيام استبدلت بالبيوت المستطيلة السطوح لدى البعض ، ولدى البعض الآخر بالأعرشة المحدودبة الظهور،أو بالأكواخ المخروطيتها ، لكن هل يعني ذالك الشيء الكثير؟ لست متأكدا . فدار " أخطورة" شيخ القبيلة وراثيا ـ تتوسط القرية كما كانت خيمته في "لفريج" أيام الحل والترحال و أهل "أدباي" أحلوا نفس المنازل التي كانت لهم أيامها ، جهة الغرب إلى اليسار قليلا . ولفت نظري كونهم ـ باِستثناء جدي ، و"طالبن" ـ قد اختاروا طراز الكوخ الإفريقي ليشيدوا بيوتهم على نمطه . ربما كان ذالك لرخص تكاليف بنائها ، أو حبا في التميز ربما ، أو لعل الأمر كان مجرد صدفة ليس إلا .
كنت ما أزال في فراشي عندما جاء عمي "محمود" يحمل "تاديتا" مترعة بالحليب ، وقال وهو يناولنها هذا لبن "اسخانة " من ضرع إحدى بنات " القشوة" ـ يا أبن أخي ـ فأشربه هنيئا مريئا وأدعو لها بالرحمة والغفران ، ولنسلها بالكثرة وبالنماء . مجرد معابثة من "عمي". معابثة كنت احن إليها دائما ، وكثيرا ما كنت احلم بها ، ولطالما أقلقني أن تكون الظروف قد حملته على تغيير طريقته في الحياة العزيزة على نفسي . فقد كان أبا للجميع وصديقا له في نفس الوقت، يسبغ الحنان والمحبة على كل من حوله، ويشيع التفاؤل والمرح أينما حل .
جلس جدي في مكانه ألأثير، في صدر الفراش إلى الأمام قليلا عندما يكون بصدد إعداد الشاي ، الفرن و"المغراج " عن يمينه والإبريق والكؤوس بين يديه . كم مرة حلمت بهذه الجلسة في نومي ، وكم ساعة عشت معها في خيالي أثناء غربتي ؟ إن إحساسنا بحلاوة الأشياء يتضاعف حينما نفقدها ، لكن حلاوة جلسة الشاي الصباحي هذه مع جدي شيء آخر ، أو قل بأنها استثناء لتلك القاعدة . قعد عمي ، وجاءت أمي ، ونادي جدي على "طالبن" و "ازوين" فسمعه " امبيريك" ، و"لقظف" فجاؤا وهكذا اجتمع في بتنا جمع كبير من أهل القرية رجالا ونساء ، بعضهم كان قد استقبلني البارحة ساعة وصولي ، ومن لم يحضر منهم ساعتها جاء يعتذر عن تأخيره السلام علي ، ودار الحديث وكؤوس الشاي بين الجميع . وانهالوا علي بالأسئلة . البعض كان يسأل عن أقرباء هاجروا إلى ساحل العاج منذ عشرات السنين ، والبعض الآخر كان يسال عن أوضاع المقيمين هناك من أبناء القبيلة على وجه التحديد ، وآخرون ـ ربما يفكرون في الهجرة ـ كانوا يسألون عن السبيل إلى الوصول، ويريدون أن يعرفوا كيف تسير الحياة و... ، وأسعفتني تدخلات " طالبن" كثيرا ، ورغبته الجموح في لعب دور المتطلع العارف بكل الأمور ، عندما كان يتولى نيابة عني ـ مشكورا ـ التصدي لما كنت اعتبرها أسئلة من قبيل الفضول ، مثل هل أنهم في ساحل العاج يأكلون " "الكسكس" و" مارو" ؟ هل عندهم أبقار وأغنام وابل مثلنا ؟ وتساءل احدهم :
ـ وهل هم ـ ياترى ـ مثلنا "بيظان "و "احراطين" و "أكور" ، أم لا ؟ . فرد عليه "طالبن" قائلا:
ـ إنهم " أكور" جميعا ، لكن فيهم بالإضافة إلى" الحراطين و " لمعلمين ، وربما " آزناكة" أيضا .
فقال له "ازوين" :
ـ ولماذا لم تجعل من ضمنهم "الشرفة"، و " الطلب" و "لعرب"، أم انك تضن عليهم بمثل هؤلاء يا عالم كل فن ؟ فقال " طالبن " كالمتفاجيء ـ بلغة ملاها التبرم والتضايق :
ـ آها . أنت هنا ؟ لو كنت اعلم ذالك لما جئت، ثم نهض واقفا وودعنا وانصرف. ، وقبل أن يبرح لاحقه "ازوين" قائلا:
ـ "مضيا ـ يون ـ ولا يرجعون " . فضحك الحضور، وضحكت ، وازددت اقتناعا بأنني وسط أهلي فما بعد " طالبن" و"ازوين" شك ولا وسواس . وقال "امبيريك" :
ـ يقال بان اللصوص هناك ينتشرون في الشوارع مع الغروب ـ يحملون العصي والسكاكين ، ولا بنجو من بطشهم إلا من أغلق عليه داره؟ فقلت له :
ـ ومع الشروق أيضا ينتشرون ، و يحملون إلى جانب العصي والسكاكين ، البنادق والمسدسات ولا ينجو من بطشهم إلا من رحم ربك . قال :
ـ ألست لهم حكومة ؟
ـ بلى ، لكن اللصوص لا يبطشون إلا بالشعب .
وسألتهم أنا أيضا ، لماذا تقروا ، وعلى أي أساس اختاروا هذا المكان بالذات ؟ وبشكل عاصف تكلموا جميعا ودفعة واحدة ، وكان أمثلهم قولا "امبيريك" الذي علل تقريهم بشدة وطأة الجفاف من جهة ، ومن جهة أخرى تعبهم من الحل والترحال ، وبرغبتهم في الاستفادة من بعض الخدمات التي تقدمها الحكومة للقرى ، أما اختيارهم للمكان فقد وقع على أساس قربه من احد الأودية الخصبة الصالحة تربته لزراعة أنواع شتى من المحاصيل الموسمية المعروفة عندنا ، بالإضافة إلى إطلالته على واحدة من أهم الطرق الرملية التي تربط الولاية بالأراضي المالية . فقال "ازوين"

محمد جواد
30-12-2009, 12:32 PM
ـ لدينا أودية كثيرة لها نفس المزايا وربما أكثر، لكنه حب التبعية المتأصل في النفوس. فنظرا ليه "لقظف " شزرا ، وقال
ـ و من أنتم ، حتى تكون لكم أودية أو سهولا ؟ وقبل أن يرد عليه "ازوين" تدخلت أنا قائلا :
ـ ربما قصد بأنه ما كان ينبغي أن تتخلوا عن استقلاليتكم بهذه السهولة !
فقال "امبيريك"
ـ لم ننظر إلى الموضوع من تلك الزاوية ، كلما حصل هو أن "أخطورة" وغيره من رجال "لفريج" جاؤا إلينا وطلبوا أن نضم إلى بعضنا البعض ، قالوا نكثر بكم ، وتكثرون بنا فنكثر جميعا في أعين الحكومة فاقتنعنا . وعلى كل حال فهم أهلنا . فانبرى "ازوين" قائلا
ـ بئس الأهل . فرد عليه "المخطار" وكان قد حضر لتوه .
ـ ليكن، لكننا أهلهم، وسنبقى كذالك إلى الأبد. تفاجأ "ازوين" قليلا ، وأحس بالحرج ، فقد حسب ألا احد من "أهل "لفريج" كان موجودا ،وبدل أن يسكت ، تمادى أكثر ـ فقال فيما يشبه التمتمة ـ
ـ ما شتكاواعلينا " فرد عليه "امبيريك"
ـ "ما جيناك نشتكي " وعاد "المخطار" للقول :
ـ أحسب أنه قد آن لك أن تدرك ـ يا "ازوين" بأنك تحز في غير مفصل ، فلا تفل سكينك أكثر من هذا ، فنحن و "أدباي" جسد واحد لا مفاصل فيه . فرد "ازوين :
ذالك أمر لا يسعد سوى "امبيريك" و" لقظف " دون بقية "أهل أدباي " الآخرين .
ـ ولماذا لا يكون الأمر كذالك بالنسبة لك ؟
ـ لأنني لست غبيا ، ولا أحمقا مثلهم .
ـ مرحى بالحمق وبالغباء، إذا كانت الحكمة فيما تدعيه. وضج الجميع بالضحك، وتعالت أصوات المتدخلين، البعض يدافع عن آراء "ازوين" باستماتة ، والبعض الآخر يشجبها بلا هوادة ،وطغى جو الهزل والمزاح ، فتلاشت وسطه حالة الجد وشد ألأعصاب ، التي عادة ما تستبطن مثل هذه الأحاديث .
سألتهم عن من مات أثناء غيبتي ، وعن من اغتنى أو افتقر، لكنني لم اسألهم عن من تزوج أو تطلق فمثل تلك الأسئلة للنساء .
قصدت السد مساء ، فوجدت الرجال منتشرين على امتداد مساحته . " المخطار" و"بون" الذين طالما سخرا من الزراعة ومن المزارعين ، والذين كانا يعتبران الزراعة وسيلة عيش من انعدمت وسائله ـ هما اكبر أهل القرية رقعة فيه ، ذاك فعل الظروف ولا يد لأحد عليها . من كان يظن أن زعيم الحي "أخطورة" ، وراقيته " أحمدناه" العتيد ، سيعمدان إلى زراعة الأرض ، بدل جر زكائبهما في موسم الحصاد بين "أهل أدباي " ؟ لا شك أن ثمة أمورا كثيرة هنا تبدلت لكي يحدث ذالك ، ولابد من أن أشياء عديدة قد تغيرت أو هي في طريقها إلى التغير . لكن الوقت مازال مبكرا والمظاهر ـ كما يقولون ـ خداعة . هذا موسم الأمطار ، الرجال يعدون الأرض للموسم الزراعي الوشيك ، بعضهم ينقي رقعته من الحشائش التالفة والأشجار الناتئة والتي يخشى أن تتخذ منها الطيور مأوى في المستقبل ، والبعض الآخر يقوي السد ، بينما كان آخرون منشغلون بإعادة تسييج المنطقة . هكذا ياسادتي ، جلست تحت شجرة تطل على الحقول وفي يدي كتاب ، لكنني في الواقع لم أكن أقرء فيه ، فقد كانت عيناي منطلقتان في الافق الرحب تذرعانه في متعة وحبور، بينما كان عقلي تائه في روعة السماء المزدانة بالسحب . أثناء ذالك غمرني شعور جارف لذيذ إذ لا عمارة تحد من مدى بصري لتحجب عنه زرقة السماء , وخيوط شمس الأصيل الذهبية المنعكسة على السحب الحبلى بالبشارة وبالأمل . وأرخيت العنان لخيالي لينطلق كيف شاء ، وليسبح ما حلا له ذالك وليتخطى دائرة الطوق الذي فرضته عليه سنوات الغربة الثقيلة تلك ، فاتحا للرياح أذني ترنمهما بحفيف الأغصان لا بأزيز محركات السيارات . وانظر إلى "ازوين" بقامته القصير وهندامه المغبر وهو منكفئ على الأرض يحفر كأنه قطعة منها . عشر سنوات مرت منذ آخر مرة رايته فيها ـ وهو لا يزال كما هو يوم تركته . واسمع صوته الساخر وهو يهزأ من "امبيريك" قائلا
ـ إياك أن تقطع الأشجار ، فأنت جبان لن تصمد أمام رجال حماية البيئة . واسمع رد "امبيريك " الغاضب :
ـ لن أستعين بك يا قليل الحياء ، ثم أن المعتوهين وحدهم هم من يعبثون بالأشجار. فترتفع عقيرة "ازوين" بالضحك وهو يقول:
ـ ولذالك فإن أنين "اسدر" و "أور وار" من عبث أظافرك لا ينقطع . فيزداد صوت "أمبيريك" غضبا وهو يقول :
ـ لا غرو في أنك لا تميز بين العبث والانتفاع ، فغباؤك أمر مسلم به .
اسمع كل هذا فاضحك ، اضحك من أعماق قلبي ، ويقوى ايماني بأنني وسط أهلي ، وبأنني من هنا ، ولم أكن لأكون إلا من هنا . ربما من فرط سذاجتي فكرت يوما بأن ذالك كان خطئا ، ولعلي كنت ـ لو أن الأمر كان بيدي ـ لأختار أن أكون غير ما أنا ، لكن هنا .فأنا هنا كالغصن لا يقوم بمعزل عن الجذع ، لكنه مع الجذع يثمر ويظل ويعطي بحنان وسخاء . ويقتحم نفسي شيء مثل الخوف أو القلق لا ادري مصدره ، لكنه لا يلبث أن يتلاشى ، عندما أرجع بذاكرتي إلى الوراء لأرى سنوات عمري جلها منذ كنت طفلا حتى غدوت رجلا . وبدا قرص الشمس يلم وشاحه الذهبي عن الكون ، في حين اخذ الليل ببسط نقابه الأسود المهيب رويدا رويدا ـ عليه . إذ ذاك قمت عائدا إلى القرية . وأمام العريش القائم في فناء دار جدي استقبلتني جدتي . كانت تجلس على قطعة حصير بالية ، هشت في وجهي تحية ولما حييتها هزت راسها فاتحة ذراعيها لكن دون أن تتكلم فأدركت بأنها منشغلة بأورادها ، فألقيت نفسي في حجرها ، وكري الذي لم أسلاه رغم الغربة وسنوات العمر. وأحسست بها تضم راسي إليها وشعرت بشفتاها الرقيقتين وقد دفنتهما في شعري وبقطرات دمع ساخنة بللت جبيني بحنان . ومع ذالك فان كر حبات مسبحتها لم يختل أو يضطرب. أذكر أنها قالت لي مرة هذه السبحة أهداها لي "محمد ولد الهادي " أحد الصناع التقليديين عندنا ، كان ذالك قبل ولادة أمك بعدة أشهر ، يومها كنت وبعض نسوة أدباي عنده لإصلاح بعض الأواني ، والأدوات الأخرى ، عندما لاحظنا ازدحام الناس وتدافعهم عند إحدى الخيام المنصوبة بطرف "لفريج" . سألناه عن الأمر، فقال بأن احد أبناء الشيخ "حماه الله " ينزل في تلك الخيمة . وتمنيت لو أنني من محارمه لأتمكن من مصافحته تبركا ، فدفع إلي الرجل بالمسبحة ، وقال : يمكنك مصافحته بواسطة هذه السبحة . ومنذ تلك اللحظة وجدتي تحافظ على تلك المسبحة كما لو كانت قطعة مجوهرات نادرة ، ولأن ابن الشيخ قد وضعها في يده الكريمة ـ كما كانت تفخر جدتي دائما ـ فقد كانت تعتبرها منبع بركة لا ينضب ، وفي المناسبات الدينية كان أهل "ادباي " يتقاطرون على جدتي حجا إلى تلك المسبحة المباركة . هذه المسبحة ، وقطعة حصير عتيقة ، بالإضافة إلى "مغراج" نحاسي قديم ، وصندوق خشبي بني اللون ، هي دنيا تلك العجوز ومحط اهتمامها على مدار اليوم . فبعد صلاة الصبح وعندما تنهي أورادها ، تقرب صندوقها وتبدأ نشاطها اليومي المعروف ، فتارة تخيط ثوبا خلق ، وترتق آخر تارة أخرى ، ومرة تصلح قربة ، ومرة تجهز شكوة ... سلاحها في كل ذالك همة لاتفتر وصبر دءوب وإصرار. هذه الذكريات وذكريات أخرى فاضت علي وأنا ملقى في حجر جدتي وعشت معها إلى أن انتهت العجوز من أورادها ، ثم بدأنا الحديث ، كان حديثا شيقا عبقا بمشاعر الأمومة زاخر بطعم الحنان ، حكت لي خلاله عن الكثير مما حدث في "ادباي" أثناء غيبتي وحدثتها عن بعض ما لا قيته من عنت أثناء غربتي ، وفجأة وجدتني بلا مقدمات أهتف بنبرة من قبض ـ أخيرا ـ على ذكرى ظلت تفلت من ذهنه باستمرار" "إنه أحمد ، أحمد ولد ألمأمون" نظرت إلي جدتي باستغراب ، وطيف قلق يحوم حول وجهها وقالت :
ـ من تقصد ؟
ـ رجلا فارع القامة عريض المنكبين والصدر ، ممتلئ الجسم قليلا ، و إذا ما قيس ببقية الرجال في "لفريج" هنا فيمكن اعتباره أبيض البشرة ناعمها . التقيته أثناء جولتي في الحقول بينما كان يستعد لوضع خشبة في إحدى الحفر ، ولأنها كانت ثقيلة كما حسبت فقد رأيت أن أساعده في حملها . كان رده فاترا حين سلمت عليه ، ولا حظت بأنه لم يبدي كبير حماس لتدخلي ، بل ولربما كان قد ضايقه و رغم ذالك فقد سمح لي بمساعدته ، وحملنا الخشبة معا وثبتناها في الحفرة . وتسنى لي ـ بعد أن فرغنا ـ أن أمعن النظر في وجهه أكثر، فبدا لي مألوفا إلى حد ما ، بل خلت أنني أعرفه . فلا بد من أنني رأيت هذا الوجه في مكان ما قبل ألآن . لكن أي مكان ، ومتى ؟ ونقبت في ذاكرتي لبعض الوقت . وتذكرت ، كان ذالك في ساحل العاج . لقد جمعتني الصدفة بهذا الر جل عدة مرات في أمكنة مختلفة ، كان ذالك يحصل بشكل عابر غالبا ، لكنني أذكر بأنه قال ـ في حضوري ـ مرة بأنه جاء إلى هناك بعد أن ضاقت به الظروف هنا ، لكن كيف جاء ذالك الرجل إلى هنا ، خاصة وأنه حينها كان يزعم ـ على ما أذكر ـ بأنه من قبيلة "أرقيبات" وبأن أهله في منطقة " تيرس " لا، لا . لا بد من أنني أتوهم . هكذا أنقلب ظني إلى مجرد وهم ابتلعته بسرعة ، مستبعدا أن يكون هذا الرجل هو من أعرفه ، وأخذت أتحدث إليه . كانت أجوبته ـ كلما سألته ـ مختصرة ، كما أن عباراته كانت متحفظة نوعا ما ، لكن جرس ألفاظه ، ونبرة صوته ، بالإضافة إلى تقاسيم وجهه كلما دققت النظر فيه ، عادت تغذي ظنوني من جديد ، بأن من أراه أمامي الآن هو ذات الرجل . وعدت إلى ذاكرتي من جديد أنقب في سراديبها عن أسمه لكن بدون جدوى . ولأ لا أظل في دوامة هكذا بين الشك واليقين سألته :
ـ هل أعرفك ؟ كان منهمكا في حفر حفرة أخرى ، فألتفت إلي ببطء ، وأجاب ـ دون أن كبير اهتمام
ـ هل تعرفني ؟ وضحك . اعتبرت إجابته هذه نوعا من التهرب ، مما جعلني أصر على ملاحقته . فعدت أقول :
ـ يخيل إلي أنني رأيتك من قبل ؟ رفع إلي عينيه بحذر ، قبل أن يخفضهما ، ثم قال :
ـ ربما . وصمت للحظات ، قبل أن يضيف : أين ومتى ؟
ـ في ساحل العاج ، منذ عشر سنوات تقريبا . ولاحظت غمامة دهشة تعلو سماء وجهه بغتة ، إلا أنه تمكن من تبديدها بسرعة ومهارة فائقتين ، عندما أفتعل سعالا أسال لعابه ، ثم قال :
ـ يجوز . هكذا أجابني ببرود ، وواصل عمله ، وبعد لحظات أردف : ألا تعتقد بأنك تتوهم الأشياء ؟
ـ أتوهم ؟!
ـ أو ربما شبه إليك ؟
ـ طيب . ما اسمك ؟ قال: ـ وطيف ابتسام يرتسم على شفتيه:
ـ هل أنت ضابط تحقيق ؟ وصرخت ، صرخت ، لكن في نفسي وبصمت : ضابط تحقيق تقال هنا ! وبينما تهت أنا في دهشتي ، واصل هو انهماكه في عمله دون أن يتكلم ، وحين فرغ التفت إلي وقال
ـ أمعجب بهذا، أم أنكم معشر أهل المدن تعتبرون الزراعة وسيلة عيش متخلفة ؟ وضحك . قلت
ـ حياة أهل المدن وغيرهم تتوقف على الزراعة ، وسينتهي العالم عندما يتوقف الكل عن ممارستها . ضحكت جدتي حينئذ وقالت :
ـ مسكين ، هذا "محفوظ" وتلك أحاجيه ، لم يحظى أحد منه أبدا برد شاف ، فإجاباته ـ حين ـ يسأل هي دائما من هذا النوع . يجوز ، ربما . حتى أنهم ـ هنا ـ أصبحوا يلقبونه ـ تندرا ـ ب "محفوظ ربما"
ـ "محفوظ" ؟! لا . ليس هذا اسمه :
ـ من ؟
ـ الرجل الذي أتحدث عنه
ـ طبعا لا .
ـ "أولد من ، محفوظ هذا يا جدتي
ـ " ولدنا نحن أهل أدباي "
ـ جدتي ، إنه "بيظاني ؟
ـ إلذاك ؟. و " أهل أدباي" أثرهم شنهوم ؟
ـ أقصدـ يا جدتي ـ بأنه "بيظاني" أبيض .
ـ وأكثر من ذالك هو "شريف" ، لكن أمه " انمادية" ، وقد تربى معها بين أخواله صيادا في بوادي "النعمة" . وفد إلينا بعد ذهابك بفترة قصيرة ، وبعد إقامة لم تدم طويلا عند "أهل امبيريك" تزوج ـ من "السالمة" واستقل بنفسه .
ـ من "السالمة" ؟
ـ "السالمة منت محمد العبد"
ـ عرف كيف يختار، فا"لسالمة" من أكمل بنات "ادباي" خلقا وخلقا ؟!
ـ صحيح ، لكن ذالك ما كان سيودى بمستقبلها ، ويبقيها بائرة إلى ألأبد ،فقد توهمت بأن جمالها ، واختلاف بشرتها كافيين وحدهما لإخراجها من زمرة "أهل ادباي" .
ـ إلى أين ؟
ـ وما أدراها ؟ إنما كانت بصدد أن تكرر نفس تجربة أمها .
ـ تقصدين "أمباركه أعلينا "
ـ نعم . فقد جني عليها جمالها عندما كانت صغيرة حينما أوقع في غرامها أحد أبناء عم "أخطورة"
فحلقت عاليا في سماء أحلامها رافضة في خيلاء وتكبر كل من يتقدم لها من أبناء "ادباي" ، ولأنها كانت متمردة ومشاغبة منذ صغرها ، فقد رفض "أخطورة" أن يعتقها عندما تقدم الرجل لخطوبتها هكذا علقت المسكينة بين رغبتها وإرادتها ، وبين التحكمية التي لا ترحم لمزاج "أخطورة" في مصيرها ، وبينما تشبث الرجل بعلاقته بها ، صارفا النظر في الوقت نفسه عن فكرة الزواج منها ، عاشت هي على أمل أن يتغير الوضع في يوم ما . عمياء عن حقيقة أن الرجل بعد أن مكنته من نفسها لم تعد بالنسبة له سوى جسد يستغله. فقد كان لا يغشاها إلا متسللا وينكر في العلن أية علاقة له بها .وكان حين تحمل يهجرها نهائيا ، ليعود إليها عندما تستعيد عافيتها. ولم تصحوا من أوهامها إلا حين هددها علنا بأنه سيقتلها إذا سمع بأنها تنسب إليه أبناءها. خاضت بعد ذالك العديد من التجارب والمغامرات لكن ليس مع أحد من أبناء "ادباي" ، إلى أن أدركت بأن شبابها يوشك أن يضيع هباء ، فقبلت الزواج مرغمة من "محمد العبد"
ـ لكن ، جدتي هل ل"أمباركه أعلينا" أبناء من رجل آخر غير "محمد العبد" ؟
ـ أجل .
ـ ومن هم ؟
ـ أولادها الكبار الثلاثة، وفي "السالمة" قولان !
ـ ماذا تقولين يا جدتي ؟
ـ ما سمعته ! .
ـ و هل كانوا كلهم ثمرة لعلاقتها بذالك الرجل ؟
ـ نعم . كلهم ، باستثناء "السالمة" أوـ تائبة لله ـ هذا ما يعتقده غالبية أهل "ادباي"
ـ ولم يعترف بهم أبدا .
ـ تقول "أمباركة علينا" أنه جاءها مرة ، وابدي أسفه وندمه ، وطلب منها الصفح، فاشترطت عليه لكي تفعل ذالك أن يعترف بأبوته للأولاد أولا. فوافق، ووعدها بأنه سيستفتي العلماء ويرد عليها. لكنه مات دون أن يفعل لها شيئا، ويقال بأنه عندما كان على فراش الموت بكى وأبدى الكثير من الندم فأرسل إلى أحد العلماء يستفتيه في الأمر.
ـ وماذا بعد ؟
ـ انتهت القصة هنا.
ـ وماذا عن "السالمة"
ـ يقول "أهل أدباي" بأن "أمباركة علينا " كانت حبلى بها عندما تزوجت "محمد العبد "
ـ تتكلمين وكأن الأمر يتعلق بمعزة .
ـ بل يتعلق ب "خادم" لكنها جميلة ؟
ـ كان من شأن ذالك أن يخدمها ،و يضاعف حظوظها في أن تحيى بشكل أفضل.
ـ لا يحدث ذالك دائما ، فجمال "الخادم" سلاح ذو حدين.
ـ جدتي كنت تقولين بأن "السالمة" كانت بصدد تكرير تجربة أمها ؟ .
ـ أجل ، لكن الله سلمها ، لقد غرست في ذهنها منذ صغرها بأنها مختلفة عن بقية أترابها ، فكانت البنت تقول لزميلاتها بأنها لن ترضى بأقل من "شريف" أو "ولد ازواي" كزوج لها (المرأة أل اكبر من بوها) قبل زواجها من "محفوظ" خطبها " معط " ابن خالتها فرفضته بإصرار، وبدعم من والدتها ، ثم رفضت بعد ذالك الزواج من " لمخيتير" ابن عمتها بحجة أنها لا تحبه ، وهي حجة ابتكرتها هي دون سواها من بنات "أدباي " لكن حين اعترضت أمها على طلب "محفوظ" الزاج منها قامت قيامتها ، ووقفت لها ضحى وقالت لها في كل وقاحة : إذا لم تزوجوني به ، فسأمكنه من نفسي أو أهرب معه ولن تروني بعد ذالك . فغضبت " أمباركه أعلينا" أيما غضب وسلطت عليها "محمد العبد" وضربها ضربا مبرحا، ثم حبسها ، لكن ذالك لم ينل من تصميمها ، ولم يمنعها من التسلل كل ما واتتها الفرصة للقاء "محفوظ" وكاد أمرهما أن يكون سببا في إشعال نار فتنة في " أدباي " حين هم أقرباؤها بالاعتداء علي "محفوظ" . ذالك أن "امخيتير " ـ بدافع الغيرة ، وبتحريض من "أمها . مافتئ يستفز "محفوظ" ويتحرش به بين حين وآخر. ومرة قام بمهاجمته مستعينا ببعض أقربائه وأصدقائه المقربين بدعوى أنهم ضبطوه مع "السالمة" في وضع مريب، لكن أولاد" امبيريك" ـ الذين كانوا ينظرون إلى "محفوظ" كغريب أوطان لاذ بحماهم ـ تصدوا للمهاجمين بكل شراسة واستبسال .ولولا تدخل جدك وغيره من الرجال الكبار لحلت ب"أدباي" كارثة محققة .، وبعد الكثير من الأخذ والرد ، والرجاء والوساطات ، أذعنت "أمباركة علينا " أخيرا لرغبة البنت فزوجتها ل"محفوظ" . وراجت شائعة بين نسوة "أدباي" مفادها أن إصرار البنت على الزواج من "محفوظ" ، وكذالك تراجع أمها المعروفة بالصلابة والعناد عن معارضتها لذالك ، مرجعهما أن الرجل كان ربما ، أقول ربما قد أصاب من البنت شيئا ، لكن ـ والحق يقال ـ ابنها الأول منه جاء بعد مرور عام كامل على زواجهما مما أخرس الألسن وبدد الشائعات . الشيء الغريب "يا أوليد " هو أن " السالمة" بعد زواجها من "محفوظ:" انعزلت بحياتها عن الآخرين، وقطعت كل صلة لها بالناس تقريبا .إلى حد أنها تجرأت وولدت في بيته بدلا من بيت أهلها خلافا لما يقضي به العرف ، وما جرت به العادة والتقاليد ، خصوصا وإنها كانت تلد للمرة الأولى . مما أثار ثائرة أمها وأخواتها فشتمنها وعيرنها ، وشتمن "محفوظ" واتهمنه بأنه قد سحر ابنتهم و... عند هذا الحد قاطعت جدتي قائلا:
ـ ولماذا كل هذا الرفض للرجل من طرف " أمباركة أعلينا"
ـ وماذا كنت أخبرك منذ الصباح .

محمد جواد
30-12-2009, 02:26 PM
ـ ما فهمته، هو أن المرأة كانت تحلم بأن يتزوجها أحد أبناء الأعيان. لكنها سقطت سقوطا حرا من علياء أوهامها لتتزوج أخيرا من أحد رجال "ادباي" .
ـ لكنه ليس كأي رجل من رجال "ادباي" من وجهة نظرها ، فلطالما اعتبرت أنه أفضل من بقية أهل "أدباي" !
ـ أفضل منهم على أي أساس ؟
ـ إنه " خذر متصل ، حر مولانا "
ـ أوليس بقية "أهل أدباي أحرارا ؟ أشاحت عني بوجهها وقالت في عصبية مفتعلة
ـ لا ، إنهم "جامبور"
ـ ليكن ، إنني أفهم أن يتكبر "محمد العبد ومباركه أعلينا" على "أهل أدباي" لكن تكبرهما على "الشرف" يبدو لي غير منطقي .
ـ وأين "الشرف" ؟
ـ "محفوظ" ؟
ـ ومن قال بأنه "أشريف"
ـ الم تقولي قبل لحظات بأنه "شريف " من أهل تشي... و ...
ـ هذا ما يزعمه هو ، "ول قالك بأن "شريف" قول آمين "
ـ على كل حال هو "بيظاني"
ـ أو "أمعلم".
وتجاوزنا موضوع "محفوظ" إلى مواضيع أخرى. صحيح أنني ما أزال أشعر برغبة كبيرة في معرفة المزيد عنه، أين كان قبل أن يأتي إلى هنا ، ولماذا أختار أن يقيم بين أهل "أدباي" دون سواهم ، وفوق هذا وذاك أريد أن أعرف أين تعلم كلمة ضابط تحقيق ، فكلما قالته عنه جدتي ـ من تفاصيل وأشياء لم يقضي تماما على شكوكي حول هويته الحقيقية ، ثم إنني مازلت في داخلي أرفض فكرة أن يكون كل ذالك التشابه بينه وبين ذالك الرجل الذي تعرفت عليه في ساحل العاج جاء عفوا وبمحض الصدفة والاتفاق . لكن تيار الحياة في القرية جرفني ، وكنت سعيدا ولا أريد لأي شيء أن يشوش على سعادتي . ولأن الدعوات تعتبر في عرف الناس هنا، هي أعلى أشكال التعبير عن التقدير والاحترام ، فقد تهافت أهل "أدباي" على دعوتي ، فيما يشبه التنافس المحموم هكذا أمضيت شهري الأول جله مدعوا على عشاء عند هذا البيت ، أو على عشاء عند ذالك . وكنت في كل مساء أذهب إلى الحقول أستمتع بجمالها الرائع وخضرتها الغضة، وفي الليل عندما يصعد القمر سماء القرية ويسكب أشعته الفضية على ربوعها أذهب رفقة بعض الأصدقاء إلى "الشن" حيث تجتمع الفتيات للغناء. كنت أحسبني كبيرا إلى حد ما لكي أفعل ذالك، لكن حرصي على أن أعوض ما فات من أيام شبابي الضائعة كان أكبر من أن أتوقف عند تلك التفصيلة الصغيرة. بالنسبة لفتيان القرية وفتياتها فإن مجلس "الشنة"كان بمثابة جزيرة مستقلة وسط بحر المحرمات وفضاء للبوح حرا يهربون إليه كل ليلة من أسوار الممنوعات ، وبالنسبة للآخرين فقد كان موعدها يشكل فرصة لتحدي المواضعات وقيودها ، و لحظة تظاهر عفوية ضد رتابة الحياة في القرية وضد روتينها الفتاك . تقرع "الشنة" وفي غضون لحظات يغص المكان بالفتيان والفتيات وبالأطفال والمتصابين من الرجال والنساء ، فتاتي " ازغيلين" مطربة "أدباي " المشهورة و " امليخير" صاحبة الصوت الشجي ، ويأتي "عبدن" أشهر من يقرع الطبل في القرية ، "ولقويل" و "ومقيلاه" مطربة "لفريج " العتيدة فيشتعل المكان بالحماس ويفور بالمتعة والحبور. ويبلغ المشهد ذروته حين يأتي " عبدوك" عازف "النيفاره" الفذ بمعية رفيق دربه " أبين" المولع " بالإنشاد والرقص وبالتطبيل . هكذا ترتفع أصوات الحناجر بالزغردة ، وتصدح الأكف بالتصفيق فتردد صداهما أرجاء المكان ، ويعانق دويهما عنان السماء. وحين تخبو موجة الحماس تلك ، التي تمثل عادة وصلة خاصة ب" أدباي" تبدأ الفتيات بترديد" " النحايا " و اشويرات " فيأتي دور المولعين بنظم " القيفان " والمتحمسين لخوض حرب "لقطاع" . فتفيض "قيفان" الغزل من شفاه العشاق آهات نسيب تمزق نياط القلوب ، وأحيانا آيات تشبيب تبهر العقول والحواس ، وحين تنجح إحداهن في الاستحواذ على اهتمام أكثر من واحد ، تنشب بين المعنيين حرب "اقطاع" ضروس ـ مليئة بالإثارة وبالمتعة ـ لا تلبث أن تجذب الجميع إلى أتونها فيغدوا المكان أشبه بحلبة صراع حقيقية يسعى الجميع فيها ـ كل من موقعه ـ إلى الخروج منها ظافرا ، الفتيات بما تعتصره يد الصبابة والوجد من قرائح المعجبين من عذب القريض ومعسول الغزل ، والفتيان بما توشي به العيون خلف نقاب الحياء من آي المودة والإعجاب . واستيقظ صباحا ، وصورة الحقول تملأ عيني ، وأصداء "الشنة" تتردد في أذني . الهواء الرائق الطري ، و ضوضاء الرعاة وضجيج أغنامهم ،وصياح بقرات تعود ضحى من مرعاها الليلي ، وثغاء نعاج على وشك توديع صغارها ، ثيران تتخاور، وحمير تتعارك ، وجلبة أطفال في الغسق يتحلقون حول معلمهم ، هذا كله يملأ نفسي بالمتعة فتطفح بالسعادة وبالبهجة والسرور. كم هي جميلة الحياة هنا ، وكم هي رائعة وممتعة ، بين هذه السهول الغناء مهد الجمال والطمأنينة والهدوء ، وبين تلك الفتيات ومجلسهن الممتع ذاك ، والذي اتخذت منه معبدا أرتاده كل ليلة ، فأحس بضباب القلق والخوف ينقشع شيئا فشيئا عن نفسي ويسود مكانه صفاء الطمأنينة والأمان ، لكن في تلك الأصقاع البعيدة مايزال هناك الكثيرون من أبناء جلدتي اللذين ضاقت بهم ظروف العيش هنا ، وعز عليهم الظفر باللقمة الشريفة ، ينازعهم القلق الشيء الذي يجنونه ويسلبهم الخوف هناء الحياة .
أمضيت في القرية حوالي خمسة أسابيع ذهبت مع أيامها مشاعر الخوف والقلق، أمشي فيها طليقا، وأتجول بين بيوتها سعيدا، أسهر حتى مطلع الفجر، وأنام عند أقرب البيوت إلي ، ليس ثمة ما يمنع . ولأنني لم أقرر بعد نوع النشاط الذي سأزاوله ـ فقد انخرطت شأن غيري من أبناء القرية ـ في الأنشطة اليومية للناس هنا. أعمل في الحقل ، احلب البقر، اجلب الماء من البئر، و...
وحدث أن نفشت بمزارع القرية حيوانات بعض البدو الرحل، فقام أطفال القرية الذين كانوا موجودين في الحقول، بمطاردتها داخل الأودية ـ المحيطة بالمزارع ـ و في الشعاب، و هم عائدون في الطريق هاجمهم رعاة الحيوانات على حين غرة، وأوقعوا بينهم بعض الإصابات. كانت الإصابات محدودة ، و كانت بسيطة وعادية في معظمها . لكن لا أحد من أهل القرية كان مستعدا ـ عندما ذاع الخبرـ للتروي ولتقييم الأمر بحكمة وتعقل، فلدى الجميع من الانفعالات العائمة ما يكفي، وكفى بما حدث شرارة.
وهب الناس بشكل انفجاري ـ فور معرفتهم بالخبر ـ هبة رجل واحد، وهرعوا نحو مكان الحادث بعضهم يحمل البنادق والبعض الآخر يحمل الفؤوس والعصي. كنت نائما عندما صاحت في جدتي :
ـ انهض لتمنع هذا العجوز مما هو مقدم عليه.
ـ وما ذاك يا جدتي ؟ وبصوت قلق مضطرب أبانت لي طرفا من الموضوع، فصعقت أمن أجل هذا يأخذون بنادقهم وفؤوسهم ؟ خرجت من البيت مسرعا فهالني ما رأيت . هرج ومرج ، واندفاع وتدافع ، وضوضاء مبهمة لنساء حزانى مرتعبات هنا ، تختلط بهمهمات رجال مترددين حيارى هناك ، يضيع صداها وسط الفوضى العارمة التي كانت تجتاح القرية كالإعصار. كنت أركض وسط الزحام بلا هدى تتقاذفني المناكب والأجسام المتعرفة نصف العارية، وفي نفسي أتمنى أن أحظى بمعجزة ما تمكنني من التصدي لعدوانية هؤلاء الناس المنفلتة من عقالها لكي لا تحدث كارثة ؟ عندما وصلت إلى مكان الحادث بالقرب من المزارع ، لا حظت أن أغلب المتواجدين به هم من شباب "أدباي" ، وبعض رجاله ممن لا يكنون عادة الكثير من الود للبدو الرحل . ربما كان الأمر مجرد صدفة، أو لعلهم كانوا قريبين من المزارع ساعتها مما جعلهم يصلون أولا. ما أثار دهشتي حقيقة وهزني من الأعماق ، هو ذالك الحماس منقطع النظير الذي كان يبديه أغلب هؤلاء لخوض المعركة . معركة يجهلون قطعا أنها في الميدان الخطأ، وضد العدو الخطأ، وبالأسلحة الخطأ، لكن من يستطيع أن يقنعهم بذالك. وأفقت من تخيلاتي على ضوضاء نسويه تنبعث من وسط الحشد، وهمس هنا وأصوات خافتة هناك تتساءل في خجل : أين "أخطورة" و"المخطار" ولماذا لا يتقدموننا إلا في ساعة الرخاء ؟ وفجأة دوت في أرجاء المكان زعقة عرفت فورا أنها صادرة من "ازوين" . كان الرجل يبربر تارة ، وتارة يشتم ويتوعد بالويل والثبور ، وإلى جانبه "امبيريك" وهو يلف ويدور حول نفسه في نشاط هستيري محموم ، بندقيته العتيقة تتراقص على منكبه وقد استبد به الحماس فدفع به إلى حافة الجنون ، أما "طالبن" فقد كان في الطرف الآخر غير بعيد يخور كالثور الهائج و يمور، ورغى " اعبيدن" وأزبد وصاح " الشيلا ، الشيلا " اليوم يومكم .ـ هذه واحدة من اللحظات النادرة التي يتفق فيها هؤلاء حول أمر ما ـ ورفعت "أمباركة أعلينا " عقيرتها بالزغردة ملهبة حماس الحشد وصاحت ماذا تنتظرون ؟ ها هي خيمهم وراء هذا الكثيب فلنحرقها على رؤوسهم ، فتردد صدى صوتها الجهوري وسط الجو المشحون فأزفت الكارثة ، وبدأ الحشد يتحرك صوب مضارب خيم البدو . تزاحمت الأفكار في ذهني فلم أدري ماذا أفعل، لكن ينبغي أن لا تحدث هذه الكارثة مهما كان الثمن.
لجأت إلى كل وسيلة حسبتها قادرة على الحؤول بين هؤلاء الناس وبين ما هم مقدمون عليه ، فوعظتهم بكل آية حفظتها ، وأنذرتهم بكل مأثور استحضرته . وحين جاء " أخطور" و" المخطار" وبقية من كنت أحسبهم ـ يوما ـ عقلاء القرية وحكماؤها ، جثوت على ركبتي أمامهم متوسلا حكمتهم وتعقلهم . ورجوت "أخطورة" رجاء خاصا دون غيره وبصفته زعيم القرية وشيخ القبيلة التقليدي، وحذرته من أنه وحده سيتحمل التبعات والعواقب. ولما لم يجدي كل ذالك نفعا، رأيت أن أحاول إبعاد أولائك الذين كانت بحوزتهم أسلحة نارية عن الحشد مخافة أن يبادروا باستخدامها تحت تأثير الحماس للعنف والانفعال. لكن جهودي كلها ذهبت سدى ، وتلقيت لكمات ولكزات وأصبت ببعض الرضوض. ومضى الحشد إلى غايته، فوجدتني شبه وحيد أضرب أخماس بأسداس، وأحوقل. ما غشيني حينئذ شيء اعجز عن وصفه . وبينما كنت أقاوم حالة إغماء كانت تراودني ، وأنا أتخيل دماء القتلى ودموع الثكلى تملأ الوادي ـ بدا لي وكأن زحف مقدمة الحشد بدأ يتراخى ، في حين اشرأبت أعناق الناس في المؤخرة وتباطأت خطاهم ، فبدا الحشد كما لوكان قطيعا قطع عليه الطريف خطر غير أكيد . بصيص الأمل الذي حمله المشهد إلى نفسي شحن أعصابي بطاقة هائلة فانطلقت لا ألوي على شيء حتى لحقت بالحشد. و فوجئت حين أدركت بأن "محفوظ" هو من أوقف زحف الحشد الهائج فقد كان يقف أمام الجميع وقفة القائد المطاع . وإلى جانبه وقف بعض الكهول والشباب الأقل تحمسا للعنف . وتذكرت بأنني ـ عندما كنت بصدد التصدي لأهل القرية ـ لم ألاحظ وجوده بينهم ، لكنني لم أعر ذالك أدنى اهتمام ، ولم أتوقف عنده بتفكيري ولو للحظة ، ولم يدر بخلدي ـ أبدا ـ أنني سأجده هنا وفي هذا الموقف. وأنا أخترق الصفوف إلى حيث كان يقف الرجل ، وقبل أن أقرر خطوتي التالية ، فوجئت بوالدي يشق الصفوف نحوي وهو يصرخ في غضب : اغرب من هنا فهذا الحشد حشد رجال ولا مكان فيه للجبناء ، لكن وقبل أن يصل إلي وثبت والدتي من مكان ما لتأخذني في حضنها بعيدا عنه ، كانت عيناي تفتشان عن جدي ابتغاء نصرته كما عودني في مثل هذه المواقف ، لكنه حين رآني أجفل وتفادا النظر في وجهي ، ولم يلبث أن تطفر الدمع من عينيه ثم تمتم بحزن عميق وأسى : آه يا ولدي ليتني مت قبل هذا اليوم ، أوليتك لم تولد . فردت عليه والدتي: ولماذا كل هذا ؟ لقد كان على حق عندما حاول منعكم من هذه المصيبة ، والحمد لله على وجود "محفوظ" فلولاه لكانت الدماء تملأ الوادي . وربت على كتف والدتي عندما رأيتها تحاول جاهدة إبعاد تهمة الجبن عني وقلت :
ـ لا عليك ـ يا والدتي ـ المهم ألا تحدث الكارثة. فقال أحدهم كان يقف على مقربة مني:
ـ ليتها وقعت . فقلت له مستنكرا :
ـ وماذا ستكسبه من وراء ذالك ؟ فرد في برود ، لكن بصدق :
ـربما أموت قبل أن أرى أمورنا تساس من طرف هذا الدعي و"أهل أدباي " أغضبتني مقالة الرجل هذه ـ لا أخفي عليكم ذالك ، لكن وقبل أن أرد عليه ـ انبرى له أحد شباب "أدباي" قائلا في لغة هجومية صريحة :
ـ إن كنت تعني ما تقول ، فهاهي خيم البدو أمامك فأذهب إليهم ، لكنك تعرف بأنك جبان ، واغلب الظن أنك ستموت متخوما عندما يحين أجلك . وبينما كنت أهدئ الرجلين انطلق صوت من وسط الحشد يقول مخاطبا "محفوظ" في تبرم واضح ونفاذ صبر:
ـ لقد عيل منا الصبر ، قل لنا ماذا تنوي فعله أو خل بيننا وبين مانحن مقدمون عليه ، فجاوبه آخر في نبرة أقل ودية :
ـ إن لم تكن تلك طريقة في التخاذل مبتكرة ؟ فما شأننا بما ينوي أو لا ينوي فعله ؟ وصاح آخر: ـ هيا، لنثبت للجميع بأن مفعول سحر هذا الساحر قد انتهى . ؟ وسرت عدوى التمرد هذه بين الحشد سريان النار في الهشيم ، فتعالت ألأصوات المطالبة بالمضي قدما نحو مهاجمة البدو. وصرخ أحدهم قائلا ـ وكان يطلق النار من بندقيته في الهوى بحماس ـ حتى وإن لم نملك سببا كافيا لنفعل ذالك، فيكفي أنه سيجعل هذا الدعي يعرف قدره وحدوده. فزجرته قائلا :
ـ تعقل يا هذا ، وكف عن التحريض .فرد علي باستهتار:
ـ وماذا أفعل بالعقل ؟
ـ لن تحتاجه في وقت آخر أكثر من الآن.
ـ لم يحن بعد الوقت الذي أتقبل النصح فيه منك، ومن أمثالك.
ـ بلى ، قد حان وسترى . وقبل أن يتطور الموقف بيني وبين الرجل. ظهر حشد البدو فجأة في الجهة المقابلة . لقد كانت مضارب خيامهم قريبة من الحقول، ولا بد أنهم لا حظوا احتشاد أهل القرية على ذالك النحو العدواني الواضح، فشعورا بالاستفزاز وربما بالخطر، فأرادوا أن يعبروا بدورهم عن استعدادهم لمواجهة الأسوأ في حالة حدوثه. لكن كان واضحا من طريقة تجمعهم بأنهم كانوا أكثر انضباطا من جماعتنا بشكل كبير. فقد تجمهروا بشكل منظم ، أقرب إلى الاصطفاف منه إلى الاحتشاد ، وكانوا قليلوا الضوضاء ويتقدمهم رجال كبار السن لا يعطون الانطباع من خلال هيئتهم بأنهم مقبلون على شر. ربما لأنهم كانوا قليلوا العدد قياسا الى عدد أهل القرية ، أو ربما لشعورهم بالذنب ، وبالمسؤولية عما يحدث . وانتهزت حالة الترقب التي ألمت بالحشد عندئذ ، فقلت مستبقا الأحداث موجها كلامي إلى "أخطورة" "المخطار"محاولا التودد إليهم :
ـ يبدو أن الجماعة يريدون أحدا ما ليتحدثوا إليه فلنرى ما ذا لديهم ؟ وبينما شجب البعض فكرتي بشدة، وافقني الرجلان الرأي. فربما وجدا في استشارتي لهما نوعا من رد الاعتبار. بعد أن تجاوزهما "محفوظ" بتصديه لزحف حشد أهل القرية دون استشارتهما.
توجهت نحو حشد البدو صحبة بعض من رجال القرية، فاستقبلوني مرحبين بنفس العدد تقريبا في منتصف المسافة بين الحشدين. وبينما كنا نستعد للدخول في نقاش الموضوع ـ التحق بنا عدد من رجال القرية، ولم نلبث أن انضم إلينا رجال من الطرف الآخر. وتصاعدت وتيرة التسلل من كلا الحشدين نحونا وتسارعت لينتهي المطاف بالجميع إلى التحلق حولنا . كنت اعرف أن من شأن ذالك أن يعقد من مهمتنا ، وربما يكون سببا في نسفها من الأساس ، لكن الناس يكونون أقل انضباطا في مثل هذه الأجواء ، وأكثر استعداد للتحدي وللعصيان ،وأقل نوع من الاعتراض على رغباتهم قد يكون سببا في إثارتهم . ومع ذالك فقد نجحت جهودي وجهود بعض الطيبين في الإبقاء على النساء والأطفال بعيدا عن المكان ، إذ أنهم غالبا ما يشكلون في مثل هذه المواقف شرارة الفتنة و وقودها .
بدأ النقاش في أجواء هادئة نسبيا ، لكن رغبة البعض من "أهل القرية في أن تتسع دائرة النقاش لتشمل قضايا وأحداث لا صلة تربطها مباشرة بما حدث، حوادث قديمة، وخلافات أقدم تتغذى على خلافات قبلية مضت أكل عليها الزمن وشرب.سرعان ما سمم الأجواء ، فقد رفض البدو بشكل قاطع التعاطي مع الموضوع من تلك الزاوية ، وأصروا على ضرورة التركيز على ما حدث . قال أحد شيوخ البدو :
ـ لا أدري إن كان ذالك كافيا ، لكننا نبرأ إليكم مما أقدم عليه هؤلاء السفهاء . فرد عليه "اخطورة" :
ـ منذ سنوات خلت كنتم هنا، للسبب ذاته الذي انتم من أجله اليوم هنا. ويومها أبديتم نفس الروح التي تبدونها الآن أقصد روح الاعتذار والتأسف، وندرك الآن كم كنا مخطئين عندما صدقناكم، وكم كنا سذجا حينما قبلنا اعتذاركم. فرد عليه أحد البدو :
ـ لا أحب النبش في الماضي كثيرا، لكنني لا أذكر أن ما حدث ساعتها كان يستلزم أي اعتذار أو تأسف من طرفنا، لكننا أردنا إزالة أي لبس بشأن حقيقة نوايانا اتجاهكم.
ـ ما تهون من شأنه يعد في نظرنا تكرار لما نحن بصدده الآن . فقد جئتمونا تستأذنون المقام بأرضنا بشكل مؤقت لنتفجأ بكم تحفرون فيها الآبار، وتغرسون النخيل . فقال أحد البدو:
ـ كان ذالك وضعا مختلفا، وعموما فإننا لم نأت لنتحدث في أشياء صارت جزءا من الماضي. فقال "ازوين"
ـ مازالت مرارة الخيبة جاثمة في حلوقهم، وإنه لشيء يبعث عل الإعجاب ـ حقاـ هذا الإصرار منهم على عدم النسيان. فقال أحد البدو:
ـ عن أي خيبة تتحدث .
ـ خيبتكم في الحصول على موطئ قدم في هذه الأرض .
فقال أحد البدو:
ـ كنا نود أن نسمع نغمة مختلفة عن هذه فقد جئنا لنهدئ لا لنثير. ؟ فرد عليه احد رجال القرية باستهزاء :
ـ نغمة مختلفة ! أن نهنئكم مثلا على ما أرقتموه من دماء أبنائنا ، وما أتلفته حيواناتكم من مزارعنا ؟
ـ ليس ذالك أفضل شيء نحب أن نهنأ به ، وإنم... فقاطعه "ازوين" قائلا:
ـ لعلهم كانوا يتوقعون أن نستقبلهم بالدفوف وبالمزامير؟! فرد عليه أحد البدو في نفاذ صبر:
ـ كفى سخرية أرجوكم، ولنتحدث ك...فقاطعه أحد رجال القرية :
ـ أنت محق ! كفى سخرية ، وكفى استهزاء . نعم كفى . ثم وأردف : لطالما سخرتم منا واعتبرتمونا أقل شأنا من الآخرين ، فتجاهلنا . ولطالما استهزأتم بنا فتحملنا وصبرنا . كم مرة زاحمتمونا المراعي فتركناها لكم وارتحلنا، وكم مرة ضايقتمونا عند الآبار، فصبرنا حتى سقيتم، واعتديتم علينا فكتمنا ، وعدوتم على حيواناتنا فدارينا. لكن كفى فقد ولى ذالك الزمان إلى غير رجعة .ولا مزيد من الصبر لدينا اليوم لنقارع به حرقة طيشكم ، ولا ملجأ نهرب فيه من ملاحقة اعتداءاتكم . و... عند هذا الحد قاطع أحد البدو الرجل قائلا :
ـ لقد أخفتنا من أنفسنا وكرهتها إلينا ، و... فقاطعه أحد جماعته :
ـ لعله كان يتحدث عن ناس آخرين، ف... وقاطعه "المخطار"
ـ بل كان يتحدث عنكم .لكن عندما تكونون على سجيتكم . فقال البدوي :
ـ وأين كنا عندما كان يحدث كل هذا ؟ فرد عليه زميله
ـ ربما في بطون أمهاتنا !
ـ أو لعلنا كنا نياما ! فقال "المخطار" غاضبا:
ـ طريقتكم في الثأر هذه تبدو ذكية، لكنها دنيئة وتليق بالجبناء. . فرد البدوي في غضب:
ـ لدينا الكثير من النساء المشاغبات ، يعرفن كيف يعيرن ويتويلن ويلطمن خدودهن ، بشكل أفضل من ذالك ، لكننا أردنا رجالا نتحدث إليهم .وليس نساء نتشاتم وإياهم . فازداد "المخطار" غضبا وقال :
ـ ومتى أصبحتم رجالا.
ـ كنا كذالك دائما ، وإن كان آباؤك غفلوا عن أن يخبروك ، فبإمكاننا أن نتولى الأمر. ونكأت كلمات البدوي في نفوس جماعتنا شعورا مزمنا طالما عذبها وأرهقتها محاولة التغلب عليه ـ بأنها لم تكن صاحبة مآتي ، ولا مآثر حربية أيام السيبة ـ الأثيرة ـ بها تذكر. وأشعلت فتيل حساسيتها المفرطة اتجاه كلما من شأنه تذكيرها بماضي أجدادها البطولي المتواضع. تلك الحساسية التي طبعت سلوك الكثيرين منها بالفاشية، وجعلت ردود أفعالهم غالبا تبدو غير منسجمة مع مثيرها، ومن حرصهم على وحدتهم ـ المبالغ فيه إلى حد كبيرـ نوعا من التضامن المرضي إلى حد ما. وهاج البعض، وماج وكادوا يسطون البدوي، لولا أن جماعته قامت بإجلائه من المكان. وصاح "أحمد ولد المخطار" غاضبا فيما يشبه الزئير:
ـ لا تدنس آبائنا بذكرهم بفمك يا قليل الأدب. فرغى البدوي وأقبل نحوه ، لكن احد الشيوخ من جماعته أمسكه وقام بإبعاده من جديد .وهدأت الضجة قليلا ، لكن لتعود وهذه المرة بشكل ينذر بوقوع الكارثة . عندما قال أحد البدو فيما يشبه المناشدة:
ـ دعونا نعرف ماذا تريدون، ولننهي هذه المسألة بسرعة. فانبرى له "طالبن" قائلا في استفزاز :
ـ ستنتهي هذه المشكلة ـ فقط ـ عندما تسلمون الجناة لنقتص منهم أمام الجميع ؟ فرد عليه أحد البدو بمثل لهجته :
ـ دون ذالك قطع رؤوسنا ! فرد "أحمد ولد المخطار"
ـ نقطعها ـ إذا ـ ولا نبالي. فتشاتما وانتصر لكل واحد منهم البعض من جماعته، واحتدم الكلام بين الجميع وعلا الصراخ والمهاترات والتنابذ. وأنقسم كل فريق على نفسه ، فكان بعض أهل القرية والبدو يحاول أن يهدأ و يلطف الأجواء ، وكان بعضهم الآخر يحرض ويؤلب ، وتشعبت الآراء ، وتعالت الأصوات بالسباب والشتائم . و وانتظرت على أمل أن يتدخل " أخطورة" أو "محفوظ" أو أي كان ، لإنقاذ الموقف المتدهور بشكل مريع ، لكن أحدا لم يحرك ساكنا ، ومرت لحظة وصل فيها الأداء العقلي ما بين الفريقين إلى أدنى مستوياته منذ بدأ النقاش، وبدا جليا بأن الرباط الإنساني بين الطرفين آخذ في التحلل والاندثار. فوجدتني مجبرا مرة أخرى على اتخاذ المبادرة فقلت :
ـ لا ينبغي أن نفرط في هذه الإرادة الطيبة التي جاء بها الجميع إلى هنا لإيجاد مخرج ودي من هذه المشكلة، ولذا أرى أن نصرف الناس الآن، ولنشكل لجنة من الطريفين تتولى مهمة معالجة الأمر بعيدا هذا الصخب وهذا الجو المشحون. ما أردته من وراء هذا الاقتراح هو امتصاص حماس كلا الطرفين للعنف ، وآخر شيء توقعته هو أن يجد أدنى حد من القبول من قبل هؤلاء الناس المنفعلون حتى الثمالة ، لم يخب ظني على أي حال فما إن أنهيت كلامي حتى تعالت أصوات الرفض والاستهجان ، بل ، والتوبيخ والسباب . وعلى الصخب وساد الضجيج والفوضى من جديد ، وبدا الانفجار وشيكا. في تلك اللحظة المشحونة بشتى الاحتمالات ـ وبينما كان اليأس يجتاح آخر معاقل الأمل في نفسي ـ رأيت "محفوظ" .يخترق الصفوف بخطى بطيئة لكنها واثقة إلى أن توسط الجمع حيث وقف متكئا قليلا على عصى كانت في حوزته ثم قال ـ بصوت هادئ ورزين ـ قال:

محمد جواد
30-12-2009, 02:33 PM
ـ ما فهمته، هو أن المرأة كانت تحلم بأن يتزوجها أحد أبناء الأعيان. لكنها سقطت سقوطا حرا من علياء أوهامها لتتزوج أخيرا من أحد رجال "ادباي" .
ـ لكنه ليس كأي رجل من رجال "ادباي" من وجهة نظرها ، فلطالما اعتبرت أنه أفضل من بقية أهل "أدباي" !
ـ أفضل منهم على أي أساس ؟
ـ إنه " خذر متصل ، حر مولانا "
ـ أوليس بقية "أهل أدباي أحرارا ؟ أشاحت عني بوجهها وقالت في عصبية مفتعلة
ـ لا ، إنهم "جامبور"
ـ ليكن ، إنني أفهم أن يتكبر "محمد العبد ومباركه أعلينا" على "أهل أدباي" لكن تكبرهما على "الشرف" يبدو لي غير منطقي .
ـ وأين "الشرف" ؟
ـ "محفوظ" ؟
ـ ومن قال بأنه "أشريف"
ـ الم تقولي قبل لحظات بأنه "شريف " من أهل تشي... و ...
ـ هذا ما يزعمه هو ، "ول قالك بأن "شريف" قول آمين "
ـ على كل حال هو "بيظاني"
ـ أو "أمعلم".
وتجاوزنا موضوع "محفوظ" إلى مواضيع أخرى. صحيح أنني ما أزال أشعر برغبة كبيرة في معرفة المزيد عنه، أين كان قبل أن يأتي إلى هنا ، ولماذا أختار أن يقيم بين أهل "أدباي" دون سواهم ، وفوق هذا وذاك أريد أن أعرف أين تعلم كلمة ضابط تحقيق ، فكلما قالته عنه جدتي ـ من تفاصيل وأشياء لم يقضي تماما على شكوكي حول هويته الحقيقية ، ثم إنني مازلت في داخلي أرفض فكرة أن يكون كل ذالك التشابه بينه وبين ذالك الرجل الذي تعرفت عليه في ساحل العاج جاء عفوا وبمحض الصدفة والاتفاق . لكن تيار الحياة في القرية جرفني ، وكنت سعيدا ولا أريد لأي شيء أن يشوش على سعادتي . ولأن الدعوات تعتبر في عرف الناس هنا، هي أعلى أشكال التعبير عن التقدير والاحترام ، فقد تهافت أهل "أدباي" على دعوتي ، فيما يشبه التنافس المحموم هكذا أمضيت شهري الأول جله مدعوا على عشاء عند هذا البيت ، أو على عشاء عند ذالك . وكنت في كل مساء أذهب إلى الحقول أستمتع بجمالها الرائع وخضرتها الغضة، وفي الليل عندما يصعد القمر سماء القرية ويسكب أشعته الفضية على ربوعها أذهب رفقة بعض الأصدقاء إلى "الشن" حيث تجتمع الفتيات للغناء. كنت أحسبني كبيرا إلى حد ما لكي أفعل ذالك، لكن حرصي على أن أعوض ما فات من أيام شبابي الضائعة كان أكبر من أن أتوقف عند تلك التفصيلة الصغيرة. بالنسبة لفتيان القرية وفتياتها فإن مجلس "الشنة"كان بمثابة جزيرة مستقلة وسط بحر المحرمات وفضاء للبوح حرا يهربون إليه كل ليلة من أسوار الممنوعات ، وبالنسبة للآخرين فقد كان موعدها يشكل فرصة لتحدي المواضعات وقيودها ، و لحظة تظاهر عفوية ضد رتابة الحياة في القرية وضد روتينها الفتاك . تقرع "الشنة" وفي غضون لحظات يغص المكان بالفتيان والفتيات وبالأطفال والمتصابين من الرجال والنساء ، فتاتي " ازغيلين" مطربة "أدباي " المشهورة و " امليخير" صاحبة الصوت الشجي ، ويأتي "عبدن" أشهر من يقرع الطبل في القرية ، "ولقويل" و "ومقيلاه" مطربة "لفريج " العتيدة فيشتعل المكان بالحماس ويفور بالمتعة والحبور. ويبلغ المشهد ذروته حين يأتي " عبدوك" عازف "النيفاره" الفذ بمعية رفيق دربه " أبين" المولع " بالإنشاد والرقص وبالتطبيل . هكذا ترتفع أصوات الحناجر بالزغردة ، وتصدح الأكف بالتصفيق فتردد صداهما أرجاء المكان ، ويعانق دويهما عنان السماء. وحين تخبو موجة الحماس تلك ، التي تمثل عادة وصلة خاصة ب" أدباي" تبدأ الفتيات بترديد" " النحايا " و اشويرات " فيأتي دور المولعين بنظم " القيفان " والمتحمسين لخوض حرب "لقطاع" . فتفيض "قيفان" الغزل من شفاه العشاق آهات نسيب تمزق نياط القلوب ، وأحيانا آيات تشبيب تبهر العقول والحواس ، وحين تنجح إحداهن في الاستحواذ على اهتمام أكثر من واحد ، تنشب بين المعنيين حرب "اقطاع" ضروس ـ مليئة بالإثارة وبالمتعة ـ لا تلبث أن تجذب الجميع إلى أتونها فيغدوا المكان أشبه بحلبة صراع حقيقية يسعى الجميع فيها ـ كل من موقعه ـ إلى الخروج منها ظافرا ، الفتيات بما تعتصره يد الصبابة والوجد من قرائح المعجبين من عذب القريض ومعسول الغزل ، والفتيان بما توشي به العيون خلف نقاب الحياء من آي المودة والإعجاب . واستيقظ صباحا ، وصورة الحقول تملأ عيني ، وأصداء "الشنة" تتردد في أذني . الهواء الرائق الطري ، و ضوضاء الرعاة وضجيج أغنامهم ،وصياح بقرات تعود ضحى من مرعاها الليلي ، وثغاء نعاج على وشك توديع صغارها ، ثيران تتخاور، وحمير تتعارك ، وجلبة أطفال في الغسق يتحلقون حول معلمهم ، هذا كله يملأ نفسي بالمتعة فتطفح بالسعادة وبالبهجة والسرور. كم هي جميلة الحياة هنا ، وكم هي رائعة وممتعة ، بين هذه السهول الغناء مهد الجمال والطمأنينة والهدوء ، وبين تلك الفتيات ومجلسهن الممتع ذاك ، والذي اتخذت منه معبدا أرتاده كل ليلة ، فأحس بضباب القلق والخوف ينقشع شيئا فشيئا عن نفسي ويسود مكانه صفاء الطمأنينة والأمان ، لكن في تلك الأصقاع البعيدة مايزال هناك الكثيرون من أبناء جلدتي اللذين ضاقت بهم ظروف العيش هنا ، وعز عليهم الظفر باللقمة الشريفة ، ينازعهم القلق الشيء الذي يجنونه ويسلبهم الخوف هناء الحياة .
أمضيت في القرية حوالي خمسة أسابيع ذهبت مع أيامها مشاعر الخوف والقلق، أمشي فيها طليقا، وأتجول بين بيوتها سعيدا، أسهر حتى مطلع الفجر، وأنام عند أقرب البيوت إلي ، ليس ثمة ما يمنع . ولأنني لم أقرر بعد نوع النشاط الذي سأزاوله ـ فقد انخرطت شأن غيري من أبناء القرية ـ في الأنشطة اليومية للناس هنا. أعمل في الحقل ، احلب البقر، اجلب الماء من البئر، و...
وحدث أن نفشت بمزارع القرية حيوانات بعض البدو الرحل، فقام أطفال القرية الذين كانوا موجودين في الحقول، بمطاردتها داخل الأودية ـ المحيطة بالمزارع ـ و في الشعاب، و هم عائدون في الطريق هاجمهم رعاة الحيوانات على حين غرة، وأوقعوا بينهم بعض الإصابات. كانت الإصابات محدودة ، و كانت بسيطة وعادية في معظمها . لكن لا أحد من أهل القرية كان مستعدا ـ عندما ذاع الخبرـ للتروي ولتقييم الأمر بحكمة وتعقل، فلدى الجميع من الانفعالات العائمة ما يكفي، وكفى بما حدث شرارة.
وهب الناس بشكل انفجاري ـ فور معرفتهم بالخبر ـ هبة رجل واحد، وهرعوا نحو مكان الحادث بعضهم يحمل البنادق والبعض الآخر يحمل الفؤوس والعصي. كنت نائما عندما صاحت في جدتي :
ـ انهض لتمنع هذا العجوز مما هو مقدم عليه.
ـ وما ذاك يا جدتي ؟ وبصوت قلق مضطرب أبانت لي طرفا من الموضوع، فصعقت أمن أجل هذا يأخذون بنادقهم وفؤوسهم ؟ خرجت من البيت مسرعا فهالني ما رأيت . هرج ومرج ، واندفاع وتدافع ، وضوضاء مبهمة لنساء حزانى مرتعبات هنا ، تختلط بهمهمات رجال مترددين حيارى هناك ، يضيع صداها وسط الفوضى العارمة التي كانت تجتاح القرية كالإعصار. كنت أركض وسط الزحام بلا هدى تتقاذفني المناكب والأجسام المتعرفة نصف العارية، وفي نفسي أتمنى أن أحظى بمعجزة ما تمكنني من التصدي لعدوانية هؤلاء الناس المنفلتة من عقالها لكي لا تحدث كارثة ؟ عندما وصلت إلى مكان الحادث بالقرب من المزارع ، لا حظت أن أغلب المتواجدين به هم من شباب "أدباي" ، وبعض رجاله ممن لا يكنون عادة الكثير من الود للبدو الرحل . ربما كان الأمر مجرد صدفة، أو لعلهم كانوا قريبين من المزارع ساعتها مما جعلهم يصلون أولا. ما أثار دهشتي حقيقة وهزني من الأعماق ، هو ذالك الحماس منقطع النظير الذي كان يبديه أغلب هؤلاء لخوض المعركة . معركة يجهلون قطعا أنها في الميدان الخطأ، وضد العدو الخطأ، وبالأسلحة الخطأ، لكن من يستطيع أن يقنعهم بذالك. وأفقت من تخيلاتي على ضوضاء نسويه تنبعث من وسط الحشد، وهمس هنا وأصوات خافتة هناك تتساءل في خجل : أين "أخطورة" و"المخطار" ولماذا لا يتقدموننا إلا في ساعة الرخاء ؟ وفجأة دوت في أرجاء المكان زعقة عرفت فورا أنها صادرة من "ازوين" . كان الرجل يبربر تارة ، وتارة يشتم ويتوعد بالويل والثبور ، وإلى جانبه "امبيريك" وهو يلف ويدور حول نفسه في نشاط هستيري محموم ، بندقيته العتيقة تتراقص على منكبه وقد استبد به الحماس فدفع به إلى حافة الجنون ، أما "طالبن" فقد كان في الطرف الآخر غير بعيد يخور كالثور الهائج و يمور، ورغى " اعبيدن" وأزبد وصاح " الشيلا ، الشيلا " اليوم يومكم .ـ هذه واحدة من اللحظات النادرة التي يتفق فيها هؤلاء حول أمر ما ـ ورفعت "أمباركة أعلينا " عقيرتها بالزغردة ملهبة حماس الحشد وصاحت ماذا تنتظرون ؟ ها هي خيمهم وراء هذا الكثيب فلنحرقها على رؤوسهم ، فتردد صدى صوتها الجهوري وسط الجو المشحون فأزفت الكارثة ، وبدأ الحشد يتحرك صوب مضارب خيم البدو . تزاحمت الأفكار في ذهني فلم أدري ماذا أفعل، لكن ينبغي أن لا تحدث هذه الكارثة مهما كان الثمن.
لجأت إلى كل وسيلة حسبتها قادرة على الحؤول بين هؤلاء الناس وبين ما هم مقدمون عليه ، فوعظتهم بكل آية حفظتها ، وأنذرتهم بكل مأثور استحضرته . وحين جاء " أخطور" و" المخطار" وبقية من كنت أحسبهم ـ يوما ـ عقلاء القرية وحكماؤها ، جثوت على ركبتي أمامهم متوسلا حكمتهم وتعقلهم . ورجوت "أخطورة" رجاء خاصا دون غيره وبصفته زعيم القرية وشيخ القبيلة التقليدي، وحذرته من أنه وحده سيتحمل التبعات والعواقب. ولما لم يجدي كل ذالك نفعا، رأيت أن أحاول إبعاد أولائك الذين كانت بحوزتهم أسلحة نارية عن الحشد مخافة أن يبادروا باستخدامها تحت تأثير الحماس للعنف والانفعال. لكن جهودي كلها ذهبت سدى ، وتلقيت لكمات ولكزات وأصبت ببعض الرضوض. ومضى الحشد إلى غايته، فوجدتني شبه وحيد أضرب أخماس بأسداس، وأحوقل. ما غشيني حينئذ شيء اعجز عن وصفه . وبينما كنت أقاوم حالة إغماء كانت تراودني ، وأنا أتخيل دماء القتلى ودموع الثكلى تملأ الوادي ـ بدا لي وكأن زحف مقدمة الحشد بدأ يتراخى ، في حين اشرأبت أعناق الناس في المؤخرة وتباطأت خطاهم ، فبدا الحشد كما لوكان قطيعا قطع عليه الطريف خطر غير أكيد . بصيص الأمل الذي حمله المشهد إلى نفسي شحن أعصابي بطاقة هائلة فانطلقت لا ألوي على شيء حتى لحقت بالحشد. و فوجئت حين أدركت بأن "محفوظ" هو من أوقف زحف الحشد الهائج فقد كان يقف أمام الجميع وقفة القائد المطاع . وإلى جانبه وقف بعض الكهول والشباب الأقل تحمسا للعنف . وتذكرت بأنني ـ عندما كنت بصدد التصدي لأهل القرية ـ لم ألاحظ وجوده بينهم ، لكنني لم أعر ذالك أدنى اهتمام ، ولم أتوقف عنده بتفكيري ولو للحظة ، ولم يدر بخلدي ـ أبدا ـ أنني سأجده هنا وفي هذا الموقف. وأنا أخترق الصفوف إلى حيث كان يقف الرجل ، وقبل أن أقرر خطوتي التالية ، فوجئت بوالدي يشق الصفوف نحوي وهو يصرخ في غضب : اغرب من هنا فهذا الحشد حشد رجال ولا مكان فيه للجبناء ، لكن وقبل أن يصل إلي وثبت والدتي من مكان ما لتأخذني في حضنها بعيدا عنه ، كانت عيناي تفتشان عن جدي ابتغاء نصرته كما عودني في مثل هذه المواقف ، لكنه حين رآني أجفل وتفادا النظر في وجهي ، ولم يلبث أن تطفر الدمع من عينيه ثم تمتم بحزن عميق وأسى : آه يا ولدي ليتني مت قبل هذا اليوم ، أوليتك لم تولد . فردت عليه والدتي: ولماذا كل هذا ؟ لقد كان على حق عندما حاول منعكم من هذه المصيبة ، والحمد لله على وجود "محفوظ" فلولاه لكانت الدماء تملأ الوادي . وربت على كتف والدتي عندما رأيتها تحاول جاهدة إبعاد تهمة الجبن عني وقلت :
ـ لا عليك ـ يا والدتي ـ المهم ألا تحدث الكارثة. فقال أحدهم كان يقف على مقربة مني:
ـ ليتها وقعت . فقلت له مستنكرا :
ـ وماذا ستكسبه من وراء ذالك ؟ فرد في برود ، لكن بصدق :
ـربما أموت قبل أن أرى أمورنا تساس من طرف هذا الدعي و"أهل أدباي " أغضبتني مقالة الرجل هذه ـ لا أخفي عليكم ذالك ، لكن وقبل أن أرد عليه ـ انبرى له أحد شباب "أدباي" قائلا في لغة هجومية صريحة :
ـ إن كنت تعني ما تقول ، فهاهي خيم البدو أمامك فأذهب إليهم ، لكنك تعرف بأنك جبان ، واغلب الظن أنك ستموت متخوما عندما يحين أجلك . وبينما كنت أهدئ الرجلين انطلق صوت من وسط الحشد يقول مخاطبا "محفوظ" في تبرم واضح ونفاذ صبر:
ـ لقد عيل منا الصبر ، قل لنا ماذا تنوي فعله أو خل بيننا وبين مانحن مقدمون عليه ، فجاوبه آخر في نبرة أقل ودية :
ـ إن لم تكن تلك طريقة في التخاذل مبتكرة ؟ فما شأننا بما ينوي أو لا ينوي فعله ؟ وصاح آخر: ـ هيا، لنثبت للجميع بأن مفعول سحر هذا الساحر قد انتهى . ؟ وسرت عدوى التمرد هذه بين الحشد سريان النار في الهشيم ، فتعالت ألأصوات المطالبة بالمضي قدما نحو مهاجمة البدو. وصرخ أحدهم قائلا ـ وكان يطلق النار من بندقيته في الهوى بحماس ـ حتى وإن لم نملك سببا كافيا لنفعل ذالك، فيكفي أنه سيجعل هذا الدعي يعرف قدره وحدوده. فزجرته قائلا :
ـ تعقل يا هذا ، وكف عن التحريض .فرد علي باستهتار:
ـ وماذا أفعل بالعقل ؟
ـ لن تحتاجه في وقت آخر أكثر من الآن.
ـ لم يحن بعد الوقت الذي أتقبل النصح فيه منك، ومن أمثالك.
ـ بلى ، قد حان وسترى . وقبل أن يتطور الموقف بيني وبين الرجل. ظهر حشد البدو فجأة في الجهة المقابلة . لقد كانت مضارب خيامهم قريبة من الحقول، ولا بد أنهم لا حظوا احتشاد أهل القرية على ذالك النحو العدواني الواضح، فشعورا بالاستفزاز وربما بالخطر، فأرادوا أن يعبروا بدورهم عن استعدادهم لمواجهة الأسوأ في حالة حدوثه. لكن كان واضحا من طريقة تجمعهم بأنهم كانوا أكثر انضباطا من جماعتنا بشكل كبير. فقد تجمهروا بشكل منظم ، أقرب إلى الاصطفاف منه إلى الاحتشاد ، وكانوا قليلوا الضوضاء ويتقدمهم رجال كبار السن لا يعطون الانطباع من خلال هيئتهم بأنهم مقبلون على شر. ربما لأنهم كانوا قليلوا العدد قياسا الى عدد أهل القرية ، أو ربما لشعورهم بالذنب ، وبالمسؤولية عما يحدث . وانتهزت حالة الترقب التي ألمت بالحشد عندئذ ، فقلت مستبقا الأحداث موجها كلامي إلى "أخطورة" "المخطار"محاولا التودد إليهم :
ـ يبدو أن الجماعة يريدون أحدا ما ليتحدثوا إليه فلنرى ما ذا لديهم ؟ وبينما شجب البعض فكرتي بشدة، وافقني الرجلان الرأي. فربما وجدا في استشارتي لهما نوعا من رد الاعتبار. بعد أن تجاوزهما "محفوظ" بتصديه لزحف حشد أهل القرية دون استشارتهما.
توجهت نحو حشد البدو صحبة بعض من رجال القرية، فاستقبلوني مرحبين بنفس العدد تقريبا في منتصف المسافة بين الحشدين. وبينما كنا نستعد للدخول في نقاش الموضوع ـ التحق بنا عدد من رجال القرية، ولم نلبث أن انضم إلينا رجال من الطرف الآخر. وتصاعدت وتيرة التسلل من كلا الحشدين نحونا وتسارعت لينتهي المطاف بالجميع إلى التحلق حولنا . كنت اعرف أن من شأن ذالك أن يعقد من مهمتنا ، وربما يكون سببا في نسفها من الأساس ، لكن الناس يكونون أقل انضباطا في مثل هذه الأجواء ، وأكثر استعداد للتحدي وللعصيان ،وأقل نوع من الاعتراض على رغباتهم قد يكون سببا في إثارتهم . ومع ذالك فقد نجحت جهودي وجهود بعض الطيبين في الإبقاء على النساء والأطفال بعيدا عن المكان ، إذ أنهم غالبا ما يشكلون في مثل هذه المواقف شرارة الفتنة و وقودها .
بدأ النقاش في أجواء هادئة نسبيا ، لكن رغبة البعض من "أهل القرية في أن تتسع دائرة النقاش لتشمل قضايا وأحداث لا صلة تربطها مباشرة بما حدث، حوادث قديمة، وخلافات أقدم تتغذى على خلافات قبلية مضت أكل عليها الزمن وشرب.سرعان ما سمم الأجواء ، فقد رفض البدو بشكل قاطع التعاطي مع الموضوع من تلك الزاوية ، وأصروا على ضرورة التركيز على ما حدث . قال أحد شيوخ البدو :
ـ لا أدري إن كان ذالك كافيا ، لكننا نبرأ إليكم مما أقدم عليه هؤلاء السفهاء . فرد عليه "اخطورة" :
ـ منذ سنوات خلت كنتم هنا، للسبب ذاته الذي انتم من أجله اليوم هنا. ويومها أبديتم نفس الروح التي تبدونها الآن أقصد روح الاعتذار والتأسف، وندرك الآن كم كنا مخطئين عندما صدقناكم، وكم كنا سذجا حينما قبلنا اعتذاركم. فرد عليه أحد البدو :
ـ لا أحب النبش في الماضي كثيرا، لكنني لا أذكر أن ما حدث ساعتها كان يستلزم أي اعتذار أو تأسف من طرفنا، لكننا أردنا إزالة أي لبس بشأن حقيقة نوايانا اتجاهكم.
ـ ما تهون من شأنه يعد في نظرنا تكرار لما نحن بصدده الآن . فقد جئتمونا تستأذنون المقام بأرضنا بشكل مؤقت لنتفجأ بكم تحفرون فيها الآبار، وتغرسون النخيل . فقال أحد البدو:
ـ كان ذالك وضعا مختلفا، وعموما فإننا لم نأت لنتحدث في أشياء صارت جزءا من الماضي. فقال "ازوين"
ـ مازالت مرارة الخيبة جاثمة في حلوقهم، وإنه لشيء يبعث عل الإعجاب ـ حقاـ هذا الإصرار منهم على عدم النسيان. فقال أحد البدو:
ـ عن أي خيبة تتحدث .
ـ خيبتكم في الحصول على موطئ قدم في هذه الأرض .
فقال أحد البدو:
ـ كنا نود أن نسمع نغمة مختلفة عن هذه فقد جئنا لنهدئ لا لنثير. ؟ فرد عليه احد رجال القرية باستهزاء :
ـ نغمة مختلفة ! أن نهنئكم مثلا على ما أرقتموه من دماء أبنائنا ، وما أتلفته حيواناتكم من مزارعنا ؟
ـ ليس ذالك أفضل شيء نحب أن نهنأ به ، وإنم... فقاطعه "ازوين" قائلا:
ـ لعلهم كانوا يتوقعون أن نستقبلهم بالدفوف وبالمزامير؟! فرد عليه أحد البدو في نفاذ صبر:
ـ كفى سخرية أرجوكم، ولنتحدث ك...فقاطعه أحد رجال القرية :
ـ أنت محق ! كفى سخرية ، وكفى استهزاء . نعم كفى . ثم وأردف : لطالما سخرتم منا واعتبرتمونا أقل شأنا من الآخرين ، فتجاهلنا . ولطالما استهزأتم بنا فتحملنا وصبرنا . كم مرة زاحمتمونا المراعي فتركناها لكم وارتحلنا، وكم مرة ضايقتمونا عند الآبار، فصبرنا حتى سقيتم، واعتديتم علينا فكتمنا ، وعدوتم على حيواناتنا فدارينا. لكن كفى فقد ولى ذالك الزمان إلى غير رجعة .ولا مزيد من الصبر لدينا اليوم لنقارع به حرقة طيشكم ، ولا ملجأ نهرب فيه من ملاحقة اعتداءاتكم . و... عند هذا الحد قاطع أحد البدو الرجل قائلا :
ـ لقد أخفتنا من أنفسنا وكرهتها إلينا ، و... فقاطعه أحد جماعته :
ـ لعله كان يتحدث عن ناس آخرين، ف... وقاطعه "المخطار"
ـ بل كان يتحدث عنكم .لكن عندما تكونون على سجيتكم . فقال البدوي :
ـ وأين كنا عندما كان يحدث كل هذا ؟ فرد عليه زميله
ـ ربما في بطون أمهاتنا !
ـ أو لعلنا كنا نياما ! فقال "المخطار" غاضبا:
ـ طريقتكم في الثأر هذه تبدو ذكية، لكنها دنيئة وتليق بالجبناء. . فرد البدوي في غضب:
ـ لدينا الكثير من النساء المشاغبات ، يعرفن كيف يعيرن ويتويلن ويلطمن خدودهن ، بشكل أفضل من ذالك ، لكننا أردنا رجالا نتحدث إليهم .وليس نساء نتشاتم وإياهم . فازداد "المخطار" غضبا وقال :
ـ ومتى أصبحتم رجالا.
ـ كنا كذالك دائما ، وإن كان آباؤك غفلوا عن أن يخبروك ، فبإمكاننا أن نتولى الأمر. ونكأت كلمات البدوي في نفوس جماعتنا شعورا مزمنا طالما عذبها وأرهقتها محاولة التغلب عليه ـ بأنها لم تكن صاحبة مآتي ، ولا مآثر حربية أيام السيبة ـ الأثيرة ـ بها تذكر. وأشعلت فتيل حساسيتها المفرطة اتجاه كلما من شأنه تذكيرها بماضي أجدادها البطولي المتواضع. تلك الحساسية التي طبعت سلوك الكثيرين منها بالفاشية، وجعلت ردود أفعالهم غالبا تبدو غير منسجمة مع مثيرها، ومن حرصهم على وحدتهم ـ المبالغ فيه إلى حد كبيرـ نوعا من التضامن المرضي إلى حد ما. وهاج البعض، وماج وكادوا يسطون البدوي، لولا أن جماعته قامت بإجلائه من المكان. وصاح "أحمد ولد المخطار" غاضبا فيما يشبه الزئير:
ـ لا تدنس آبائنا بذكرهم بفمك يا قليل الأدب. فرغى البدوي وأقبل نحوه ، لكن احد الشيوخ من جماعته أمسكه وقام بإبعاده من جديد .وهدأت الضجة قليلا ، لكن لتعود وهذه المرة بشكل ينذر بوقوع الكارثة . عندما قال أحد البدو فيما يشبه المناشدة:
ـ دعونا نعرف ماذا تريدون، ولننهي هذه المسألة بسرعة. فانبرى له "طالبن" قائلا في استفزاز :
ـ ستنتهي هذه المشكلة ـ فقط ـ عندما تسلمون الجناة لنقتص منهم أمام الجميع ؟ فرد عليه أحد البدو بمثل لهجته :
ـ دون ذالك قطع رؤوسنا ! فرد "أحمد ولد المخطار"
ـ نقطعها ـ إذا ـ ولا نبالي. فتشاتما وانتصر لكل واحد منهم البعض من جماعته، واحتدم الكلام بين الجميع وعلا الصراخ والمهاترات والتنابذ. وأنقسم كل فريق على نفسه ، فكان بعض أهل القرية والبدو يحاول أن يهدأ و يلطف الأجواء ، وكان بعضهم الآخر يحرض ويؤلب ، وتشعبت الآراء ، وتعالت الأصوات بالسباب والشتائم . و وانتظرت على أمل أن يتدخل " أخطورة" أو "محفوظ" أو أي كان ، لإنقاذ الموقف المتدهور بشكل مريع ، لكن أحدا لم يحرك ساكنا ، ومرت لحظة وصل فيها الأداء العقلي ما بين الفريقين إلى أدنى مستوياته منذ بدأ النقاش، وبدا جليا بأن الرباط الإنساني بين الطرفين آخذ في التحلل والاندثار. فوجدتني مجبرا مرة أخرى على اتخاذ المبادرة فقلت :
ـ لا ينبغي أن نفرط في هذه الإرادة الطيبة التي جاء بها الجميع إلى هنا لإيجاد مخرج ودي من هذه المشكلة، ولذا أرى أن نصرف الناس الآن، ولنشكل لجنة من الطريفين تتولى مهمة معالجة الأمر بعيدا هذا الصخب وهذا الجو المشحون. ما أردته من وراء هذا الاقتراح هو امتصاص حماس كلا الطرفين للعنف ، وآخر شيء توقعته هو أن يجد أدنى حد من القبول من قبل هؤلاء الناس المنفعلون حتى الثمالة ، لم يخب ظني على أي حال فما إن أنهيت كلامي حتى تعالت أصوات الرفض والاستهجان ، بل ، والتوبيخ والسباب . وعلى الصخب وساد الضجيج والفوضى من جديد ، وبدا الانفجار وشيكا. في تلك اللحظة المشحونة بشتى الاحتمالات ـ وبينما كان اليأس يجتاح آخر معاقل الأمل في نفسي ـ رأيت "محفوظ" .يخترق الصفوف بخطى بطيئة لكنها واثقة إلى أن توسط الجمع حيث وقف متكئا قليلا على عصى كانت في حوزته ثم قال ـ بصوت هادئ ورزين ـ قال:

ورقة من بحر
04-01-2010, 12:18 AM
أعجبتنى القصة أخى جواد
أولا:تذكر البعيد من بلاده أجواء الحي والبادية والمشاكل واللأهل
ثانيا:أعجبني دخولك رغم أنك من الشباب وقولك اللأتى(يبدو أن الجماعة يريدون من يتحدث اليهم فالننظر ماذا لديهم)
و فى اللأخير أستودعك لله وأنشاء الله لو كنت بعيدا عن أهلك ترجع لهم بسلام
و شكرا.

محمد جواد
08-01-2010, 11:19 AM
ـ بالنسبة لحصان يعدو بطاقته القصوى ، فإن المسافة إلى المقاطعة من هنا قصيرة جدا ،قصيرة جدا ، وهي ـ وبدون شك ـ بالنسبة للسيارات العابرة للصحراء ـ ستكون أقصرمن ذالك بكثير . ما جرى كان حدثا بسيطا وعاديا ، ورغم ذالك فقد توقعت أن البعض سيضخمه وربما يتخذ منه سببا للإثارة والفتنة ، وإنه لأمر مؤسف حقا أن يصدق توقعي . ولذالك فقد أرسلت أحدهم ليخبر الحكومة في المقاطعة. وأتوقع أنه في غضون ساعة أو أقل ربما ـ ستكون فرقة من الحرس أو الدرك قد حلت بنا، وحينئذ ـ أرجو ألا يبادر هؤلاء الفرسان الأشاوس المتحمسون جدا للقتال ـ إلى الاختباء في الوديان، ودفن أسلحتهم تحت أكوام القش. إننا لانريد أن نقمع إرادة أي احد في أن يصبح بطلا، والطموح في الشهرة حق مشروع للجميع، لكننا لن نداري على أي كان، ولن نتستر عليه. وبالنسبة لأولئك الذين يعتقدون بأن طريق هذا هو طريق المجد ، وأنه الأنسب لحفظ هيبة القبيلة والرفع من شأنها ، فيمكنهم تجاهل الأمر والمضي قدما وفق ما يعتقدون ، لكنهم سيتحملون المسؤولية الكاملة عما سيحدث ، وعليهم وحدهم أن يواجهوا تبعاته . إننا معنيون جميعا ـ أكثر حتى من الحكومة نفسها ـ بأن يسود السلم والأمان في كل هذه الربوع. وهو أمر ممكن ومتاح لكن ليس دائما وبدون أي مقابل. وهو بالمناسبة ـ وبالنسبة للموضوع الذي نحن بصدده بعض التسامح القليل ، والقليل من الإيثار وحسن الظن بالآخرين . إننا جميعا إخوة، وما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا وفرصتنا في أن نحيى حياة كريمة وهادئة هي في ظل المحبة والإخاء أكبر بكثير منها في ظل التباغض والكراهية. وأعتقد انه سيكون من المفيد لنا حين تصل الحكومة إلى هنا ـ أن تكون هذه مظاهر الفتنة كلها قد اختفت نهائيا. وعلى الطرف المتضرر ـ إن هو رغب في ذالك أن يتقدم بشكواه حينئذ أمامها. فهي وحدها من سيثأر له ، وهي وحدها المخولة بذالك . وفعل تهديد الرجل المبطن فعله في نفوس المتشددين من كلا الطرفين ، فأنخفض مستوى هياجا نهم فجأة وخبا أواره ، وعلا وجوههم الوجوم وهدأ غليانهم . وبدأ البعض منهم يتوارى وسط الحشد لواذا ، ويتراجع إلى المواقع الخلفية . في حين أثلج كلامه صدور أولائك الأقل تشدد الراغبين في إنهاء الموضوع وديا ، فتعزز موقفهم أخذت نبرتهم الداعية إلى الهدوء والتعقل تعلو شيئا فشيئا، لكن ليس دون بعض التشويش . فقال أحد البدو في مايشبه الاعتذار:
ـ ما حدث كان عمل سفهاء ، ونحن نشجبه وندينه بقوة .فقال "أخطورة "
ـ كفوا عن تريد مثل هذه العبارات، فهي غير كافية لكي نتنازل عن حقوقنا. فرد البدوي بقوله :
ـ لا أحد يطالبكم بذالك . لكن ذالك لا يمنع من أن نعبر لكم عن عدم موافقتنا على ما حدث.
ـ عندما يحل منم ـ يملك كل هذه الأعداد من الحيوانات ـ قريبا من المزارع إلى هذا الحد فلا يمكن إلا أن يتوقع حدوث مثل هذه الأمور. فقال "طالبن " في تهكم :
ـ إلا إذا كان بليدا جدا، أو غبيا. وقال "ازوين" :
ـ أو ذكيا جدا وحاذقا، لكي يعرف كيف يفعل فعلته، ويعرف من ثم كيف ينجو بها. فقال " المخطار" :
ـ أو يكون واثقا من أن الآخرين بلداء إلى الحد الذي يجعلهم يصدقوه عندما يزعم ذالك .فرد البدوي وبأسلوب هادئ :
ـ حللنا هنا اضطراريا ، و ظننا بأننا كنا حذرين بما يكفي ، لكن يبدو اننا كنا مخطئين ونحن نعترف بذالك . فقال "المخطار" في امتعاض ِ
ـ الدخلاء وحدهم يمكنهم أن ينخدعوا بمثل هذا الكلام ـ وإن كنا لا نجد سببا لحشرهم انفسهم في مثل هذه الأمور.لأنهم ببساطة يجهلون تاريخكم العدائي معنا . فلطالما طمعتم بهذه الأرض ، بل و ادعيتم ملكيتكم لها . ونازعتمونها حين أردنا أن نتقرى بها وبذلتم ما بوسعكم للحيلولة دون ذالك . ولم تتوقفوا ـ منذ أن خاب مسعاكم ـ عن استفزازنا والتحرش بنا. إلى أن وصل بكم الأمر إلى حد إراقة دمائنا. وطالما أنكم غير قادرين على السيطرة على أنفسكم فينبغي أن يقوم غيركم بذالك. فتدخل "محفوظ" متجاهلا تعريض الرجل به وقال:
ـ دعونا نخطو إلى الأمام و... ؟ فقاطعه "المخطار" بامتعاض
ـ لقد اختلطت علينا الجهات فلم نعد نعرف الأمام من الخلف ؟ فضحك " محفوظ" وقال :
ـ لكن الشمس ساطعة ، ومعالم الأشياء واضحة ؟ فرد "المخطار" :
ـ لا بد من أنك تراها كذالك فقد صعدت عاليا، وعاليا جدا، وأكثر كثيرا مما ينبغي. وكادت الأمور حينئذ أن تنحوا منحا مغايرا تماما عندما ضاقت "أمباركه أعلينا" ـ أم زوجة "محفوظ" ـ ذرعا بتعريض "المخطار" المستمر بزوج ابنتها ، فانبرت له قائلة في لغة هجومية قاسية :
ـ وما الذي يجبره على البقاء في الأسفل ـ يا" مخطار" ـ مادام بإمكانه الصعود إلى الأعلى ؟ وأين ينبغي أن يتوقف في صعوده ، ومن يحق له أن يحدد ذالك ؟ ، ثم أردفت: لماذا ينسى البعض نفسه ومن هو، ويستبيح أعراض الآخرين؟ . و ما بالكم تغموزه وتلمزوه ، ولم يفعل سوى أنه حال بينكم وبين الجري وراء الشيطان ؟ ، ثم ما ذا فيه ليغمز أو يلمز؟. شريف ولد النبي . ومتعلم، وكريم، وحاذق . وكنتم ـ لولا اللؤم المستوطن في نفوسكم والحسد المتأصل بها، وحبكم الظهور والتعالي على الآخرين ، ـ لتضعوه تاجا فوق رؤوسكم الملآ بالحقد والكراهية . ثم من منحكم ـ يا "مخطار" الحق الحصري في تقرير مثل هذه الأمور، بحيث يعد تدخل غيركم فيها حشرية ونوعا من الفضول ؟ . ولماذا تتوقعون أن تقابل مبادراتكم واقتراحاتكم ـ بالإشادة والقبول، بينما ينبغي مواجهة ما يصدر من غيركم بالشجب والاستنكار؟. و هل كان ليصل الأمر إلى هذا الحد من الحماس والاندفاع من قبلكم ، لو كان ضحايا هذا الحادث من أطفال "ادباي" أم أنكم نسيتم ردود أفعالكم ، وما قمتم به عندما كنا بصدد الثأر من " الفلان" على أثر قتلهم " ولد امرييم " . ألم تدعوننا يومها إلى التروي والأناة، وحاصرتمونا بالوعظ وبالإرشاد، ورجوتمونا أن نترك العقل والحكمة يتوليان معا لجة الأمر؟ حسنا أليس هذا ما دعاكم إليه "محفوظ" فلم كل هذا ؟ لا قتلى، ولا عاهات، ولا حتى جروح خطيرة، مناوشات جرت بين أطفال وأطفال مثلهم شيء مألوف ولا سلطان لأحد عليه. وإذا كنتم ستمتشقون أسلحتكم هكذا وتستنفرون قواكم على هذا النحو كلما حدث شيء مماثل، ففكروا كم مرة في اليوم ينبغي عليكم أن تفعلوا ذالك.
وران الصمت على المكان وأطبق الذهول على الحضور، جراء هذا الهجوم الضاري وغير المتوقع الذي شنته المرأة على الرجل المهاب. لكنها "امباركه اعلين " المعروفة بشيخ "أدباي" التي كانت حين تهيج تخلع كل شيء يرمز إلى أنها أنثى حتى ملابسها النسائية تستبدلها بملابس الرجال . والتي كان الجميع يهابها ، ويخشى سطوة لسانها ، صولاته .حتى " أخطورة" نفسه "عربيها" رغم قسوته وطبعه العنيف ، لم يجرؤ منذ أن بلغت سن الرشد على أن يأمرها ـ يوما ـ أو أن ينهاها . وحين كان يريد منها أمرا كان يأتيها سائلا متوددا. وتمتم "أخطورة" قائلا
ـ لماذا لست مع النساء ( يا مخلوقة مولانا)
ـ ومتى كنت امرأة ؟
ـ ليس في أي وقت ، لكنني نسيت . والعتب على ضعف الذاكرة .وتدخل "محمد العبد" زوجها في محاولة لإسكاتها ، لكن على استحياء ـ فقد كان أهل "ادباي " يتندرون بأنه كان يخافها ـ فلم تعبأ له . ولم تهدأ إلى أن جاءها "محفوظ" وربت على منكبها ثم سحبها بهدوء إلى حيث كانت تحتشد النساء . وهناك واصلت المرأة على ما يبدو هجومها العنيف على "المخطار" مما استفز بناته وقريباته ، فانبرين للدفاع عنه .فنشبت بين الجميع مشادات حامية وعنيفة صرفت أذهان الكثيرين من أهل القرية عن الموضوع الأصلي . وانتهز احد البدو فرصة الفتور الذي ألم بأهل القرية فقال:
ـ إذا كان رحيلنا سيحل المشكلة فسنرتحل غدا إن شاء الله . فقال " أحمد ولد المخطار" :
ـ بل ترحلون الآن . فرد عليه البدوي قائلا :
ـ كما تشاؤون . وتدخل "ازوين" فقال
ـ ودماء أبناءنا ؟ فرد عليه " محفوظ"
ـ قلنا : لندع أمرها للحكومة . فتمتم "ازوين" قائلا
ـ ذاك هو التفريط بعينه .
ـ ما ذا تقول ؟
ـ لم أقل شيئا، لكنني لا أجد سببا لكل هذه الثقة في الحكومة ؟ فقال أحد البدو:
ـ هل كان من الضروري أن نقحم الحكومة في الموضوع ؟ فرد "محفوظ"
ـ كيف لا ،و قد وصلت الأمور إلى هذا الحد ؟ .فرد البدوي بشيء من عدم الارتياح :
ـ كنا نود اعتبار ما حدث أمرا عاديا، صدامات جرت بين أطفال ورعاة شيء يحدث غالبا. أما أن يتخذ منه سببا للإثارة والفتنة والمطالبة بالدماء، فأمر لم يخطر لنا على بال. فرد عليه احد شيوخ البدوي بلهجة زجرية:
ـ ومتى كان مثل هذا عاديا، وهل تقاتل الناس و تفانوا إلا بسبب مناوشات بين أطفال ورعاة، وأشياء من هذا القبيل ؟ ثم أردف لقد حضرنا إلى هنا برغبة حقيقية في إنهاء هذا الموضوع وديا وبصفتكم المتضررون، فنحن مستعدون لسماع مطالبكم. فقال "محفوظ"
ـ بل هو شيء عادي كما قال، لكن بالنسبة لأولئك الذين طالما تاجروا بآلام الناس وفي مصائبهم. والذين تعودوا أن يصطادوا في الماء العكر. فإنه لاشيء في دنياهم عاديا. ثم أردف : لقد تم إخطار الحكومة ولا مناص من انتظارها. وأيا كان ما سيحدث ـ ونتمنى أن يكون خيرا إنشاء الله ـ فعليكم أن توروا سفهاءكم الطريق القويم ، وليبتعد رعاتكم عن المزارع مسافة كافية عندما تنتجعون. قال هذا ثم طلب من البدو الانصراف، ودعا أهل القرية إلى مغادرة المكان.
ولا حظت أن استجابة رجال "أدباي" كانت أسرع لدعوته ، وكذالك كان تجاوبهم مع آرائه وطلباته ، لكن الجميع كانوا على ما يبدوا ، حين يريد الرجل ، ينصاعون له . وكان أشقى الناس بذالك ـ قاطبة "اخطور" زعيم القبيلة التقليدي ، والذي أزيح بهدوء من على عرشه ـ بصفته المتصرف وحده في أمور الحي ـ من طرف هذا الدعي كما وصفه ، والبغاث الذي في أرضه أستنسر. لقد قالها صراحة لكن دون أن يجرؤ على المجاهرة بها ، وكان حين انفض الجمع من حوله ينتفض في حنق وغضب ، وقد اكتسى وجه حليفه "المخطار" بمعالم استياء واضحة للعيان ، وكان بدوره يتمتم ومشاعر الإحباط تعربد في رأسه ، فأولئك الذين طالما جاروهما وركضوا خلفهما بلا تردد ، وجدوا في هذا الرجل كما أرى شيئا افتقدوه فيهما . ولا عجب . فقد كان يتمتع بذكاء حاد وكان حضوره متميزا وفذ ، مما أضفى على شخصه قداسة وهيبة ،قرأتهما اليوم في أعين أهل الحي. وخمنت أن "محفوظا" هذا لا بد أن يكون شخصا آخر، شخصا مختلفا كليا عما كنت أحسب ـ إنه إن لم يكن الرجل الذي تعرفت عليه في ساحل العاج فلا يعدو كونه إنسانا عاديا قادته الصدف إلى هنا، بعد أن ضاقت به الظروف في أهله ، ووجد ضالته في بساطة أهلي فطاب له المقام بينهم ، وإنما هو عالم آخر جاء يغزوا هذه البقعة والتي ما زال أهلها يستعطون السماء باستجداء القبور.
عندما جاءت فرقة الحرس إلى القرية اختار آمرها دار "محفوظ" للنزول عندها فوقع الخبر على "أخطورة" و "المخطار" وقع الصاعقة . لكنهم مع ذالك حضرا الاجتماع الذي عقدته الفرقة بالبدو وأهالي القرية ، فقد أدركا على ما يبدو أن لا أحد سينتظر قدومهم ، فخافا أن تجاوزهما الأحداث بشكل يقضي نهائيا على ما تبقى من هيبتهم . فجاءا كأنما يساقون إلى الموت يقدمان رجلا ويؤخران أخرى . وجاء البدو ومعهم الرعاة المسئولون عن الحادث، وابدوا استعدادهم لفعل أي شيء من شأنه إنهاء المشكلة. وسوي الموضوع بشكل ودي عندما قرر الطبيب المصاحب لفرقة الحرس بأن جميع جراح المصابين كانت سطحية وخفيفة وبلا خطر.
بعد ذالك بنحو أسبوع وبينما كنت أجتاز الوادي الذي يفصل بين القرية والحقول ـ وأنا عائد من المزارع قبيل المغيب بقليل صادفت "محفوظ " وكان قادما بدوره من جهة الحقول. تبادلنا تحيات حارة ، ثم واصلنا طريقنا نحو القرية . ولأمر ما انحنى الرجل قليلا فوقعت علبة سجائر من نوع "جيتان" من جيبه . سارع إلى التقاطها بخفة ثم دسها في جيبه على عجل، لكنه لم يلبث أن عاد وأخرجها ليشعل منها "سيجارة" لا أدري لم فعل ذالك، لكنني خمنت بأنه ربما كان يريد إخفاءها عن ناظري، وتصرف على ذالك النحو حين أدرك بأنني رأيتها. وساد صمت مفاجئ على أثر ذالك مسيرنا ، لكنه كان مشابا بنوع من الترقب . فمضينا صامتين وخيوط الدخان تتصاعد من فم الرجل ومنخريه تتشابك حين ينفثها ببطء مكونة سحبا صغيرة لا تلبث أن تتلاشى حين يعبث بها الهواء، وعندما لم يبقى من السيجارة سوى عقبها سحقه تحت قدمه، ثم التفت إلي مبتسما وقال:
ـ ألن تسألني عن أين تعلمت تدخين "الجيتان" ؟ فقلت ـ وكأنني غير مكترث للأمر ـ
ـ ليس ذالك بالشيء الغريب، فنحن لسنا معزولين تماما، أقصد أننا لسنا بعيدين جدا من المدينة.
ـ بل غريبا . وتنهد من أعماقه تنهيدة أثارت فضولي ، وقذفت بكم هائل من الأسئلة في ذهني ، فقلت في نفسي : أسأله عن مدى صدق مزاعم جدتي حول هويته وحول حياته ؟ و أترجاه أن يخبرني بصدق عما إذا كان اللبس الحاصل في ذهني بشأنه له ما يبرره ، وأسئلة أخرى كثيرة تعتمل في رأسي . لكن ، لعله يغضب ، أو لعله يغالطني أو ... وحالت لعل بيني وبين أن أسأله ومشينا خطوات أخرى قبل أن يقول لي:
ـ وما الذي كان في، وأثار استغرابك عندما التقينا للمرة الأولى ؟
ـ لا شيء. أعني لم يكن الأمر يتعلق بشيء غريب. عندما رأيت وجهك بدا لي مألوفا وحسب .
ـ مألوفا إلى أي حد ؟
ـ إلى حد أنه ذكرني بوجه أعرفه .
ـ ذكرك به، أو أوهمك بأنه هو ؟
ـ أظنني أخبرتك .
ـ أكان ذالك في ساحل العاج ؟
ـ نعم
ـ ما كان اسمه ، أقصد صاحب الوجه .
ـ أحمد . أحمد ولد المامون . وصمت الرجل، صمت طويلا حتى ظننته لن يتكلم، قبل أن يقول ـ هبني هو؟ فقلت ضاحكا :
ـ لكنك " محفوظ" !
ـ ربما غيرت اسمي .
ـ عند ذالك أعتقد أنه من حقي أن استغرب ؟
ـ أمن الخطأ فعل ذالك ؟
ـ ليس إن كان له ما يبرره ؟ . نظر إلي بطرف ، ثم قال :
ـ وما الذي يمكن أن يبرر ذالك ؟
ـ أشياء كثيرة .
ـ مثل ماذا ؟
ـ حسنا . إذا أراد أحدهم أن يتخفي فاعتقد أن أول شيء سيفكر فيه هو تغيير اسمه ؟ فقال ضاحكا ـ إن كان هذا أفضل تدابيرك حبكة ، فلا أنصحك بمحاولة التخفي ،لأنه سيتم القبض عليك فورا ، وبأقل جهد ممكن .
ـ كيف ذالك ؟
ـ لأن هذا ما سيفترضه مقتفي أثرك . فتزداد فرصه بالقبض واحدة . وفكرت في أن أسأله ترى هل أنت هنا متخفيا ؟ وهل ثمة من يقتفي أثرك ؟ لكنني صرفت ذهني عن ذالك ، وقلت له مازحا :
ـ سأكون سعيدا إذا ما قبلتني عندك تلميذا ؟ فضحك أكثر وقال :
ـ سيشرفني ذالك بدون شك .
دخلنا القرية وقد حان وقت صلاة المغرب فطلب مني أن أصحبه إلى بيته لنصلي جماعة، و لنشرب ـ من ثم ـ الشاي معا. ووجدت في دعوته فرصة للتقرب منه طالما انتظرتها ، ومناسبة للتعرف عليه أكثر ولتعزيز الصلة به. والحقيقة أن اهتمامي بالرجل قد تضاعف كثيرا بعد حادثة الرعاة تلك، إلى درجة بات معها شغلي الشاغل معظم الوقت. فأسلوبه الهادئ في التعامل مع أطرافها قد بهرني كثيرا، واستحق إعجابي بلاؤه الجيد في إدارتها. وكنت أجدني ـ من جهة أخرى ـ مدينا له أدبيا بشكر من نوع خاص. ولن أجد فرصة أفضل من هذه لأفعل ذالك. ربما تأخرت قليلا، والواقع أنني فكرت في الأمر يومها، لكن ظروف الحادثة وما تبعها حالت دون ذالك. فرغنا من الصلاة ، ثم بدأ الرجل في إعداد الشاي . عندما صب الكأس الأولى التفت إلي وقال مبتسما :
ـ المعذرة، أنا أعرف أنكم معشر أهل المدن تفضلون الشاي بالنعناع ! فقلت له :
ـ لست مضطرا للاعتذار، فأنا ـ رغم إصرارك على ذالك ـ لست من أهل المدن. فقال مازحا ـ وهو يحاول التخلص من حالة الحذر التي كانت تطبع حديثه معي ـ قال:
ـ ظننت أن ذالك يشعرك بالإطراء . فرددت عليه ـ وقد قررت أن أدفعه في ذالك الاتجاه ما أمكن رددت:
ـ وأنا أظن أنك تحاول إبعادي من البداية وحسب. فضحك عاليا وقال :
ـ لم ـ تراني أفعل ؟
ـ ربما لشعورك بالمنافسة.
ـ لكنها تسعنا جميعا ؟
ـ لا تبدو واثقا من ذالك !
ـ هل غدت أفكاري مكشوفة إلى هذا الحد ؟
ـ إن كنت تظنني بليدا فربما أنت على حق ، لكن ليس إلى تلك الدرجة التي تتخيلها ؟ فأزداد ضحكا ، وقال :
ـ العفو ، العفو، بل أنت ذكي وهذا ما أتخيله بل وأؤمن به . وضحكنا جميعا، وزال ما تبقى بينا من تكلف. نصب الإبريق للمرة الثانية ثم سألني :
ـ لعلك الوحيد من بين ذويك الذي أتيحت له الفرصة للدراسة .
ـ صحيح ، فقد كان جدي اللذين ربياني يقيمان في المدينة قبل أن يجبر المرض جدي على ترك عمله في البناء ، ومن ثم العودة إلى "أدباي"
ـ هل كان من الصائب أن تترك دراستك مبكرا هكذا، وتسافر؟
ـ ذالك ما كنت اعتقده ساعتها ، وأدرك الآن كم كنت مخطئا ؟
ـ كنت قد حصلت على الشهادة الإعدادية أليس كذالك ؟
ـ بل حصلت على الباكالوريا .
ـ من حقك أن تشعر بالندم فعلا ، فالباكالوريا ـ كما أظن ـ شهادة مهمة . إلى درجة أنني رأيت بعضهم يصاب بالجنون عند فشله في الحصول عليها !
ـ هي بالفعل مهمة . ولا شك في ذالك . إنها بمثابة عقبة كأداء على الطموحين، والحالمين بمستقبل أكاديمي أو وظيفي مرموق أن يجتازوها أولا. وفي حال الفشل فربما يتخذ الأمر عند البعض طابعا مأساويا .
ـ لكنك تجاوزتها !
ـ صحيح، ولكن الأمور سارت على هذا النحو ؟
ـ يعني أن مجهودك ذهب سدى و كان تعبك بلا طائل .
ـ ليس تماما، فكوني تعلمت قلل كثيرا من إحساسي بالخسارة.
ـ لكنه لم يعوضها .
ـ لم أتوقع ذالك، وأدركت فيما بعد بأن إحساسي بالخسارة ـ أصلا ـ لم يكن له ما يبرره.فالدراسة أساس قوام الشخصية، وهي في حد ذاتها و ـ بغض النظر عن المنافع المادية التي قد تجلبها ـ مكسب عظيم يجدر بالكل أن يسعى وراءه. قال ضاحكا ـ في سخرية تنقصها البراءة.
ـ هذا ما يقوله أغلب المحبطين تعزية لأنفسهم، والحقيقة أن كلا منهم كان يحلم بأن يصبح مديرا، أو وزيرا... توضع تحت تصرفه ميزانية يعبث بها على هواه ، لكن الدراسة وحدها ـ في ظل الأوضاع القائمة ـ لم تعد السبيل الأمثل للحصول على ذالك ، فثمة طرق أخرى ..لكن وسكت فقلت :
ـ أية طرق ؟ تجنب الرد علي وواصل كلامه فأضاف قائلا ـ بلغة يغلب عليها طابع المزاح:
ـ أليس لديك أقارب يعملون في الحكومة ؟
ـ تقصد من "أهل أدباي" ؟ طبعا لا. فقال :
ـ أولديك أقارب من أهل "لفريج" ؟
ـ من الصعب أن أجيبك بنعم دون أن أشعر ببعض الحرج .
ـ ولم لا تجنب نفسك الحرج وتجيبني ب لا.
ـ شعورك بأنك لا تقول الحقيقة كاملة ، يولد لديك حرجا من نوع آخر.
ـ تعجبني صراحتك ؟
ـ وغموضك يعجبني أكثر. ترك تلميحي دون تعليق ، وقال :
ـ لقد قضت المحسوبية بشكل مبرم ، على الأهلية كمعيار للاختيار. وحلت الواسطة محل الكفاءة كشرط لشغل الوظائف العامة ؟
ـ ولذالك فإن الأمور عندنا تسير من سيء إلى أسوء .
ـ لا تبتئس ، فيمكنك ببعض المال ـ إذا أردت ـ شراء وظيفة محترمة .
ـ لا بد من أنك تمزح . هل هنالك سوق تباع فيها الوظائف ؟
ـ وتباع فيها أشياء أخرى ؟
ـ أين هي، وكيف يتم ذالك ؟ لم يسمعني فقد كان غارقا في الضحك، أو لعله سمعني وافتعل تلك الضحكة تغاضيا، أو لعله أراد أن يهرب مني. وبسرعة نقل حديثنا بعيدا عن هذا الموضوع، وعن القرية وأهلها إلى مواضيع أخرى في الحياة عامة، وفي المجتمع خاصة، لكنني عدت به ثانية إلى حيث نحن في قرية "النعيم" عندما قلت له:
ـ كلما فكرت فيما كان يمكن أن يحدث بين أولائك البدو وبين أهل القرية في ذالك اليوم تلبسني الذعر وأصبت بالدوار.
ـ كان يمكن أن يكون شيئا فظيعا و كارثيا .
ـ أتخيل معاناتك ، وأنت تتصدى لذالك الحشد الهائج ؟
ـ كان لا بد من الصبر والإصرار، فالعنف في مثل هذه الحالات غالبا ما يكون مدمرا.
ـ شيء لا يصدق كونك نجحت في ذالك.
ـ لم يكن أمامي خيار آخر.
ـ لا أستطيع أن أمنع نفسي من التساؤل دائما عن كيف تم لك ذالك ؟ ضحك وقال :
ـ بالسحر ربما.
ـ لابد من أن السحر الذي استخدمته، كان من النوع الجيد جدا ، لكي يفعل فعله بتلك السرعة. ضحك ملأ فمه وقال :
ـ ومع ذالك فهو ليس أفضل ما لدي .
ـ لا أشك في ذالك، فقد كنت تبدو واثقا من نفسك ثقة لا حدود لها، عندما كنت تخطب في الناس على ذالك النحو المذهل.
ـ تكاد تشعرني بالغرور؟
ـ من حقك فقد كنت مدهشا حقا وبارعا.
ـ هيا يا رجل . لا تجعلني أصدقك .
ـ لم تكن كلماتك مجرد عبارات من النوع العادي، بل معاول كنت أحس وقعها حيا على وجوه ذوي وأولئك البدو. وسكت الرجل فجأة ـ لا أدري لماذا ، ففكرت في أنه ربما أحس بالحرج جراء سيل الإطراء الذي أغرقته به ، قبل أن يقول مبتسما، لكن بجدية :
ـ هل كنت تشعر باليأس ؟
ـ بل بالعجز، وقلة الحيلة .
ـ ذالك سبب كاف لتتضخم الأمور عندك إلى هذا الحد .
ـ كانت الأمور بالنسبة لي قد خرجت نهائيا عن نطاق السيطرة . فعاد إلى المزاح ، فقال :
ـ البركة في نسيبتي . فقد أنقذ تدخلها الموقف في الوقت المناسب.
ـ بل البركة فيك ، وفيما بذلته من جهد .
ـ لعلك لم تشهد موقفا مماثلا من قبل .
ـ لا أبدا . سكت قليلا ثم أردف :
ـ و لا أنا ، فقد كانت مشاكلنا في " أدباي" محدودة في مجملها ، وكانت في الغالب ،من النوع البسيط الذي يسهل التغلب عليه . وفكرت في أن أسأله وماذا عنها قبل "أدباي" لكنني عدلت عن ذالك وقلت :
ـ وتغيرت بعد انضمامكم إلى "لفريج " في القرية ؟
ـ إلى حد كبير. وسكت رجاء أن يضيف الرجل المزيد، لكنه لم يفعل. فقلت :
ـ عموما هذا شيء متوقع ، ففي ظل كثرة الناس ، وعدم التجانس النسبي ـ طبعا ـ كان لا بد من أن تتضارب المصالح ، وتتباين ألأهواء وتنشأ الحزازات ،وتنمو الحساسيات و... مما يهيئ تربة خصبة لشتى أنواع المشاكل .
ـ هذا بالضبط ما فكرت فيه، ولذالك فقد نصحت الجميع بالتريث، وبعدم الاستعجال، لكن حماس البعض كان شديدا، وكنت ساعتها أعتبر نفسي مجرد ضيف.
ـ هل تريد القول بأن تلك كانت خطوة خاطئة ؟
ـ كانت متسرعة ، وغير موفقة . .
ـ لكن بعضهم يرى بأنها كانت ضرورية .
ـ كانوا ـ إذا ـ ليبقوا ضمن "لفريج" وحسب ؟
ـ ربما أرادوا أن يجربوا الاستقلال.
ـ مع مثل تلك الإرادة الضعيفة المترددة، فإن الفشل كان مؤكدا.
ـ ربما اكتشفوا بأن الأمر كان تحد أكبر من أن يواجهوه.
ـ أكبر من مواجهة تحدي الاستغلال .
ـ أظن أن الظروف قد تغيرت ولم يعد مثل ذالك التحدي قائما.
ـ أهلا وسهلا ، وكيف حال أهل المريخ ؟ "أهل المريخ " ! وكتمت شعورا ألم بي بأنني أمام شخص غامضا بالفعل " وقلت :
ـ أعرف أنني غبت طويلا . لكنني كنت ناضجا عندما هاجرت.
ـ ليس بما فيه الكفاية ، وستحتاج إلى وقت طويل لكي تدرك حقيقة الأمر .
ـ حتى وإن استعنت بك ؟
ـ ذالك يتوقف على مدى اجتهادك .
ـ سأبذل قصارى جهدي . وضحكنا لحظة قبل أن أقول:
ـ لا بد أن لديك تفسيرا أفضل مما قدمته. فقد تم كل شيء في حضورك.
ـ لا أدعي ذالك .لكن كان ثمة ـ إلى جانب ما تقوله ـ نوعا من الحنين الغامض للماضي ،و قدرا من عدم الثقة بالنفس، عرف البعض كيف يستغله لصالحه.
ـ تقصد "أخطورة" ؟
ـ "أخطورة" و"المخطار" وغيرهم .
ـ هذا قريب إلى حد ما من تفسير "ازوين" للأمر؟ ضحك طويلا ـ لا بد أنه تذكر بعضا من شطحات "ازوين" ـ وقال:
ـ تعرف أن ذالك الر جل ـ بالرغم من أنه مجنون قليلا ـ نادرا ما يخطئ في كلامه الحقيقة .
ـ لكثرة ما يتكلم ، فلا بد أن يقع على الحقيقة ولو عرضا.
ـ إنه إنسان ذكي !
ـ ربما. لكنني لا أرى بأن الأمر كان بتلك السلبية التي تتحدثان عنها، كان من الممكن ألا يتم ، لكن من الصعب الجزم بأن ذالك كان أفضل.
ـ هذا يتوقف على الزاوية التي تنظر منها إليه .
ـ يبدو لي أن زاوية المكسب والخسارة ملائمة جدا ؟
ـ ما من خسارة أفدح من تلك التي تبدو بمسوح المكسب الصافي .
ـ هل ينطبق هذا على حالة "أدباي" ؟
ـ لقد فرطوا فيما كان يجدر بهم أن يقدموا أرواحهم قربانا في سبيله.
ـ فعلوا ذالك بإرادتهم الحرة، وعن وعي، ولقاء مقابل معقول.
ـ هذا ما يعتقدونه ، وهو ما يعطي للأمر بعدا مأساويا، فقد سعوا بأنفسهم هذه المرة إلى حيث أريد لهم أن يكونوا دائما.
ـ تتكلم وكأن الأمر يتعلق بمؤامرة ما ؟
ـ أي مؤامرة أكبر من أن يدفع المرء، وعن طيب خاطر إلى أن يكون عونا على نفسه.
ـ إن كنت فهمتك جيدا ، فإنني أخشى من أنك بهذا المنطق تسيء فهم علاقة هؤلاء الناس بعضهم ببعض ؟
ـ بل ، قل : تسيء إليها فذالك أقرب إلى الحقيقة ربما ؟
ـ لا يسعني إلا أن أفترض حسن النية لديك.
ـ لا علاقة للأمر بحسن النية أو بسوئها، لكني وجدت بأن ذالك هو المدخل الوحيد لفهمها على حقيقتها.
ـ أعتقد أن علاقتهم ستبقى هي نفسها سواء وجدوا معا أو كانوا منفصلين.
ـ لا شيء يبقى هو نفسه، فقانون التغيير لا يعترف بالاستثناءات ؟
ـ أليس من المناسب ـ والحالة هذه ـ أن ندع الأمر لقانون التغيير هذا.؟
ـ ليس ذالك الخيار الذي أحبذه، فالأنسب أن نتولاه بأنفسنا. لم أعلق، فصب الرجل الكأس الأخيرة وقال:
ـ عموما ـ وعلى الرغم من كل شيء فإنه لا شيء هنا يبعث على القلق ، وباستثناء بعض الهفوات التي تصدر غالبا من ناس غير معنيين بالدرجة الأولى ، فإن الغالب على سلوك الناس هنا البساطة والتلقائية ، وربما لو وجد من يقودهم بحكمة وإخلاص ، لتمكنوا من تجاوز الكثير من مساوئهم ، ولعاشوا حياتهم بشكل أفضل . فقلت غير مازح هذه المرة:
ـ إنهم سعداء بوجودك ، ولن يوجد أفضل منك للاضطلاع بتلك المهمة ؟
ـ العفو.
ـ تلك هي الحقيقة، إنهم لا يعرفون عنك إلا القليل، ومع ذالك فهم يعتبرون أنفسهم محظوظين بوجودك بينهم. ابتسم ابتسامة باهتة كما خيل إلي . لعله لم يكن سعيدا ببعض ما تضمنته عبارتي تلك.ثم قال :
ـ بل إنني أنا المحظوظ لوجودي بين ناس مثلهم ، ثم أردف ـ وهو ينظف أدوات الشاي ، في نبرة خلت من الدعابة هذه المرة ـ أردف : وعلى كل حال فإن أولائك اللذين يهمهم أمري أكثر من غيرهم لم يشعروني يوما من الأيام برغبتهم في أن يعرفوا عني أكثر من ذالك ، فقد تقبلوني كما أنا ، وتقبلتهم كما هم ، وأملي أن يحذو الجميع حذوهم ، فليس في الأمر ما يستحق العناء . وفهمت بأن الرجل يريدني أن أنصرف أو أن أتوقف عند هذا الحد على الأقل. فودعته شاكرا وانصرفت في هدوء . ووجدت في بيت جدي ـ خليط من رجال القرية، وقد فرغوا لتوهم من شرب الشاي وكان من بينهم "ازوين" و "طالبن " بالإضافة طبعا إلى جدي، وقبل أن آخذ مجلسي سألني ازوين":
ـ أشطاري
ـ لا شيء غريبا، الحمد لله.
ـ أكنت عند "محفوظ" ؟
ـ نعم .
ـ هل تتردد عليه كثيرا ؟ .
ـ لا ، ولكنني أنوي أن أفعل ذالك في ألمستقبل . فهو إنسان طيب، كريم المعشر وخلوق ، وخبرته الواسعة في الحياة تجعل من مجالسته شيء ممتع بالفعل .
ـ آه لا تبالغ ، إنه لا يعدو كونه لص أو قاتل يختبئ من الحكومة هنا . فقال جدي في استنكار :
ـ "الراجل أشريف ول النبي يا ازوين " فاتق الله ولا تسيء إلى أبناء نبيه ، فيخسف بك الأرض أو يسلط عليك عذابه . فرد عليه "طالبن "
ـ اتق أنت الله ، ولا تنسب للنبي كل من هب ودب . فقال أحد الحضور:
ـ صحيح. ثم أردف: لا يكفي أن يدعي أحدهم بأنه "شريف" لكي نصدقه، فلا بد من البينة والدليل القاطع على دعواه. فقال احد الحاضرين:
ـ لم يكن الأمر بهذه الصعوبة، فلماذا التشدد الآن ؟ فرد " طالبن" :
ـ صار الناس أقل تورعا في هذا الشأن من ذي قبل و... . وتحركت في داخل "ازوين" عادته القديمة في معارضة "طالبن" حتى وإن كان يؤيد وجهة نظره ، فقاطعه قائلا :
ـ وما أدريك بأنهم كانوا أكثر تورعا ؟
ـ هذا واضح، لقد كثر المنتسبون إلى النبي إلى حد غير معقول.
ـ ليس هذا دليلا كافيا . ثم ، فيم يضيرك ذالك ؟ هل ستنفق عليهم مثلا ؟ فرد "طالبن" في غضب
ـ قبل أن تسطو بي ـ يا "زوين" ـ فإن الأمر لا يتعلق بي بقدرما يتعلق بكل مسلم حريص على دينه ودنياه . فشأن النسب في الإسلام شأن عظيم، وحفظه احد مقاصد الشرع الحنيف. وإدعاؤه ، أو التلاعب به ، جرم كبير، ومعصية لا تغتفر، خصوصا إذا تعلق الأمر بالنسب الشريف نسب الرسول (ص) ولذ.... فقاطعه "ازوين" مرة أخرى:
ـ وهل جهلتم كل هذا، عندما كنتم تعبثون بأنسابنا ، أم أنكم كنتم تتجاهلونه لكي تتلاعبوا بها ؟
ـ أنا شخصيا لم أعبث بنسب أحد ، ولم أتلاعب به.
ـ لكن أولائك الذين لا تكف عن الافتخار بهم فعلوا ذالك وأكثر.
ـ " لا تزر وازرة وزر أخرى "
إذا كانت تلك هي القاعدة، فلماذا جعلتم من حالتنا استثناء ؟ لم يرد " طالبن" فقد كان مستاء ويشعر بالغيظ الشديد فلطالما أقتحم "ازوين" حديثه على هذا النحو وشوش عليه وحوله إلى نوع من الجدال العقيم ، في حين كان هو عندما يتكلم يريد أن يصغي له الجميع . وقال آخر:
ـ من قال بأن "محفوظ" لا يملك البينة والدليل القاطع على دعواه بأنه "اشريف" ؟ فرد عليه آخر
ـ لعله لم يدعى ذالك أصلا ؟ فقلت :
ـ لا بد أنه ادعى شيئا ما. لكي تتقبلوه إلى هذا الحد. فقال جدي :
ـ أيا كان ما أدعاه فلم يكن ليحدث فرقا كبيرا ، " بيظاني" وقد وفد إلى "ادباي" فتلقفوه كما لو كان هبة من السماء .
ـ يمكنني أن أفهم ذالك ، لكن أي نوع من البيظان هو ، وكيف جاءكم ، ومن أين ؟ ثم ...فقاطعني "ازوين" قائلا ـ بمزيج من السخرية والجد:
ـ لا ندري . فكل معلوماتنا عنه مصدرها "أمباركه علينا" نسيبته ، فهي من قال عنه عندما كانت تعارض زواجه من ابنتها بأنه مجرد "أمعلم مصاص" = (ساحر) وسمعناها ـ بعد أن وافقت عليه ـ تقول بأنه "شريف من أهل تيشيت أمبوكك " وتقيم الدنيا ولا تقعدها إذا ما طعن أحدهم في ذالك .
"هذه طريقة في فرض الأشياء سيئة، ـ وهي واهية ـ بلا شك ـ حين تستخدم في إثباتها ، لكن الأسوأ من ذالك كله عندما تغدو نتائجها حقائق لا تقبل الجدال " وفكرت في أن هوس "أمباركه أعلينا " المزمن بإيجاد سبب للتميز عن بقية أهل "ادباي" هو الذي دفعها إلى مثل هذا التخبط الواضح " وأفقت على أحدهم يقول :
ـ " أمبوكك " يا "ازوين" أضفتها من عندك ، فقد كانت المرأة تقول دائما بأن أم الرجل من "انمادي" .
ـ لم تقل ذالك إلا لاحقا ، عندما فشلت في العثور على ما يعزز إدعاءها ، فاختارت أن تهرب إلى "انمادي" من باب " إل دور يكذب ابعد أشهود " . فرد عليه الرجل محذرا في سخرية :
ـ ألا تخشى من أن "اتعسلك " أمباركه علينا" ؟ فقال "ازوين" منفعلا :
ـ أنا لست مثلك جبانا لكي أخاف من "أمباركه عليكم ، أو "المنحوسة عليكم " فرد الرجل ضاحكا :
ـ أسمعتم ما قاله "ازوين" ؟ فضج الحضور بالقول :
ـ سمعناه . وسنشهد عليه إذا ما حاول الإنكار. وبينما كان الرجال ينصرفون تباعا ، وهم يضحكون بالضحك . انفردت أنا با"زوين" قليلا وقلت له ـ بطريقة استفهامية استنكارية أردت بها استدرار قريحته ، فقد كان واسع الإطلاع وفضوليا وحشريا ، وفكرت في أنه ربما سمع شيئا من هنا أو هناك عن "محفوظ" ، شيئا قد يقودني إلى التحقق من هويته ومن يكون ، هفوة صدرت منه مثلا ، كلمة قالها يوما بشكل عابر... ـ قلت :
ـ لا يمكن لغير "أهل ادباي" أن يفعلوا هذا ؟
ـ وهل سموا "أدباي " إلا لكي يفعلوا ما لايستطيع الآخرون ، أو ما لايريدون أن يفعلوه .
ـ أنا لا أعرف لماذا سموا "أدباي" لكنني أستغرب ـ بالفعل ـ كيف زوجوا ابنتهم من رجل لا يعرفونه !
ـ وأين وجه الغرابة في ذالك ؟ زوجنها له كما يزوج بقية خلق الله بناتهم.
ـ بقية خلق الله يسألون ويتحرون عمن يريد الزواج فيهم.
ـ وهذا ما فعلناه . ألم ترفضه أم ...،
ـ لكن بدون فائدة، فأنتم ما زلتم إلى الآن تجهلون عنه كل شيء.
ـ وماذا كنت تريد منا أن نعرف عنه أكثر مما عرفناه ؟
ـ أشياء كثيرة. أصله ، فصله ، من أين جاء ...؟ ضحك "ازوين" باستهزاء، وقال:
ـ وهل عرفنا نحن أصلنا وفصلنا، وكل هذه الأشياء التي تتحدث عنها، لكي نلزم بها الآخرين. ثم قل لي : لم أنت مهتم بأمر الرجل إلى هذا الحد ؟
ـ لا شيء، لا شيء، أقصد. أنت تعرف بأنه رجل محترم وأصبح على ما يبدو شيئا مهما في القرية عموما ، وفي "ادباي" خصوصا ، فأحببت أن أعرف من هو وحسب . سكت "ازوين" مطرقا للحظات ثم نظر إلي وقال:
ـ سأقول لك من هو، وأمري إلى الله. فأقبلت عليه في لهفة وقلت:
ـ كنت أعرف بأنك أنت الوحيد الذي سيساعدني ، فأنت تعرف دائما أكثر مما يعرفه الآخرون و.. فقاطعني قائلا :
ـ هل "ستنشدني بيت حرب " أم ستتركني أخبرك عن الرجل ؟
ـ لا، قل، لكن تعالى لنجلس هناك ف...
ـ الامر لا يستحق ، هي كلمة واحدة فقط .
ـ كلمة واحدة !
ـ نعم، إنه ساحر.
ـ "ازوين" ؟!
ـ نعم هو ساحر وحسب . لقد سحر السالمة فأحبته، وسحر أمها وأبوها فقبلوا أن يزوجوها له، ثم سحرنا نحن فلم نعترض، وهاهو وقد سحرك أنت. نعم سحرك إلى حد بات معها السؤال عنه همك الأوحد وشاغلك الأكبر، ويوم قرر أن يهب دما أبنائنا لأولئك البدو الملاعين كنت أنت أول من صفق له ووافقته الرأي بعد ذالك في كل ما فعله ، ولا أخفي عليك أن الكثيرين من رجال القرية غاضبون عليك من يوم .... " لا فائدة فمن الواضح أن "ازوين" لا يعرف عن الرجل أكثر مما يعرفه عنه الآخرون ، إنما هو لا يطيق كلمة لا أعرف ".
ـ لم أسألك عن هذا، وليغضب رجال القرية كلهم، ولتغضب معهم نساؤها، هكذا خاطبت الرجل في عصبية ثم تركته حيث كنا نقف وانصرفت.
في تلك الليلة ـ وبينما كنت عائدا إلى البيت من سمري بعد منتصف الليل ـ رأيت في طريقي امرأة، بدا من وقفتها وكأنها تنتظر أحدا ما. كان ذالك ليكون ملفتا أقل لو أن المكان غير المكان ومع ذالك فلم أكترث. وفكرت في أن الأمر يتعلق ـ ربما ـ بإحداهن تنتظر قدوم بناتها لتعود بهن إلى البيت بعد أن استبطأت انتهاء سمرهن . وفوجئت عندما نادت علي المرأة باسمي بينما كنت

محمد جواد
08-01-2010, 11:38 AM
وفوجئت عندما نادت علي المرأة باسمي بينما كنت على وشك أن أتجاوزها ، فقلت :
ـ من ؟
ـ "السالمة"
ـ مرحبا ، كيف حالك ؟
ـ بخير، الحمد لله.
ـ خير إنشاء الله، ماذا تفعلين في هذا الوقت المتأخر؟
ـ الأطفال لم يتعشوا بعد، وأريدك أن تحلب لهم إحدى البقرات.
ـ ومحفوظ ؟
ـ محموم، لا يكاد يعي ما حوله من شدة الحمى.
ـ ولم تخبري أحدا حتى هذه الساعة ؟
ـ لم أرى داع لذالك فقد نام الأطفال مبكرا، وظننت أن ما ب"محفوظ" نوبة حمى عابرة لن تلبث أن تزول، لكن الأمر طال أكثر مما كنت أعتقد، واستيقظ الأطفال فجأة. قلت محتجا ـ وأنا أسرع الخطى :
ـ يا لكم من مجانين ! تتركون الأطفال دون عشاء إلى هذه الساعة المتأخرة، وبتلك الحجة الواهية وكأنكم بين ألأعداء. لم تتكلم وأحسست الشعور بالذنب في صمتها . فرغت من حلب البقرة، وقبل أن انصرف، سألتها
ـ أين "محفوظ"
ـ في الغرفة .
ـ أليست حارة قليلا ؟
ـ بل حارة كثيرا، لكن هذا ما أراده، ورغم أنه يتغطى ببطانيتين، فإنه لا يجد الدفء الكافي.
ـ سيحتاج إلى رؤية الطبيب ، فهذه أعراض الملا ريا .
ـ الملا ريا ! هل هي شيء خطير؟
ـ ليس دائما، خصوصا إذا عولجت في الوقت المناسب، وبالجرعات المناسبة. قالت بنعمة قلقلة فيها رجاء:
ـ ألن تحاول إقناعه بالذهاب إلى المقاطعة ليتعالج ؟
ـ لا بد أنه نائم الآن ، فلندع الأمر إلى الغد .
ـ أتراه يصمد إلى الغد ؟
ـ ما هذا التشاؤم ؟ وفجأة سمعنا صوتا كالغمغمة يخرج من الغرفة حيث يرقد الرجل، فتساءلت المرأة فزعة :
ـ ما كان هذا ؟
ـ لا أدري .
ـ حسنا تعالى معي . قالت هذا ، ثم انطلقت نحو الغرفة مسرعة كأنها تعدو، فتبعتها .
دخلنا الغرفة على ضوء مصباح يدوي ، فوجدنا الر جل مستلق على ظهره ، وقد انحسر الغطاء عن وجهه فسارعت المرأة إلى وضع يدها على جبينه وتحسسته مليا ، ثم همست قائلة بلغة فيها الكثير من الشفقة وصدق المشاعر:
ـ يكاد جلده أن يحترق . ؟ وفتح الرجل عينيه ثم أغمضهما، وأمسك بيد زوجته وضغط بها على جبينه للحظة، ثم تأوه وقال:
ـ "اعل" (ابنه) ألم أحذرك من إغضاب (زينب) ابنته ؟
ـ لكنه لم يفعل ! هكذا قالت المرأة مبتسمة ، ثم أردفت:
ـ ألن تشرب القليل من الحليب ؟ القليل فقط مع "التاجمخت ، والعلك المشوي " نظر إليها دون أن يتكلم ، ثم سحب الغطاء على وجهه، ونام على جنبه. فقلت مطمئنا المرأة :
ـ أريت ؟ إنه بخير . فابتسمت في خجل وقالت :
ـ ربما كان يهذي ؟
ـ أظن ذالك . هكذا قلت ثم أردفت:حسنا سأبقى إلى جانبه ريثما تنتهين من إطعام الأطفال.
ـ أرجو ألا أكون أثقل عليك ؟
ـ هيا، لا تقولي ذالك مرة أخرى.
ـ شكرا. لم تتأخر كثيرا، وعندما عادت كانت تحمل في يدها حقيبة أبلاستيكية صفراء، وفور دخولها دفعت إلي بها قائلة:
ـ إنها مليئة بالأقراص الطبية . ؟
ـ آمل أن يكون من ضمنها ما يفيد في تهدئة الحمى ؟
ـ أتمنى ذالك ؟
ـ سأرى .
ـ أرجوك . ووجدت في الحقيبة عندما فتحتها الكثير من الأقراص الطبية المختلفة الأحجام والألوان ، كان بعضها منتهي الصلاحية منذ زمن بعيد ، وبعضها الآخر منذ فترة أقل من ذالك ، لكني وجدت بينها شريطا كاملا من لكلوريكين ، وبعض شرائط الأسبرين ، والباراسيتامول إضافة إلى مسكنات أخرى . ماتزال صالحة كلها للاستعمال كما تقول تواريخ صنعها . واضطرمت في نفسي حمم حب الإطلاع، وبلغ فضولي أوجه فانهمكت في التفتيش داخل الحقيبة ونسيت المرأة القلقة وزوجها المريض. ربما لاحظت المرأة حالة الدهشة التي تلبستني، أو ربما توجست من أنني لم أعثر على شيء ذي بال، فقالت في يأس:
ـ هل من خطب ما ؟
ـ لا ، لا ، أظنني عثرت على شيء . احضري ماء بسرعة .
كان وجه الرجل ـ حين سحبت الغطاء عنه ـ غارقا في لجة من الحزن والأسى عميقة، وكانت عيناه تسبحان في بحر من الدموع. أجلسته بلطف ثم ناولته المهدئ في يده، وكأسا فيها بعض الماء وقلت له :
ـ ستتحسن فورا بعد أن تتناول هذا. نظر إلي مبحلقا كأنما يتساءل عن سبب وجودي هنا ، ثم وضع المهدئ والكأس جانبا ومال يريد الاتكاء . فتصديت له قائلا :
ـ لا، لا، ليس قبل أن تتناول الدواء، يا صاحبي. نظر إلي زاما شفتيه بقوة، ثم أنفجر في وجهي صارخا:
ـ سأصل إلى حقي أينما كان بقوة المكر والحيلة والخداع . نعم هو ذاك . أنا، وأنا فقط. والآخرين إلى الجحيم . وما لبث أن هب واقفا وأوقفني معه ممسكا بتلابيبي، وصاح في أنت إنسان فضولي سأقول لك كل شيء. واستولى علي الخوف فلم أعد أدري ماذا أفعل. فكرت في الهرب، لكنني كنت عالقا في قبضة الرجل، قلت في نفسي سأصرخ إذا ! وقبل أن أقرر، أسعفتني "السالمة" بقولها:
ـ لا تهتم، هو هكذا دائما، كلما أصيب بالحمى يأخذ في هذا الهذيان حقوقي كذا... له حقوق لا يتذكرها إلا إذا كان محموما. كانت تتكلم وهي تضحك فهدأ روعي قليلا . وخلصت نفسي منه بعد جهد جهيد، ثم أقعدته وأنا أقول:
ـ أذكر الله ـ يا "محفوظ"، وناولته المهدئ وقد أذبته في الماء هذه المرة، ولا أزال به استحثه وأشجعه إلى أن لانت مقاومته، فجرعه، جرعه بامتعاض وتبرم واضحين، كأنما يريد أن يتخلص مني ومن إلحاحي عليه. ثم تمدد على الفراش مقطبا جبينه قليلا، قبل أن تلم به ما خلت أنها سنة نوم عابرة. ومع مرور الوقت أخذ جبين الرجل يتفصد عرقا، فأشرق وجه زوجته بالأمل، فتلك كما يقولون هنا علامة انقشاع الحمى. ثم أخذ وجهه يصفو رويدا رويدا ، وعلامات التوتر تتلاشى منه تباعا . إلى أن انقشعت غمامة الاكتئاب تلك التي كانت تغطي سماه ، لتتحول إلى غلالة حزن شاحبة تحوم حول وجنتيه ـ إذا لم أكن واهما فإن وجه هذا الرجل ، هو أجمل وجه رأيته في حياتي . لبثت واقفا، والمرأة إلى جانبي، والرجل مسجى أمامنا لا يبدي حراكا، وفجأة انفرجت أسارير وجهه، وارتعدت شفتاه ورجفت أهداب عينيه قبل أن تنحدر دمعتان كبيرتان من مآقيه لتتدحرجان ببطء على وجنتيه المرتخيتين. رباه ماذا حل بالرجل ؟ وتأوه آهات متتالية نثرت الألم والحسرة في إرجاء المكان، وأحسست "بالسالمة" تقترب مني أكثر، فألتفت إليها مبتسما رحمة بمشاعرها، كانت على وشك أن تبكي الحيرة والقلق قد تملكاها، فتشابكت نظراتها المتسائلة الحيارى بنظرات الفضولية المترقبة. وقبل أن ينبس أي منا ببنت شفة، أطلق الرجل زفرة قوية، اتبعها بأخرى، لم تكد تنتهي حتى انشد بصوت هادئ، ونغمة مسكرة أنشد:
(لكن الغراب من أعلى التمثال لم ينطق بغير تلك الكلمة ، حتى لكأنه أسلم فيها روحه ، لم ينطق بغير ذالك ، ولا حف بريشه ، حتى حرت في أمري ولم أجد إلا أن أقول : لقد رحل عني من قبل اصدقائي ولا شك أنه عند الصباح طائر هو ايضا كما طارت جميع آمالي .،، لكن الطائر أجاب هيهات .
انتفضت إذ جاء ذالك الجواب الفاصل يحرك الكون من حولي ، وقلت : لا شك أن هذه الكلمة هي كلما يملك من لفظ حفظها عن سيد له ، سيد نزلت به الأحداث بدون هوادة تطارده في عنف أشد من عنف حتى لم يعد له من قول إلا تلك الكلمة وحتى استحالت آماله إلى أغنية تحتم مقاطعها تلك الكلمة هيهات ! ،، هيهات ،، لكن الغراب استمر يسوق نفسي الحزينة إلى الابتسام ، فدفعت مقعدا وثيرا أمام الطائر والتمثال والباب ، وألقيت بنفسي على ديباتج المقعد وأخذت أنظم خواطري خاطرا ... متسائلا عما يمكن أن يكون الطائر العتيق ، وقد اجنمع به القبح والنحس والضمور، ثم عما يعني عندما ينعق باللفظ هيهات " وظلت مستغرقا في احداثي دون أن أفوه بمقطع واحد أمام هذا الكائن ، وقد أخذت عيناه ترسل إلى اعماق قلبي لهيبا من نار، وازددت وازددت اسغراقا وقد طرحت راسي الى ظهر المقعد الذي يكاد ضوء المصباح ينهب ديباجه ، ترى هل ستعود فتجلس إلى هذا الديباج والضوء ينهبه ... آه !.. هيهات !! ثم لاح لي أن الهواء يتطاير فيه من عبق مبخرة لا اراها ، مبخرة تلوح بها ملائكة اسمع وقع اقدامها على ارض الغرفة المنتثرة زهرا ، وصحت ,,أيها البائس لقد ارسلت لك السماء بردا وسلاما لتسلو عن ذكرى "لينور" تمتع بما أنت فيه ، تمتع بكل قواك وانس "لينور" وإذا بالغراب يصيح هيهات ،، فرددت أيها الرسول ،رسول الشر ، أيها الرسول طائرا كنت أم شيطانا رجيما ، سواء ساقتك إلي ارواح الغواية ، او حملتك إلي قوة العواصف ـ ايها الطائر الحزين بوحدته وإن لم يفقد بأسه بتلك البيداء بهذا البيت الذي آوى إليه الذعر قل لي ، وايم الحق قل لي اضرع إليك ، أما هنالك من بلسم في واد من الوديان ؟ قل لي بريبك ، قل لي أضرع إليك فأجاب "هيهات" فعدت قائلا: ايها الرسول طائرا كنت أم شيطانا بحق تلك السماء التي تحنو علينا اخبر نفسي المثقلة ، اخبرها عما إذا كانت ستسطع يوما ـ في جنة الخلد النائية ـ أن تقبل حسناء تسمها الملائكة "لينور" فصاح الغراب "هيهات " ولتكن تلك الكلمة فراق بيني وبينك "طائرا كنت أم صديقا" هكذا صحت به ، وقد نهضت قائما ، عد إلى العاصفة في عالم الموت المظلم ، لا تترك أي ريشة من ريشك الاسود تذكارا لما فاهت به روحك من كذب ، اترك وحدتي غير معتد عليها غادر التمثال من أعلى الباب انزع منقارك من صدري ونح عني شبحك المخيف ... فصاح الغراب هيهات . وظل الغراب جالسا لا يحرك ساكنا فوق تمثال "لا بلاس " الشاحب فوق باب غرفتي وقد لا حت في عينيه صورة شيطان يحلم والضوء ينهال عليه كالسيل فيلقي بشبحه على الأرض ، وأما عن روحي فهي سجينة في ذالك الشبح الملقى على الأرض ." أتراها مفلتة منه ؟ هيهات )
لم أع من المشهد ـ بعد ذالك ـ ماهو جدير بالوصف.أذكر فقط عروق جبهة "محفوظ" النافرة ، وعيناه الغائمتان ، وجرس ألفاظه الحزين وهو يقرع آذاني في مزيج من الألم واللذة . وأذكر أيضا بأنني حاولت أن أصرخ فسدت حنجرتي، فحاولت الانسحاب وبالكاد تمكنت أوصالي من التحرك ، وأذكر الرجل وهو ممدد كمن يصارع للخروج من غيبوبة ، وأنا أهم بالخروج ، والمرأة متشبثة بثيابي وابتسامة حائرة تطل من بين شفتيها ، ووعيت قولها : "هل جننت أنت الآخر ؟ قل لي بربك ما ذا قال هذا المجنون ؟ وفي لحظات لا أدري طالت أم قصرت وجدتني في فراشي وقد جثم على صدري شيء ثقيل تملكني من الداخل ، هل ـ ياترى ـ أفلت "مصطفى سعيد " من تماسيح النيل المفترسة ، فحمله النهر الخالد في حنو وسلمه إلى البحر ، وقذف به البحر بهدوء إلى عرض المحيط الهائج . لتلفظه أمواج هذا الأخير إلى صحراء شنقيط . وليختار من بينها ادباي" منسي في ركنها القصي ليهرب فيه من شبح " جين مورس"؟ هنا أرض الخوارق ، والممكنات أللامتناهية ، لكن إن كان ذالك مستحيلا ، فإن هذا مستحيل أيضا . " لينور" تلك الحسناء اللعوب التي ملكت عقل ووجدان "ألن بو " يتردد اسمها في هذه البقعة من الأرض ـ في قصيدة الغراب ـ على لسان شخص يزعم أنه قضى معظم حياته صياد ظباء في صحاري النعمة بين أخوال من "انمادي" يدعي أنه شب وترعرع بينهم ؟!
استيقظت من النوم متأخرا على غير العادة ـ لكن ليلتي كانت مليئة بالسهاد وبالأحلام المزعجة وبالأرق ـ ثم توجهت إلى بيت "محفوظ" ورأسي يضج بالأسئلة .استقبلني الرجل استقبالا حارا، وأجلسني حيث هو. فبادرت إلى القول :
ـ أرجو أن تكون صحتك الآن أفضل ؟
ـ الحمد لله ، لكن رأسي مايزال ثقيلا ، واشعر بخدر في العظام ، وببعض الفتور.
ـ واصل ، تناول " الباراسيتامول" فهو فعال في مثل هذه الحالات . قال :
ـ هل أجد عندك شيئا منه ؟
ـ لا ، لكن مايزال بالحقيبة ـ كما أظن ـ البعض منه ، ومن "لكلوركين"
ـ أية حقيبة ؟
ـ الحقيبة الزرقاء التي جاءتني بها "السالمة" الليلة البارحة، التي منها أعطيتك المسكنات.
ـ لا أتذكر شيئا .
ـ يبدو أنك بالفعل كنت غائبا عن الوعي ؟
ـ لا شك في ذالك ؟ لكن من أين جاءت بتلك الحقيبة ؟
ـ من مكان ما في العريش ، أو في الغرفة الأخرى ، فقد كانت المسكينة جزعة، و كانت تبحث في أي شيء، وعن أي شيء يمكن أن يساعد في تخفيف وطأة الحمى عليك.
ـ هذا مؤكد ، لكن ...وسكت . كان يحدثني بطلاقة والبشاشة تكسو محياه ، ومع ذالك فقد كان يتجنبني بنظراته أو هكذا خيل إلي . لكن عندما وصلنا إلى هذا الحد أكفهر وجهه وبدا عليه الهم وشرد كأنما يسترجع ذكرى بعيدة. فقلت ـ وأنا أحاول أن أستعيده بتغيير موضوع الحديث ـ قلت
ـ أعتقد بأنني رأيت شخصا مثل "أخطورة" خارجا من عندك ؟
ـ إنه "أخطورة" نفسه
ـ هل كان يعودك ؟
ـ بل كان يتوعدني .
ـ لا بد من أنك تمزح !
ـ بل جاد كل الجد .
ـ من أخبره بمرضك ؟
ـ لعل "السالمة" قد أخبرت أمها.
ـ لا أصدق بأنها أرادت منها أن تستنجد به ؟
ـ ألم تقل بأنها كانت تبحث في أي شيء، وعن أي شيء يمكن أن يساعد في شفائي ؟
ـ وماذا لدى "أخطورة" يمكن أن يساعد في ذالك.
ـ لطالما اعتقدوا أن له عند الله دالة ، وبأن له سطوة على الشياطين . فقلت مازحا :
ـ يبدو أنها كانت تلميذة مخيبة للآمال ؟ فأبتسم الرجل في هدوء وقال :
ـ كانت إنسانة يائسة وحسب .
ـ لم أتوقع أن يصل بها الأمر إلى هذا الحد !
ـ إن أفضل طريقة لفهم إنسان يمر بمثل تلك الحالة هي الابتعاد قدر المستطاع عن توقع ما يمكن أن يصدرمنه .
ـ وبم توعدك ؟
ـ قال إن ما أصابني البارحة كان مجرد إنذار، وإذا لم أتوقف عن سعيي لإفساد العلاقة بينه وبين ناسه و " عبيده " فستحل على المصائب من كل حدب وصوب.
ـ مازال يجد صعوبة في هضم ما جرى ذالك اليوم ؟
ـ لطالما عانى من عسر هضم مزمن لكلما لا يرضي غرور أناه .
ـ وهل سعيت ـ فعلا ـ مسعى كهذا الذي يدعيه الرجل ؟
ـ كنت أعتقد دائما بأن علاقة من ذالك النوع أمرا غير سوي ، إلا أنني كنت حذرا ولم أنجرف قط وراء قناعاتي . . وفي المرات العديدة التي تعين علي أن أواجه أشياء ذات صلة بذالك الموضوع، حرصت غالبا على أن ينتهي الأمر لدى الجميع بأقل قدر ممكن من عدم الرضا. لقد سعيت فعلا ـ ومنذ وطئت أقدامي أرض هذه القرية ـ إلى تشجيع هؤلاء المساكين اللذين يسميهم "أخطورة" بناسه ، وأمثالهم من ضحايا إثم الرق المقيت ، على تنمية قدراتهم الذاتية والاعتماد على أنفسهم في مواجهة الحياة ، وفي المقابل فإنني لم أدع مناسبة تمر دون أن انتهزها لشجب كل أنواع الاستغلال ، ولتعرية ذالك الرجس الكريه من كافة البراقع التي طالما أخفى فيها وجهه القبيح . ولم أتفاجأ حين لا حظت أن صدور البعض كانت تضيق بذالك ، لكن الأمر لم يصل قط إلى حد التهديد الصريح وتمني المصائب والمحن .
ـ كان لا بد من أن يصل إلى ذالك ،لأن تلك هي وجهته الطبيعية .
ـ لكن لم الآن، فهذه ليست هي المرة الأولى التي أمرض فيها.
ـ ليس لدي جواب حاسم . لكنني أدركت ـ يوم أخمدت نار تلك الفتنة ـ بأنك ـ لا محالة ـ ستواجه بعض المتاعب. فأولئك الذين وصفتهم بالمتاجرين في مصائب الناس، لاشك قد اعتبروك من يومها خطرا، وينبغي مواجهته.
ـ إدراكك في محله تماما . فهم قد اعتبروني بالفعل كما تقول، إنما قبل ذالك بوقت طويل. فبعد حادث مراث "أم العيد" وأولاد ابنتها ، واجهت بعض ردود الفعل المتشنجة من بعض المعنيين وذووهم ، وأحيانا شغب نسوى وأشياء من هذا القبيل ، ومع أن لأمر انتهى عند ذالك الحد ، إلا أنني لا حظت أن تفاعل الناس مع أرائي أمسى أقل مما كان عليه قبل ذالك . والحق أنني خشيت على نفسي مواجهة ما هو أسوء، لكن الأمر ـ كان من وجهة نظري ـ يستحق العناء، فأن تقف متفرجا وأنت ترى إنسانا يستغل حتى بعد موته شيء يرقى إلى مستوى الخيانة العظمى.
ـ لعل جدتي لم تسمع بهذا الموضوع ؟
ـ ربما ، ولا أخالها الوحيدة في ذالك . فقد بدأ وانتهى بسرعة .
ـ لا أطيق الاختصار؟
ـ يا لفضولك !
ـ إنك تتعمد إثارته في كل مرة أجالسك .
ـ ليس في الأمر أية إثارة .
ـ ليكن ، أريد التفاصيل .
ـ حينما توفيت "أم العيد" قام "العرب ولد المخطار" بالإستلاء على ممتلكاتها بدعوى أن المرأة ملك له .
ـ لكن ، كانت لها ـ على ما أذكرـ ابنة ؟
ـ ابنتان على الأصح. لكن أحداهن مفقودة منذ زمن بعيد، عندما هربت من قسوة بطش الرجل وإذلاله.
ـ نعم ، نعم ، أذكر حادث هروبها ، كنت صغيرا ساعتها ، إلا أنه علق بذاكرتي ، فقد بقي حديث "أهل ادباي" لفترة طويلة، وأين الثانية؟
ـ الثانية كان هو قد وهبها منذ صغرها لإحدى بناته، وحين تزوجت أخذتها معها إلى أهل زوجها.
ـ هذا ما يسمونه تشتيت الشمل ! وبقيت العجوز في "ادباي" وحيدة ؟
ـ نعم، لكنهم كانوا يسمحون لها بزيارة ابنتها مرة في السنة ـ كما قال لي "ازوين" وفي كل مرة كانت تعود من عندها تأتي وبصحبتها ولد أو بنت.
ـ يا للمصيبة! هل كانت متزوجة .
ـ لست أدري، لكن "ازوين" قال لي: بأن الرجل (زوج عربيتها) كان ـ كلما بلغ أحد أولادها الخامسة أو السادسة من العمر يأخذه إليه لرعي الغنم. وعندما مرضت العجوز، وأصبحت عاجزة عن الحركة رفض أن يمنحها أحد أولاد ابنتها ليعتني بها أثناء مرضها. فغضبت البنت وجاءت "ادباي" بنفسها وبقيت تخدم أمها إلى أن توفيت.وجن جنون الرجل وكاد أن يفقد صوابه حينما عادت إليه بعد ذالك ، وقالت له أنها قررت العيش في "ادباي". حاول ثنيها عن قرارها بالحسنى أولا ، ثم لجأ إلى الحيلة ، والخداع ، ولما لم يجدي ذالك كله نفعا ، شكاها أمرها إلى "العرب" فأوعز هذا الأخير بأن يتم الاستيلاء على أغراضها وبأن تمنع عن أولادها إلى أن تعود صاغرة ، ثم لحقها هو نفسه إلى "ادباي" وأخذ كلما تركته أمها . لجأت إلي عندما سدت كل الأبواب في وجهها ، فالجميع هنا ـ كما قالت لي ـ يهابون غضب "العرب" ويتحاشاه ، ولذالك لم تجد من يعينها على مواجهة صلفه وجبروته أو من ـ على الأقل ـ يوجهها كيف ينبغي أن تتصرف . وحده "ازوين" أخبرها بأنني ربما أستطيع مساعدتها.
ـ يا للورطة ؟!
ـ لم أجد الأمر كذالك ، ذهبت إلى الرجل في "لفريج" ، وأخذته على إنفراد . لم أطنب كثيرا، قلت له إن زمان إذلال الناس ـ بلا جرم اقترفوه سوى أن لهم بشرة مغايرة ، أو أنهم غير قادرين عن الدفاع عن أنفسهم ـ قد ولى إلى غير رجعة ، وسيكون من المفيد له أذا كان يحرص على مصلحته ومصلحة جماعته أن يترك "بنت أم العيد" وشأنها ، وأن يعيد إليها أولادها وما تركته أمها . لم يعلق ، وإنما نظر إلي شزرا ، ثم تركني حيث أنا وغادر. وفهمت أنهم في "لفريج" أخذوا كلامي على محمل الجد ، فضغطوا على الرجل ، فكان للبنت ما أرادت . ربما لم يكونوا سعداء بذالك ، ومن المرجح أن الكثيرين منهم عارضوه بشدة ، لكنهم كانوا ساعتها منهمكين في الإعداد لإنشاء القرية ، وكانوا حريصين على أن ينضم إليها أكبر قدر ممكن من القبيلة ، وفكروا بأنهم ربما ـ وبسبب هذه القضية ـ قد يخسرون فرصة انضمام "أهل ادباي" إليهم خصوصا وأن الفكرة كانت تلاقي معارضة شديدة من بعضهم .
"الآن لم يعد لدي أدنى شك بأنك شخصا مختلفا عما يعتقده الجميع هنا ، وأمسى لدي من الأدلة ما يكفي لسوقك مرغما إلى كرسي الاعتراف" كنت أفكر في هذا والرجل منشغل بمداعبة صغيرته "زينب" لكنه كان ـ بين الفينة والأخرى ـ يلقي علي تلك النظرة الخاطفة ، لكن المركزة ، وكأنه بها يتحسس ما يدور بخلدي " هذه المرة لن تفلت فقد أمسكت بك متلبسا بالجرم المشهود " وأنشق الصمت الذي ساد مجلسنا منذ لحظات بقولي ـ وأنا أعبث بخصلات شعر الصغيرة "زينب"
ـ لماذا لم تسمي هذه الحسناء باسم " فرجينيا" فرد علي بسرعة وكأنه كان يتوقع هذا السؤال رد
ـ "فر.. فرجانيا ! ما هذا ؟
ـ إنه الاسم الحقيقي "للينور"
ـ لينو..لنوار...
ـ لا تدعي بأنك غير قادر على تهجيته، فقد نطقته البارحة، نطقته بكل فصاحة في قصيدة الغراب وكأنك تمضغ قطعة من الحلوى. ابتسم ابتسامة جافة خيل إلي أنها قادمة من غور بعيد ففقدت بهاءها في مناطق مظلمة في نفس الرجل فجاءت كئيبة وباهتة ثم قال:
ـ الليلة البارحة..! قصيدة الغراب ... ؟!
ـ سأوضح الأمر قليلا: لقد قرأت الليلة البارحة مقاطع من قصيدة الغراب، وبطريقة شعرية رائعة، وبنبرة متأثر متذوق ومدرك لمعاني ما يقرأه !
ـ وهل يعني ذالك أن أسمي ابنتي باسم "لينور، أفرجينيا " ؟
ـ لا ، لكنه قد يعني أشياء أخرى !
ـ لا أفهمك ؟! وضحكت لأخفف من حدة الحرج الذي أوقعت فيه الرجل ثم قلت:
ـ أهل القرية يزعمون بأنك "شريف من أهل تشيت" وبأن معظم حياتك قضيته صيادا مع أخوالك من "انمادي" !
ـ وماذا تزعم أنت ؟
ـ أعذرني، فأنا لم استطع التخلص من فكرة كونك الشخص الذي تعرفت عليه في ساحل العاج. ثم أردفت: لكنك لا أهمية لذالك كله. فقد وعدتني البارحة ـ فيما يشبه التهديد ـ بأن تقول لي كل شيء لم يعلق . وظل ساكتا، مرة يلاعب ابنته، ومرة ينفث الجمر تحت الإبريق. ثم نظر إلي وقال :
ـ هل تخافني ؟
ـ ولماذا أخاف منك ؟
ـ ربما بت ترى في خطرا من نوع ما !
ـ ولم تقول ذالك ؟
ـ محاولاتك المتكررة لمعرفة كل شيء عني، واستغلالك لكل ما يصدر مني للبرهنة على أنني شخص آخر غير الذي يعرفه الجميع هنا.
ـ لا أنكر بأنني كنت فضوليا بعض الشيء ، وربما كان اهتمامي بك زائدا عن الحد شيئا ما ، والواقع أنني أجد صعوبة كبيرة في تقبلك على نحو ما فعل الآخرون . فمعرفتي بأهل المنطقة هنا يجعلني أجزم بأنك غير ما يدعون .
ـ أفرض أنني كذالك فأين المشكلة في هذا ؟ لقد عشت مع هؤلاء الناس لأكثر من عشر سنوات ، وتزوجت منهم وولدت . هل أسأت التصرف يوما مع أحدهم ؟ و هل كنت مصدرا لأي نوع من الأذى ؟ وأصارحك بأنني وقبل أن آتي إلى هنا كنت شخصا مختلفا تمام الاختلاف عما أنا اليوم لكن ما أهمية ذالك الآن ؟ تقول بأنني قرأت الليلة البارحة مقاطع من قصيدة الغراب . قد يكون ذالك حدث بالفعل إنما لا أدري كيف ربطت بين ذالك وبين ما يدور في ذهنك ؟ أما كوني قد وعدتك ، مهددا ـ كما تزعم ـ فقد كنت محموما، ولا أحسبك تجهل ـ وأنت إنسان متعلم ـ بأنه وتحت وطأة الحمى قد تصدر عنا تصرفات غير مألوفة، أو نقول أشياء غريبة.قد تكون لها بالفعل بعض الصلة بالماضي أو بالحاضر ، وربما بالمستقبل أيضا ، لكنها في مجملها تبقى نوعا من الهذيان وبالتالي فإن بناء أحكام عليها هو شيء خاطئ تماما . ولأن آخر ما فكرت فيه ـ هو أن يتخذ إنسان مثلك من مساهمتي في مساعدة هؤلاء الناس الطيبون على التغلب على بعض مشاكلهم البسيطة سببا للتشكيك في ، وإثارة الاستفهام من حولي ـ فإنني لم احرص أبدا أن أبدو مشاكل للآخرين في كيفية تفكيري وتصوري للأشياء ـ لكي لا تحوم الشكوك حول شخصي .
كان الرجل يتكلم بانفعال، ومع أنه لم يتجاوز حدود اللباقة والأدب إلا أن نذر الخطورة كانت تشع في عينيه، ولا أخفي عليكم أنني خجلت من نفسي، وكنت ألعن في سري هذا الفضول الذي ابتليت به. وأنا أهم بالانصراف ، قلت معتذرا :
ـ أرجو عفوكم ؟ فقد تسببت في إزعاجكم من غير ما داع، ولا مبرر. كانت هذه هي الجملة الوحيدة التي اهتدى إليها لساني وأنا أنسحب خائبا من المواجهة التي ظننت بأنني كسبتها حتى قبل أن تبدأ. عدت إلى البيت ورأسي مثقل تنوء بالفضول وبالخيبة ، فقد أضفى الرجل على نفسه المزيد من الغموض والإبهام ، وعزز في ذات الوقت شكوكي ، وزاد من اضطرام نار فضولي . أتراه فعل ذالك نكاية بي ؟ أم إمعانا في إثارتي وتشويقي . ؟ ربما الأمرين كليهما ؟ لست أدري ولعل الإجابة في ما حدث عشية ذالك اليوم. فبينما كنت استعد عشاء للخروج من البيت، وجدت "محفوظ" لدى باب الحوش وطلب مني أن أذهب معه إلى الحقول . قال إنه تحامل على نفسه عصرا وذهب إليها، وفي طريق عودته رأى بعض همل الإبل تحوم في حماها، ومع أنه قام بمطاردتها وإبعادها ما أمكنه إلا أنه يخشى من أنها قد تعود. كنا طوال الطريق نتحدث في أمور عامة ، ومن حين لآخر كان يطلق نكتة ما ويضحك بأعلى صوته ثم يضرب يده في يدي ، وحين يشعر بأنني أتألم يزداد ضحكا ويقول لي :
ـ تبدو طريا ، ألا تشرب لبن "السخانة" ومرة قال لي لكن بمكر هذه المرة :
ـ هل ترى أنه من الضروري ـ لكي نضطهد إنسانا ما أن نلصق به أولا كل الصفات الذميمة ؟
ـ من تنوي أن تضطهد ؟
ـ لا أحد ، إنما أتساءل .
ـ لا أقول أنه ضروري، لكنه هو ما يحصل غالبا.
ـ لماذا حسب رأيك ؟
ـ الواقع أنني لا أملك تفسيرا لذالك، فلم يسبق لي أن اضطهدت أحدا.
ـ لكنك تسمع وترى ؟ لم أعلق . فقد كنت مشغول البال، منصرفا إلى التفكير فيما يمكن أن يكون وراء هذه الدعوة المفاجئة. و كانت ذكرى غضب الرجل مني اليوم ما تزال ماثلة في خيالي. وكنت أخشى من أنني لن أتمكن لجم فضولي . وصلنا إلى الحقول فقادني الرجل إلى عريش صغير أقامه وسط مزرعته حيث تركني هناك وقام بجولة قصيرة في أنحاء المزرعة . وحين عاد كان يحمل على عاتقه حزمة من الحطب، وقبل أن يضعها قال:
ـ هل تمانع في أن نعد كأسا من الشاي على عجل ؟
ـ ولم العجلة ؟
ـ لعلك مرتبط بموعد ما ؟
ـ لن أفوت فرصة أن أشرب الشاي في هذا الجو الطبيعي.
ـ حسن . راكم الحطب فوق بعضه البعض ومن ثم أشعل فيه النار، وجلس ينتظر ريثما يخبو اللهب لينصب الإبريق . وبينما أنشغل هو في ذالك انصرفت أنا كليا إلى التدقيق فيه، وكأنني أراه للمرة الأولى. الوجه جميل يميل إلى الاستطالة قليلا ، لكنه مشاب بحمرة غير طبيعية ، الخدان متناسقان مع الجبهة بشكل كامل ، يتوسطهما أنف وسيم . الرأس مثل الوجه لكنه مكسو بشعر ناعم، وقد غزت فلول من الشيب فودية فأضفت عليه وقارا وإجلالا. كانت لحيته صغيرة لكنها رتبت بعناية لتلاءم استدارة الشارب فوقها . الأصابع في اليدين رشيقة تكسوها بقع من الشعر، وفي القدمين ناعمة. الأقدام ليست متشققة كأقدام جدي و "مبيريك" بل بضة وملساء . شربنا الكأس الأولى دون أن ينبس أحدنا ببنت شفة ، وعبأ الإبريق للمرة الثانية ووضع أحد الكؤوس على ماسورته وتركه دون أن ينصبه .ثم أخرج سيجارة من جيبه وقام بإشعالها في الجمر أمامه وجذب منها نفسا ، ثم نفسين ، قبل أن ينظر إلي زاما شفتيه متوثبا ـ نظرة أثارت في نفسي مزيجا من الأحاسيس المتناقضة ، لكنني أبقيت عيناي مسلطتان على وجه الرجل الذي كان يغرق في لجة الحزن تلك من جديد . ثم قال :

محمد جواد
20-01-2010, 12:31 PM
الفصل الثاني


الواقع أنني لا أجد متعة تذكر عندما أتحدث عن نفسي. وحين كان يتعين على أن أقوم بذالك، كنت أتجنب الإطناب، والخوض في التفاصيل أو ما أعتبرها خصوصيات. والحقيقة أن تجربتي في الحياة كانت ـ من وجهة نظري ـ اقل أهمية من أن تكون مصدرا لأي نوع من الإلهام أو أي نوع من الإثارة أو المتعة.
وكنت طوال عمري أحسب أن التعامل مع أي إنسان كان ، ينبغي أن يتم وفق قاعدة أن الإنسان هو: هو ، كما يقدم نفسه ما لم تحتم الضرورة القصوى البحث في وراء ذالك . بناء على هذا كله لم أرى داع إلى أن أقول لهؤلاء الناس حقيقتي ، وهي على الرغم من بساطتها لا تخلو ن بعض المسائل ، أو قل المساوئ التي كان من شأنها ـ لو علموها ـ أن تسبب لي بعض الحرج ، وربما جعلت من الصعوبة علي بمكان أن أعيش وسطهم كما عشت فعلا .
وبما أنك إنسان مثقف ـ أو هكذا أفترض ـ فإن هوة الاختلاف في التفكير بيني وبينك قد تكون أضيق مما هي عليه بيني وبين باقي أهل القرية ، وعليه فلا بأس من أقول لك بعض الأشياء مما لم أقله لأحد من قبلك ، وأحكي لك عن بعض الوقائع ـ وإن شئت ـ الأحداث التي كان مسرحها حياتي ، خاصة أنك إنسان فيك فضول وتطلع شرهين .
المهم أن اسمي الكامل هو "محفوظ ولد أعل " ، لكنهم في الحي كانوا ينادونني "ولد أهل".
ولدت في " كيفه" أو على الأصح في بوادي "كيفه" في الريف ، من أم بنت لعجوزين حكمت عليها الأقدار بإنجابي من غير أب معروف ، احدهم أغراها إلى أن استسلمت ، ثم قادها بقلب جامد إلى جحيم الخطيئة . ورغم آلامها ومعاناتها فقد ولدتني كاملا وبشكل طبيعي ، ومنحتني من الحنان والدفء الأمومي أقصى ما يمكن أن تجود به روح مضغتها أفواه الشامتين حتى ذبلت واعتصرها الشعور بالعار طويلا وأضناها . عندما بلغت الرابعة أو الخامسة من عمري ،رمت بي إلى ذانيك العجوزين ، في حين ساقت لها الأقدار أحد الرجال فتزوجها ورحل بها إلى حيث يقيم . كان ذالك ليكون مستحيلا في الظروف العادية، فالرجل من قاع المجتمع وكان فقيرا ومعدما، بينما كانت هي من علية القوم وكان أبوها يملك بعض المال. لكن ذالك التنازل المؤلم كان من وجهة نظرها يعد ثمنا مقبولا لقاء تواريها عن عارها وشهوده. وربما وجدت في تلك الزيجة بالرغم من كل علاتها فرصة لتعيش ما بقي لها من أنوثتها . إلا أن الأقدار لم تغفر لها زلتها فأبت إلا أن تبقيني دوما إلى جانبها لأدمغه، بجريمتها وأنغص عليها حياتها. إذ توفي العجوزين كليهما بعيد ذالك بقليل، فجاءت وأخذتني معها إلى حيث كانت تقطن.
وأحسست فور انتقالي للعيش مع أمي وزوجها بأن هذا الأخير ليس هو الرجل الذي ولدني. لم يقل لي ذالك أحد ، لكن القسوة التي بدا عليها وجهه وهو يستقبلني وأسلوبه المتعجرف في معاملتي جعلني أدرك ذالك بدون عناء كبير. وسألت أمي مرة :
ـ لماذا يناديني أطفال الحي ب"ولد أهل" ؟
ـ لأنك كذالك ، وهم أيضا .
ـ إنهم يقولون بأن "أعمر" ـ هذا هو اسم زوج أمي ـ ليس بأبي ؟
ـ كذبوا ، بل أبوك . كان الرجل متكئا ، وقفز حين فاهت أمي بتلك الكلمة ـ جالسا ، وحدجها بعينان لا تطرفان ، قبل أن ينفجر في وجهها غاضبا :
ـ من أذن لك في أن تنسبي إلى هذا النحس ؟ فلاذت المسكينة بالصمت . فعاد يسألها في استنكار ممزوجا هذه المرة بحنق و بنفاذ صبر. ألم أحذرك قبل من هذا ؟ رفعت إليه عيناها الغائمتان بالحزن وبالأسى ثم همست قائلة بصوت مرتعش تخنقه العبرات :
ـ الجميع هنا يعرفون الحقيقة ، ولن يضيرك هكذا كلام أطفال ؟ وازداد الرجل هياجا ، وهم بصفعها ، إلا أنه عدل عن ذالك في اللحظة الأخيرة ، ليصب جام غضبه علي ، فانتهرني صارخا
ـ أغرب من هنا يا وجه السوء . لم أبادر إلى الفرار كما هو متوقع ، وإنما تحركت ببطئ وعيناي مسلطتان على وجه الرجل إلى أن صرت خلف أمي ، ثم طوقت عنقها بذراعي ، وغالبت المسكينة الدموع لكنها لم تفلح ، فانهمرت من عينيها غزيرة كالشلال ، قبل أن تفلت زمام أعصابها فيعلو نشيجها ألممض بالبكاء . لا أدري أين أصابتني كلمات الرجل بالتحديد، كما أنني لا اذكر بالضبط ردة الفعل التي بدت لي ملائمة للموقف ساعتها، أذكر فقط أنني بكيت أنا أيضا ولثمت خدها المضرج بالدموع، ثم رجوتها قائلا ـ في براءة وتأثر ـ "ميم " ـ هكذا كنت ألقبها ـ اسكتي. نظرت إلي تلك النظرة الحدوب ـ لا شك أنها أودعتها آخر ما ادخرته من عطف ومن حنان ـ ثم أزاحتني عنها بلطف، وقالت: أذهب إلى الأطفال، لكن إياك ثم إياك من أن تتشاجر معهم.
كانت هذه الحادثة ـ رغم بساطتها ـ بمثابة إيذان ببدء المشاكل بيني وبين ذالك الرجل ، فقد كرهته على أثرها وسخطت عليه أيما سخط ، وتبلورت كراهيتي له في شكل عصيان مستمر لكل أوامره ونواهيه . وبدأ ت كراهيته هو لي أيضا تجد طريقها إلى سلوكه، لم يعد قادرا على إخفائها. فقد كان يعتدي علي بالضرب لأتفه الأسباب، ويشتمني بكلام قلما كنت أعي معانيه .
لم تكن والدتي تتدخل عندما تراه يعاملني تلك المعاملة، وحينما كان عنفه وبطشه يتخطيان قدرتها على التحمل، كانت تجهش بالبكاء وتظل تبكي إلى أن تخور قواها. كانت رقيقة جدا وعاطفية جدا لكنها كانت ضعيفة إلى حد الوهن .
وزادت المشاكل بيني وبين الرجل مع تزايد عمري ، وغدت مواجهاتنا فرجة أهل الحي اليومية وموضوعا لتندراتهم . في هذا الخضم غدت حياتي أشبه بجحيم لظاه السب والضرب صباحا، والتنكيل والطرد ليلا. وكان للعناد الذي ولده هذا الوضع في نفسي الدور الأكبر في تغذية قسوة الرجل علي، وبغضه لي. نعم كنت عنيدا إلى درجة أنني كنت أسلم جسدي لعصاه أو سوطه بدون مقاومة. ولكي أحرمه من لذة منظري وأنا ذليل، أو كسيرا كنت أحبس دموعي كلما يضربني. مما يثير حنقه فيستمر في ضربي والتنكيل بي إلى أن أفقد الوعي.
ترى ما نوع اللذة الذي كان يشعر بها ذالك الرجل عندما يراني مهموما وكئيبا ؟ وما الذي كان يدفعه إلى استغلال أبسط خطإ أقع فيه ليتخذ منه ذريعة لإيذائي ؟
ذات مرة ذهبت صحبة بعض الأطفال لسقاء صغار الغنم ، من معين يقع بالقرب من مضارب الحي ، وصادفنا ـ ونحن عائدون في الطريق ـ بعضا من الأغنام كانت تنتجع قريبا من المكان فر أحد خرافي نحوها ، ولما أعياني جريا رميته بحجر، فأصابه في الر أس فمات من حينه . ولم تمر سوى لحظات قليلة حتى كان الرجل يجتاحني بكل قسوة. وكما يحصل في كل مرة أسلمت جسدي الغض لسوطه يلسعني، وروحي البريئة لتعييره وسبابه ، لكن دون أن أبدي أي أمارات للخوف أو للجزع. فطفح ركلا بالوجه والرأس والجذع ، ولما أعييته صبرا طرحني أرضا ، ثم أطبق بكلتا يديه على عنقي . لم أعي تفاصيل ما حدث في تلك اللحظة ، وحين أفقت كان وجه الرجل ملطخا بالدم وشجة عريضة تخترق جبينه ،كان ثمة نسوة من الحي يولولن ويقلن مستغربات : يا لجرأة هذا الولد كيف استطاع أن يشج رأس الرجل ؟ بينما كان الرجل يزبد ويهدد ويتوعد . وجاء أحد رجال الحي وأخذني معه إلى خيمته لأبقى في حمايته ليومين أو ثلاثة.
فجرت هذه الحادثة في داخلي ينابيع من الكراهية والحقد سيطمر طماها نفسي سنين عديدة . كراهية وحقد لا حدود لهما، لا اتجاه الرجل الذي كان يعذبني وأمي الضعيفة وحسب، بل اتجاه كل الناس وكل الأشياء.
هذه كما ترى أحداث تافهة خلت، لكني رأيت أن ارويها لك فقط من أجل إشباع فضولك، و لتهدئة مشاعر توجسك حيالي التي كادت أن تفقد نفسك هدوءها.
جاءت أمي بعد ذالك، بعد أن اندمل جرح الرجل، وسرى عنه الغيظ وأعادتني معها.
المكاسب التي جنيتها من هذه الحادثة فاقت في أهميتها كل توقعاتي ، فبالإضافة إلى تراجع الحدة في تعامل الرجل معي ـ وإن لم تختفي نهائيا ـ غدا أقراني من أبناء الحي يهابونني ، بل يخافونني إلى حد أن عبارة "ولد أهل " البغيضة على نفسي قد اختفت من على ألسنتهم نهائيا .
في ظهيرة أحد الأيام الخريفية الجميلة ـ هطلت فيه الأمطار صباحا بغزارة ـ وبينما كنت صحبة بعض أطفال الحي نلهو بالقرب من أحد الوديان ـ توقفت على مقربة منا سيارة ـ عرفت بعد ذالك أنها من نوع "لاندرو فر" ـ ونزل منها رجل يرتدي بزة عسكرية ، ثم أقبل نحونا . سرت بين الأطفال عندئذ حالة من الاضطراب مشوبة بالخوف والترقب، لكنهم بقوا متماسكين والتفوا حول بعضهم البعض، وتطلعوا بفضول إلى الرجل وهو قادم في اتجاههم. جاء الرجل وبأدب وعطف قام بمصافحة الأطفال واحدا بعد الآخر، وعندما جاء دوري ، ولدى مصافحة الر جل لي ـ قمت بالضغط على يده . فعلت ذالك متعمدا، ربما تغذية لإحساس بالتميز مافتئ يدغدغ مشاعري منذ أن نجحت في الثأر لنفسي من زوج أمي، أو ربما حبا في لفت الانتباه لاغير لست أدري ؟ المهم أن الرجل إذاك ابتسم ابتسامة عريضة ، لم تخلوا من بعض الإعجاب والدهشة معا ، ثم مرر يده على رأسي بحدب وتفرس في وجهي مليا وقال :
ـ ما اسمك ؟
ـ "محفوظ"
ـ ما اسم أبوك ؟
ـ ليس عندي أب. ضحك برهة ثم عاد يسألني :
ـ هل عندك أم ؟
ـ نعم .
ـ وما اسمها ؟
ـ "مريم منت أعل" . فقر الرجل فمه في دهشة ثم صاح : "ولد أختي" ! كيف لم أعرفك ؟ ثم أضاف متسائلا ـ في مرارة سأعرف مغزاها إنما بعد ذالك بزمن طويل ـ لكن أني لي ذالك. قال هذا، ثم جثي على ركبته وقربني إليه، وربما هم بتقبيلي، لكنه لم يفعل، وعوضا عن ذالك أخرج منديلا من جيبه وأخذ يمسح عني التراب، ثم ضمني إليه بقوة. في تلك اللحظة نبعت في داخلي مشاعر غبطة وفرح لم أعرف لهما مثيلا في ما مضى من عمري ، فأنا الذي لم أعرف لدفئ الحنان الأبوي لونا ، أجد نفسي فجأة ـ وبدون مقدمات ـ أتفيأه ، كما لو أن ذالك يحدث في غفلة من أيام عمري الكالحة . صعدت السيارة إلى جانب خالي، وعندما تحركت بنا سألته:
ـ هل ستأخذني معك ؟
ـ إلى أين ؟
ـ إلى حيث تسكن.
ـ بدون علم والدتك ؟
ـ نعم .
ـ ألا تخشى من أن تغضب ؟
ـ لن تغضب ، سوف تبكي لبعض الوقت ، ثم تنسى الأمر. ضحك لبرهة ثم قال :
ـ سنستأذنها ، وآخذك معي .
وصلنا مضارب الحي ، وقدت خالي إلى خيمتنا ، وفور نزوله من السيارة وثبت أمي نحوه فاحتضنته ، ولاتزال متعلقة به تبكي وتقبله إلى أن أغمي عليها ، ورأيت كيف أن خالي كاد ينهار هو الآخرـ من شدة التأثر إلا انه قاوم باستماتة ، وبقي متماسكا يحاول أن يخفف عن أمي .
لم يجد خالي أية صعوبة على ما يبدو في إقناع أمي بأن يأخذني معه ، وما كادت القيلولة تنتهي حتى كنت اجلس في مقدمة السيارة بين خالي وسائقه . وقبل أن تنطلق بنا ألقيت نظرة أخيرة على وجه أمي، التي كانت تقف مسمرة إلى جانب السيارة في استحياء ، نظراتها الحزينة تضمني ـ كان في وجنتيها مثل قرص الشمس عند الأصيل ،و كانت في عينيها حسرة ، ولما تحركت السيارة هزت يدها ملوحة باضطراب ، ثم دفنت وجهها في طرف ملحفتها ـ لا بد أنها بكت حتى آخر نفس ، وعلى كل حال فإن ذالك هو سلاحها الوحيد في مواجهة كل الصعاب .
سارت السيارة مبتعدة عن الحي ، وأنا قابع مكاني قرير العين مطمئن النفس ، كعصفور حط على قمة جبل بعد طول معانات في يد طفل شرير، ثمة رسوما كاريكاتورية لأحلام صغيرة كانت تظهر وتختفي بين الفينة والأخرى على سطح مخيلتي ، كان خيالي صغيرا ساعتها ، ولذالك فلم يكن قادرا على بلورتها في شكل جلي ، فكانت تبدوا ضبابية أحيانا ، ورمادية أحيانا أخرى .
في مدينة "كيفه" حيث كان يقيم خالي ، بدأ فصل آخر من حياتي ، وكان عمري حينها ثمانية أعوام . وهنا وجدتني من جديد في مواجهة ذات الوضع اللعين، حب من طرف واهن و مستكين في مقابل كراهية من آخر مستبد وشرير. فعاد يطل برأسه في حياتي مرة أخرى ذات الإحساس الذي طالما أحسسته عندما كنت أعيش في كنف أمي وزوجها ، ليؤطر علاقتي ـ هنا ـ بخالي وزوجته . هذه المرأة مثل ذالك الرجل في قسوته ، وهذا الرجل نسخة طبق الأصل لتلك المرأة في تخاذلها ، فكنت أحس بمزيج من الشفقة والاحتقار اتجاه هؤلاء ، وبالكثير من المقت الكراهية اتجاه أولائك . لم يكن بمقدوري خالي ـ على الرغم مما كان يظهره من حبي ـ أن يمنع زوجته من أن تسيء معاملتي ، فكان كلما أغلظت لي القول أو أساءت إلي يرمقني بتلك النظرة الخائرة كمن لا حول له ولا قوة أمام أمر جلل . ويوم جئت دارها مع خالي من البادية ، كان أول ما فاهت به قولتها وهي تؤنب خالي (هذه هي المودة باشنين الحامظ) وكانت تقصد بالطبع مجيئه بي ، تلك لعمري كلمات لن تستطيع العوادي أن تمحو وقعها من نفسي ، وهل استطاعت أن تمحو من مخيلتي أول صورة ارتسمت لها في خيالي ، بوجهها ذي التقاطع الباردة وعيناها الخاليتان من أي تعبير، اللهم إلا لعنات كانت تنطق بها نظراتها .
لم يكن لخالي أولاد كثر ساعتها، ولد يصغرني بسنتين أو بثلاث، وبنت تصغر الولد بمثل ذالك لست متأكدا. كان الولد عدوانيا ومشاغبا، فكان دفاعي عن نفسي ضده سببا إضافيا لتغذية عدوانية والدته اتجاهي، وكانت البنت وديعة ومسالمة ، لكنها كانت ـ وعلى الرغم من صغرها ـ تعاملني بأسلوب خاص ، أسلوب طالما أغاظني إذ بدا لي غامضا ، وغير مفهوم ، فخلته لفرط حساسيتي ـ نوعا من التعالي أو الازدراء .
وبدأت أدرك ـ بنضوج عقلي ـ لماذا أبدوـ في عيون الناس ـ مختلفا عن الآخرين، فانكمشت شيئا فشيئا على نفسي، وانفصلت عمليا عمن هم حولي ، وزادت ـ مشاكلي المستمرة مع زوجة خالي ـ وضعي سوءا وطيني بلة ، فقد كان يستفزها منظري وأنا سعيد ، وكان يحلو لها أن تراني كئيبا ومهموما ، وأفلحت جهودها إلى حدما في إقناعي بأنني خطيئة وينبغي أن تستر، وعندما أراد خالي بأن يدخلني المدرسة ، قاومت إرادته بكل ما أوتيت من قوة ، وعلى غير المألوف فقد هزمت إرادته رغبتها . فدخلت المدرسة، لكن في سن متأخرة. كنت أدرك بأن في نفسي بقعة لم تعرف النور قط، وبأنني كنت أفتقد في شخصيتي عنصرا هاما مما يعيق تفاعلي الإيجابي مع الآخرين. فمهما حدث لي من مسرات فلم أكن أفرح إلا قليلا، وإذا هلت على المصائب من كل حدب وصوب، فنادرا ما كنت أجزع. وكنت أقاوم إحساسي الدفين بالهوان بالتمرد على كل شيء وكنت أهرب من ضعفي أمام الآخرين عن طريق أللامبالاة والعناد.
وحدث الزلزال العظيم في حياتي عندما اقتحمت ابنة خالي "زينب" وحشة قلبي ، وحصلت على شهادة "الباكالوريا" ، ثم شهادة "المتريز" في الاقتصاد من جامعة "نواكشوط" حينها لم أكن أريد من الدنيا سوى أن أتزوج "زينب" .
"زينب" ذاك الملاك الطاهر الذي أخترق بنوره غسق نفسي، وعتمة قلبي .
"زينب" الإنسان الوحيد الذي أستطاع بهدوء وبمهارة من أن يتحدى أسوار القسوة التي أقامتها سنوات الاضطهاد حول عاطفتي.
"زينب" الإنسان الوحيد الذي عرف كيف يزرع بذور السعادة في روحي، حين فركتها في معين حنانها الذي لا ينضب.
"زينب" سبت قلبي فملكته وملكتني. ملكته بابتهالات روحها الشفافة ، وحمى قلبها الكبير وبنظراتها الحالمة ، وبنبرات صوتها الشاعرية الدافئة الحنون. كانت النور الذي أبصرت به عيناي الدنيا من جديد ، والمصباح الذي أضاء أمامي دروب شعابها .
"زينب" علمتني معنى الحب، معنى المرأة، بل معنى الحياة ـ كانت ساعتها فتاة صغيرة تمرح الأنوثة والبراءة في كل شبر من جسدها الغض ـ عندما همست بي ، بلغة شاعرية عذبة وحس مرهف أنيق وبعاطفة المؤمن : أحبك كل الحب الذي أعرفه والذي سمعت به والذي قرأت عنه . كانت تلك اللحظة، لحظة تحول حاسم في مستقيم حياتي الذي لن يستقيم أبدا. ساعات قليلة كانت قد مرت على آخر شجار بيني وبين زوجة خالي، شجار رفضت على أثره أكل أي شيء، وشرب أي شيء. تلك هي عادتي، عندما أغضب يفيض مني السخط، فأكره كل شيء حتى نفسي. ولا أدري لماذا اختارت "زينب" من بين حالات سخطي الكثيرة تلك الحالة بالذات لتبثني لواعج نفسها ، ولتصارحني لأول مرة بحقيقتي مشاعرها نحوي .

محمد جواد
29-01-2010, 11:10 AM
في تلك الليلة الشتوية العاصفة آويت إلى غرفتي الحزينة الكئيبة مهموما ، وقد ران على قلبي من الأسى ما جعل النوم يهجرني . ولأنه لم يكن لدي الكثير من الأشياء لأشغل بها نفسي ، فقد تركت روحي تتلظى في أتون عذاباتها المزمنة . وفجأة تناهى إلى سمعي طرق خفيف على الباب . قلت هي الريح تصفع الباب ليس إلا. لكني عندما أرهفت السمع أتضح لي بأن الأمر يتعلق بطرق على الباب حقيقي. فأشعلت" لمبة" البترول التي أراجع عليها، وقمت إلى الباب وفتحته. ولا أخفي عليك بأنني كدت أفقد توازني إذ وجدت الطارق "زينب" فقلت لها والمفاجأة تعقل لساني:
ـ ماذا تريدين ؟ لم تتكلم وإنما اندفعت إلى داخل الغرفة بسرعة . فعدت أسألها نفس السؤال، لكن بلهجة أكثر حدة ؟ فقالت في صوت خفيض :
ـ أغضض صوتك، من فضلك، ثم أغلق الباب. في حلم أنا أم في علم ؟ يا للمسكينة هل جنت ؟ وفكرت في أن اطردها فورا، أو أن اترك لها الغرفة وأهرب. وقبل أن أقرر، جاءني صوتها الندي وهي تقول في دلال:
ـ هل ستتركني واقفة هكذا ؟ وجمت ، ولم أدري بم أجيبها ، فقد كنت مرتبكا ومشوشا ، وكانت الحيرة تفترسني والمفاجأة تشل أعصابي . وأدركت البنت ـ على ما يبدوـ ما حل بي ، فجلست على حافة السرير، ودعتني إلى الجلوس جنبها ، فقلت لها بجفاء ـ ولم يعد لي من خيار أمام إصرارها سوى أن أنتظر لأرى ما الذي حدا بها إلى أن تقتحم علي وحدتي في ساعة متأخرة كهذه ، وهي التي ظلت كل تلك السنين تتجنب حتى ـ مجرد الحديث معي ؟ قلت :
ـ يمكنني سماعك من هنا، تفضلي ! رنت إلي مبتسمة وقالت :
ـ أهكذا يستقبل الضيوف ؟ فرددت عليها بعصبية :
ـ منكم تعلمنا .
ـ من تقصد ؟
ـ أنت وأمك وأبوك وأخوتك، وحتى شغالتكم .ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم جالت بنظرها في أرجاء الغرفة نصف المضاءة، قبل أن تسقطهما علي، وقالت:
ـ آسفة جدا، كان يجدر بهم أن يعلموك شيئا أحسن من هذا ؟
ـ فاقد الشيء لا يعطيه.
ـ لا بد من أنك غاضب، إنما أنا لا ذنب لي. فيما يحصل لك من أمي .
ـ ومن قال لك بأنني آبه لك أو لأمك أو لما يحصل منك أو منها ؟ .
ـ لماذا تضعني معها في كفة واحدة ؟
ـ لا تتظاهري بأنك مختلفة.
ـ وهل يعني لك ذالك الشيء الكثير؟ فأجبت فورا وبلا تردد :
ـ بالطبع، لا. جذبت نفسا عميقا من صدرها ثم قالت :
ـ ورغم ذالك، فأنا مختلفة عنها تمام الاختلاف.
ـ ليكن، فهذا شأنك وشأنها. سكتت برهة ثم قالت في ما يشبه التحسر، وعيناها تتجنبان النظر إلي ـ حسبت أن لقائنا سيكون أكثر حميمية قليلا .
ـ كنت مخطئة، و... حسنا . اسمعي أظن أن أمك شتمتني بما فيه الكفاية ، لكن إذا كان لديك ما تضيفينه ، فاسمعنيه وارحلي .
ـ ماذا تقول ؟! هكذا قالت البنت فيما يشبه الصرخة ، ثم قفزت واقفة ،وحدجتني بنظرات متفاجئ غير مصدق لما يسمعه ، ثم فغرت فاها كأنها تريد أن تقول شيئا، أو لعلها كانت على وشك أن تصرخ ، لكنها لم تقل شيئا ، واكتفت بتغطية فمها بيدها ، وأطرقت ، وظلت مطرقة إلى أن جاءها صوتي الحازم هذه المرة وأنا أقول :
ـ إذا كنت تنوين البقاء هنا طويلا، فسأرحل أنا، واترك لك الغرفة ! تلعثمت قليلا وهي تتساءل في يأس ، وبصوت تخنقه الدموع :
ـ ماذا فعلت لك لكي تقسو علي هكذا ؟
ـ من فضلك . أريد أن أنام ؟ صمتت للحظات ثم نفثت نفسها في حيرة وقالت :
ـ العتب علي. لقد رخصت نفسي كثيرا.
ـ شيء طيب أن أدركت ذالك قبل فوات الأوان. قلت هذا قبل أن أشعر فجأة وكأن انفجارا وقع داخلي ، لا ليس انفجارا واحدا بل عدة انفجارات دفعة واحدة . فانتزعت الغطاء ومرة واحدة عن كل تلك مشاعر الغضب والحنق والاضطهاد المتراكمة في داخلي لتندفع كالحمم إلى رأسي، هكذا طفقت أصرخ في وجه البنت بكلام طويل عريض، كلام ضمنته كل ما عن لي من أنواع السب والشتم لها ولأهلها. فوصفت أمها باللعينة المتسلطة، وأخوها بالمتغطرس التافه، وأبوها بالإمعة الضعيف عديم الرجولة المستكين، أما هي فنعتها بالمتكبرة الغبية، ولم أنسى أن اتهمها بالتواطؤ مع أمها ضدي، وبأنها كانت تنظر إلي دائما كما لو كنت أنتمي إلى عالم آخر... وكلام كثير آخر لا أتذكره ، كلام استرسلت فيه دون انقطاع حتى شعرت بأنه لم يعد لدي ما أقوله ، فأخذت الكلمات تعلق في حلقي وتتباطأ في طريقها إلى فمي . كل ذالك و"زينب" واقفة مكانها عيناها مسلطتان علي باهتمام محلل نفساني يراقب أحد مرضاه وهو يفرغ سلة لا شعوره. وعندما لاحظت أن الحدة في صوتي بدأت تخبت، اقتربت مني نصف خطوة، ورنت إلي ومسحة حزن تلون نظراتها، ثم همست قائلة ـ بصوت خفيض لا يكاد يسمع كأنه ابتهالات ناسك ـ همست:
ـ لقد أردت لمجيئي إليك أن يجعل من نار آلامك ومعاناتك بردا وسلاما على روحك الطاهرة، أردته بلسما ـ إن لم يشفي جراحك نهائيا ـ فلا أقل من أن يجعل آلامها محتملة.
أردته قبس نور يضيء عتمة ليل حياتك المدلهم ، ونسمة ربيع تلطف أجواء نفسك الصائفة الغائظة . أما أن يثير حفيظتك هكذا فأمر لم يخطر لي على بال.
موقفك من أمي لا يفاجئني ، وأفهم خيبة أملك من أبي ، لكنك توشك أن تظلمني حين تضعني معهم في سلة واحدة . قالت هذا ثم سكتت للحظة قبل أن تردف:
عموما لا أريد أن أجادلك في شأن الأوصاف التي نعتني بها ، لكن ليس صحيحا بأنني كنت أتواطأ معي أمي لإيذائك ، فما كرهت نفسي شيئا أكثر من منظرك وأنت متكدر أو حزينا . أما كوني كنت أنظر إليك كما لو كنت من عالم آخر فأمر لا أنكره، لكن شتان بين العالم الذي كنت أحسبك منه، والعالم الذي يخيل إليك أنني أنسبك له. كنت صغيرة عندما جئتنا مع والدي من البادية، لكن الصورة التي ارتسمت لك في خيالي ساعتها لم تمحي بعد من ذهني، لأنها محفورة بمشاعر طفولة غضة وبريئة. ربما بدا لك هذا غريبا إلى حد ما، ولا فكرة لدي عن وجهة نظر علماء النفس فيه، لكني حينما رأيتك لأول مرة أبصرت في عينيك قدري. كان وحيا، كان إلهاما أو كان محض خيال لست أدري. ونمت ليلتي تلك بأحاسيس طفل ينتظر شروق شمس صباح العيد ، وحين التأم شملنا في الصباح حول سفرة الفطار، اختنقت بمشاعري المضطربة ووليت هاربة . وتجنبت لقاءك من يومها خوفا من مشاعري تلك التي لم أكن قادرة على استيعابها، وكان علي الانتظار حتى اكبر لأفهم حقيقة ما يجري في أعماقي. إن كانت عيناك رأت في وجهي يوما شيئا آخر غير التقدير والاحترام ، فلا بد أن ثمة خطأ ما ، فأعد تفحص الصورة من جديد ، وإن كان قد بدا لك أن في سلوكي ما هو موجه ضدك ، فإن الأمر لا يعدو أن يكن مجرد سوء فهم . فأنت لم تكن بالنسبة لي مجرد ابن عمة وحسب، بل مثالا لما ينبغي أن يكونه الإنسان النموذجي في نظري، إيمانك بنفسك، ورفضك الانحشار في الدور الذي أرادت لك والدتي، والغير أن تلعبه. وعزة نفسك، بالإضافة إلى حرصك الدائم على ألا تكون غير نفسك، رغم كل شيء. هذا كله جذبني نحو عالمك، و دفعني دفاعا للارتماء، بل للفناء فيه. لكن البغض المتبادل بينك وبين والدتي كان يقف بيني وبين أن أصارحك بكل هذا. وبين أن اقتحم هذا البغض والتريث على أمل أن يزول فضلت التريث. لكن الأيام ما فتئت تؤكد لي بأن أمل زواله ضرب خيال منسوج بخيوط أمل واهنة. وقبل أن يتحول هذا البغض إلى سور يفصل بيني وبينك ـ وكنت أخاله مجرد حائل مصيره إلى زوال ـ جئتك وفي نفسي أمر واحد أريدك أن تعلمه، هو أنني وحياتي ملك لك وحدك. وعلى لساني كلمة واحدة أود أن أقولها لك: أحبك كل الحب الذي....
كنت في حالة بين الوعي واللاوعي ،والدهشة والحيرة تعصفان بي ،وكان صدى كلمات هذه المخلوقة الوديعة يفعل فعل المخدر في نفسي . وتأملت في ما حولي بدون تركيز، فخلت مثل الضباب يملأ الغرفة ويطوقني . وخلت مثل السحابة يغمر وجه البنت آنا فيحجبه عني قبل أن ينقشع آنا آخر. وتحركت في جذور قلبي أشياء لم أميزها جعلتني ارتجف من الأعماق فزادت وضعي تشويشا ، ثم بدأت بحيرة القسوة المترسبة في داخلي ، و تلك بركة الكراهية ، وأمواج الغضب العاتية التي كانت تجتاحني ـ تنصهر بفعل كلمات الفتاة في نفسي إلى مشاعر من نوع غريب . مشاعر لم أعرفها من قبل في حياتي ، وبالكاد استطاعت هي التعرف علي . مشاعر آلمني تدفقها وتدافعها في نفسي ، ولما ضجت في قلبي ضاق بها فانفجرت في عيني دموعا ساخنة . تحركت ببلاهة كالسكران والتقطت أصابع الفتاة المضطربة فألقت بنفسها في أحضاني في ما يشبه السقوط، . تلقفتها بين ذراعي بشغف وحنان، قبل أن نتوارى كلينا في الصمت والدموع والظلام. ثم ـ وقد طرحت رأسها على صدري بإعياء من يغالب النوم، وكانت تنشج البكاء، كطفل يستعيد الطمأنينة في حضن أمه ـ أخذ ذالك الشعور اللذيذ يستولي على قلبي وعلى روحي، حين أحسست بأنه يوجد في هذه الدنيا من يهتم لأمري. وطفقت أتأمل وجهها الجميل الرقيق في نشوة بلهاء وشدوه ، وكأنني أراه للمرة الأولى . كم بدت بريئة كالأطفال ووديعة كالحملان وطاهرة كالملائكة ، ولم البث أن عدت القهقرى بدون مقدمات ، وعاد إحساسي بالتعاسة الدفين يلبد سماء قلبي من جديد . لو لم أكن ابن...لوجدت تفسيرا لما حل بالفتاة ، ولتمايلت طربا على أنغام روحي ! لكنني لا أدري ـ إلى الآن ـ بأي نوع من السعادة تشعر به وديعة حسناء في حب إنسان مثلي . " وتساءلت بمرارة بيني وبين نفسي: هل على يا ترى أن أثق هكذا في مشاعر هذه الفتاة وأن أصدقها ؟ أو ليس من البلاهة بمكان وقصر النظر والإدراك أن انجرف وراء هذا الملاك يقودني إلى المجهول.؟ أولا يعني ذالك أنني أتجاوز بخطوات حدودي، ومن أجل ذاك فإنني سأستثير المزيد من بغض أم "زينب" ؟ ألم تسبغ علي هذه المرأة من نقم كراهيتها بالمجان ، وجلدتني بعاري دونما مبرر ، وقاومت أي أحساس لدي بالسعادة وضنت علي حتى بلحظة حنان .؟ فماذا لو أنها فجأة قامت من مرقدها ، لتجد ابنتها منفردة معي في غرفتي؟ آه لماذا لا تتركني ـ هذه البنت ـ وشأني غير متعدية على وحدتي ، وتهملني وحسب كما يفعل الآخرون ؟ كنت أفكر في هذا ثم همست قي الفتاة قائلا :
ـ الواقع أنني لا أعرف كيف أشكرك على مشاعرك النبيلة هذه نحوي. ولا كيف سأتمكن من أن أرد لك الجميل. ولما لم ترد. عدت أقول
ـ أنه يجدربك أن تكوني الآن في فراشك يا حبيبتي ؟ أجفلت قليلا ثم تحسست موضع وقع صوتي على أذنها ، وضغطت برأسها على صدري بقوة وغمغمت بشيء لم أفهمه . وتراءى لي بأن الفتاة في حالة غياب للوعي شبه تام ، وكأنها تلقت للتو جرعة مخدر مضاعفة ، فدق قلبي من الخوف وأطبقت الحيرة على ذهني . رباه ماذا أفعل الآن ؟ كانت هذه المرة الأولى التي يعرف فيها الخوف طريقه إلى قلبي ، لكنها لن تكون الأخير، فمن الآن وحتى إشعار آخر سيعشش ويبيض فيه ويفرخ . خلعت رأس البنت من على صدري، لكن بلطف وحنان وشيء آخر ـ ثم حملتها بين ذراعي وخرجت. خرجت وأنا استرق الخطى قدماي بالكاد تلامسان الأرض ، ورغم ذالك فقد خلت لوقعهما في أذني صوت كدوي الانفجار، ومع أن المسافة إلى غرفتها كانت قصيرة ، إلا أنني حسبتها أضعاف ما هي عليه بالفعل . وأنا انزلها عند عتبة البيت ندت عنها تنهيدة صغيرة ، ثم وقبل أن تلامس قدماها الأرض ـ طوقتني بذراعيها من عنقي وجذبتني إليها بكل قواها ، ثم همست بي ـ وأنا أهم بالانصراف ، وقد افتر ثغرها عن ابتسامة وضيئة أضافت المزيد من العذوبة على المحيا المخضوضب بالإثارة وبألألق ـ همست :
ـ أرجوك : ابقي قليلا ؟ وضعت يدي على فمها مشيرا إليها أن تسكت، فقد كنا نقف على بعد خطوات من باب الغرفة التي ينام بها أبويها. فتحت عيناها في رجاء، ثم أغمضتهما في استسلام وخطت نحو باب غرفتها ببطء وكسل.
في تلك الليلة الغريبة عرفت الوجه الآخر لهذا المخلوق العجيب الذي نسميه ـ دونما يكفي من الفهم ـ بالمرأة ، لا كوسيلة إمتاع تسكت عويل الجسد ، بل كفيض من المشاعر هي جوهر الحياة ـ الوجه الذي قلما أعير أقل اهتمام لدى التعاطي مع ذالك المخلوق. والذي هو في حقيقته سلافة الوجود ومنبع كل سعادة . وهل كان يدور بخلدي ساعتها أن ثمة في هذا الوجود قوة ـ مهما كان شأنها ـ في مقدورها أن تجعلني أنسى آلام طفولتي ، وقسوة مراهقتي ؟ وحتى هذه الساعة التي أحدثك فيها ، ما يزال مصدر قوة تلك الفتاة لغزا يحيرني . يتحدى كل مهاراتي التحليلية، وتقصر عن تفسيره كل قدراتي العقلية. فقد كان يخيل إلي بأنها كانت تلبس من القوة، بل من الحياة أضعاف ما يتحمله قوامها الجميل الرشيق. أو لعلها كانت معين قوة وحياة يعطي بلا انقطاع ويسع كل دلاء الدنيا.
عدت إلى الغرفة وكنت في غاية الاضطراب، بينما كان قلبي مفعما بالسرور، وأخلدت إلى التفكير لحظات، وأنا أتخيل " زينب" إلى جنبي. تضحك لي ، فيضحك الوجود من حولي ، وتحدثني فتفيض السعادة من روحي . وانجرفت مع خيالاتي تلك برهة، فوجدتني أتحسس السرير بيدي ،وقبضت فلم يكن ثمة إلا الفراغ ، وطيف ذكرى يحكم قبضته على قلبي . ولم استطع أن ابتعد أكثر من ذالك في تخيلي . والواقع أنني كنت مندهشا من سرعة تجاوبي مع البنت وكنت على وشك أن أبدأ في تأنيب قلبي . ووجدت مخرجا إذ حسبت أنه لم يكن لي من الأمر من شيء حيال ذالك . فلمثل هذه الأشياء خاصية البذور، تستجيب لنداء الحياة حتى وإن كانت مدفونة في الأرض البور. ثم دهمتني الهواجس من جديد لتنتزعني من أحلام يقظتي . وأخذ ذهني يستعرض ـ أمامي وبالعرض البطيء ـ تفاصيل ما حدث قبل لحظات بشكل واقعي . كم كنت أحمقا حين سمحت "لزينب" بالدخول علي في ساعة متأخرة كهذه، ومجنونا عندما حملتها إلى فراشها على ذالك النحو المتهور، لكنني كنت رهين لحظة مهما أجدت فلن أوفيها حقها من الوصف ، لحظة من الصعب على من لم يعشها بالفعل أن يتخيلها مهما خصبت مخيلته . ومن بين الأسئلة الكثيرة التي تزاحمت في ذهني تلك الليلة سؤال واحد بقى يلح علي لفترة طويلة. ترى ما سر ذالك الشعور الذي استحوذ على حسناء خجولة مثل "زينب" فدفع بها إلى القفز فوق كل ذالك ركام العادات والمحرمات، في سبيل مغامرة عاطفية مع رجل أدانته شرائع أمها سلفا، دون أن تمنحه حق الاستئناف، وبجريمة لم يرتكبها.؟
انزاحت الغيمة الرمادية التي أظلمت سماء حياتي ، واعشوشبت صحراء نفسي بالأمل ، فانقلبت حياتي كلها رأسا على عقب . وغدت العودة إلى البيت موعدا مع الحب والأمل ، بعد أن كانت لعنة لا مفر منها. وتوارى ماضي القريب ـ رغم أساه ـ في ركن قصي من نفسي. فانطلقت و"زينب" في مغامرتنا لا نلوي على شيء ، وقد أنستنا الفرحة ببعضنا ضرورة أن لا ننجرف وراء عواطفنا فانجرفنا ، وأن نراعي محاذير كثيرة فلم نفعل إلا لمما .
كانت "زينب" تستجيب تلقائيا لاقل همسة من عواطفها ، ولذالك فقد كانت عاجزة بشكل جلي عن كبح جماحها أو لعلها لم تحاول . فقد كانت تخطف فطوري من بين يدي أمها لتحمله إلي في غرفتي. وفي كل مرة تحمل إلي الشاي كانت تمكث معي إلى أن ينادونها . وكانت ساعة تناول الطعام تختلق مئات الحجج والأعذار لتتمكن من أن تشاركني نفس السفرة ، فتجلس قبالتي عيناها في عيني ، تتحدث إلي بدون حرج .
كانت صغيرة وعفوية لكي يثير سلوكها هذا الانتباه في البداية، لكن اندفاعها ونشوتها ألمفرطة،كانا أحيانا يثيران انتباه والدتها، فكانت تقوم بتقريعها تارة، وتارة تكتفي بلفت نظرها . أما أنا فقد كنت كهاو يركب الموج للمرة ألأولى يصرخ جذلان حين ينجح في ترويضه، وحين يطوح به يكاد يشله الفرق .

محمد جواد
01-02-2010, 05:22 PM
قضينا فصل خريف جميل ومميز بإحدى ضواحي ألمدينة في تلك السنة، نعمنا خلاله بكل ما توفره أجواء المخرف من مباهج. لقد ترقى خالي أخيرا في وظيفته، وتحسن وضعه ألمادي كثيرا فأشترى بقرات حلوب وناقتين وبعض النعاج. وتوطدت علاقته بكبار التجار بالمدينة ، ومسؤولي الدولة بها ، و تعززت . فعاد ـ كما كان تقليديا ـ واحدا من ألأعيان ، وتبعا لذالك غدت خيمتنا في البادية قبلة لأفواج من المتسكعين ، وأشباههم ،والهاربين عموما من جو ألمدينة الخانق والباحثين عن طراوة جو البادية الهادئ النقي . وقد انتقت زوجة خالي ـ وهي المغرمة برموز الوجاهة والثروة ـ خيمتها بعناية فائقة ، فاختارتها كبيرة ومطرزة كأحسن مايكون التطريز ، وأفرشها بأحدث ما يتوفر في ألأسواق ألمحلية من الماركات العالمية ، فكانت معرض مفروشات بحق شبه متكامل ، لا ينقصه سوى القليل من حسن التنظيم ، وسلامة الذوق . وعلى الرغم من بخل زوجة خالي وهوسها المعروف بالأشياء المادية عموما وبالنقود على وجه التحديد ، إلا أن الموقع الحالي لخالي فرض عليها التأقلم ـ وان على مضض ـ مع حالة البذخ ألمفرط التي كنا نعيشها .
نعم كان الخريف في تلك السنة رائعا بكل المقاييس . هطلت فيه الأمطار بكميات قياسية ، فأزينت الأرض وأخرجت زخرفها وانبتت من كل زوج بهيج ، فأزبالناس غرام البادية الدفين وعشق الخيمة ألأبدي ، فتركوا بيوتهم في المدينة في ـ ما يشبه الهروب المنظم ـ ليتقاطروا على الضواحي . فازدحمت بهم وازدانت بهم ربوعها وبألوان خيمهم ، وتحول أديم ألأرض إلى فسيفساء خلابة من العشب اليانع والجداول الرقراقة والخيام البيض وقطعان الماشية . كان كل شيء من حولنا ـ في هذا الجو المفعوعم بالجمال وبالحسن ـ يفيض بالمتعة ، ويبعث السعادة وألا مل في النفوس . إلا أنني و"زينب" كنا ألأقل حظا من الاحساسا بذالك كله، فقد فقدنا بعضنا البعض إلى حد جعلنا نبكي لحظات الشاي ألقصيرة تلك، التي كنا نلعن قصرها. لقد كانت تظلني ذات الخيمة التي تستظل بها ، وكان نفس ألفراش الذي يقلها يقلني ، وكنا غالبا نأكل من ذات الصحن ، لكن بدون خصوصية.وكنا نحاول أن نستغل اللحظات ألقليلة ـ التي كانت تتيحها لنا صحبتي النادرة لها إلى "الشن" حيث تسهر مع صويحباتهاـ إلى أقصى حد ممكن ، لكن المسافة كانت قصيرة ومكشوفة لكي نكون أكثر من حارس ومحروس ، وأقصى ما كانت تتيحه على كل حال، شكوى بث كنا نتبادلها ، والقليل من العتب وبعض النجوى ، ومع أن مجلس "الشن" ذاك ، كان بمثابة فضاء رحب للشباب يهربون فيه لسويعات ، من قسوة اسوارالمحظورات ، إلا أنه لم يكن بوسعي ، ولا في وسع "زينب" ـ كغيرنا من الشباب ـ أن نظهر غير الوجه ألأخوي الخالص لعلاقتنا، وكان علي من أجل ذالك أن أبدو كغير المهتم بأمرها ، أتودد لهذا البنت وأنشد ود تلك ، ومن ثم كان علي بعد ذالك أن أتحمل بمزيد من الصبر لوعة دموع "زينب" و جنون غيرتها .
ومرة أقسمت وقد قف من ألغضب شعرها أنها لن تهتم بعد ألآن بإخفاء حقيقة علاقتنا، بل وربما ستعلنها، إذا ما رأتني أغازل فتاة أخرى.
ـ هل علي أن أذكرك، لماذا أفعل ذالك ؟
ـ لكنك لم تكن مضطرا .
ـ تعرفين أنني لا أستمتع به.
ـ لكنك تفعله وحسب ، ولن أهتم بعد ذالك بما إذا كان ذالك يمتعك أو يقززك .
ـ ألم نناقش كل الخيارات ونتفق على أن هذا كان أحسنها، في ألوقت الراهن على ألأقل.
ـ لا أتذكر شيئا . أو أقول لك : كان ذالك خطئا محضا .
ـ أحسب أننا عقدنا اتفاقا في هذا الشأن .
ـ إنني أنسحب.
ـ لكنك وعدتني بالصبر، وبأنك ستتحملين .
ـ نكثت .
ـ وماذا تقترحين ألآن ؟
ـ لنعش علاقتنا ، ولنستمتع بها ، كما يفعل الآخرون .
ـ لكننا لسنا كالآخرين .
ـ هذا مجرد وهم، وقد ترسب في ذهنك.
ـ انك منفعلة قليلا ياعزيزتي ، فلنؤجل نقاش هذا ألأمر إلى ألغد .
ـ بل منفعلة كثيرا، لكنني جادة هذه ألمرة في ما أقول.
كانت تلك الليلة، ليلة مشهودة. إذ كنت فيها ضحية لواحدة من أكثر مؤامرات الفتيات طرافة وإحراجا في نفس الوقت ، و فيها أيضا واجهت أول تحد من نوعه في علاقتي ب"زينب" فإحدى اللائي تعودت أن أخفي علاقتي "بزينب" في معابثتهن ارتابت من أمرنا ، فاتفقت هي وإحدى زميلاتها ـ و كانت ممن لاتروقهن "زينب" وكانت " زينب" لا تطيقهاـ على أن يضعن ريبتها تلك موضع الاختبار. وهكذا عندما حاولت أن ألعب معها لعبتي ألمعتادة تلك ـ عند " ألشن" ـ صدتني بإصرار، قائلة:
ـ عليك أن تختار: أما أنا أو" زينب". وقبل أن أرد عليها تدخلت زميلتها قائلة بمكر:
ـ أخفضي صوتك إنها تسمعك ، ثم أردفت ـ وقد صار مكرها خبثا صريحا ـ ألا تعلمين يامجنونة إنها بمثابة أخته ؟
ـ هذا ، ما يريدان أن يعتقده ألاخرون .
ـ لكنها على علاقة بمفوض الشرطة في ألولاية، وسيتزوجان الشتاء ألمقبل، كما تقول أمها، وهو بدون شك على علم بذالك.
ـ هذا، إذا يفسر كل شيء، حرصهما ألمبالغ فيه على أبراز أخوتهما، لكي تبقى علاقتهما ألحقيقية خفية عن الأنظار. وأحسست وكأن قلبي ينتزع من صدري عنوة ، وبأن ألنور في عيني قد أنطفأ ، وتنازعتني ألهواجس ، وقرصتني ألغيرة في الصميم وتساءلت في نفسي ، ترى : ما مقدار الصحة فيما تزعمه هذه الخبيثة؟ ،وهل باتت علاقتي ب"زينب" مكشوفة إلى هذا ألحد ؟ لكنني تحاملت على نفسي وجمعت بسرعة شتاتها، و تجاوزت سكرتي تلك فابتسمت وأنا أقول:
ـ انك تظلمينني ؟
ـ أتمنى لو أن الأمر كذالك
ـ أؤكد لك أنه كذالك .
ـ أريد إثباتا .
ـ أي نوع من الإثباتات ؟ فانبرت زميلتها الخبيثة تلك قائلة:
ـ قل ـ في حضورها، وأمام "زينب"، وفي ملأ من ألفتيات ـ بأنك مغرم بها، وبأنها حبك الوحيد. فقالت هي:
ـ لقد سهلت عليه ألأمر كثيرا، أنا أريد أفعالا، لا أقوالا.
ـ أنني أزورك بانتظام كلما سنحت لي ألفرصة وكان ذالك ممكنا، وعند "الشن" لا أفارقك إلى أن ينفض ألمجلس.
ـ هذا ليس كافيا .
ـ وماذا تريدين بعد ؟ تبادلت مع صاحبتها نظرات متواطئة، قبل أن تقبل علي وتقول، كأنها تتحداني:
ـ أريدك أن تقوم بتقبيلي أمامها ؟! .
ـ هنا أمام الناس ؟
ـ سنحتال حتى نأخذها معنا إلى تلك الرابية ، وعليك ـ إن كنت صادقا ـ أن تلحق بنا ، وتنفذ ما أطلبه منك .
تصرف وقح كهذا ، سيؤذي ـ بدون شك مشاعر "زينب" ، وسيفقدني ـ وهذا ألأهم كل احترام لي عندها ، لكن ألأسوأ من ذالك كله ، هو: أن تعمد ـ وقد جرح كبرياءهاـ إلى هجري ومن ثم قطع علاقتنا، أو ان تدفعها ألغيرة ، والإحساس بألاهانة إلى مهاجمة ألبنت والتشاجر معها ، فينكشف ألمستور ، ويقع المحظور. لكن "زينب" أعقل من أن تترك لحظة غيرة عابرة تدمر حبنا ، وإذا ما نجحت ـ وهذا ما أأمله على أي حال ـ في أن أبدد كل شك ـ يحوم حول علاقتنا من رأسي هاتين ألمأفونتين ، فان ذالك سيكون ثمنا مقبولا ويستوجب الدفع لقاء هذا ألتصرف ألوقح ، فما من شيء يخيفني ألآن أكثر من أن تنكشف حقيقة علاقتنا . فلأن أم البنت تكرهني ، وتعتبر حياتي مصيبة في حد ذاتها و ترى إقامتي في بيتها رزية ومعرة، فما من شيء كان يرهق تفكيري أكثر من تخيلي ردة فعلها، حين تكتشف بأنني قد استحوذت على قلب صغيرتها. كنت أفكر في هذا ، وأنا مذعورمن طلب ألفتاة الغريب هذا وقد قتلت الدهشة ألكلمات على شفتي. هذا عمل صبياني بامتياز ، وسخافة بنات وجنون مراهقة ، لكن خشيتي من أن يؤدي رفضي إلى تغذية شكوك الفتاتين ، وربما تسرب عدواه إلى آخرين ـ استبدت بي ، ومرة أخرى تحاملت على نفسي وقمعت مشاعرها فوجدتني أقول
ـ إلى هذا ألحد أنت لا تثقين في كلامي ؟
ـ لا تتهرب من الموضوع
ـ وذا فعلت ما تطلبينه مني !
ـ سأقتنع بأن علاقة "بزينب" أخوية خالصة
ـ ولن تتحدثي أنت ولا زميلتك في ألأمر مجددا
ـ نعدك .
ـ حسن ، أنا موافق .
تجاوزت علاقتنا ذالك ألمطب بنجاح ، لكن ذالك لم يكن بلا ثمن ، فقد كرهت "زينب" "الشن" وكرهت مجلسها ، فهجرتها نهائيا ، وألزمتني أن أحذو حذوها . ولأنني فشلت في إقناعها بأن هذا التصرف سيلفت إلينا ألانتباه أكثر من أي شيء آخر نفعله ، خصوصا بعد الحادثة السخيفة تلك ، فقد كنت مضطرا إلى البحث عن سبب للزومي الخيمة الدائم ،خصوصا أمام أمها ،وإلى إيجاد مبرر لانقطاعي ألمفاجئ عن "الشن ومجلسها، خصوصا أمام تانيك الوقحتان . لم يخلو ألأمر من بعض ألمشقة ، لكن كل شيء في سبيل أرضاء "زينب" يهون ، ولحسن الحظ فقد كنت مقبلا على الباكالوريا خلال العام الدراسي القادم ، فكفيت بذالك سببا ، فكنت أشعل شمعتي من ألمغرب ولا أطفؤها إلا عند مطلع ألفجر، وفي الضحى أذهب إلى أحد ألغدران مصطحبا دفاتري ولا أعود إلا مع الزوال .
كانت " زينب" كلما شق عليها هذا الوضع ، وضاقت به ذرعا ، وألم بها الشوق وقرصها الإحساس بالبين ـ رغم القرب ـ تعزي نفسها بقرب بداية ألعام الدراسي الجديد. كان ذالك مجرد أمل في أن الوضع سيتغير نحو الأفضل، لكنه أمل شكل بوابة هروب آمنة "لزينب " كلما أوشك جدار أليأس أن يطبق عليها. ومع أنني لم أكن أعير ألأمر ذات ألأهمية إلا أني كنت مضطرا إلى مجاراتها في أحلامها.
" قريبا ستفتح المدارس أبوابها، فنعود إلى المدينة، إلى دارنا، إلى غرفتنا حيث ولد حبنا، بل حيث ولدنا نحن أنفسنا. سيكون عبق لحظاتنا الجميلة على الباب ينتظرنا، وستستقبلنا ذكرياتنا الحلوة مضيئة لنا الدرب. " هكذا كانت "زينب" تهمس بي ، ثم تنشد لفيروز" سنرجع يوما إلى حينا..." قبل أن تتوقف وتنظر إلي كمن تذكر أمرا مهما لتقول:
ـ ستكون لدي ـ طوال العام الدراسي ألمقبل ـ حجة مقنعة لأبقى معك أطول وقت ممكن.
ـ ألست معي الآن ؟
ـ أقصد أننا سنكون لوحدنا.
ـ وماذا سيضيف ذالك إلى علاقتنا ؟
ـ ليست لدي أشياء محددة، لكنني أظن أن هذا ما يتمناه كل حبيبين.
ـ لا بأس، أريد أن أسمعها.
ـ تبدو غير متحمس، ولذالك سأحتفظ بها لنفسي.
ـ وإذا أقسمت عليك بحياتي.
ـ أبدا، قررت أن أتحول إلى الشعبة ألفرنسية خلال ألعام الدراسي ألمقبل، وسأحتاج دائما إلى مساعدتك.
ـ لا أريد التقليل من حسن اجتهادك، لكن هذه حجة قديمة، وحيلة أصبحت مكشوفة
ـ لكنها مازالت تعمل
ـ أتمنى ذالك .
لم تحمل لنا بداية ألعام الدراسي ، البشرى ألتي كانت "زينب" تنتظرها، فقد قررت زوجة خالي ، فجأة ألبقاء بالبادية لشهر آخر أو أثنين ، متعللة بأن ألجو في ألمدينة مايزال خانقا ، وبأن بيتنا في ألمدينة قد تضرر جراء ألأمطار ، وأنه لذالك سيحتاج إلى بعض الصيانة. لم تكن تلك هي الحقيقة كلها، أو هذا ما كنت أرجحه على ألأقل. لكن المرأة حدست ـ وكان حدسها في محله ـ أن ثمة مقابل سيتعين دفعه ، لقاء استعادة ألأسرة ـ أخيرا ـ لمكانتها في صدارة ألقبيلة ،و لقاء هالة ألعز التي أحيطت بها نتيجة لذالك . وقدرت أنه في حالة ما إذا عادت إلى ألمدينة في أوج بداية العام الدراسي، فسيكون بيتها ألوجهة ألأولى لكثير من أبناء ألقبيلة ألوافدين حديثا إلى الإعدادية، وذالك ثمن باهظ ـ في حسبتها ـ ولا مبرر للاستعجال في دفعه.
قالت "زينب" ـ وهي تحاول بعث الحياة في روح أمل تحتضر:
ـ هذا لا يشبه ما تمنيناه، ولم يكن كما كنا ننتظر، ومع ذالك، فقد يكون أفضل، إذ سنقضي اليوم في ألمدينة على ألأقل.
ـ لن يكون هنالك سببا لذالك يا عزيزتي ، فأبوك قد أستأجر سيارة ستتولى توصيلنا من والى ألمدرسة . ابتسمت في حسرة، لكنها لم تلبث أن قطبت جبينها، وزمجرت قائلة: لعنة الله على هذه النقود التي هبطت علينا فجأة.
ـ ولم ألحسرة، و كل هذا التبرم ؟
ـ إنني أختنق .
ـ لولا أن تتهمينني بالسوداوية، لزعمت أنك ستبكين هذه اللحظات التي تضجرين منها ألآن.
ـ كما أبكي لحظات شاي ألفطور، السعيدة تلك ؟
ـ سعيدة وحسب ؟! سيكون الظفر بمثلها حلما بعيد ألمنال
ـ ماذا تقصد ؟
ـ أقصد أن ألأسوأ لم يأتي بعد. قالت ـ وقد بدأ التبرم يلاحق بقايا الشيء ألقليل من ألمرح الذي كانت تبديه:
ـ ومتى يأت إن شاء ألله ؟
ـ إحساسي يقول لي بأنه قريب .
ـ أرجو أن يكون قد قال لك أيضا كيف ينبغي عليك مواجهته !
أحاديث ـ كهذه ـ كانت تستهلك معظم اللحظات التي كان يجود علينا بها ألزمن، ومع أننا أصبحنا نحظى بوقت أطول للبقاء مع بعضنا بعضا، وفي أحيان كثيرة لوحدنا، إلا أن "زينب" كانت تتوق إلى أبعد من ذالك.
وفوجئت في أحد الأيام ـ بينما كنت أستعد للخروج من ألفصل ـ ب"زينب" لدى الباب ، وهي تنتظرني . لم أعهد منها ذالك ، فقد كنا نتعمد أن تكون لقاءاتنا في المدرسة تبدو كما لو كانت صدفة . تبادلنا تحيات مختصرة ، ومن ثم همست لي قائلة :
ـ أتبعني .
ـ إلى أين ؟ لم تجبني ، وإنما أومأت تستحثني ومضت . سرت إلى جانبها، وكأنني طفل يصحب أمه لأول مرة، لم تتضح لي وجهتها للوهلة ألأولى ، لكن وحين ابتعدنا بضع خطوات من ألمدرسة ، أدركت أنها تتجه بنا نحو البيت ، عندئذ جفل قلبي وأرتجف ، ومع ذالك فأن الإصرار في خطواتها ألجمني فلم استطع أن ابدي أي اعتراض . عندما وصلنا ألبيت، توجهت رأسا إلى غرفتي، وقبل أن تدير المفتاح في الباب، أمسكت بيدها، وقلت ـ وقد قررت أن أقوم بدور ألأخ بدل دور العشيق :
ـ ماذا تفعلين ؟ نظرت إلي بغنج ودلال ، وقالت :
ـ ألا ترى، إنني أفتح ألباب.
ـ أعرف، لكن لماذا ؟أطرقت لبرهة ثم قالت ـ وهي ما تزال تحتفظ بنبرة الدلال تلك:
ـ رأيت أن نمضي هذا اليوم معا، ولوحدنا . فقلت ـ وسحر عذوبة ألبنت، وبراءتها من جهة، وخطورة ألموقف وجرأته من جهة أخرى يتعاركان بداخلي ـ قلت:
ـ لن أذهب معك إلى أبعد من هذا، هيا لنخرج من هنا حالا.ضحكت وقالت :
ـ بلى ستفعل ، أفلت يدي ، وسترى .
ـ لكن ...، ألثمت شفتي أصابعها ، ثم ضغطتهما بلطف ، وهمست بي قائلة :
ـ لا تقل، لكن، ثم حررت يدها من قبضتي، وأدارت ألمفتاح في الباب فأنفتح.فقلت
وقد بدأ رأسي يدور من ألخوف، وأظلم القلق عيني ـ قلت:
ـ لا يمكن لمجنون أن يفعل أكثر من هذا !
ـ من قال ذالك ؟ أم تراك جننت من قبل، وأنا لا أعلم ؟
ـ من قبل . لا، لكنني ألآن في طريقي إلى ألجنون.
ـ انك تبالغ قليلا.
ـ سيبدو ألأمر أقل ايثارة للريبة ، لو نجلس في الصالون .
ـ أية ريبة ياحبيبي ،نحن لا نسرق . هكذا أجابتني ببساطة، ومن ثم أخذت تذرع ألغرفة جيئة وذهابا وهي تترنم وتصفق، في غبطة وسرور، قبل أن تتوقف فجأة وترنو إلي بحدب ـ وكنت ما أزال مسمرا بالباب ـ وتقول ـ وهي تحسس بتلذذ غريب جدران ألغرفة، وأشياءها ـ هنا ، ياحبيبي ، خطونا خطواتنا ألمباركة ألأولى ، في درب السمو ألإنساني ، وهنا اكتملت وهنا ارتوت بدموع الصدق بذور الحب والصبابة في مهجتينا. وهنا نضجت ، وهنا ولدنا حبنا ألمقدس ، وهنا شب ، وترعرع ، وهنا ...،وهنا قاطعتها قائلا ـ بسخرية أردتها لاذعة ، لعلها تثيبها إلى رشدها ـ قاطعتها :
ـ وهنا ، وإذا لم نرحل من هنا فورا ، فستبدأ أول خطوات هبوطنا في سلم أدنى مراتب الحيوانات وأخسها ، وهنا ، وإذا لم تلجمي جموح عواطفك ، وجيشانها ، فسيموت حبك ألمقدس بغتة ، لكن بعد أن يفوح بالفضيحة وبالدنس . وإذا لم تكفي عن هذا الجنون حالا وتعقلي ، فستحترق بدموع الندم كل بذرة أمل زرعتها تضحيتك في نفسينا فتذبل . وهنا تموت وهنا ... ،

abouxy
05-02-2010, 08:20 AM
رواية وليست قصة قصيرة

أخطاء مطبعية ، لغة سرد جميلة، مقاطع وصفية رائعة ،حبكة جيدة، إدارة حوار موجه ممتاز
الرواية هذه تذكرني في محتواها الاجتماعي بجزء من رواية الأسماء المتغيرة لكاتبنا وشاعرنا الكبير احمدو ولد عبدالقادر،وتختلف عنها في سعة تناول عقد المجتمع الموريتاني وثقافة كل شريحة فيه،،
وعلاقة الانسان عندنا بالأرض والعرض ،والقالب التقليدي للشكل التي تكون عليه قرانا وتوزيعها العفوي العرقي
جميل تعريف بطل الرواية بذاته من خلال عمه محمود والتاديت ولبن القشوة
ومن خلال العنوان أيضا فهذا النوع من الأسماء درج الموريتانيون على إطلاقه على أبناء " لحراطين"

رائع رائع رائع
إنها رواية تعالج معاناة يجب أن نتكاتف لإزالتها
أرجو جمع كل فصول الرواية ونشرها في مشهد التشريح لنمنحها وقتا أكثر ويشارك الجميع في تناولها

محمد جواد
05-02-2010, 01:38 PM
تجمدت ألفتاة في مكانهاـ كما خيل إلي ـ ودفعة واحدة، ومرت لحظة أحسست وكأنها أخذت تغوص في ألأرض، أو أن الأرض كانت تنهار تحت قدميها، إلى أن أخذت تستدير نحوي، لكن ببطء وتثاقل شديدين " رباه ماذا حل بالفتاة " ! لم تكن من أراها ألآن أمامي "زينب" التي عرفتها، "زينب " الوديعة الودود، طليق المحيى والبشوش، إنما شخص آخر، شخص حلت به كل مصائب الدنيا فجأة ، ونزلت به حوادثها بدون هوادة . ترنحت وهي تسقط على السرير في إعياء ، ومن ثم رمقتني بتلك النظرة ألمركزة ، ألملآ بالخيبة وبالتأنيب ، كانت عيناها تذويان في حجريهما ، وقد ضاع منهما وهج الحياة ، وكانت ألاشراقة في وجهها تتوارى كبدر تبتلعه الغيوم . وقبل أن أقرر ماذا أفعل ، رأيتها تأرجح رأسها بين كفيها ، كمن يطرد خاطرا مزعجا ألم به ، ومن ثم همست قائلة ـ بصوت كأنه حشرجة محتضر:
ـ لقد ذهبت بك وساوسك بعيدا ، وبعيدا جدا ! ثم تأوهت بحرقة ، وأردفت : اشكرك على تجشمك عناء ألمجيء معي إلى هنا، والآن ـ وقبل أن تهبط إلى أدنى مراتب الحيوان ـ يمكنك أن ترحل. قلت ـ وأنا أحاول تطويق حالة ألانهيار البادية نذرها تتهدد الفتاة:
ـ لم أقصد إهانتك ياعزيزتي، وأنت عندي فوق كل شبة ، لكن ... هبت واقفة في مكانها، رافعة يدها في وجهي بعصبية، وقالت:
ـ لم أطلب منك تفسيرا أو تبريرا ، واعتذارك لا تهمني، وأفضل شيء تفعله ألآن من أجلي، هو أن تتركني من فضلك. قالت هذا ثم أجهشت تنتحب بحرقة. وهكذا انقلب جو البهجة والحبور الذي كان يغمر المكان قبل لحظات ـ رغم تحفظي ـ إلى جو كآبة حزين، يسوده التوتر وألاسى ، وعبثا حاولت أن أهدئ من حدة انفعال ألفتاة أو أن أخفض مستوى ألتوتر في أعصابها، فكنت كمن يريد ـ بصب المزيد من الزيت ـ إطفاء نار وقد على لهيبها ، إذ كنت كلما كلمتها لأجلو لها قصدي أو لكي أعتذر لها كانت تجتاحها نوبتي انفعال وبكاء عاتيتين ، لا أكاد أستنقذها منهما حتى تعودان لمهاجمتها بشكل أعنف . مسلك الرفض منها هذا نكأ في أعماقي جرح النبذ القديم ، الذي مازالت ندبه حية في روحي ، ومازال غوره ينبض بالحياة في داخلي ، وحرك في نفسي شعور هجر طالما عذبني ، وبالكاد أوشك أوار ناره أن يخبو .
ـ يا سراجا، به أضاءت دروب نفسي المدلهمة ، ويا نجما سطعت به سماء حياتي المعتمة ، إن كان قد طاف الذي دار بخلدك أني أقصده ـ ولو عرضا ـ لي بخيال ، أو كان قد خطر لي ـ وان عفوا على بال ، إذا فليلعنني الله ، وملائكته ، والناس أجمعين . قلت هذا ، والندم يعتصر قلبي إذ أسأت إلى " زينب" ، وكان الألم يمضغ روحي إذ أساءت " زينب" فهم كلامي ثم أرد فت ـ وأنا أكاد أخر صعقا ـ آه انك لا تعرفين ـ يا حبيبتي ـ ماذا يعنيه لي أن أتسبب في إراقة دموعك هكذا. وإذا كان رضاك في أن أقطع لساني، فسأقطعه ولا أبالي. وإن كان في أن أقتل نفسي، ففداك مهجتي وجسدي، لكن لا تغضبي مني ـ أرجوك ـ فتلك عقوبة أقسى من أن أتحملها، ثم جثوت راكعا أهم بلثم قدميها.
ـ لا، هكذا صاحت البنت فزعة، قبل أن تسحب مني قدميها، ثم أقبلت علي بحنان تضم رأسي على صدرها ، وأردفت ـ والعبرات تخنق صوتها ـ لا، لا أريد أن أراك تركع بذل هكذا ولو كان في محراب حبي ، كسيرا تستجدي وتهرق دموعك قربى ، حتى على مذبح ودي
ـ عديني بأنك لن تغضبي مني أبدا ، وبأنك لن تكفي عن حبي مهما حصل.
ـ لم أفكر ـ قط ـ في أن أغضب منك ، ولن أتوقف عن حبك ما حييت ،غير أن دور ألغاوية هذا لا يلائمني .
ـ وهل ارتضي لك دور الغاوية ؟ لكن وضعنا هنا مشبوه ، والمتقولون كثر.
ـ أنا لست غبية لكي يخفى علي ذالك، لكن سلبيتك تخنقني، وعدم إيمانك بي وبحبي يضايقني.
ـ لا أظنني كنت ايجابيا قط ـ يا حبيبتي ـ أكثر مما أنا ألآن ، وحبك هو الشيء الوحيد الذي به أحيا وله أعيش ، وما وقر بقلبي شيء أصدق من إيماني بك وبحبك . ربما لو كنت أكبر قليلا أو أعمق وأنضج تجربة، لتغير ألأمر، لكنك صغيرة، وفكرة إنني أستغلك ترهقني، ثم دعيني أسألك، ما علاقة سلبيتي، وإيماني...بهذه ألورطة ؟
ـ أتصف وجودك معي بالورطة ؟! حسنا، أردت أن أرى كيف ستبلي، أمام مثال لما قد يتعين عليك مواجهته يوما ما.
ـ كنت تطلعينني على نيتك أولا ؟
ـ ستكون النتيجة مغشوشة ، وبالتالي بلا مصداقية .
ـ أهو اختبار ؟
ـ شيء مثل ذالك .
ـ لقد سقطت إذا ؟
ـ قد تحظى بفرصة أخرى، إن أردت.
ـ سينتهي أمري ، إذا سقطت مرة أخرى .
ـ وهل ذالك حتمي ؟
ـ لنقول بأنه شبه مؤكد .
ـ الثقة ضمان النجاح .
ـ مازلت أخشى أن يطلع أحدهم على وجودنا هنا لوحدنا.
ـ إن شئت الانصراف فأفعل ، فأنت في حل من البقاء معي .
ـ لن أتركك ورائي .
ـ لن تسحبني من شعري، أليس كذالك ؟
ـ ليت قلبي يطاوعني، لفعلت.
ـ إنني أتعرف إلى ألخوف لأول مرة.
ـ انك تمنحين أمك سببا آخر لكي تبغضني ، ولتؤذيني أكثر من أي وقت مضى .
ـ لا أعتقد أن أمي، تحتاج إلى سبب لكي تفعل ذالك ؟ ثم، متى أصبحت تخاف أذيتها إلى هذا الحد ؟
ـ منذ أقتحم سحر عينيك وحشة روحي، واستباح هواك شغاف قلبي، منذ أينعت برقتك ورود آمالي، وتفتحت بحنانك زهور أحلامي، وباختصار منذ أن صبح لدي ما أخاف عليه. أضاء محياها بابتسامة عذبة ، أبانت ألمزيد من الفتنة في أساريرها وقالت :
ـ أدرك ألآن إنني لم أكن مخطئة، عندما جئت بك إلى هنا، فهاهو عذب الكلام يعرف أخيرا طريقه إلى لسانك، ثم أردفت ـ بطريقة مسرحية زادت فتنتها طغيانا وفتكا ـ
ـ أحسنت ، أحسنت ! يا غلام ، أعطيه ؟ حسنا ، بم تريدني أن أكافأك لقاء هذا ألإطراء ؟ فقلت بحماس ، وقد استشرفت من نبرتها نهاية وشيكة لمأزقنا :
ـ بأن تذهبي بنا من هنا. فاكفهرت، وامتقع لون وجهها، وقالت ـ بامتعاض:
ـ كنا على وشك أن نصبح بخير، فما ذا دهاك !
ـ قلقي عليك وعلى نفسي ، وخوفي على غدك من أمسي . ومن أغدو بلا قربك استجر به أو أن أقيل أو أمسي ، ومن أن أعود بدون " زينب" أحيا لها ، فتطلع من مغربها قبل ألأوان شمسي . فترت شفتاها عن ابتسامة صغيرة ، وقالت:
ـ كنت أعرف انك شاطر في الرياضيات والهندسة، وفاتني أنك كذالك في الأدب وفي اللغة، فمن يسمعك تسجع هكذا يظنك أبن ساعده. "ابن! ليتني استطيع سماع هذه الكلمة من غير أن تهتز لها أعماقي ،ودون أن تظلم الدنيا في عيني ، ودو أن تنكمش آفاقي . كم أكرهها كم أمقتها ، وكم تنقبض لذكرها أحشائي "
ـ أنا أبن مريم غير البتول ياحبيبتي ، العار أبن العار سليل الذنب ، أنا ولد أهل ...، قاطعتني بعصبية قائلة :
ـ ما من مناسبة لهذا ألهراء ،فأنا لست بحاجة إلى من يذكرني بابن من أنت ، ولم أسألك عن من تكون ، وسواء كانت مريمك بغيا، أو كانت عذراء بتول ، فأنا أحبك ، ولن يغير ذالك من حبي لك شيئا .
ـ تلك هي المصيبة العظمى ، والتحدي الأكبر ؟ فغرت فاها دهشة وقالت :
ـ أتعد حبي لك تحد، ومصيبة ؟
ـ قد يستفزك هذا الوصف إلى حدما ، وربما سيغضبك ، لكن حقيقة مابيننا انه كذالك ، فلأنني أضعف من أن أرعاه وأحميه ، فهو لذالك تحد ، ولأنني سأضيع حين أفقده فهو لذالك مصيبة . ربتت على منكبي بعطف ، وحنان وقالت : وهي تغالب دموعها :
ـ حبيبي ، لا تستسلم للشعور بالهزيمة ، من قبل حتى أن تبدأ المعركة ، وتتوقع حدوث الاسوء دائما ، وفرص أن تحظى بالأحسن قائمة . إنني لا أرى سببا يجعلنا نعيش بمشاعر من يتوقعون هبوب العواصف والأعاصير، والجو صحو ونسيمه عليل، وما دام بدر سمائنا مشرقا، فلم الترقب، والخوف وكأننا نسير في العتمة . التقطت بلهفة أطراف أناملها ، وأخذت أتأمل وجهها في خشوع ، فشعرت لطعم أنوثتها دغدغة كادت تشاغب على رجولتي "هذا القلب النابض بالأمل ، وبالحياة ، و هذه الروح الشفافة المفعمة بالثقة ،وذاك الجمال و، ذاك الحسن البديع ، وتلك ألملاحة النعومة والرقة، مكانهم جفن الثر ياء أو جنة بين السماكان وارفة الظل مورقة "
ـ إنه حلم جميل يا حبيبتي ، لكنه مجرد حلم، وأخشى ـ حين نصحو ـ من...
ـ ولماذا علينا أن نصحوا ؟
ـ أمك أمست أقل تسامحا في معالجتها لما تعتبره هفواتك ؟
ـ وما علاقة ذالك بحبنا ؟
ـ أعتقد أنها بدأت تشك في أمرنا.
ـ ولماذا لا نؤكد لها شكوكها ، ونريحها ؟
ـ قد تزداد تعبا ، وستتعبنا معها .
ـ ليكن . لكننا سنستريح في نهاية المطاف.
ـ لا تكوني واثقة هكذا .
ـ ألم أقل لك بان الثقة هي ضمان النجاح ؟
ـ ومن أين تريدينني أن استمد الثقة ؟
ـ من حيث يستمدها الآخرون ، فأنت لست أقل منهم شأنا .
ـ أهذا ماتريدين إثباته لنفسك ؟ تلعثمت قليلا ، كما خيل إلي ، وأظل مثل الحرج وجنتاها ، لكنها تجاوزت ذالك كله بسرعة ، وأجابتني :
ـ لم تحتج نفسي قط لذالك .
ـ أسدي لي خدمة ـ إذا ـ واقنعي به أمك.
ـ ساعدني أنت أولا، وأقنع به نفسك. ونظرت إلى ساعتي فإذا بها تشير إلى الثانية عشر، فقمت واقفا، وقلت:
ـ حسبنا كلاما، فلنبقي للغد ـ إذا كان ثمة غد ـ شيئا، والآن لنذهب.ابتسمت في استياء ، وقالت :
ـ ولم لا نقيل هنا ؟ فصرخت فيها غاضبا :
ـ أجننت، أتريدين أمك أن تعلم بأمرنا ؟
ـ لا تقلق بهذا الشأن، فقد ذهبت من عندها بنية قضاء اليوم مع إحدى زميلاتي
ـ لكنك تقضينه معي ولوحدنا .
ـ ومن سيخبرها ؟
ـ ألم أقل لك أنها بدأت ترتاب لأمرنا ؟ ومن يدري، لعلها أرسلت من يراقبنا .
ـ لا، لا هذا كثير! هكذا قالت البنت في انفعال ، ثم سكتت ، قبل أن تعود إلى القول ـ لكن بأسلوب هادئ : إن كل الأمهات في الدنيا، لديهن عادة القلق تلك حيال ما يعتبرنه شطح المراهقة في سلوك بناتهن، ولا أظن أن أمي استثناء من تلك القاعدة.
ـ ما من سبب لدي ـ ياحبيبتي ـ لكي اطمئن لهذا التفسير ، و شتان بين قلق الأمهات ، الذي تزعمين ، وبين ما يعتري والدتك .
ـ لتشك كما يحلو لها ، وان شاءت فلتتيقن ، فأنا لا أخاف من أحد .
ـ ولا حتى أمك قاطعتني مرددة ـ وهي شبه ثائرة .
ـ أمي، أمي..، وكأنها شيطانه . وحتى لو كانت كذالك فماذا بوسعها أن تفعل ؟ تشتمني مثلا أو تضربني ، هذا أبسط ما هيأت نفسي له.
ـ بوسعها فعل الكثير، أقسى مما تقولين وأبشع، وما أحسبك إلا تدركين هذا، وإذا كنت تكابرين، فتلك مصيبة كبرى.
ـ ما من مصيبة أكبر، من رهابك أمي .
ـ وما حيلتي إزاء ذالك ، مادامت تمسكني من اليد التي تؤلمني ؟
ـ دس على خوفك من ألألم، وحرر يدك من قبضتها.
ـ ليت ألأمر بالسهولة التي تتخيلين.
ـ لكنه ليس بالصعوبة التي تحسبها أنت.
ـ لن يفيدنا في شيء ، أن يعلم الآخرون بما بيننا، وخصوصا أمك .
ـ بلى ، فعلى ألأقل لن أكون مضطرة لتحمل أن أراك تغازل ألأخريات .
ـ اطمئني . افتضح الأمر . لم تعد هناك من تهتم لأمري .
ـ المهم أنت .
ـ تعلمين أنني أقلعت عن ذالك .
ـ لكنهن لم يقلعن .
ـ إنك تمنحين الأمر أكبر من حجمه بكثير.
ـ لكن ذالك لا يبرر تقليلك أنت من شأنه إلى هذا الحد .
ـ عموما، ما زلت أعتقد بأن ذالك ليس بالثمن الباهظ لقاء ما نحظى به من وقت، في الظل الأمان.
ـ أي وقت، وأي أمان ؟ فنحن ـ وبكثير من الاحتيال ـ بالكاد نلتقي لبضع دقائق في ألمدرسة، ينازعنا فيها الترقب، ويسلبنا الخوف طعم هنائها.
ـ سأصر على أن معرفة أمك لحقيقة ما بيننا، ستكون بمثابة حكم عليه بالإعدام.
ـوسآمل أن نتحلى بالشجاعة لكي ننقذه ، ولتكون تلك فرصته في أن يحيى ، وليعيش خارج الظلام .
ـ ذاك تفاؤل مبالغ فيه إلى حد كبير .
ـ لكنه ـرغم ذالك ـ مشروع.
ـ أعتقد أن المسافة بين التفاؤل والسذاجة ضيقة جدا، خصوصا عندما يكون أساس هذا التفاؤل ، الانفعال والعاطفة الجياشة والرغبة .
ـ وهي لا شك أضيق بين التخاذل والحذر، خصوصا عندما يكون هذا الحذر مبالغ فيه ويتغذى على الخوف غير المبرر.
ـ الشجاعة الملغومة بالمكابرة وبالعناد ـ يا حبيبتي ـ هي مجرد تهور مميت، وفي أحسن الأحوال مخاطرة غير محسوبة العواقب. لا أريد أن أبدو ،وكأنني أطري اليأس أو انتصر له أو كمن يمجد الجبن ويأنس له ، لكنني ضد منطق الارتجال هذا ، وتلك الحماسة المفرطة . وأيا تكن دوافع تصرفك هذا ، فهو لن يخدم حبنا بأي حال من الأحوال ثقي بي . ألمزيد من الصبرـ ياحبيبتي ـ سيخدمنا أكثر ، والصبر عادة لا يكون إلا على المكاره . وإذا كانت نفسك قد ضاقت إلى هذا الحد أن حرمنا من بعضنا على هذا المستوى ـ ونحن نقيل معا ونخرج وأحيانا نسمر، فإنني أشفق عليها وعلى نفسي، إذا ما أحيل بيني وبينك نهائيا.
ـ نهائيا ! لا. هكذا قالت " زينب" وقد ذعرت و دهمتها موجة غضب أخرى من جديد ـ لا لن تستطيع قوى الكون كله ولو تضافرت إن تحول بيني وبينك. يضربونني ، أو يعذبونني أو يقتلونني حتى لابأس ، لكن يحولوا بيني وبينك لا . لن يستطيعوا ، سيخفق قلبي بحبك دائما ، وأني ذهبت سأتبعك ، وستناجي روحي روحك في صحوتها و في منامها ، وسأغمض عيني على طيفك ما حييت ، وان مت فسآخذه معي إلى قبري ليؤنسني ، وسيكون معي يوم حشري حالة الذعر التي ألمت بالفتاة حررتني من قبضة مخاوفي تلقائيا، وأذكت في داخلي جذوة الضعف الكامنة في نفسي حيال دموعها، فوجدتني أطوقها بذراعي، وأضمها بكل قواي إلى حضني. لم يطل ألأمر كثيرا، حتى استعادت هدوءها، وشيئا فشيئا، بدأت ملامح وجهها تتخلص من التوتر والانفعال، وأخذت عينا تشرقان من جديد.
لكن حدث أسوء شيء توقعته. فبينما كنت أحتضن "زينب" مهدئا، أداعب في حنان وجنتيها، إذا بأمها تقتحم علينا الغرفة فجأة ، كأنما انشقت عنها الأرض للتو. وتمنيت في تلك اللحظة أن تنخسف بي الأرض فتبتلعني، أو أن أتبخر في الهواء وأكون نسيا منسيا، لكن هيهات

محمد جواد
10-02-2010, 09:25 PM
وبينما تسمرت أنا في مكاني متجمدا تسربت "زينب" من بين أحضاني برشاقة ، لتقف بيني وبين أمها الهائجة .
لبثت المرأة واقفة في مكانها لاتبدي حراكا، نظراتها الجهنمية تتنقلان بيني وبين "زينب" في حقد وذهول ، إلى أن أستقر الرد النهائي على ما يبدو، في ذهنها الطافح بالمقت وبالظنون . وفي حركة هستيرية انقضت بعنف على عنق الفتاة بكلتا يديها تخنقه ، وهي تصيح : ماذا فعل بك هذا الحقير؟ ولما لم تجبها ، عادت تصرخ فيها مرة ثانية ، وثالثة ، قبل أن تفلت عنقها، لتنشب أصابعها في شعرها ، وتشدها إليها بقوة الحقد المتفجر بداخلها ، ثم دفعتها حتى أسقطتها أرضا ، قبل أن توقفها من جديد ، وتعود للصراخ في وجهها ـ لكن صراخها هذه المرة كان ممزوجا بما يشبه النباح ـ سأقتلك ـ يا ملعونة ـ إن لم تخبريني عما فعله بك هذا الحقير ؟
ـ ما يهم ـ يا أمي ـ فيما فعل بي هذا الحقير ـ كما تسمينه ـ هو أنه يبررلك كلما ستفعلين فلا تضيعي عليك الوقت .
ـ أريد التفاصيل ، يا مخزية ؟
ـ أية تفاصيل ؟ وافرضي أنه فعل بي ما توسوس لك به نفسك، فما جدوى إن تعرفي التفاصيل.
ـ خزاك الله يا ضعيفة الهمة ، أيكون ـ الملعون ـ قد غرربك " وصفعتها .
"الشيطان الذي أخرج آدم من جنته وحواء كرها بمكره ، لم يجرؤ قط ولو وسوسة أن يحدث نفسي بذالك . أحبها ، نعم . أعشقها ، ولم لا . أغرر بها ماذا دهاك يا امرأة "
ـ زوجة خالي أرجوك دعيني أشرح لك ألأمر أنا...
ـ أخرس يا وجه السوء . أهذا جزاء إحساني وعطفي عليك ،أن تعفر في العار وجه أبنتي كما عفرت به جبين أمك ؟ ورفعت يدها تريد أن تصفعني.
لم أر في حياتي أنسانا يثور ومن موقع ضعف مثلما ثارت تلك البنت ، فما إن نطقت أمها تلك الجملة ، حتى انتفضت مخلصة نفسها من قبضتها ، وقبل أن تطال يد الأم وجهي انقضت عليها بكل شراسة ، ومن ثم انفجرت في وجهها صارخة :
ـ أسمعيني جيدا يا أمي ، أنا ابنتك ، فاشتميني كما يحلو لك ، وان شئت فاضربيني حتى يشفى غليلك ، أو أقول لك : اقتليني ، إن كان في ذالك راحتك ، أما أن تحركي لسانك ب"محفوظ" أو ترفعي عليه يدك ، فهذا ما لن أقبله أبدا ، مهما كلفني ذالك من ثمن . "
"محفوظ" : أطهر من وساوسك ، وأنقى سريرة من أوهامك ، وأسمى كثيرا وكثيرا جدا من تصوراتك ، وإذا كان أي شيء مما تتوهمين قد حدث ، فإنني أنا المسؤولة عنه ، مسؤولية كاملة ، فأنا من فرض عليه المجيء معي إلى هنا ، مثلما فرضت عليه نفسي ، ومشاعر حبي وأحذرك من تسيئي إليه متذرعة بما حدث ، فانك ساعتها ستري مني ما لم تتوقعي أبدا ، وما لم يخطر قط على بالك .
خيل إلي أن المرأة دهشت، فقد شرعت فورا في التراجع في هدوء، مخلصة نفسها من قبضة البنت، أو قل بأنها خافت فطريقة تراجعها توحي بذالك ، وإلا فكيف تحول الغضب في عينيها من شر مستطير ، إلى تهديد شاحب ، خجول يكاد ينطق بالاستسلام ؟
صدمتني في طريقها إلى الباب مهدد ومتوعدة، ثم غادرتنا ومضت إلى حال سبيلها.
عم أرجاء المكان سكون ثقيل وكأنه ، ساحة معركة هجع للتو هدير مدافعها ، لكنه لم يلبث أن أنشق بصوت "زينب" وهي تقول مازحة ، وكأن الكارثة لم تحل بعد :
ـ كيف لم تنجدني ، وأنت ترى المرأة تنكل بي ؟ ثم ـ ولما لم أتكلم ـ جست بأصبعها في خصري ، وأردفت :
ـ هل نمت ؟ فقلت ـ وأنا أغالب حالة التجمد المسيطرة علي أعصابي :
ـ الموقف جدي ، لا يحتمل الهزل . فصاحت مغتبطة :
ـ الحمد لله على سلامتك، فقد كدت أحسبك ـ لا قدر لله.... فقاطعتها
ـ ميتا ؟ ثم أردفت : ليتني مت قبل هذا أو...
ـ لن ينجيك ذالك مني .
ـ رأيت إلى أين أوصلنا تهورك ؟
ـ نعم، إلى حيث كان ينبغي أن نصل منذ زمن.
ـ إثارة غضب أمك، والمواجهة معها ؟
ـ كان يجب أن تعلم بأنني أحبك.
ـ أترين أن هذه كانت الطريقة المثلى ؟
ـ الحقيقة أنني لم أتوقع أن قدومها على هذا النحو.
ـ ها أنت تعترفين بخطئك ؟
ـ حسبتني خططت للأمر جيدا ، فقد اتفقت فعلا مع زميلتي "أم الخير"على أن نقيل معا ، لكن هنا، وليس عند أهلها كما أخبرت أمي ، ولا أدري مالذي أخرها ؟
ـ قد تكون هي من وشى بك ؟
ـ ربما ، لكن ما أهمية ذالك الآن ؟ إنني أتضور جوعا .
ـ وماذا سنفعل ألآن ؟
ـ سنذهب إلى المدرسة، ومن ثم نعود ـ كعادتنا ـ إلى البادية، لكن ـ وقبل ذالك ـ يجب أن آكل شيئا.
ـ هل تعتقدين أن أمك ستخبر خالي ؟
ـ هذا شبه مؤكد .
ـ وكيف ستكون ردة فعله ، حسب تصورك ؟ احتدت وهي تجيبني قائلة ، فيما يشبه السخرية :
ـ سيقوم بشنقنا نهارا ، وعلى رؤوس الأشهاد . جذبتها إلي من ذراعها بعنف، وقلت لها صارخا:
ـ لا تهزئي بي بعد الآن ـ أنذرك ـ وما دمت قد أقحمتني في هذه الورطة ، فلتحترمي مخاوفي ، على ألأقل .
ـ هذه وساوس ، ياحبيبي ـ وليست مخاوف .
ـ سميها ما شئت ، لكن احترميها .
ـ سمعا، وطاعة، لكن عدني ـ أرجوك ـ بأن تكف عن تعذيب نفسك وإيذائها، وأن ترحمها، من تحميلها آثاما لا وجود لها أصلا. الحب أحد مظاهر الحياة ألأكثر طبيعية ، وهو بالمناسبة أجملها. وهو ليس جريمة أو أثما حتى يعاقبنا عليه أحد ، أو نعاقب نحن عليه أنفسنا . أعتبر ما واجهنا اليوم ـ يا عزيزي ـ نوعا من ألإعراض الجانبية المصاحبة ، والتي قلما ينجو منها أي شيء جميل في هذه الحياة ، أو ضريبة مستحقة الدفع ، تهربنا طويلا من سدادها ، مثل لقائنا هذا ، شيء مألوف ، لدى كل حبيبين في هذا العالم ، كلما عز عليهم اللقاء أو حاصرتهم الظروف . لكل فتاة في هذه الدنيا فتاها الذي أختاره قلبها ، تواعده سرا ، أو علنا ، ويواعدها وكذالك يلتقيان شاء أهلهما ذالك أم أبوه . وسيبذلان في سبيل ذالك بسخاء، وسيحتالون ما وسعتهم الحيلة، وجلهم ـ إن لم نقل كلهم ـ قد واجه بشكل أو بآخر، نفس ما واجهناه اليوم ، وأحيانا ربما أكثر. هل رأيت أحدهم يوما يساق إلى حبل المشنقة، أو سمعت أنه أودع السجن بسبب تلك التهمة ؟
عضني الشعور بالهوان في الأعماق، وتفاقم إحساسي بالعجز، وبقلة الحيلة ، و ترآى لنفسي أمان كهف الانطواء جنة ، وقد قسرت على الخروج منها ، وصار لأيامه الدهماء ـ في عيني ألق ، وللياليه الظلماء توهج ونور. " إلى م تدفعينني ـ ياصنو الروح ـ والى أين تريدينني أن اتبعك ؟ إلى خيبة ذليلة والموت في صحراء وجدك ، أم تراني أحظى بالمنى والخلد في جنة حبك ؟ لا ، لن أوهم نفسي أكثر من هذا ، ولن أستمر بعد ألآن في تعذيبك ، فالجدار الذي تريدين قفزه طويل ، وقد أعيا كثيرين قبلك ، فوراءه هوة سحيقة ،وأكمة كثيفة وعتمة ، وصحاري مجدبات وفيافي ، ومتاهات مهلكة "
ـ كم مرة علي أن أقول لك، بأنني، مختلف عن ألآخرين.
ـ ولذالك أحببتك .غصت نفسي بأمشاج من المشاعر مؤلمة ، وتدافع في ذهني خليط من الأفكار المرهقة ، فقلت للبنت ـ فيما يشبه الصراخ :
ـ وماذا أحببت في أيضا ؟ نسبي الرفيع ، جمالي الساحر ، أم ملكي العظيم ؟ غالبت انفعالا غامضا ألم بها ، ثم أجابت برقة ـ حين غلبته ـ قائلة:
ـ لم أبعضك يوما هكذا، ولن أفعل ذالك في المستقبل.
. فقلت ـ وأنا لازلت تحت تأثير مشاعري وأفكاري المختلطة تلك:
ـ رغبة غلفاء ، وطيش ، وصبيانية نزقة ، وستكتشفين عندما تفيقين ، وتزول عن عينيك غشاوة المراهقة ، بأنك كنت تتوهمين ، وكنت على شفا الوقوع ورطة ، فلا تسجني روحي في أتون المستحيل رجاء ، فزادها من الصبر قليل ، ولا تزيدي ، من فضلك أوجاع قلبي ، فلدي منها ما يكفي . ولنضع حدا ـ والآن ـ لهذه المسرحية . حامت في حمى عينيها غيمة دهشة ، دارتها بعزيمة وإصرار، وقالت حين نجحت ، وبددتها ، وكانت تبتسم في حزن واستسلام :
ـ حتى، وإن كان الذي بيني وبينك، كما وصفته، وكان كما تقول مجرد مسرحية، فسأطوي على جذوته أضلعي، وأرعاها لتبقى في قلبي متقدة. وطعم سلافته اللذيذ، لن يزول من روحي وسأعيش متعته أبدا مادمت حية . قالت هذا، ثم قامت تريد الخروج. فاعترضت طريقها، وقلت ـ وأنا أحاول مواساتها، في حين كان قلبي يتقطع لهفا عليها:
ـ سيصعب ألأمر عليك في البداية ـ ياعزيزتي ـ وستتعبين قليلا ، وتتكدرين لكنك،في ألأخير ستشعرين ـ وبعد أن يخف وطأ كل ذالك ـ وكأنك كنت تحلمين ، وبأنني نصحتك.
ـ قالت ـ في حزم ـ أشكرك على النصح، لكن ـ أرجو منك ـ أن لا تنوب عني مرة أخرى عندما أكون حاضرة.
مسحت دمعتا حزن بللتا وجنتي، وقلت ـ وأنا أصارع لكي أبقى متماسكا:
ـ لن تسيئي الظن بي مجددا ،أليس كذالك ؟
ـ أسيؤه أو أحسنه ، لم تعد لكل ذالك أية أهمية ألآن .
ـ ستنخلين عني ـ إذا ـ وستتوقفين عن حبي؟
ـ وما ذا أفعل ، مادامت هذه رغبتك ؟
ـ لكنني أحبك. فقالت ـ وقد بهتت ، وغرقت في الحيرة معالم وجهها ـ
ـ وأنا أحبك أكثر .
ـ ستنتهي حياتي إذا فقدتك .
ـ وأنا سأموت إذا حصل ذالك . لكن ماحيلتي ما دمت يائسا هكذا ، ومترددا إلى هذا الحد .
ـ ستجلدين بعاري أبدا، وسترسفين في المعرة ما حييت، إذا ما حدثت معجزة ما وقبل أهلك أن أتزوجك ؟
ـ ألم أقل لك بألا تتوب عني عندما أكون حاضرة ؟
ـ ولن يستطيع أولادك غدا عندما يكبرون ، بأن يفتخروا أمام الناس بنسبهم ؟
ـ فليجدوا لأنفسهم سببا آخر للافتخار.
ـ وماذا ستقولين لهم، في حال ما إذا سألوك، عن أبن من أنا ؟
ـ سأعودهم على ألا يطرحوا غير الأسئلة المفيدة حقا.
ـ انك تضعينهم في مواجهة ، مع أمة بكاملها .
ـ سأتمنى أن يصمدوا.
ـ أعتقد أن زمن المعجزات ولى .
ـ ليتحلوا بالجرأة ، وبالثقة ، فوراء كل عظمة حقة مواجهة من نوع ما.
ـ ستلاحقهم صورتي الكريهة ـ في أعين الناس ـ مهما فعلوا . ابتسمت في أسى وقالت :
ـ لنتجنب ـ إذا ـ إنجاب الأطفال.
ـ إنني مجرد خطيئة، عفرت وجه أمي في أوحال العار، ولن أكون أبدا غير ذالك. قالت في نفاذ صبر بين :
ـ أي نوع من المتعة تشعر به وأنت تكرر مثل هذه العبارات اللعينة ؟
ـ متعة قول الحقيقة.
ـ لكن ، هذه ليست حقيقة .
ـ هي كذالك ـ على ألأقل ـ في أذهان الناس .
ـ لطالما أعجبني فيك ، رفضك الجذري ، لأن تكون كما الصورة التي لك في أذهان الآخرين
ـ لشدة ما كرهتها ، ورفضتها ، غدت كالوسواس القهري تلازمني .
ـ انبذها ، لاتركن إليها ، ولا تكن إلا كما تريد ، وسترى أن الآخرين سيتقبلونك في النهاية .
ـ من الصعب هنا ـ ياحبيبتي ـ أن يكون المرء غير ما قرر الناس .
ـ أنت بيأسك هذا تحبطني ، بل تقتلني . حسنا أما كنت تريدنا أن نرحل ؟

عائشه
12-02-2010, 03:35 PM
ـ ستجلدين بعاري أبدا، وسترسفين في المعرة ما حييت، إذا ما حدثت معجزة ما وقبل أهلك أن أتزوجك ؟
ـ ألم أقل لك بألا تتوب عني عندما أكون حاضرة ؟
ـ ولن يستطيع أولادك غدا عندما يكبرون ، بأن يفتخروا أمام الناس بنسبهم ؟
ـ فليجدوا لأنفسهم سببا آخر للافتخار.
ـ وماذا ستقولين لهم، في حال ما إذا سألوك، عن أبن من أنا ؟
ـ سأعودهم على ألا يطرحوا غير الأسئلة المفيدة حقا.
ـ انك تضعينهم في مواجهة ، مع أمة بكاملها .
ـ سأتمنى أن يصمدوا.
ـ أعتقد أن زمن المعجزات ولى .
ـ ليتحلوا بالجرأة ، وبالثقة ، فوراء كل عظمة حقة مواجهة من نوع ما.
ـ ستلاحقهم صورتي الكريهة ـ في أعين الناس ـ مهما فعلوا . ابتسمت في أسى وقالت :
ـ لنتجنب ـ إذا ـ إنجاب الأطفال.

رواية جيدة جدا ومن أجمل ما أعجبني بها حواراتها القوية المتعمقة في تحليل وتفسير ظلم ثوابت المجتمع لبعض أفراده

واصل فنحن نتابع ..

سارونا
13-02-2010, 11:33 PM
أنا ما قريت إلا المقطع الأول من الرواية ..
والحقيقة أن الأسلوب الواضح والموزون هو أكثر ما جذبني فيها بداية ..
ونسبة إلى المضمون جداً أعجبني الوصف الذي تقول فيه :بمعنى كلامك كيف أن طريق العودة مظلم ومخيف
لكن كلما تذكرت أن هذه أرضك وتلك سماءك .. التي غبت عنها فترة طويلة من الزمن يختالك شعور يقارب السعادة ..
ومع أن وصف الأحوال والمكان أعجبني إلا إنني لا أحبذ الإكثار والتطرق إلى التفصيل في ذكر أصناف الناس
لو قدر الله وقرأت الباقي لن أبخل عليك بإرشاد كان أو نقد .


خالص التقدير &سارونا&

محمد جواد
15-02-2010, 02:11 PM
كرهتني أم "زينب" دائما، وعاشت وجودي في بيتها كمعانات مستمرة. واعتبرتني مصيبة وقد انقضت على رأسها بلا شفقة ونقمة قد حلت بها وابتلاء ، ولأنها كانت مفتونة إلى حد الهوس بمنزلتها الجديدة وبمكانتها، فقد رأت فيٍ ًغيمة سوداء تتربص اشراقة شمسها، ووصمة سيبتلع دنسها سنا سماها الصافية . كانت المرأة حين قدمت بيتها ، تعيش في ما يشبه حالة فرار مستمر من نفسها ، ومسكونة بهاجس السترة إلى حد الهوس والمرض ، فزاد وجودي طينها بلة ، ودفع بها أشوطا أخرى في ذالك الدرب . وفي سبيل إبقاء صورتها الراهنة براقة في أعين الناس ومؤتلقة، كانت مستعدة لبذل أضعاف ما بذلته أصلا وأكثر من أجل بنائها، وهو بالمناسبة غير قليل. فقد هجرت عائلتها، وقاطعتها قبل أن تتخلى عن اسمها نهائيا. ولتعتصم بعد ذالك متسترة بكهف نسب عائلة خالي الرفيع، والذي كاد أن ينسى بعد أن أخنى عليه الزمن. فقد حمل الجد ألأكبر لعائلة خالي لقب "صالح " وورثه لأسرته من بعده وكان ـ إضافة لذالك في أعين الناس ـ وليا من أولياء الله. وقد نسج الخيال الشعبي حول كراماته قصصا وأحاكي ترفعه إلى مصاف الأنبياء أو أكثر أحيانا، فنظرة منه إلى السماء كانت تنزل المطر ، وضربة من قدمه على الأرض كانت تنبت الشجر، ويكفي أن يغضب لتحل النقمة مع غضبه ، أو يرضى لتعم برضاه النعم ، ولذلك فقد كان قربه أمنية كل عائلة ، ومنزلة لاينا لها إلا ذووا الحظ العظيم .إلا أن ذالك كله لم يعد ذو أهمية ، فقد عرف الناس طرق ، أخرى أضمن لتحقيق ما يرغبون ، ووسائل أأمن لتجنب ما يكرهون ، ومع تقدم الزمن، زاحمت اعتبارات أخرى ذالك المعيار كأساس لتقييم الناس ووزنهم ، ففقد اسم الأسرة الكثير من جاذبيته وأمسى أقل أهمية ودفئا ، إلى أن قيض الله له أم "زينب" الملاحقة من قبل ذاتها فاتخذته ملاذا حسبته آمنا من شبح حقيقة غابرة ، لكنها لشدة ما كرهتها ، ما فتئت تلاحقها وتذكي فيها ذكريات ماض بئيس ، لتنفض عنه غبار الإهمال ، ووعثاءه ، ولتبث فيه من روحها التواقة إلى مجد تليد كانت تفتقده . فقد ولدت في أسرة فقيرة ، عاشت طيلة حياتها في كنف إحدى أسر ألأعيان المهابة الجانب ملحقة بها كرعاع . فرعت الغنم وهي صغيرة ، وسقتها، وخدمت الإبل واهتمت بشؤونها ودبرتها. إلا أن ذكاءها ألفطري وفطنتها دلاها على أن جمالها ألآسر وقوة شخصيتها، سيغيران ـ إذا ما أحسن استثمارهما ـ مصيرها والى ألأبد. وهكذا قررت أن تفعل. لكن ليس هناك في ريف "تكانت" المعزول حيث مسقط رأسها . وعندما واتتها الفرصة هربت إلى "نواكشوط " فلم يخب ظنها، فما هي إلا بضعة أشهر، حتى غطت بسمعتها كل الأفاق وعمرت طلعتها البهية الشوارع وغزت كل زقاق، وتزاحم الرجال على بابها، رجاء الفوز منها ولو بنظرة، أما الظفر منها بقليل من الاهتمام فعزيز كان إلا على أولي الحظوة. وغدي صبوح عينيها قطيع من السيارات الفارهة رابضة أمام دارها. يغتسل في مرآها نظرها من مشاهد طالما عافها إلى حد السأم والضجر ، وكرهها طويلا ومقتها سرا وفي العلن ، لبهائم جاثمة في مراحها كسلانة تجتر. وأمسى عشاها جيوبا منتفخات ووجوه وسمتها النعمة والدعة والرفاه ، تكتحل بها من رؤيتها العبوس في وجوه أحست دوما في نظراتها قليلا من الاحترام لها ولذويها، وكثيرا من التعالي والتجبر. فغاصت المرأة في هذا ألأتون من قدميها حتى ألأذنين ، وتقلبت فيه بلا حساب ذات الشمال وذات اليمين . وحين رأت الكساد يتهدد تجارتها، جراء المنافسة، وتدني الطلب، شعرت بالذعر من أن يسرقها الزمن سطوة جمالها قبل أن تتمكن من تأمين المستقبل. فطفقت تتصيد في طابور مريدها بأناة وترو، إلى أن وقع اختيارها على خالي الطيب الوديع. فاصطادته بلا مشقة وكان بحق ـ ولاعتبارات عديدة ـ صيدا مناسبا وثمينا، فالرجل كان شبه وحيد ـ فلن يكون هناك من سيتقاسمه معها ـ بعد أن هجر أمه وشقيقته الوحيدة منذ زمن بعيد . وهو من أسرة حسيبة ، كريمة المحتد عريقة ، وذو وظيفة محترمة ومستور الحال . ومع أنه كان محدود الدخل ـ شأن كل موظف عام ـ إلا أنه كان قادرا على أن يفتح بيتا، وكان بمقدوره أن ينفق عليه بشكل مقبول. اعتقدت المرأة أنها بتلك الزيجة قد بلغت شاطئ الأمان ، إلا أنها كانت تشعر في قرارة نفسها بالحاجة إلى مزيد من راحة البال و الاطمئنان . فظلال أمسها القريب بكل ما فيه من سقطات ، وتلك الصولات والجولات في" الكب" و المدائن و"الكزرات" ـ ماتزال تخيم في أفق حياتها الجديد ، وينبغي أن تمحى . وإطلالة شبح ماضيها البعيد ، من حين إلى حين ، عبر نافذة حياتها بوجهه ألقميء ، ما فتئت تزاحم روحها هناء أيامها ، ويجب أن تختفي. فبالغت المرأة في دمج ذاتها بعز أسم العائلة المجيد، وانبرت بحماس منقطع النظير لحمل لواء الدفاع عنها. فكان قدري أن أكون ـ وقد صرت بقعة سوداء تهدد نقاء بريق الأسرة وبهاءهاـ موضوعا محببا لعدوانية المرأة وهدفا مشروعا لمختلف دفاعاتها ، ثم أن فكرة أنني ربما أقدم يوما من الأيام على طلب يد ابنتها للزواج، قد طاردتها في وقت مبكر جدا من وصولي للإقامة عندها. كانت تلك فكرة مجنونة حينئذ ، لكن أم زينب تعاملت معها بجدية وحزم لا ينقصهما الإصرار والعزم . في البداية حاولت المرأة أخفاء حقيقتي عن الآخرين ، فكانت تقدمني تارة على أنني أبن أخ زوجها غير الشقيق ، وتارة أخرى على أنني أبن أحد أتباع ألأسرة ومريديها ، وحين سطعت حقيقتي ألمرة أمام جميع المعارف ، لجأت إلى إذلالي والتنكيل بي ، على أمل أن تدفع الشفقة خالي إلى إعادتي لأمي ، أو أن يبلغ أمي خبر ما ألاقي فتطالب باستعادتي ، لكن خاب رجاؤها . فقد قصرت شفقة خالي دون أن تبلغ المدى الذي كانت تؤمله ، وتوفيت أمي فجأة من دون ـ حتى ـ أن تسأل عني . فجن جنون المرأة وضاقت عليها الأرض ، فاستدعت المزيد من الكراهية اتجاهي وأمعنت أكثر في إدانتي واذائي . فغرست في أذهان أولادها فكرة أنني نجس، فكانوا يحتقروني، ويتجنبون مخالطتي. وقد ألصقت بي نقيصة السرقة ، فكانت تسارع إلى أتهامي من غير بينة، كلما أضاع أحدهم شيئا أو نسيه ، وكانت حين تضبطني أجلس على فراشهم ، أو تراني ، ألعب معهم ، يتملكها غضب عارم فتقوم بطردي ، فالمكان الوحيد الذي كان يحق لي الجلوس فيه هو تلك الغرفة المعزولة بركن الحوش ، بحصيرتها البالية ، ووسادتها الضامرة ، وجدرانها المتشققة ، وسقفها المهتريء والتي كان يتقاسمها معي في غالب الأحيان ، قطيع من الخنافس وأزواج من الجرذان. وكانت تجعلني أنتظرـ عندما يكون خالي غائبا ـ حتى يفرغ الجميع من الطعام فتدفع إلي بالفضلة أو تتركني ـ حين أرفض ـ للجوع ينهش في من غير أن تأخذها شفقة بي ومن دون أن ترحمني . وكانت كلما لمست في خالي ميلا نحو الاهتمام بي، وقفت له بالمرصاد، وزادت في جرعات تنكيلي. ويوم جاء بالسرير والبطانية الجديدة وقرر من دون أن يستشيرها، هدم غرفتي تلك وإعادة بناءها من جديد ، قلبت بياض نهاره ليل لكثرة ما لامته. وسمعتها تحاججه، بلغة ملأها السخرية، والتهكم.
ـ هل عادت أمك إلى إرهابك من جديد لكي تبذر نقودك هكذا ؟
ـ رحمة الله على أمي، إنها لم ترهبني يوما في حياتها، ولم تقس علي أو ترفض لي طلبا.
ـ لكنها فعلت بعد مماتها ، وسلطت عليك الوحوش لتطاردك في المنام !
ـ عم تتحدثين ؟
ـ عن لسر الذي طالما أرقتني محاولة استكناهه !
ـ أي سر أجننت ؟
ـ سر، الرحمة التي تفجرت في قلبك فجأة، نحو أختك بعد موت أمها، وذهابك من وراء ظهورنا، سرا لزيارتها، وعودتك المباركة إلينا وأنت تحمل بين يديك سوءتها.
ـ ومن أطلعك على ذالك ؟
ـ لا شيء يبقى سرا إلى الأبد.
ـ كان تأنيب ضمير قاس ومؤلم، وكان لا بد من الاستجابة له. لقد تحولت حياتي إلى كابوس، قبل أن أفعل.
ـ أعرف مفسر أحلام أذكى ، من المأفون الذي لجأت إليه .
ـ لم يكن يجدر بي ـ أصلا ـ اللجوء إلى مفسر أحلام ، فالأمر كان جليا بما فيه الكفاية .
ـ ربما كان كذالك بالنسبة لك ، لكنه بالنبسة لنا لم يكن كذالك .
ـ أنا من كان يمضي الليل كله يتقلب في ذاك الجحيم، بينما كان صخب شخيركم يعم أرجاء المكان.
ـ وماذا كنت تتوقع منا ، وقد آثرت التكتم على معاناتك ، وحين قررت أن تبوح بها لجأت للغير .
ـ لم أتوقع منكم غير ما تفعلونه ألآن، ولذالك أخفيت عنكم ما أعاني.
ـ أكنت تريدنا، أن نستقبل هذه المصيبة بالأهازيج، والزغاريد ؟
ـ وما نفع البكاء والنواح ؟
ـ حسن، إذا ما حاولت أمك أن تبتزك مرة أخرى، فأيقظني.
ـ أرجوك ، كفي عن السخرية مني .
ـ أنا لا اسخر منك، لكنني أتوقع أنها في المرة القادمة ـ وبعدما جربت النمور ونجحت في ذالك ـ سترسل عليك السباع. وستشترط عليك ـ حين تلجأ إليها ـ أن تزوج هذا النحس إحدى بناتك ، حتى تحميك .
ـ أحسني مثواه، ودعك من هذا التخريف، فعسى أن ينفعك في الدنيا، أو تنالي به ورضا ربك.
ترك ـ حادث وفاة جدتي فجأة، ومن غير أن يتمكن خالي من رؤيتها ـ إحساسا بالذنب في نفسه غائرا كثيرا ما عذبها. فكان كلما أخلد للنوم، يرى ـ وكأن ـ نمرا ضاريا يلاحقه. و في كل مرة كان يوشك أن يوقع به، كانت أمه تهب من مرقدها وتسارع إلى نجدته، فتأخذه في حضنها بحنان وعطف متصدية للوحش المفترس بجسدها. لكنها كانت، لا تلبث أن تفلته فجأة، فيعود الوحش الهائج، لمطاردته من جديد. ومرة تشبث بأحضانها والخوف قد تملكه ، ورجاها رجاء حارا بألا تتركه ، فرق له قلبها واستجابت لرجائه ، لكنها طلبت منه في مقابل ذالك ، أن يصل رحمها بزيارة أخته ، وبأن يأخذني معه ويحسن إلي وأن يتولى من ثم عبء تربيتي. وبعد اكتشاف أم "زينب" لما أسمته سر الرحمة، والتي هبطت على قلب خالي حيالي وأمي فجأة، أدركت أن أمر التخلص مني، أمسى أصعب مما كانت تتصور، فلم يعد أمامها من سبيل سوى أن تزيد من قسوتها علي، فعسى أن يدفعني ذالك إلى ترك البيت والهرب ، أو أن تغري بي خالي وتوغر صدره علي ، فلعلها تنجح يوما في حمله على طردي .
ما حيرني وأثار في نفس الوقت دهشتي ، طريقة أم "زينب" في التعامل مع ما حدث . فقد أنقضى شهران وأنا أبحث جاهدا، عن أي أثر له في تصرفاتها أوـ حتى ـ في تقاسيم وجهها، لكن بدون جدوى. وفي المرة اليتيمة التي تحدثت إلي في الموضوع قالت لي في أدب وبود يشبه الحدب :
ـ لا أرى بأسا في أن أذكرك بأن "زينب" منك بمنزلة الأخت الشقيقة، فشرفها شرفك و وعرضها عرضك، وكذالك كرامتها. إنها صغيرة ، ومجنونة بعض الشيء ، لكن نصحك ، سيفيدها ،وإرشادك سيجعلها في مأمن من مزالق المراهقة . وحبذا لو تنبهها من حين لآخرـ كلما رأيت أنها تنساق وراء عواطفها ـ بأن ثمة حدودا لا يجوز تخطيها. وبأن المسافة بينكما لا ينبغي أن تلغى. فراود ني أمل ، وأذكته رغبتي ، في أن تكون المرأة قد غيرت موقفها مني ، فآثرت كتمان ما حدث ، وأخفته عن خالي ، كعربون مودة واستدرار لثقتي . قلت ل"زينب" ـ وكنا نلتقي للمرة ألأولى منذ تلك الحادثة ـ
ـ لم أتوقع أن تكون ردة فعل أمك خجولة هكذا ؟
ـ خجولة ؟! ألم تشبعني ضربا ولكما وشتما، أم كنت تتوقع منها أن تقتلني ؟
ـ لا تنسي إنها كانت ترى أسوء مخاوفها يتحقق أمام عينيها ؟
ـ هل ذالك مؤذ إلى هذا الحد ؟
ـ ألم تنظري إلي ساعة اقتحمت علينا الغرفة.
ـ أكان ذالك، هو أسوء مخاوفك ؟
ـ لا تتظاهري، بأنك تجهلين ذالك.
ـ كان في ذهني شيء آخر .
ـ شيء مثل ماذا ؟
ـ ظننت أن أسوء مخاوفك كان ـ ونحن وحدنا ـ ألا تصمد مقاومتك طويلا أمام سحري.
ـ ألا تنسى المرأة ـ أبدا ـ بأنها امرأة ؟
ـ وماذا يبقى منها بعد ذالك ؟
ـ حتى ، وهي في ورطة ؟
ـ مشهد صراع الرغبة والرهبة في عيون الحبيب ،أمتع من أن تنسيه أية ورطة .
ـ أي نوع من الشعور يمدك به ذالك ؟
ـ ليس مهما أن تعرف ذالك وحسب، بل ينبغي عليك أن تحس به.
ـ كيف ؟
ـ يجب أن تكون امرأة أولا، وأن تكون عاشقة ثانيا.
ـ أنا آسف، إذا كنت جعلتك تشعرين بالإهمال إلى هذا الحد، وعموما فان، تلك المخاوف كانت مجودة في نفسي دائما، سواء وجدنا لوحدنا أو مع الناس، لكن، ولكثرة ما قارعتها وقاومتها، غدت بالنسبة لي عناء مألوفا. وقد استمرأته .
ـ هل علي أن أحلم، بأن مصير خوفك من أمي سيلاقي نفس المصير ؟
ـ لم، لا، ما دامت تلك ردة فعلها، وهي ترى أسوء مخاوفها يتحول إلى حقيقة ماثلة للعيان ؟
ـ أخشى ألا يكون، ما حصل كان أسوء مخاوفها ؟
ـ وماذا يكون ، إذا لم يكن هذا ؟ أن أغرر بك مثلا ؟
ـ تغرر بي ! لا . لا أظن ذالك .
ـ لم يبقى إلا، أن تحبينني ، وأحبك ، ومن ثم أتقدم لخطبتك ، وحتى لو كان ألأمر كذالك ، فان من شأن ما حدث أن يؤجج مخاوفها أكثر.
ـ بدون شك .
ـ فلماذا تكتمت عليه ـ إذا ـ إلى درجة أنها لم تثره ولو مع خالي ؟
ـ ربما اعتبرت ألأمر فضيحة، ستكون ضحيتها ألأولى ـ إذا ما أثيرـ ابنتها ألأثيرة عندها.
ـ كانت تتذرع به ـ على ألأقل ـ لتؤذيني أكثر، طالما أنها كانت ـ من قبل ـ تفعل ذالك بالمجان .
ـ ومن قال أنها لا تفعل الآن ؟
ـ الطريقة التي كلمتني بها عن الموضوع ، أسلوبها بعد ذالك في التعامل معي، يجعلني أعتقد، بأنها أصبحت تنظر إلي بعين ، غير تلك التي كانت تنظر إلي بها في الماضي، بل ، أنني أكاد أجزم أنها بهذه الايجابية ، إنما تشجعنا ، وتبارك من ثم علاقتنا . سكتت "زينب" برهة قبل أن تقول ـ وابتسامة جافة تطل من بين شفتيها:
ـ لماذا ضربتني ـ إذا ـ وشتمتك على ذالك النحو .
ـ أظنها تفاجأت قليلا ، لكنها وبعد أن هدأت ، أعادت تقييم الموضوع بشكل ايجابي . تأوهت عندئذ ، وقالت :
ـ وددت لو أن بذرة التفاؤل فيك هذه، تنمو حتى تزهر، وتكبر وتتفتح وتثمر. وكم أتمنى أن تعلو نبرة ألأمل تلك في صوتك إلى أن يعانق صداها عنان السماء. لكن ؟ وسكتت ، وظلت واجمة إلى أن قلت ـ وأنا أحاول استكناه سر وجومها ـ
ـ لن أكون منصفا، إذا لم أتفهم أمك، حينما ترفض بشكل أو بآخر علاقتنا، وسيكون من قبيل ألأنانية لومها في حالما إذا رفضت ـ عندما أتقدم لك ـ زواجنا، فأنا لن أكون في أي حال من ألأحوال ، إضافة ايجابية لحياتك .
ـ ليتها هي تكون منصفة ، وليتها تتخلى عن أنانيتها ، وتتفهم حقيقتي كوني أحبك ، وتترك ، حساب وتقدير مايحدث بعد ذالك علي . لكن ... وسكتت مرة أخرى .
ـ ألا تلاحظين بأنك للمرة الثانية تستدركين على هذا النحو ، ودون أن تفصحي ؟ جذبت نفسا عميقا ، وقالت :
ـ أخشى أن أمي تخدعنا، بإيهامنا أنها غيرت موقفها منك ايجابيا ؟
ـ ولماذا تفعل ذالك ؟
ـ ربما تخطط لشيء ما ؟
ـ شيء ما مثل ماذا ؟
ـ لا أدري، لكن "عيسى" لا يبرح منزلنا !
ـ "عيسى" الساحر ؟
ـ نعم . ضحكت ، وأنا أقول :
ـ أهذا ، هو سر كل ذاك الحزن في عينيك ؟ ثم أردفت : إذا كانت ستعتمد على السحر، للتفريق بيننا فلا بأس . فلأننا لن نكون نحن أنفسنا عندئذ ، فإننا لن نتعذب كثيرا .
ـ ومن تراني نكون ؟
ـ مجرد مسحورين، بلا مشاعر أو أحاسيس. وضحكنا برهة، قبل أن أقول:
ـ ألا ترين بأننا ربما نظلم أمك قليلا ، وما أدرانا إنها لم تغير مني ايجابيا موقفها ؟
ـ لا تبني أحلاما . فأمي ليست من النوع الذي يتغير بهذه السهولة .
ـ ها أنت تقعين في مصيدة التشاؤم .
ـ لم أراهن قط على دعم أمي لعلاقتنا، ولن أنتظر منها أبدا أن تفعل، ويوم ضبطتنا متلبسين بما اعتبرته الجرم المشهود ، لم أرى في عدم إثارتها ألأمر مع والدي، ما رأيته أنت. فهي لم تفعل ذالك رحمة بنا، ولا من أجل سواد عيني أو عينيك، لكنها لم تكن واثقة من أن ردة فعل والدي ستخدم أهدافها كما تشاء وتهوى ، فقد تكون أعنف وأقسى مما يجب أو مما تريده هي على كل حال ، أو تكون غير متوقعة ، كأن يدفعه الخوف على شرفه على أن يقوم بتزويجنا درءا للفضيحة . ثم إنما اعتبرته أنت ردة فعل خجولة من طرفها، لم تكن بالنسبة لي كذالك. فهي لم تكن لتضربني على ذالك النحو الذي رأيت ، لو لم تكن المسألة بالنسبة لها مسألة حياة أوموت ، إذ أنه لم يسبق لها ـ أبدا ومنذ أن وعيت ـ أن أغضبتني ـ أحرى أن تمد علي يدها . إن ما حصل في ذالك اليوم قد أجج مشاعر كراهيتك في نفس أمي أكثر من أي وقت مضى ، فكن حذرا ، وموقفها منك إن كان قد تغير فنحو الأسوأ فلا تنخدع بالمظاهر . لقد كرهتك منذ اللحظة الأولى التي رأتك فيها، ومازالت، وستظل كذالك والى ألأبد. لكن، لا مانع في أن يتلون تعبيرها عن كرهها لك ومقتها، بأي من الألوان التي تنتجها رغبتها حسب متطلبات الظرف.
ـ انك تخيفينني ، بل ترعبيني ، فأين كنت تخبئين هذا كله ؟ تطفر الدمع في عينيها ، قبل أن تجيبني ، ثم غمغمت في خذلان واضح ، وتقهقر وقالت :
ـ لم أحسن تقدير ألأمور كما ينبغي ، ولم تتوضح لي بمثل ما هي عليه ألآن . وفي ظل الحصار الذي ضربته أمي على تحركاتي ،منذ عودتنا من البادية ، فان الوقت الذي كنا نحظى به ، كان أقصر من أن يتسع لنقاش هذه الأمور، وكان في ذات الوقت أغلى من أن يهدر في هكذا كلام .
ـ لم تحدثيني عن حصار، ولم تشيري إليه ولو بالتلميح، قلت بأنك ستتوقفين عن إحضار الفطور مؤقتا ، إلى أن يهدأ غضب أمك ، وتستعيدين ثقتها ، وفي نفس الوقت بررت لي ، رغبتك في إلا نلتقي بالمدرسة ، بأن ذالك لم يعد يناسبنا الآن ، وبعدم ملائمة المكان .
ـ لم أشأ أن أحرم نفسي من رؤيتها السعادة في عينيك ، وقد عز علي وأنا أراك مغتبطا وفرحان ، أن أطلعك على الحقيقة ، فتغرق من جديد في مستنفع الأحزان . فبعد لقائنا ألأخير، ولدى عودتي للبيت ،أغرت بي أخي فكاد أن يقتلني ، وهددني ـ وأقسم ـ بأنه سيقتلك ويقتلني إذا مارآنا معا أو رآني أدخل غرفتك ، ولولا أنه سافر اليوم ـ في مهمة للوالد ـ إلى البادية لما حظينا بهذا للقاء . خرت كثور هائج، وأنا أرى ـ في ألم مكين ـ وسم السوط على ذراعيها، وطفقت ألعن بصوت مسموع، أخو الفتاة، وقد أنساني الغضب انه أخوها .
ـ آه يا جميلتي ، كيف تتقلبين في أتون هذا الجحيم ، وأنا أتفيأ في بلاهة ظلال ود أمك المزعوم؟ كيف تعيشين وسط كل هذه المعانات ، وأنا منشغل بالتغيير الكاذب لموقفها مني ، مغتبط به كالغر في غباء ولا مبالاة ؟
ـ لم أكن لأعبأ بهم ، وبما يفعلون ، لولا خوفي من أن يسيئوا إليك .
ـ لا أريد أن ألومك، لكنك، كنت عنيدة ـ ورغم تحذيراتي المستمرة لك ، إلا أنك تماديت كثيرا. أشاحت عني بوجهها وتنهدت ، وقالت في مايشبه التمتمة :
ـ ليت ألأمر يقتصر على هذا، لكن...
ـ عدنا، ل"لكن " مرة أخرى ؟ حسنا ، وماذا بقي أيضا
أقبلت علي بوجه مذعور وشبكت يدها بيدي، وقالت ـ والبكاء يخنف صوتها، وكأنها تترجاني:
ـ أن أمي توشك أن تفقد صوابها، وأخشى أن يدفعها حنقها إلى أن تقدم على عمل مجنون.
ـ عمل مجنون مثل ماذا ؟
ـ لست أدري، لكنها وضعت حبك في كفة، وحياتك في أخرى، وطلبت مني أن أختار !
ـ وقد اخترت حياتي، حتما؟!
ـ أمي حاقدة ، والحقد يولد القسوة ، والقسوة تعمي البصر وتطمس البصيرة .
ـ وما هي ،حسب رأيك حدود قسوة أمك ؟ أقصد : هل علي أن أصدق بأنها ستقتلني فعلا ، إذا لم تذعني ، وتقطعي علاقتك بي ؟
ـ هذا ما أرادت أن تفهمنيه .
أفجعني حديث الفتاة وأرعبني، وشل قدرتي على التفكير. فأخذت ذقنها في كفي، وأدنيتها ونظرت ـ بشك وريبة ـ في عينيها وقلت ـ وحنقي، وغضبي يعصفان بي ، وكربي من فقدانها يتفاقم بداخلي ـ قلت :
ـ كنت واثقا من أنك لن تصمدي، إذا ما مورست عليك ضغوطا جدية. ومن أن حماسك المفرط لعلاقتنا لا يعدو كونه فورة مراهقة . وعلى كل حال، فأنت ـ يا عزيزتي ـ لست مضطرة إلى أن تجعلي من أمك مجرمة، لكي تبرري تخاذلك أخيرا، وانسحابك المبيت من علاقتنا. قلت هذا ثم رحلت، دون أن أمنحها فرصة للرد، أو للدفاع عن نفسها. كانت ردة الفعل هذه مني، مجرد تمويه على حالة الصدمة التي تلبستني، وهروبا من أحساس مؤلم ألم بي، بأنني مجرد مغفل كبير، لا يكاد يرى أبعد من أنفه، أو يفقه أكثر مما يمده به حسه المباشر.

سارونا
16-02-2010, 06:16 PM
الكثير من المعالم والحقائق التاريخية والتفاصيل في حروب القبائل القديمة
الشجاعة والإقدام على رغم من عدم تغليب المنطق ... كانت مثيرة
جري الناس وتدافعهم والخوف من وقوع المعركة كان أيضاً مشهداً تصويرياً مروعاً ذا تأثير مخيف وذلك مخافة حدوث حرب لا تحمد عقباها .. أيضاً السرعة في الرد والاصرار في الخطاب المتبادل جيدة
على الرغم من أني لم أجد قوة لكلمة العقل وصداها في نفسي.. وهذه تستكن إلى البطل خصوصاً فلا أجد أنه تميز سوى بالضعف في الوقت الذي أحتاج أنا القارئة موقف أشد حزماً وصرامة لا موقف قد يعطى لبطل المرتبة الثانية .
لا أعلم أنا توقفت عند المقطع الثالث قد تكون هذه هي البداية بالنسبة له

محمد جواد
20-02-2010, 02:24 PM
طرق باب غرفتي طرقا متلاحقا فجر أحد ألأيام. فقمت إليه لأفتحه والتثاقل يشدني ، ولا أكتمك أني أوشكت على أن أصرخ جذلانا، إذ وجدت "زينب" هي الطارق، فقد أنقضى شهران ـ كأنهما دهرـ من دون أن أكلمها أو تكلمني. لكن شعورا ما ـ لعله الإحساس بالانتصار غذى كبريائي فتمالكت نفسي، ليتحول الصراخ المحتشد في حنجرتي، إلى إيماءة ـ هادئة ـ إليها بالدخول، ولينقلب الجذل في عيني إلى حالة شبيهة بعد الاكتراث. قالت " زينب" في قلق وتوتر ـ وهي تقف بعتبة الباب دون أن تبرحها:
ـ إنني مرتابة إزاء نوايا أمي، وبعض تصرفاتها باتت تقلقني. وأخشى من أنها بعدما يئست مني ، قررت أن تنفذ تهديدها . فبعيد صلاة المغرب بقليل، رأيتها مع "عيسى"، وقد أعطاها ـ وهو يودعها ـ شيئا ملفوفا مثل الصرة ، وسمعته يقول لها ـ بسخرية هامسا :"ستكون مهمة عزرائيل، هذه المرة أسهل بكثير من سابقاتها ، فهذا السم فتاك وسريع المفعول ، وسترين بأم عينك " . استمعت إليها في صمت مذهول، لكني كنت أتظاهر بعدم الاهتمام، وقلت حين أنهت كلامها:
ـ أمازلت مصرة على أن تجعلي من أمك مجرمة ؟
ـ هذا ما يبدوا أني أفعله ـ يا اسفا ـ ما دمت متشبثة بك . قالت هذا ثم غمغمت مردفة بألم وحسرة :حسبي عنتا أنني أجبرت أمي على اللجوء إلى هذا المسلك .وآخر ما أحتاجه منك ـ على كل حال ـ سخرية من هذا النوع . لكن حتى لو لم تصدق بأني افعل هذا من أجلك ، ففكر في أنني لا أريد أن أفقد أمي بسببك .
ـ تبدين جادة ؟
ـ كم يقلقني أنك لست كذالك . قالت "زينب" هذا منفعلة ، ثم همت بالانصراف. لكنني اعترضت طريقها وقلت:
ـ لا، لا يمكنك أن تشعلي النيران في قلبي هكذا، وتتركيه يحترق وترحلين. قالت:
ـ أرجو أن يكون ذالك حافزا لكي تأخذ كلامي على محمل الجد .، قالت هذا ثم تنهدت، قبل أن تعود أدراجها. وتتركني للذعر والخوف يعربدان في نفسي .
هذا استنتاج كان من العسير على سوء ظني ـ في أخصب لحظاته ـ أن يصل إليه. بأن يبلغ الحقد، والكره بتلك المرأة حدا يجعلها تفكر جديا في التخلص مني، بأن تسلبني حياتي بكل برودة وقسوة ، ولم أجرم إلا أني عشقت ابنتها وعشقتني.
أتراها حسبتني ميتا ، ومنذ اللحظة التي ضبطتني فيها مع ابنتها ، فغيرت طريقتها في التعامل معي ، من باب الإحسان على الموتى ، أم تراها فعلت ـ إذ حسمت أمر قتلي ، بينها وبين نفسها ، فأمسى في حكم الواقع وقدرا قد قدرـ ذرا للرماد في العيون ، ونأيا بنفسها عن موقع الشبهة ؟ أين كانت تخبئ كل نوايا الشر هذه ، وهي تحثني على ضرورة الاجتهاد لكي أنجح متفوقا ، فأضمن بذالك لنفسي الحصول على منحة ؟ وحين كانت تصر على أن يحمل الطعام إلي في غرفتي ، حرصا منها ـ كما تزعم ـ على عدم إضاعة وقتي، فكيف كانت تداري خبثها ، وأي قناع كانت تلبس ؟
فشل السحر ـ إذا ـ فلينجح السم .
أمضيت شهرا كاملا ـ وأنا ـ في حالة تشرد تام ، أقضي النهار مع هذا الزميل، وأتناول العشاء عند ذاك. لأعود إلى البيت عقب ليل متسللا، أسترق الخطى في حذر، ومع طلوع الفجر أرحل مجددا لأستأنف رحلة التشرد تلك. وقد تطلب مني تبرير هذا السلوك ، اختراع عشرات الحجج والأعذار، لكن الشك لم يلبث أن بدأ يساور خالي ، فقد أدرك بأن حججي كانت أوهى ، من أن تفسر ذاك المسلك الغريب . ليزداد ـ بذالك ـ وضعي صعوبة ، ولتغدو المواجهة أمرا محتما . فقد انتظرني ذات ليلة ، بصبر وإصرار ، ولدى عودتي إلى البيت متسلقا الحائط ، ابتدرني قائلا ـ في لغة لم تخلوا من تأنيب وتعنيف :
ـ لا تنط هكذا ـ كاللص ـ من على الحائط .
ـ العفو، يا خال، الوقت متأخرا قليلا، وقد خفت إن أزعجكم.
ـ بل هو متأخر كثيرا ، لكن ليس ذالك ما يزعجنا فقط . فما يزعجنا حقا هو اتخاذك بيتنا كالنزل المؤقت تأوي إليه ساعة النوم .
ـ أخبرتك بأنني استأجرت ـ مع بعض الطلاب، غرفة للمراجعة.
ـ جيد أنك قلت للمراجعة، لكن ليس للعيش فيها. وأظن أن ثمة فرقا. أليس كذالك ؟
ـ بلى ، ولكن ... ،
ـ لا أريد المزيد من الكلام حول هذا الموضوع، فمثل هذا السلوك لا أريده أن يتكرر منك.
كان الرجل نموذجا يحتذي في الطيبوبة ، والكرم وحسن الأخلاق . وقد تسامى كثيرا على نفسه وروضها، فتقبلني صابرا في رضي واحتساب. ومع أن حقيقتي المرة كانت تصدح في بيته، صباحا ومساء، وتصفعه على الوجه و تطعنه في الكبرياء. إلا أنه كان يعطف علي ويحنو، ويعاملني كما لو كنت أحد أبنائه. فما خصهم بشيء دوني وحرمنيه ، اللهم إلا فيما قل وندر . لكن معيبته الكبيرة كانت ـ ونقطة ضعفه ، برودة أعصابه المميتة ، وخضوعه المرضي لإرادة زوجته واستسلامه التام لجبروت سطوتها. فقد كان يصدقها عندما تقول ، وحين تفعل كان يذعن لفعالها ، ولانه كان كذالك ، فلطالما خذلني كلما كنت ألوذ بحماه من شرها ، ويكتفي بتهدئتي ومواساتي على نحو بائس وحزين ، شأن أمي عندما كنت أحتمي بها من بطش زوجها الشرير. وتمنيت في تلك اللحظة ـ لو لم أكن محبطا ، و يائسا من قدرته على نصرتي ، وأنني لم أكن قد كفرت ـ نهائيا ـ بجدوى اللجوء إليه . وإذا، لجلست إليه وحدثته، حديثا ـ كما يقولون ـ ذو شجون. سأشكوه بأثر رجعي كلما لاقيته من عنت زوجته وأذاها، و سأبثه كلف روحي وهيامها ب"زينب" الحسناء الوديعة. وسأسأله عما إذا كان يرى في ذلك ذنبا كبيرا يستحق أن يدان ، حتى تطالني لعنة أمها ، فتحكم علي بالإعدام . وسأخبره عن هواجس نفسي، ومخاوفها، وأشياء أخرى كنت أتمناها. وأقول له ـ أهم من ذالك كله ـ أنه بطلبه مني هذا إنما يسوقني دون أن يدري إلى ملاقاة حتفي و ....
أنهيت حصتي ألأولى في المدرسة بدون تركيز ، قبل أن أشتأذن في الانصراف .ثم عدت إلى البيت متحديا خوفي ، وقد عقدت العزم على المواجهة . وعلى أن أضع مزاعم " زينب" أو شكوكها، موضع الاختبار. لا لأن الهروب والاستمرار في سياسة التشرد تلك ، غدى أصعب مما كان ـ خصوصا بعد ذاك التأنيب المبطن بالتهديد من طرف خالي الطيب العزيزـ بل لأنني لم أعد أطيق ألابتعاد عن "زينب" أكثر من ذالك .
كانت أم "زينب" تستعد للخروج ساعة وصلت إلى البيت إلا أن مجيئي غير المتوقع ـ فاجأها وجعلها تعيد ترتيب أولوياتها . فقررت ـ على ما يبدوا ، وبعد تردد لم يطل ـ أن تباشرـ بلا إبطاء ـ تنفيذ جريمتها . فهذه فرصتها وقد واتتها على هذا النحو العجيب، إذ لا شهود في المكان، والضحية وحيد. عرفت ذالك من اضطرابها ، وهي تستقبلني ، وتصلب عضلات وجهها رغم الابتسامة العريضة ، وزيغان نظرتها وارتباكها، فقد خرجت ، ثم عادت من دون سبب واضح ، قبل أن تذهب ، ثم تعود من جديد ، مدعية هذه المرة ـ أنها نسيت شنطة يدها ، وبأنها نسيت أن تقول لي ، أن أخبر "زينب" عندما تعود ، أن تكمل إعداد الغداء ، لأن الشغالة لن تأتي . فقد انتدبتها حسبما زعمت ـ لتساعد ـ نيابة عنها ـ في تجهيز عرس بنت إحدى زميلاتها. ثم قدمت لي ـ وقبل مغادرتها "زريقة" من لبن الإبل أعدتها على عجل ، وخبزا وقديدا مسحوقا وبعض السمن وقالت وهي تناولنيه برجاء كله نفاق :
ـ لا ينبغي أن تنسيك المراجعة ضرورة الاهتمام بتغذية جسمك ، فقد ضمرت كثيرا خلال الأسابيع الماضية ، حتى ليخيل إلى من يراك أنك مريض، ثم أردفت ـ وهي تودعني ، وداعا لا شك أنها حسبته سيكون ألأخير ـ أردفت : لن أكلك على نفسك بعد الآن ، ومن هنا ،وإلى أن تنتهي الامتحانات ، ستجد طعامك في غرفتك مهما تأخرت سواء بالليل ، والنهار. كنت أنظر إلى المرأة دون أن أراها ، فقد حجبتها عني غلالة دهشتي ، وكنت في نفس الوقت أستمع إليها ، إلا أنني بالكاد كنت أسمعها ، فحالة الترقب والتوتر التي كنت أعيشها ، جعلتني أحس صوتها كالطقطقة تصلك من بعيد .
جلست منهارا ـ وأنا أراقب في ذهول ـ تبدد الحياة من روح قطة ، دفعها شرهها ،وسلطان البطن الجائرالى ذالك المصير المؤلم . فبينما كنت شارد الذهن مستغرقا في حيرتي ، أفكر فيما ينبغي علي فعله ، أنقضت المسكينة ـ بمهارة وخفة على القديد المسموم تنهسه . ومع كل ذرة كانت تتبدد من حياتها ـ كنت أفقد كما من وعييي وتركيزي ، إلى أن أسلمني مشهد آخر ذرة تبددت من حياتها إلى غياية الغيبوبة المظلم . ما حدث خلال الساعة التالية لم أعه، وحين أفقت وجدتني في حجر "زينب". أية إثارة تلك التي كانت تجلل في وقار محياها ، وأي سحر تلألأت به شآبيب الدمع المنهمرة من عينيها النجلاوين . وأي عذوبة فاضت بها وجنتاها، فزخرتا بالنضارة والبراءة، وبالطهر. ضغطت برأسي في حجرها احتمي به من عذابات روحي وآلامها ، ثم هتفت بها قائلاـ بنبرة محموم ينشد الدفيء ، وعيناي مازالتا نصف مغمضتين :
ـ سوف يؤذونك يا حبيبتي ، إذا ما اطلعوا على وجودك معي ؟ غمغمت قائلة في لامبالاة وتحد ، والدموع تزداد تدفقا من عينيها :
ـ لن يؤذوني أكثر من هذا ، وما عاد في جعبتهم ما يخيفني ، فرصاصتهم التي كنت أرهبها ، قد أطلقوها فحرروني . فقلت ـ وأنا أحاول خلسة أن أخلع رأسي من حجرها ، وقد سرت في جسدي رجفة خوفا ،وإشفاقا عليها من قسوة أمها إذا ما ضبطتها معي ، أو من أن يفاجئنا ـ ونحن على هذه الوضعية أخوها ـ قلت :
ـ الذي يقتل ـ يا حبيبتي ـ وببرودة، وقسوة هكذا، لا يمكن لشيء أن يردعه عن فعل أي شيء آخر. قالت ـ وهي تتشبث برأسي ، وتضمه أكثر في حضنها ـ
ـ لا تقلق يا حبيبي، فليس بالبيت أحدا غيري.
ـ قد تعود أمك في أي وقت، ولا أريدها أن تجدك معي.
ـ لم تذهب أمي إلى أي مكان، وهي على علم بوجودي معك.
ـ آه لا تسخري مني .! ؟
ـ لا أفعل ، تلك هي الحقيقة .
ـ لكنها قالت لي بأنها لن تعود قبل المساء، وأوصتني أن أخبرك...
ـ كان يجب أن تبقى قريبة، تحوم حول مسرح جريمتها، حتى تتمكن ـ إذا ما تمت ـ من طمس الأدلة، وإخفاء كل أدواتها، ثم إنها كانت تخشى، أن يعود أحد أفراد الأسرة لأي سبب كان، فيقع في مصيدتها التي نصبتها لك.
ـ وتشاء الصدف أن تكون خشيتها في محلها ؟
ـ كادت أن تجن وطارـ من شدة الجزع صوابها، حين رأتني مقبلة نحو البيت. فسابقنني إليه وسبقتني ، وكادت أن تنجح في مسعاها ، محو كل آثار الجريمة ، حين استبقتني في العريش إلى جانبها وشغلتني في إعداد الغداء ، لكنها كانت تبدو مضطربة ، وخائفة إلى حد الذهول ، ولم تلبث أن غافلتني ، وتسللت لواذا إلى غرفتك ، حينئذ أدركت أن ثمة سرا ما وراء حالتها غير الطبيعية تلك . وقبل أن تغادر الغرفة حاملة أدوات جريمتها وقفت لها بالباب ، وسألتها ولساني يعقله الفزع
ـ ماذا يجري يا أمي ؟ إلا أنها تفادتني ، وذهبت دون أن تجيبني ، وأوشك قلبي أن يتوقف حين رأيتك مسجى على ذالك النحو المخيف ، لكنني عندما رأيت القطة المسكينة وقد نفقت وقطعة القديد بين أسنانها أدركت أنك قد نجوت فتنفست عندئذ الصعداء .
ـ يبدو أنها بسبب الارتباك نسيت أن تأخذ معها القطة ، أو لعلها لم ترها من فرحتها بنجاح ماخططت له ؟
ـ أيا كان الأمر، فقد كان ذالك في مصلحتها، فقد كنت على وشك أن أصرخ وأجمع الناس من حولها، فينكشف أمامهم ما أرادت أن تستره، وتمسي فضيحتها على كل لسان ـ
ـ ومنذ متى وأنت هنا ؟
ـ منذ حوالي ساعة.
ـ لم تكملي حصتك اليوم، أليس كذالك ؟
ـ ولم أفعل ذالك في الأمس ولا في اليوم الذي قبله ، بل أنني لم أكمل أية حصة منذ ذالك اليوم الذي سمعت فيه أمي ، وعيسى يتفقون عليك ، فقد كنت مصممة على إلا أدعها تنفرد بك مهما كلفني ذالك ، ومع أن حالة التشرد التي كنت تحياها قد أعانتني كثيرا و سهلت من مهمتي ، إلا أنني كنت أخشى ـ كما حدث اليوم ـ من أن تفلت من رقابتي فتظفر بك . خصوصا أنها بدأت ومنذ أسبوع تقريبا تحرض عليك أبي باستمرار، و البارحة عرفت أنها قد نجحت وبأن تحريضها أتى أكله، عندما سهر الليل كله ، لا لشيء إلا ليؤنبك ، ولأنني توقعت أنه لم يعد أمامك من بد ، سوى أن تذعن لمشيئة والدي فقد سعيت لألتقي بك اليوم في المدرسة ، لكي أجدد لك التحذير ، ولأعرف ماذا تنوي أن تفعل ، إلا أنني تفاجأت بأنك لم تكن بالفصل ، ولأنه لم يكن من عادتك أن تتخلف هكذا فقد قلقت عليك وانتابتني الهواجس ، وزادت حالتي سوءا ، عندما أخبرني أحد الطلاب بأنك حضرت الساعة الأولى ثم استأذنت وانصرفت .
ـ وفكرت في أنني ربما ذهبت إلى البيت ـ ومادام الوقت مبكرا ـ فلابد أنني سأجد أمك هناك، وأنها ستنتهز الفرصة... كفي أرجوك، لا تكمل، هكذا قالت "زينب" وعادت تنشج من جديد بالبكاء، ثم أردفت قائلة ووجهها كأنه يحترق من شدة لوعتها ووجنتاها ـ
ـ لا يمكنك أن تتخيل مدى جزعي ، وأنا اركض كالمجنونة، وفظاعة هذا لسيناريو الرهيب تلاحقني.
ـ كان يفترض أن تكوني أقل قلقا ، مادمت قد حذرتيني مسبقا ؟
ـ لكنك لم تصدقني، ولم تحمل على محمل الجد تحذيري.
ـ ولماذا تشردت لمدة شهر كامل إذا ؟
ـ لست أدري ، ظننتك فعلت لأنك كرهتني .
ـ أنني آسف ياحبيبتي ، لكن الأمر كان أغرب ، وأفظع من أن أستوعبه .
ـ لم يكن من الصعب علي أن أ فهم ـ إلى حدما ـ ردة فعلك تلك ، كانت قاسية بعض الشيء، لكنها في نفس الوقت أسعدتني، ما دمت قد ابتعدت عن الخطر.
ـ تعذبت من أجلي كل هذا العذاب ، ووقفت نفسك لرعايتي ، فقابلت ذالك ، بالقسوة وبالجحدان ، وبالتشكيك في نواياك ؟ . علا نشيجها بالبكاء وقالت :
ـ لكنني كنت راعية فاشلة ، وكاد عذابي أن يكون بلا نهاية . ولولا أن الله حفظ ، لكان ما أرادته أمي .
ـ سامحها لله ، وغفر لها .
ـ وكيف يسامحها، وقد كانت على وشك أن تسفك دما بريئا، ظلما وعدوانا ؟
ـ إنها أمك ـ يا حبيبتي ـ فلا تتكلمي عنها على هذا النحو.
ـ لكنها قاتلة .
ـ لن يغير ذالك شيئا من صفتها، وستبقى أمك، وإلى الأبد.
ـ سأجعلها تعض على أصابعها من الندم ، وأريها أنها ليست هي وحدها فقط من تجرؤ على استباحة كل شيء في سبيل تحقيق غايتها .
ـ وماذا ستفعلين ؟
ـ سأقوم بفضحها علنا على رؤوس الأشهاد ، ولن أحترم ـ بعد ـ الآن كلمتها ، وسأ ... فقاطعتها قائلا :
ـ على رسلك ياعزيزتي ،لا أظن أن مثل هذا التصعيد سيفيدنا . لكن لدي رأي أفضل من ذالك . ما رأيك في أن نبتزها بالسلاح الذي أمدتنا به دون أن تعلم ؟ فنشعرها بدون استفزاز أن ثمن سكوتنا وعدم إثارتنا لجريمتها ، هو أن تكف ونهائيا عن التدخل في حياتنا؟
ـ لن تفعل ، صدقني ـ وان فعلت فلبعض الوقت فقط.
ـ بعض الوقت، ربما سيكفي، لنجد لأنفسنا سبيلا آخر.
حقا أحبتني تلك الفتاة من أعماق أعماقها، وعشقتها بكل كياني. وتأبى الظروف إلا أن تقف إلى جانب أمها، فأجرع المرارة ما حييت." ورأيت الدموع تتفجر في مآق الرجل فتخضوضب منها وجنتاه ، فعادت النغمة الحزينة تلك ـ التي لاحظتها في صوته ليلة كان مريضا يئن تحت وطأة الحمى ـ إلى صوته من جديد"

محمد جواد
26-02-2010, 11:22 AM
نجحت في الباكالوريا بتفوق كبير، إلا أنني ـ ولأسباب لم أفهمها ـ لم أحصل على منحة ، ففوضت أمري إلى الله وقمت بالتسجيل في الجامعة . كان ذالك أشبه بالوقوف في طابور أمام بيت بخيل لئيم في انتظارا لحصول منه على حسنة . لكنني كنت أمني النفس بأن أكون أنا المحظوظ، الذي يخرج من عنده وقد علت وجهه البسمة. فقد كانت نفسي آنئذ مسرحا لفيض من الآمال ، وقد استباحت ساحتها أحلام اليقظة. فهم أم "زينب" الثقيل ـ كما خيل لي ، قد انزاح من على صدري ، وبعد ما اصطلحت و"زينب" على تسميته بوقعة القديد المسموم ، حسبت أن موقفها بالنسبة لعلاقتنا أمسى إلى حدما شبه مضمون ، فقد توقفت المرأة عن محاصرة "زينب" ومضايقتي ، وكفت ـ كما ظننت ـ عن تهديدها ومحاولة ثنيها بالقوة عن حبي . ومع أن "زينب" لم تعد تهتم كثيرا بإخفاء علاقتنا ، بل ولم تعد تتوانى عن أظهار هيامها بي ، فان أمها كانت تكتفي بتنبيهها عندما تتمادي ، وكانت تغض الطرف عما سوى ذالك مكرهة ، وكانت تسميه طيشا و"رمحة" .
أنهيت سنتي الجامعية ألأولى بحصاد وفير من الثناء والتقدير على أثر النتائج الجيدة التي حصلت عليها في كل مواد دراستي. إلا أن الاستمرار والمتابعة في الجامعة أصبح بالنسبة لي أصعب وأقل أهمية مما كان ، فقد بلغ نضج "زينب" أوجه وسطعت في كل أنحاء المدينة شمس جمالها فتكاثر الخطاب من حولها وازدحمت بطالب القرب دار أهلها ، إلى حد ارتبكت معه خيارات أمها واحتارت فلم تعد تعرف من تختار. ولأن تقادم الزمن حررها من إرهاب الابتزاز الذي كانت به "زينب" تشكمها، فانه لم يعد أمام "زينب" من وسيلة للجمها وتفادي قبضة تحكمها إلا أن تستغل حالة ارتباكها تلك وضياعها بين عديد خياراتها ـ في مناورتها لكسب الوقت ولتعزيز مقاومتها. فكانت تجرح حين تعدل أمها ، وتوافقها في الرأي حين كانت تجرح . كانت المسكينة تقف وحدها، في ساحة معركة حقيقية تنازل على أكثر من صعيد، وتحارب في كل الاتجاهات. وكان سلاحها الوحيد، الذي تقارع به ، بعض الرجاء اليسير، والقليل من ألأمل. على هذا الأساس قررت أن أمضي النصف الأول من إجازة الصيف في "نواكشوط" ، على أمل أن أنجح في أحدى المسابقات المهنية التي تخولنيها شهادة الباكالوريا ، عسى أن يضيف ذالك بعض التحلية إلي يذهب غثيان نفس أم "زينب" فتستسيغ بعد ذالك بلعي . أو لعله يساهم، ولو بقدر يسيرـ في تعزيز مقاومة "زينب" وإطالة صمودها، إلا أن الأمور لم تجري على نحو ما خططت له. فقد تلقيت رسالة من "زينب" المحاصرة تستنجد بي ، قررت على أثرها العودة فورا إلى "كيفه". رسالة كأنما كتبتها بوجيف قلبها الملهوف ، فبدت كما لو كانت صرخة ، أو زفرة روح في أوج احتضارها .
" لست واثقة من جدوى تكدير روحك ـ يا عمري ـ بأخبارك عما ألاقي من عناء قسوة أمي و من عناء حربها الشعواء التي تشنها ضدي . لكن إذا كنت ترى بأن الأمر ذا جدوى، وبأن بوسعك ـ ربما ـ عمل شيء ما، فإن الأرض وأهلها، وكل سكان السماء، وحتى النسائم و الهوى ـ الكل تحالف ضدي. وروحي التي فداك وقلبي ومهجتي غدوا جمرغضا يضطرم في صدري" . وبعد فإنني ترددت كثيرا قبل أن أكتب إليك هذه المرة، على أمل أن أجد القليل مما قد يبعث على المسرة، لكنني بت أ أخشى من أن الأمر قد يطول قليلا. إذ أن لعبة الجرح والتعديل، التي تحايلت بها طويلا على رغبة أمي، لم تعد تجدي أمام إصرارها. فأخيرا على ما يبدو اختارت وأستقر رأيها ، على من تنوي أن تبيعه جسدي . لكنها فشلت إلى ألآن في إقناع والدي بالضغط علي وكسر إرادتي .إلا أنني لست على يقين مما إذا كان صموده هذا سيعمر طويلا أمام ضغطها ؟ "
عودت إلى " كيفه " على جناح السرعة ، وفور عودتي قررت ـ وبلا تردد ـ أن أخطب "زينب" رسميا من أبيها . واخترت لهذه المهمة أحد أخلص أصدقاء خالي . رجلا من الاهل كنت أحسبه إلى حد ما قريبا مني ، فقد كان يظهر بعض الاهتمام بي ، ودوما كان يعطف علي . وكان يهدي إلي كلما زارنا، وكلما لقيني كان يسألني كثيرا عن دراستي وعن أحوالي. وكان على ما أذكرـ هو الشخص الوحيد الذي يفعل ذالك من بين كل من عرفتهم من أصدقاء خالي. وقد سمعته ذات مرة يوصيه بي خيرا، ويحضه على أن يكف أذى زوجته عني .
لا أدري كيف واتتني الشجاعة لأفعل ذالك فالرجل كان كبيرا في السن ، لكن الخطب كان عظيما.
ـ أعرف أنني أهتك عرفا سائدا بما سأطلبه منك ، لكنني فكرت فلم أجد غيرك جديرا بأن أكل إليه هذه المهمة ؟
ـ خيرا إن شاء الله . تفضل ؟
ـ أريدك رسولا مني إلى خالي . لتبلغه ـ بعد تحيتي ـ رغبتي في أن يزوجني من أبنته "زينب". وخيل إلي أن الرجل تفاجأ قليلا ، إذ أنه ـ وبعد أن لفظت اسم "زينب" ردده من بعدي لمرتين أوثلاث ، مادا لامه هكذا "زيناب" قبل أن يجم لبعض ، وأخيرا تمتم قائلا ـ كأنما يحدث نفسه ـ
ـ لو أبديت رغبتك هذه لأمها لكان ذالك أفضل في رأيي.
ـ سيادتك تعرف أنها تكرهني، وأخشى أنها سترفض.
ـ لكن قبول أو رفض العرسان أمسى ـ في هذا الزمن العجيب ـ شأنا خاصا بالأمهات.
ـ هذ ا صحيح إلى حدما ، لكنه غير مطلق .
ـ مطلق أو مقيد . المهم أنه هو ما يحصل غالبا .
ـ غالبا ؟ ! أشك في ذالك ـ وأسمح لي إن خالفتك الرأي في هذا ، إنما هو وضع خاطئ وشاذ، وينبغي مقاومته وتصحيحه. وخمنت أن مشاعر غضب وضيق بدأت تخامر الرجل اٍزائي وتخيلته يحدث نفسه ويقول : في تبرم وتعجب " إن كان ثمة في هذه الدنيا شذوذا ، فهو وضعك في هذه الأسرة ، يا ولدي . وان كان ثمة ما ينبغي تصحيحه ومقاومته، فهو رغبتك الزواج من ابنتها ". قال الرجل بنبرة لم تخلو من بعض التململ والضجر:
ـ أخشى أنك أخطأت في استعانتك بي ، فتصحيح أخطاء الناس ومقاومتها ليس من شأني .
ـ إن لك منزلة خاصة عند خالي ، ولك في نفسه معزة، وسأكون ممتنا، لو أنك تستغلهما لحمله على الموافقة.
ـ لا أريد لرجائك في أن يخيب، لكنني لا أريد بالقدر نفسه أن أحرج نفسي وأحرج خالك.
ـ لا أرى في ألأمر أي إحراج لك أولا لخالي . فزينب " تريدني وأنا أريدها ونحن نح... فقاطعني الرجل قائلا بنفاد صبر واحتدام :
ـ ستقول لي بأنكم تحبون بعضكم بعضا وبأنكم تعاهدتم ، ألا يكون أحدكم لغير الآخر ، وبأن الأمر يتعلق بكم وحدكم ، وبأنه حرية شخصية واستقلالية ، وغير ذالك مما يتشدق به شباب مدارس هذا الزمن الغريب من عبارات جوفاء ، وما يتداول بينهم من أفكار تافهة خرقاء ، وتلك التوجهات والرؤى التي تتفشى بينهم كالوباء ، والتي هي في مجملها النقيض المباشر لما علق على تعليمهم من آمال ، والشاهد الشاخص والبرهان على فشل رسالة التعليم في بلادنا ، إذ أنها ـ بدلا من أن تسهم في تعميق وعي الشباب بواقع مجتمعهم وربطهم به بشكل صحيح ، خلقت لديهم حالة من العداء ، والكراهية اتجاهه ، ونمت لديهم ميول الرفض والتمرد عليه ، أعرف أنك لا ترى أية علاقة بين ما جاء بك إلي وبين ما أقول . أما أنا فبلى . فأنت بطلبك يد هذه الفتاة بالذات تعطي البرهان الساطع على صحته ، لأنك إما لا تعير أدنى اهتمام للمجتمع الذي أنت جزء منه ، وإما أنك تجهل هذا المجتمع وأبجديات العيش فيه ، والمصيبة هنا أعظم . و... الانقباض الذي بدا يكتنف نفسي لدى بدء الرجل مرافعته الكئيبة هذه ، تحول مع نهايتها إلى رغبة حقيقية في قضم عنقه وذالك عندما قال في ختام كلامه جملته البائسة تلك ، التي مازال صداها الجارح إلى ألآن يتردد في أذني " لن تكون رغبتك هذه رد الجميل المناسب لخالك الكريم الذي ـ رغم ما عاناه بوجودك في حياته ـ أمنك من الضياع والجوع والتشريد .إلا إذا كنت تريد التقليل من شأنه في الناس أو كنت تتعمد أهانته أكثر من ذالك .
بصيص ألأمل الذي جئت الرجل وكان يلوح لي ، ابتلعه ضباب الخيبة فجأة ، فأخذت العن اللحظة الشأمى التي فكرت فيها بالاستعانة بهذا الرجل . فتركته وأنا ألوك الهزيمة ومرارتها ، وأجر في إعياء ذيولها ، وكنت أقرع نفسي سرا وأشجبها ، وأوبخها علنا على غبائها ، إذ كيف فاتها أن هذا الرجل المأفون نسخة أخرى من أم " زينب" بالكربون . فمثل أولائك الناس عادة ـ ولسبب طالما بدا لي غير مفهوم ـ يستفزهم كل طموح من شأنه تحدي ما ألفوه من سكون .
" أنا لا أريد ـ يا سيدي ـ أن أهين خالي الكريم لا . ولا أريد أن يقل بين الناس شأنه ، إنما بي شغف بابنته وهيام ، ولي بها كلف ووله . وسأتمنى أن أحظى بها ما حييت ، وسأسعى في سبيل الفوز بها كل مسعى "
" خالي العزيز، بعد التحية يسعدني أن تكمل جميلك معي ، بأن تزوجني أبنتكم المصون زينب" كان هذا مضمون رسالة كتبتها إلى خالي ، ثم أعطيتها "لزينب" فقامت بدسها في جيبه .
"ها أن ألأمر ليس بتلك الفظاعة التي تتخيلها أيها المؤيس القنوط "
وكم كان رد خالي بسيطا ومحايدا ، إنما مراوغا ، وماكرا " إذا قبلت أمها ، فلا مانع لدي ".
"آه ما أقسى ذالك ياخالي العزيز، أتضع سعادتي وشقائي رهن مشيئة هذه المرأة ؟ وأنت تعلم عن يقين ـ وأكثر من أي شخص آخر ـ مدى ما تكنه لي من بغض ومن كراهية ، أتراني أهنتك كما توقع الرجل وهذه طريقتك في الانتقام مني ؟ أم تراني تجاسرت ، وهذه صرخة ضيقك بي ؟ سأفترض أن الأمر ليس هذا ولا ذاك ، وإنما هي سلبيتك المتأصلة التي أفقدت طيبتك حلو مذاقها ووسمت روحك بألامبالات ، وسأحمل رغبتي إلى أم "زينب" مرغما ، وليرحمني الله ، ويلهمني الصبر والسلوان ".
أقل الأشياء متعة ، وأكثرها مدعاة للحرج والضجر ، أن تجبر نفسك على مجالسة من كرهك ومقته ، وتكلفك الابتسام في وجهه كل مرة ، فيما أنت تتمنى في سرك ـ لو قضمته .
"آه لو أنك أيها ألمأفون ، توليت أمر خالي وأقنعته ، واستعملت ما لك عليه من نفوذ ومالك عنده من احترام وثقة ، فتحمله على أن يعطيني وعده . لكفيتني أمر هذه المواجهة ، فأنت تعرف ـ كما أعرف ـ أن كل شيء عنده يهون أمام سطوة أم زينب المهول ، إلا كلمته والتزامه وقداسة الوعود عنده " .
لم تكلمني "أم زينب" قط إلا وهي تنظر إلي شزرا ، وكنت أتعمد ألا أعير قولها انتباها حين تقول . و كنت أتفادى مخاطبتها دائما ، وحين أضطر أجمل وأتحاشى النظر في وجهها . فقد كانت تتلبسني حين أواجهها حالة من القلق والخوف ومن السخط المطلق. وما عدى تلك الفترة التي كانت فيها تحاول أن تستدرجني نحو الفخ الذي نصبته لي ، فان أحادثنا كانت تتسم بألا ودية ـ عادةـ وبالجفاء والبرود .
وجد التنازل لتفادي المزيد من الخسارة، ومزيدا من الخسارة يعني بالنسبة لي، ضياع "زينب" وضياعي . فليذهب إلى الجحيم عندي وكرامتي ، وليمرغ بالأرض كبريائي . ألا في سبيل حب "زينب" يهون كل عذاب وهون ؟ فلأفوز بها أولا ، وليكن بعد ذالك ما يكون.
حشدت قوى نفسي كلها ، واستجمعت ما أوتيت من الشجاعة ، فأتيت "أم زينب" عشاء ، وقلبي يتعاوره والخوف والرجاء .
كانت وحدها في الصالون ، ولا حظت عندما ما دخلت بأنها فرغت للتو من صلاتها . فاستبشرت بذالك خيرا وداعب نفسي تفاؤل حذر. بقيت أعبث بأهداب الوسادة ، ريثما تنتهي المرأة من أورادها . ووجدتها فرصة قلت انتهزها لأنسق أفكاري أكثر وأرتبها ، وكنت في سري أناشد المرأة وأرجوها رجاء بأن تسعفني بسؤالي عما جاء بي ، فتجنبني عناء أافتتاح الجلسة بأن تقول أي كلام . لكنها لم تفعل ، وكأنما أدركت أن ذالك ربما يريحني ، ففضلت إحراجي وبأن تتركني لعذاب الانتظار من دون أن تعينني . ورغم أن الظلام كان يلف المكان، فقد كنت أشعر وكأني أرى السخط ، والامتعاض في وجهها . وبحثت جاهدا عن كلمة تصلح كمقدمة ، فلم أوفق إلى شيء يمكنني الاطمئنان إليه.
"حسن أعتقد أنك على علم..." ما هذا الهراء إن المرأة أمية ، فما لها وما تعتقد وما لا...؟ أبحث عن مقدمة غير هذه . " يشرفني ، ويسعدني ..." لن تشرف في عيني ما حييت وستظل كما أنت في نظري أبن... وسرورك هو آخر شيء يهمني ، بل ، ليس من المبالغة القول بأنه يحزنني " . لو أجابتني هكذا فربما سأفقد السيطرة على نفسي ، فقد بدأت أفلت أعصابي كثيرا في الآونة الأخيرة دونما سبب واضح . وعندها سيتحول الأمر إلى شيء آخرا إلا الخطوبة " .
" أبدأ كما يحلو لك وتشتهي ودعك من التردد والحذر ، فمهما أوتيت من بلاغة ، فلن تتحايل على القدر. وأحسن شيء تفعله اتقاءً لوقع الصدمة ، توقعك أن يحصل مالا تريده واعتبار ما أنت بصدده مجرد أداء مهمة ، فلا تسرف كثيرا في الأحلام ، وتوقف عن البناء في ألأوهام ، فحسبك أنك لن تكون الملام إذا ما خلوت إلى نفسك".
يئست من أن تحرك المرأة ساكنا وظلت على تلك الحال واجمة ، فتخيلتها أحد القنا صين المهرة يتربص بطلقته ظهور رأس ضحيته .
" لماذا لا أنسحب والسلام ، وأجنب نفسي المهانة والإذلال، وأترك أمري، و"زينب" للأيام، وأعود من حيث أتيت " ؟
لا . ووجدت الكلمات طريقها أخيرا إلى شفتي ، فتسللت عبرهما في سلاسة وانسياب، فقلت
ـ وددت لو أن أمي على قيد الحياة، لتنوب عني في مثل هذه ألأمور، لكن الله بك عنها أبدلني، وأرجو أن تطلعي بالمهمة. وأحسست بأن جوارحي كلها هتفت منوهة بعبقريتي ، وحسبتني أسمعها وكانت تشجعني بحماس " ابرافو، ابرافو". واصل. وسكت هنيهة لأرى في أين أصبت المرأة بكلماتي . لم أرى أي شيء على كل حال، فقد كان المكان شبه غارق في الظلام ولم أشعر بشيء غير عادي، اللهم إلا إنني كنت أحس بنظراتها تلعنني، لكن عقدة لساني حلت وخلعت التردد والحذر:
ـ أريد ك أن تبلغي خالي الكريم، عن رغبتي في الزواج من "زينب"، وأن تحمليه على الموافقة إن لمست فيه ترددا ؟ وأنشق الصمت و الظلام، عن قولها البارد المستهزئ.
ـ أظن أن أحدهم تولى ذالك الأمر ." اللعنة ! كيف فاتتني هذه "
ـ أحدهم من !؟ آه لعلك تقصدين تلك الورقة ؟ لكنها كانت مجرد مزحة . يا لزينب وجنونها. هل أوصلتها إليه ؟
ـ هذا ما يبدو. للأسف. "مرحى ، ها نحن بدأنا" . تجاهلت ذالك ، وقلت :
ـ وماذا قال ؟ أريد أن أسمع رده.
ـ أحقا لاتعرف ماذا قال ، أم أنك تماحك وحسب ؟ أخرسني تهكم المرأة وبرودها ، فتضاعف إحساسي باليأس مرتين ، واقتنعت في قرارة نفسي بأن ما أحاوله هو إلى حد ما عين المستحيل . لكن ما دمت قد ولجت برجلي بداية هذا الطريق ، فلأسيره حتى النهاية .
ـ لا ... انم ..إنما ، الواقع أنني ،. أن زينب أخبرتني أنها سمعته يقول ..كذا أمها .. لتوافق على ذالك أولا، وسأرى . شيء مثل هذا، لكنه بدا لي غير واضح ولا مفهوم.
ـ ليست تلك مشكلة يصعب التعامل معها، واٍن شئت فيمكنني توضيح الأمر أكثر .
ـ أتمنى ذالك، تفضلي.
ـ انك بطلبك الغريب هذا ، تخون ثقتنا في رجاحة عقلك .
ـ هذه الإهانة منك لا أقبلها.
ـ وأنا لا أقبل تلك منك.
ـ أتعدين طلبي الزواج من "زينب" اِهانة لك ؟
ـ بل اٍهانة للعائلة ككل ." أكان ذالك المأفون يتكلم بلسان المرأة ، أم تراها هي من يتكلم بلسانه ، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد توارد في الخواطر ليس إلا"؟ كنت أفكر في هذا بينما أخذ حنقي يزداد تفاقما . " إن كان ذانك المأفونان يحسبان أنهما ، بأسلوب التهوين من الشأن هذا سيثنياني عما أريد أو يثبطان عزيمتي فقد خابا مسعى "
ـ حسبتني من العائلة ؟
ـ أنت إلى ألآن كذالك ، لكن خطر أن تفقد تلك الصفة موجود مالم تثب إلى رشدك
ـ ليس الذنب ذنبي ـ ياسيدتي ـ كوني ولدت لأب غير معروف ؟
ـ لست أنت من يقرر ذالك ، ثم أنه ليس ذنب ابنتي ، لكي تبوء بإثمه .
ـ انك تقرصين في الأعماق.
ـ وهل تركت لي خيار آخر .
ـ بل خيارات .
ـ لم يفلح أي منها في منعك، من الجري وراء أوهامك، ولا في جعلك تتعقل قليلا فتقف عند حدك.
فكم مرة حاولت أن أفهمك بهدوء، ومن دون أن أقرصك كما تقول، بأن الزمن الذي تعلوا فيه العيون على حواجبها لم يأتي بعد.
ـ لعلها لم ترغب في ذالك ا، أو لنقل بأنها كانت دوما منسجمة مع موقعها، لكن الوضع بالنسبة لي مختلفا عن ذالك تماما. ومع ذالك فأنا مستعد ـ لقاء الفوز ب"زينب ـ أن أنتظر ذالك الزمان الذي تتحدثين عنه.
ـ كان في متناولك أن تحصل على نتائج أفضل وبمجهود أقل، لو أنك أطعتني. لكنك لم تفعل ودمت تطارد الوهم، إلى أن أوصل أمورك إلى ما وصلت إليه.
ـ لم أفهم فيما تلمحين إليه، إلا خوفك من أن أقع و"زينب" في الخطأ و.. .
ـ هذه وقاحة وسوء أدب، فابنتي عاقلة ومتربية.
ـ هي بالفعل كذالك ، وأنا أول من يشهد ، فلم لاتحترمين رغبتها ؟
ـ ومن قال إني لا أفعل ؟
ـ رفضك تزويجها ممن أحبه قلبها، وارتضته ليشاركها حياتها . ضحكت المرأة في تهكم، واستغراب مفتعل وقالت:
ـ لا تقل لي بأنك تعني نفسك ؟!
ـ و فم استغرابك الأمر هكذا وكأنك لا تعلمين شيئا ؟
ـ ما حسبتك ابنتي قط، إلا أخا لها، وما كانت لتجرؤ وترى فيك أكثر من ذالك.
ـ ذاك تماد لا مبرر له ، وادعاء لاتسنده الوقائع ؟
ـ ما تسميه بوقائع، لم يكن سوى طيش وجنون مراهقة ، ولم أكن لأتهاون معه إلى هذا الحد لو لم يكن كذالك .
ـ أتقصدين حد محاصرة "زينب" وتعذيبها، ومحاولتك قتلي بعد ذالك ؟ اضطرب صوتها قليلا، وتلعثمت كما خيل إلي، ثم قالت بلغة وشت بالفتور والضجر:
ـ تلك تهمة لن أحاول دفعها، ألصقتها بي سذاجة ابنتي وبراءتها.
ـ لست مجبرة لكي تفعلي ، فلم تعد لذالك أية أهمية الآن، لكن الحقيقة غير ما تدعين وأنت في قرارة نفسك تعلمين ذالك . استفزها قولي على ما يبدو، أو لعلها سئمت وملت لجاجتي ، فقررت أخيرا أن تتخلص مني ، لكن ليس قبل أن تتلاعب بي وبأماني قليلا وتؤجج نار عجزي وقلة حيلتي .فقالت :
ـ هبني وافقت على طلبك الزواج من أبنتي ... ـ " شهقت إلى أن أمتلات بالهواء رئتي ، واتسعت حدقتا عيناي حتى آخرهما ، وعصفت هبة فرح بداخلي تراقصت لها كافة أرجاء جسمي . "وافقت على طلبي الزواج من ابنتك ! في حلم أنا أم في علم ؟ إنها تعني "زينب" فالأخريات صغيرات . نعم "زينب" ولا يمكن أن تكون عنت غيرها. لعل من تكلمه ليس أم "زينب" ؟
لكن لا. هذه بلاشك أم "زينب" وما تردد في مسامعي صوتها . وأنا لست نائما ولا سكران حتى أتوهم الأشياء. وشعرت لوقع الجملة لذة أحلى من تلك التي تثيرها في نفسك البشرى عادة، وتغلغلت في قلبي وفي روحي كرجع المناجاة الرقيقة، وتردد صداها في أذني كالترنيمة تهزك من الأعماق
ـ هل تقصدين أنك موافقة على أن أتزوج بزينب ؟
ـ هذا ما قلته بالضبط . لكن ثمة شرطا صغيرا ينبغي أن توافق عليه أولا.
ـ اشترطي ما تشائين .
ـ يجب أن يتم ذالك الآن. هل تفهم الآن .
ألآن ؟ وسكرت برهة، وخرست أهازيج الفرحة في صدري، فقلت ومشاعر الصدمة ـ كالقصة ـ تسد ممر الصوت إلى حلقي:
ـ أخشى أنني لا أفهم، أتقصدين أن نتم الزواج...
ـ الآن. هل تحتاج مهلة ؟ سأمنحك أسبوع . لا ، خذ شهرا ! ما رأيك ؟ وخبا صخب مشاعري فجأة وتوارت جلبة فرحتي ، فعاد ت الخيبة من جديد تعربد ـ بلا هوادة ، في روحي ." أليس من المؤلم حقا ألا تطول فرحتي أبدا" ؟ أ ل.آ.ن ، ول.ي.س ... و علق لساني لبعض لوقت بين أحرف هذه الجملة، وبقيت أرددها على هذا النحو، كطفل تعانده حروف الهجاء. الآن؟ وحدقت ببصري في الظلام ألاحق أفول الحلم الجميل وتحسست بسمعي الجدران التمس صدى خطاه اللذيذ ؟ الآن . وجف الريق في حلقي ، وأنهم العرق من جبيني . الآن ؟!
ـ هل تعنين أن نعقد القران ، والآن ، وأن أقوم بدفع ... ومن ثم نقيم .... ؟ فقاطعتني المرأة
ـ أو لم تقل بأنك تريد أن تتزوج ؟ حسنا ذالك ما يفترض بك فعله ؟
ـ هل نسيت أنني مازلت أدرس، وأمامي وقت طويل لأتخرج و... ؟
ـ أنت من نسي ذالك ، ولست أنا . " هذه طريقة في الرفض أذكى بكثير من سابقتها، ألا أنها أنكى وأشد منها قسوة "
ـ ألا يبدو ذالك تعجيزيا إلى حدما ؟ ونوعا من ... فقاطعتني المرأة قائلة ـ في بهجة سادية اللون ـ
ـ لم أتوقع أن إرضاءك سيكون صعب المنال إلى هذا الحد. قلت أريد الزواج من أبنتك، فقلت لك تفضل.
ـ ربما لم أوفق تماما في التعبير عما أردته ، فما قصدته هو أن نخطب فحسب. وبعد ذالك ...
ـ وبعد ذالك، تذهب فتعود أو لا تعود. هكذا قالت المرأة في استهزاء، ثم أردفت:لا يمكن أن أترك ابنتي تنتظر أكثر من هذا، فقد أمست ناضجة وكبرت بما فيه الكفاية. وأنا لست مجنونة ولا غبية لكي أربط مصيرها كلاميا بشاب غر مثلك . لا ، لن أجعلها تنتظر فتفسد أخلاقها أو تداهمها العنوسة على حين غرة فتقضي على حياتها .
ـ لكنها هي مستعدة لفعل ذالك وأكثر.
ـ لكن القرار لا يعود لها، فنحن من يقرر.
ـ أتدركين أي نوع من التعاسة ستتسببين فيه لأبنتك ؟
ـ هي أبنتي ، وأنا حرة التصرف فيها .
" أما كان الدرب ـ إلى باب هذا المخرج ـ مشرعا منذ البداية أمامك ناظريك ؟ فلم أبيت إلا هذا ، ألتدوسني في طريقك إليه ؟
لم يحد ث لي كل هذا ، وأي جرم أجرمت ؟ وهل سيختل توازن الكون ـ ياترى ـ إذا ما فرحت وسعدت ؟ . وأي نوع من الرضي تجده تلك القوى والتي تتولى هذا الكون وأمره ، عندما ترى قلبي الذي أدماه الوجد، والصبابة والجوى يئن بحرقة ثكلى من لوعة عذابه وحرمانه ؟
"آه لو أنني أتولى ليوم واحد على الأقل ، إدارة هذه الدنيا، وتصريف أمرها. فلأعمدن إلى ألأشياء، وأعيد ترتيبها على أسس أخرى مغايرة تماما ، فلن أسمح مثلا لامرأة مثل أم زينب أن تسطو على حرية أبنتها على هذا النحو المتغطرس ، فتسلبها حق التصرف في نفسها على النحو الذي تريد ، و أن تصفد بأغلالها إرادتها في أن تحيى وفق قناعتها ومع من تختار، وسأ ... "
ـ الآن ، أنا لا أملك الاقلبا سباه حب "زينب" وهواها ، وروحا تتحرق شوقا إلى حلو جناها ، أعرف أن هذا ـ من وجهة نظرك لا يكفي ، لكنني أعاهد ك على أن أعالج الجانب الذي يهمك . فقط امنحيني سنة أو أثنتان ، وإذا تأخرت ، فأنت في حل من وعدك لي .
ـ أنت بهذا الاقتراح الغريب ، تجعل كلامنا إلى الثرثرة أقرب منه إلى أي شيء آخر.
ـ إنها ماتزال صغيرة ، وأمامها ثلاثة أعوام لتنهي الثانوية ، وثقتي كبيرة بأنني ـ خلال تلك المدة سأجد عملا ما ،و من ثم فسأكون قادرا على أن أتحمل مسؤوليتها . قالت ـ وهي على وشك أن تقوم تاركة لي المكان ـ
ـ هذا مايسمونه في الأمثال هنا برأي "الجكاني المشهور" .!
" بل تشبث بائس مهزوم تتعارك في رأسه الهموم ، ومحض تخبط من يائس يهوي بسرعة في درك الجنون " لا بد أن المرأة قد اكتشفت الآن بأنني بدأت أدرك ضعف موقفي ، وبأن وعيي بصعوبته بدأ يؤتي ثماره أخيرا ، فاقتراح مثل هذا جلب من عالم الأماني والأحلام ، مؤشر جيد على أن صاحبه يوشك عل الاستسلام .
" كف عن مك عواطف هذه المرأة ، وتوقف عن استجدائها ، وقل لها في ثقة بأن موافقتها ليست السبيل الوحيد للحصول على "زينب" . قلت ـ وأنا أحاول يائسا تطويق استشراء اكتشاف المرأة الخطيرـ
ـ لن يكون رفضك زواجي من "زينب" ذي معني ، مادام أبوها قد وافق ، ولا أظنك تحتاجين إلى من يذكرك بأنه هو ولي أمرها .
ـ ولم كل هذا العناء ؟
ـ ليس ثمة من عناء ، لكنني إنما كنت أريد دخول البيوت من أبوابها .
ـ سأقترح عليك أمرا ! لم لا تترك "زينب" وشأنها، وتنسى أمرها وحسب ؟ هكذا قالت المرأة ببرود ، وبصلف وبنفاد صبر، ثم غادرت الصالون وتركتني . قضي ألأمر إذا فضاعت مني "زينب" وضعت.

mdedda
27-02-2010, 01:00 AM
لا أدري ،للأمانة أنا مازلت في بداية الرواية ،لكن استوقفتني مسائل أود ذكرها:
ـ أن بداية الرواية في أجوائها ،وذلك الشخص الغامض ،وطريقة زواجه ،ومعرفته أشياء لا يجدر بقروي من أدباي معرفتها ،كل هذه الأشياء هي اقتباس واضح عن "الطيب صالح" في رائعته "موسم الهجرة إلى الشمال" .
أخي ليس عيبا أن نتأثر بكاتب كبير ونهتدي بأسلوبه وكتاباته لكن ليس لحد اقتباس أفكار وأحداث رواياته ،أتمنى لك التوفيق فبنية السرد تنبئ عن كاتب متميز داخلك ،لكن احرص في محاولاتك اللاحقة أن تظهر أنت كمبدع لا كظل لكاتب آخر .
مع تقديري

محمد جواد
27-02-2010, 10:34 AM
الأخ :"امدددا"
شكرا لك على الملاحظة ـ وهي بالمناسبة ملاحظة واردة جدا ، وتنم عن ذكاء ، وسعة اطلاع . واصل قراءة العمل حتى نهايته ، وسأكون سعيدا بأن نلتقي بعد ذالك . شكرا لك .

أحمد الحسن
01-03-2010, 01:11 PM
العزيز جواد،

استمتعت كثيرا بقراءة الفصول المنشورة حتى الآن من هذه الملحمة.

يعجبني توظيفك لأدباي الفكرة فهو على مر التاريخ كان ملاذا للباحثين عن الأمان وفضاءات أكثر تحررا وأقل قيودا كحالة كل سكان أدباي أو كحالة محفوظ أو كحالة من تقذف به سيارة متهالكة كحالة البطل الراوي!

أنت برأيي ربما عن وعي تعود لتنسف أفكارا أنت من طرحها مستنكرا التفاوت الحاصل في المجتمع بين مختلف مكوناته متجاهلا أسبابا قد تكون موضوعية فأبطالك لأسباب واضحة لا يجدون حرجا في الترفع علي بعضهم البعض كحالة السالمة حين ترفض قبول أي من أبناء جلدتها وكحالة الأم حين ترفض قبول محفوظ وكحالة السيدة التي أصبحت مثلا بين قومها حين رأت أن بها من الجمال ما يجعلها مختلفة عن غيرها!

أنا هنا لا أعتبر أن ذلك أمرا سيئا بل هو أمر طبيعي جدا فلكل من الأسباب ما يجعله يقرر ما يشاء كيفما شاء مع من يشاء دون أن يكون في ذلك إهانة لأحد!

شكرا لك فقد كنت بارعا في الوصف وفي فتح نافذة علي عالم آخر لا يبدو مختلفا كثيرا عن عوالم الفركان وأحياء العاصمة!

محمد جواد
01-03-2010, 08:11 PM
الأخ "أحمد ولد الحسن" شكرا على المرور ، وشكرا على الملاحظات . إمتاع القراء غاية الغايات عند كل كاتب ، وقد سعدت كثيرا بكوني امتعتك ، وأرجو منك ، ومن كل رواد المشهد الكرام ، من هواة هذا اللون الأدبي ـ متابعة " ما وصفته ـ مشكورا ـ بالملحمة إلى نهايتها . كما أرجو منهم ألا يبخلوا علي بملاحظاتهم ، إيجابية كانت ، أم سلبية .
شكرا مرة أخرى .

محمد جواد
04-04-2010, 10:19 AM
أصغت إلي "زينب" مطرقة ـ بينما كنت أحدثها بما دار بيني وبين أمهاـ وكانت طوال الوقت، تتفادى النظر في وجهي، مخافة ـ كما خمنت ـ من أن ترى أشلاء آمالها المتناثرة في عيني. وحين فرغت ، رنت إلي بحذر، وهي تداري حزنها وأساها، ثم خيم صمت ثقيل، لكنه، لم يلبث أن أنفرج بقولها ـ وكانت تغتصب الكلمات من حلقها اغتصابا ـ
ـ فكرت في أنه، كان من الأجدى أن تكلم أبي وجها لوجه.
ـ فعلت يا حبيبتي ـ فعلت . فعلت من خوفي أن أفقد ك . ومن حرصي بأن لا أدع سببا قد يفضي إليك إلا طرقته .
ـ حاول مرة أخرى، ولتسعى إلى أن تنتزع منه ولو وعدا ب..."
ـ أظنني تجرأت عليه كثيرا ، ولن أتمادى في ذالك أكثر ،وحسبه أنه تقبل وقاحتي بصدر رحب ، ووعدني بأنه سيحاول إقناع والدتك بالموضوع .
ـ لم يكن يجدر به أن يضطرك إلى ذالك ، مادام في مقدوره أن يحسم الأمر.
ـ لم يكن جهده وحده ليكفي مادامت الظروف كلها ضدي. زفرت في تضايق ، وقالت
ـ وما العمل إذا ؟
ـ ينبغي أن تحدث معجزة ـ ياعزيزتى ـ لنفلت من المصير الذي ينتظرنا .
ـ وهل ذالك شيء ميئوس منه ؟
ـ كنت أقول دائما بأن زمن المعجزات ولى، وكم أتمنى الآن أنني كنت مخطئا.
ـ أليست المعجزة في التحليل الأخير، هي مجرد خرق للمألوف ؟
ـ و بعد ؟
ـ لنكف عن الرجاء والانتظار، ولصنع معجزتنا بأنفسنا.
تفرست في وجهها مليا ، أحاول استكناه ما عنته بكلماتها ، لكن نفحة إثارة مباغتة تضوعت عفوا من عينيها ـ هبت في نفسي وغمرتها ، فأسلتها إلى حين همومها وأساها . ونسيت في غمرة سكرتي بها ما كنت أهم بقوله ، وحين أفقت عدت لأسألها عما إذا كنا سنتمكن من ذالك ؟
أشاحت عني بوجهها ، وجذبت نفسا عميقا من صدرها ، قبل أن تقبل علي وفي عينيها يلتمع مثل التوثب والتحدي ، ثم قالت ـ وقد ألم بها شعور غامض جعلها تضرب في قوة وبلا توقف على الحائط بقبضتها ـ قالت:
ـ لنهرب ؟! "نهرب ! وأحسست للكلمة مثل الدوى، لدى ملامستها مسامعي، وتلبستني حالة من الفزع أربكت تدفق الدم في عروقي. إلا أنني طفقت أردد ها سرا وألوكها علي أؤالفها مع نفسي فتأنسها ، وحين تحللت وتشربتها ، استسلمت لرجع ترددها ينساب كالمخدر في أوصالها ، نهرب ! ذاك بلاشك حل غير تقليدي ، لمشكلة أبدية . لكن إلى أين ؟ إلى مجاهيل الصحراء . أليست مجاهيل الصحراء ـ بزرقة سمائها وسطوع شموسها وتلألأ نجوم ليلها ـ ألطف بروحينا ، من هؤلاء الناس عبدة المال ،سدنة القبور ؟ . أو إلى أغوار الكهوف. أوليست أغوار الكهوف ـ بجبروت ظلامها وهيبة أغوارها ـ أجدر بجوار نفسينا من هذه ألأوكار العفنة ، العبقة بذل وشقاء المستضعفين ؟ فلنهرب ! ولن أضيع دقيقة واحدة بعد الآن من أجل ألا أخرج عن مألوف هؤلاء السماسرة. بم سيفيدني رضاهم ؟ وماذا سأخسر بإغضابهم ؟ ألم يدينوني وبإجماع الأصوات، حتى قبل أن أولد ؟ لنهرب "
لكن ياحبيبتي ... "
ـ أطعني أرجوك. أطعني فقط هذه المرة وحدها ؟ لا تفكر في ما عساهم يفعلون . هم وذاك وكلما يعرشون ، غثا ودرين في أديم الحياة ، وسينحت ويتبدد يوما ما . لا تحرم سمعك عذوبة لحن الحياة بالإصغاء إلى هذر ألسنتهم، ولا تسلب روحك طمأنينتها لكي يباركوك، لن يفعلوا قل بربك أنك موافق ودعنا ننطلق. هيا . لا تخشى علي وحشة، فدفء قربك غايتي ورضاي، ونظرة من عصفور طليق يرفرف جذلان في السماء، أأنس لروحي من أن تحيى حياة الملوك وسط هؤلاء. هذه ياحبيبي فرصتنا ، فلا تدع التردد يضيعها من بين أيدينا هيا .
ـ هذه مغامرة يا حبيبتي أخط..." لكن أليست كل الانجازات الجبارة في عالمنا بدأت كمغامرة ؟ أوليست الخطوات المضمونة النتائج سلفا شيء نادر في حياتنا ؟ فلنغامر .سنشقى . فليكن لكن في دفيء حبنا ، وليس في برودة رضاهم . ستطاردنا الفضيحة أين رحلنا ، وستلوكنا الألسن أني حللنا . لا يهم، فمادام الحب يعمر قلبينا، وأنا مله الحريرية تداعب أوتار روحينا، فلن يكون ثمة متسع في حيتنا لغير الفرح والسرور. وسنسام الذل والنبذ ،ماحيينا . النبذ ؟! آه من النبذ . وتدفق الدم صعودا إلى رأسي ، وضجت بصور المهانة مخيلتي ، ورجف القلب ، وأضطرب الجسم ، ومادت من تحتي قدمي الأرض حتى أوشكت على الانكفاء . إلا النبذ ياحبيبتي ، وطفقت أردد هذه العبارة كأنما أتعوذ منها بتكرارها . شيء ما سحبني إلى الوراء ، إلى أيام طفولتي وعذاباتها . حين كانت حراب النبذ بحدة أسنتها تنهش في قلبي الصغير. ولأرى روحي البريئة تتلظى في أتون الذل والمهانة. لا، لن أجعل هذا الوجه الصبوح يتوارى خلف الحجب خجلا من أن يرى. وتانك العينان النجلاوان لن تتطأطآن ذلا ومهانة مهما جرى " . لثمت أناملها ، وبقيت على تلك الحال مدة ،كنحلة تكرع بنهم رحيق إحدى الأزهار، ثم قلت ـ وقد سكرت ـ وعيناي تجوبان في انبهار ملكوت جمالها ـ
ـ قالت أمك أنها تمنحني مهلة شهر ، فلننتظر ونرى ما سيحدث بعد ذالك . قالت في ثورة واحتدام
ـ هل تريد أن توهمني بأنك تصدقها ؟
ـ ليس تماما . لكنها قالت ذالك، ولم تكن مضطرة لكي لا أصدقها.
ـ أتدرك أنك تهينني ، عندما تماطلني بهذه الطريقة .
ـ لم أقصد ذالك ـ ياعزيزتي ـ لكن إذا لم يكن غير ما تقترحين ، فينبغي أن نستنفد كل الخيارات .
ـ وهل ثمة من خيار آخر أمامك.
ـ يمكن أن تتغير أشياء كثيرة خلال شهر فيما أحسب.
ـ لن يكون من ضمنها موقف أمي من زواجنا، فلا تتشبث بالمحال.
ـ دعينا نحلم ، ونتمنى ...
ـ بماذا ؟ وسكتت قبل أن تردف : بموتها مثلا ؟ !
ـ لا ...ا صمتت للحظة ثم قالت :
ـ ألن يكون ذالك حلا مناسبا لمشكلتنا ؟!
ـ ربما. لكنه الحل الوحيد الذي لم، ولن أتمناه. هامت في أرجاء الغرفة نظراتها، قبل أن ترنو إلي بطرف خجول، ثم قالت ـ وفي صوتها نبرة حزن وأسى ـ قالت:
ـ أما أنا فبلى . من المؤكد أن ذالك مخز حقا ، لكنني لن أكذب عليك. ففكرة كتلك كانت تستحوذ علي أحيانا ، وأحيانا كنت أستسلم لها ، وحينها كنت أكره نفسي وأحتقرها .إلا أن ذالك بالكاد كان يفقدها البعض القليل من جاذبيتها . قالت هذا ثم تنهدت وأغر ورقت بالدموع عيناها وأردفت: كم هو مؤلم وقاس أن تراود ك مشاعر كهذه وحيال الإنسان الذي يفترض أنك تحبه اكثر من أي شيء آخر في هذه الدنيا . لكن أقل الأفكار بداهة ـ وهو ما لا يدركه أغلب الناس هنا ـ هي اعتبار حب الأبناء لآبائهم جبلة محصنة ضد أي تغيير.
ـ أفهم كل ما تقولين ـ ياعزيزتي ـ لكن أرجوك لا تدعي مثل هذه الوساوس تحول بينك وبين أمك
ـ هي من يجب عليها أن تسعى للحيلولة دون ذالك.
ـ هذا ما تعتقد أنها تفعله.
ـ وهل تصدقها ؟
ـ ليس لذالك أية أهمية . إن..
ـ لا تتهرب من سؤالي . ؟
ـ أصدقها حينما تقول بأنها تحبك، وكذالك حين تقول بأنها تريد مصلحتك. وحين ترفض زواجنا بدعوى الحرص على سعادتك، فلا بد أن أصدقها، فهي أولا وأخيرا أمك .
أنت تقول ذالك فقط لأنها أمي .
ـ وهل ذالك شيء قليل؟
ـ ألا تكرهها ؟
ـ كيف وقد ولدتك ؟
تنهدت في حرقة وأسى وقالت ـ وهي ترنو إلي في تعجب وإعجاب:
ـ ليت روحك تفيض على روحها من هذا الحب والتسامح، فتصغي لقلبي وقلبك مرة ليخبراها عما يعنيه أن تحب. وسمعنا صوت خالي الدافئ الحنون، وكان يسأل الشغالة عن أم "زينب". من المؤكد أنه سألها أيضا عمن يوجد بالصالون، ولا شك أنها إذا أخبرته بأننا هناك. وتمنيت لو أنه يستاء فيعمد مثلا ـ وكنوع من الاحتجاج إلى استدعاء "زينب" ويقوم بتقريعها ، بل إنني وددت ، لو أنه يعاتبني أو حتى يوبخني ويبادر إلى طردي ، وإذا، لأراحني من إحساس طالما عذبني بأنه لا يعاملني كرجل ذا شأن . فلو أن الذي كان يجلس مع زينب شخص آخر غيري لفعل به الأفاعيل. ربما كانت تلك طريقة شاذة إلى حدما في تقدير الأشياء و قياسها ، إلا أنها ليست تماما خلوا من أي معني .
ودعت "زينب" وغادرت ، على أمل أن نكمل حديثنا لاحقا. لم أكن مضطرا لذالك ، لكن هذا حسن الظن بي المبالغ فيه من خالي أغاظني ، بل خنقني وأشعرني بالاهانة ، فقد اعتبرت أنه يقول لي بطريقة أخرى بأن "زينب" في نظره مازالت ـ كما كانت ـ دائما أختي . كان ذالك ليسعدني لو أن الظروف غير هذه، فقد خطبتها منك رسميا، وأدركت حقيقة ما بيننا يا خالي. ثم أنني كنت احتاج إلى أن أبتعد ولو لبعض الوقت عن إلحاح دموع "زينب"، وعن صخب حماس عواطفها، لكي أتمكن من أن أرى بوضوح وروية، ما إذا كان اِقترحها يصلح كعصي للتلويح بها في وجه أمها. لم أتوصل إلى موقف حاسم من الموضوع . وبعد طول تمعن، والكثير من التمحيص خمنت بأن الأمر كالسلاح ذو الحدين. فلربما أفلح بالفعل في إثارة مخاوف أمها ، وجعلها تقتصد ـ ولو مؤقتا ـ في غلواء موقفها ، إلا أن هذا لا يعدو كونه الجانب المشرق في الموضوع .إذ أنها قد تبادر وتحت ضغط ذات المشاعر إلى أسلوب التاجر حين يتهدد الفساد بضاعته . " لو أنني أملك سببا، يغذي لدي الأمل في أن متاعبي يوما ستعرف نهاية. لكان الوضع أفضل والمصاب أهون. لكنني كنت كمعصوب عينين حكم عليه بأن يجد طريقه وسط عتمة الليل بصحراء مقفرة. ولم يكن من الوارد وأنا على تلك الحال أن أتهور وأغامر بحياة "زينب". وأعملت فكري بلا ملل أو كلل، وأوغلت في تحليل كل ما عن لذهني بصفته خيارات متاحة أمامي. وأخيرا أستقر رأيي على أن أفضل شيء أفعله من أجل "زينب" ومستقبلها، هو أن أدوس على قلبي وعلى روحي، وأخرج نهائيا من حياتها. لم يكن ذالك ممتعا كشرب الشاي مع "أفشاي" ولا مسليا كالتسكع في الخريف وسط "الفرجان" لكنه شيء حري بالمرء أن يفعله كيما يظل جديرا بكونه إنسانا . لم أراهن على أن ما ارتأيته سيحظى بأية تزكية من لدنها ، والحقيقة أنني لم أكن لأنتظر منها أن تفعل . فأقصى ما كنت أطمع فيه وأرجوه أيما رجاء، هو أن تتفهم "زينب" موقفي، وسأكون سعيدا إذا ما وجدت في ذالك بعض العزاء.
وقاومت إحساسا مرهقا صاحبني طوال طريقي إلى موعدنا ـ بأنني مجرد سجان فظ وغليظ بصدد إبلاغ أحدهم بموعد تنفيذ حكمه بالإعدام، ومع ذالك فقد كانت أعصابي تتمتع بقدر كاف من الهدوء وكان مايزال في ذهني بعض الصفا ، أتاحا لي أن أهيئ نفسي وأعدها بما أحسبه يتناسب مع ذالك اللقاء ، ولأنتقي بعض الكلمات وأجتهد في تنميقها عسى أن تساهم في تلطيف الأجواء . فلا شك أن "زينب" غاضبة منذ آخر لقاء كان بيننا، عندما لم أبدي ما كانت تتوقعه من حماس إزاء مقترحها وحين أمضيت أسبوعا كاملا كنت خلاله أتجنب لقاها وأتفاداه. ولاحظت حين دخلت على "زينب" بأنها كانت متوترة وثائرة ، بينما كانت زميلتها ـ التي كانت تستضيف لقاءنا ـ تحاول جاهدة مواساتها وتهدئتها . كانت وجنتاها نصف محتقنتان و مبللتان بالدموع، وكانت عيناها ذابلتان وتوشكان على النضوب. فنسيت كلما كنت أفكر فيه، حتى الكلمات التي تعبت في تنميقها وأقبلت عليها بهلع وأخذت أجفف دموعها.
ـ ما الخطب ياعزيزتي ؟ أفلتت منها تنهيدة وقالت:
ـ وهل يتعلق الأمر بخطب واحد ، أو اثنين ؟ وسكت لحظة محاولا أن أجد صلة ما بين حالة "زينب" هذه، واختيارها بيت إحدى صديقاتها للقائنا، وبين سيارة رأيتها حين غادرت تتوقف أمام دارنا. قبل أن أقول ـ ونيران الدنيا كلها قد شبت فجأة في قلبي ـ
ـ هل عادت أمك إلى اِذائك من جديد ، أم أن من تولى تلك المهمة الآن هو خالي ؟
ـ كلكم آذيتموني . أمي وأخي و أنت وخالك. لكأنما أذيتي أمست إحدى متعكم ، وطقسا ثابتا في حياتكم . وهممت بأن أخذها، في حضني وأن أضمها إلى صدري إلا أن وجود زميلتها معنا ردعني . لكنها مشكورة تنبهت إلى ذالك فانصرفت وتركتنا وحدنا .
ـ أعرف أنك غاضبة ، وأعترف بأن ذالك من حقك ، إلا أنه ليس من المنصف ـ ياعزيزتي ـ وضعي في خانة واحدة معهم .
ـ ولم لا، مادمت تتبنى في معاملتي نفس الأسلوب والطريقة؟
ـ ربما، لكنني أنشد غاية مختلفة عن تلك التي ينشدونها.
ـ لا ! صحيح ؟! أنت تنشد مصلحتي ، وسعادتي ...و" أليس كذالك ؟ أليس هذا ما ينشدونه هم أيضا ؟ لكن أحدا منكم لم يأخذ برأيي يوما في ما تتعاركون حوله، وكأنني لست المعنية ، وكأن الأمر لايتعلق بحياتي . أقول لأمي: سأكون سعيدة معه يا أماه فدعيني أتزوجه، ولن يكون عليك بعد من ملام إذا ما عدت إليك يوما وأنا ألعنه...و؟ فقاطعني: اسكتي يا مجنونة، وإياك أن أسمعك تتحدثين في هذا الموضوع. لن تتزوجي إلا بمن يشرفك، ويشرف عائلتك، وسعادتك... كذا، ومصلحتك ،كيت...و" وأقترح عليك ببساطة أن ننهي ـ وفوراـ هذا الموضوع. فتصاب بالذعر وتهجرني ، ولسان حالك يقول " ستلبسين العار... وتطاردك الفضيحة و... ." طيب، لنضع جانبا فكرة الهرب التي يبدو أنها ترعبك ولنفكر في غيرها.
ـ إني أسمعك .
ـ لنضعهم أمام ألأمر الواقع.
ـ كيف ؟
ـ سنتزوج من دون علمهم .
ـ أوليس هذا ما كنا سنفعله عندما نهرب ؟
ـ تماما
ـ وما الشيء الجديد ؟
ـ سنواجه بدلا من أن نهرب.
ـ وهل يبدو لك هذا أقل رعبا ؟
ـ أنا لا أشعر ـ من ـ كلا الأمرين بأي نوع من الرعب، أما بالنسبة لك فها أنا أسألك
ـ لا يتعلق الأمر بالرعب ـ ياعزيزتى ـ بقدرما يتعلق بالحرص عليك .
ـ ألم أقل لك بألا تنوب عني عندما أكون موجودة ؟
ـ لم أقصد. لكن، ألا تلاحظين بأن الوقت مازال مبكرا لكي نفكر في مثل هذه الحلول الانتحارية
ـ أليس الانتحار أشرف لنا من الخضوع والإذعان ؟
ـ ربما. لكنني لم أصل بعد إلى تلك القناعة ، إذ مايزال لدي بعض الأمل ، وفي أفقي بعض الرجاء. انتفضت بعصبية في مكانها وقالت :
ـ أما أنا، فلا. ثم أردفت: ألم تسأل نفسك لماذا كان علينا أن نلتقي هنا ؟
ـ بلى، وكنت على وشك أن أسألك لولا أني وجدتك على تلك الحال.
ـ وبماذا فكرت ؟
ـ فكرت بأن أخوك ربما قد عاد من سفره، أو لعل أمك لم تذهب اليوم إلى د ... لكنني قدمت للتو من البيت ، ولم تكن هناك ! ومن يدري قد يكون خالي ... آه لكن، هل لذالك علاقة بسيارة رأيتها...؟
ـ صاحب تلك السيارة ـ يا سيدي ـ هو التاجر الذي تريد أمي أن تبيعني إياه. وبالمناسبة فهو جاهز ولا يحتاج إلى مهلة شهر ولا حتى يوم في انتظار أن تحدث معجزة ما.
قفزت ـ بلا وعي ـ واقفا ودرت في الغرفة مرتين، قبل أن أتجمد واجما، ومحدقا في ألاشيء. لطالما تخيلت في أشد أوقاتي يأسا ـ وقع خبر كهذا في قلبي ، وكنت أنساق مع خيالات فأجدني أرتعش وقد أسود الوجود في عيني . والواقع أن ما كان يشغلني منذ استباح حب "زينب" قلبي وروحي ليس السبيل إلى الظفر بها، بل كيف سأبلي حين أفقدها، لكن لاشيء مما تفتقت عنه عبقرية خيالي أو جادت به قرائح أوهامي يشبه بأي حال من ألأحوال ما حل بي في تلك اللحظة إذ انقبضت معدتي وأنحشر الهواء في صدري ، قبل أن يبدأ ما حولي يتحرك بي ويدور. ترنحت قليلا، وكانت ركبتاي تصطكان فكدت أن أقع لو لم يسندني الحائط " . يا رب لم تفعل بي كل هذا وأجتاح بالي فيض من الخواطر المريرة وازدحم رأسي بألوان من ألأفكار المشوشة ، وسطا شعور الضحية على نفسي ،وأحسست بأنني أتعرض للغدر وللخيانة. فطفقت أفتش بنظري سقف الغرفة وأجوب به أركانها. واستأنفت المشي أذرعها بلا إرادة ، وبلا هدف . وكنت أتوقف فجأة وآخذ في تقشير صبغها . ثم وجدتني مسلوب الإرادة أتفوه ببعض العبارات وأكررها " لقد جاءت سكرة...." وانتبهنا بعدما زال الرحيق، وأفقنا ليتنا لا نفيق...." لا أدري كم مضى علي من الوقت وأنا أفعل ذالك، لكنني فجأة توقفت وقد بدأت أستعيد رشدي. كانت "زينب" إلى جنبي تبكي وتواسيني، وأحسست بذراعيها الصغيرين كالطوق يلتفان حول جذعي. لا أدري متى فعلت ذالك، ولم أعي ماذا كانت تقول ، لكنها الآن ترجوني ، وتتوسلني بدموعها وتقول :
ـ حسبك. هذا يكفي . لا وقت لنضيعه في التحسر والتفجع . هيا لنفعل ذالك وسترى بأن متاعبنا كلها ستزول. و أحسست للغبطة في نفسي دبيب تجاوبا مع رجائها، وأهاب بي شعور جارف دعاني لنبذ التردد وللقبول. "اسمع أيها البائس الحزين : سيواري نبل غايتك وسموها ، سوءات وسيلتك وعوراتها وستغنم "زينب" الحسناء الجميلة ، ورضاها ،وستثلج قلبها الدافئ الحنون، وستثأر لنفسك من أمها ، عندما تحرق قلبها القاسي الغشوم ، فتأتيك زحفا على ركبتيها تترجاك في تذلل وخضوع . ستكابر. ربما ، وستقاوم . يجوز . لكن بعد أن عبت السفينة وعبثت بها ، وفقدت كل مزاياها كمشروع. وكدت أنجرف ، وأستغرقتني للحظة وطفحت أعماقي بحماس الانتصار. لا أيها الشيطان البائس، الرجيم لا ، لاِن تحترق في أتون البين روحي شوقا اِلى "زينب" أو تلتهم نيران الغيرة قلبي وأنا أراها تزف إلى غيري ، أهون علي من أن أدعها تتورط في هذه المغامرة . هذه بلا شك تضحية، صنو بذل الروح والجسد، ومع ذالك فهي قليل، لكي أرد لها بعض جميل صنيعها بي . حين مخرت وهي.الغريرة عباب المجهول لتزرع بذرة أمل في صحراء نفسي المجدبة. وحين خاضت وهي البضيضة ضريم العذل وحر لظاه لتنثر دفء المحبة في سماء قلبي وحول رباه "
في غمرة مشاعري المتضاربة تلك ، كان على عقلي أن يتدخل ، فوجدتني وبلا مقدمات أقول في مايشبه الهمس أو التمتمة :
ـ لن ينجح ألأمر يا حبيبتي.
ـ هل قلت شيئا ؟
ـ لا ، نعم . كم يحزنني أن أقول ذالك ـ ياحبيبتي ـ ، لكن علي بأن أعود إلى " نواكشوط ". فغرت فاها في دهشة ثم قالت : بصوت يخنقه الذهول :
ـ ستتركني لهم وتعود إلى "نواكشوط" ؟! لا، لن تفعل بي ذالك أرجوك ؟
طفت بعيني حول عينيها النجلاوين المنكسرتين ، فبدتا كمرج يستقبل المساء ، ورأيت القوة التي كانت توكر فيهما تتحول إلى بريق من الضعف والخذلان شاحب ، ثم أدنيتها وطوقتها بذراعي وكرعت بنهم جبينها ، حتى اضطرب الشعر الساجد في ناصيتها بشدة من قوة زفيري وهمست بها ـ وحرارة جسدها تغلي روحي وعقلي ـ همست بها :
ـ أعرف أنه سيتعين على شخص ما أن يقف في وجه هؤلاء ليقول لهم يوما : لقد سئمت كفى ، ولا أكتمك بأنني أشعر بنوع من الأغراء إزاء فكرة أن يكون ذالك الشخص نحن . لكن ليس باللغة التي تقترحينها، البليغة السامية، فمثل هؤلاء الغوغاء لا يفهمون التضحية. هامت بعينها في أرجاء الغرفة لحظة ، ثم قالت ـ في حزن واستسلام :
ـ لقد حسمت أمرك وانصعت لخوفك ولذالك فأنت تقول أي كلام.
" قلبي الذي غنى خفوقه سحر عينيك لحنا شجي ، قد أرهقه كدرا لهموم وران عليه الكمد وروحي التي ألهمها حب الحياة وجدك ، قد احصرها غسق الأسى وأغرقها في لجته . وكل ألأمل الذي زرعه في نفسي حنانك ، وأضاء له سبله سناء روحك البهي ، قد ابتلعه غمر خيبتي وتلاشى في غيابتها "
ـ أعرف بأنني ـ يا حبيبتي ـ أخذلك، وأخيب رجاءك في . ويعلم الله كم يحز ذالك نفسي، و يعذب روحي، ويفطر قلبي. لكن ثمة قوة ما، قوة جبارة وعنيدة تشدني بشدة إلى قاع بائس معتم وحزين، قاعا شبيها ـ ربما ـ بذات القاع الذي انتشلتني منه إرادتك وتضحيتك، وناضلت بكل قواك كي لا أنزلق إلى غياهبه من جديد، وتسوقني سوقا ـ وبإصرارـ نحو مصير مظلم ومجهول.
أعرف أن ذالك لا يروقك، لكنني لن أستطيع مسامحة نفسي، بل، وسألعنها ما حييت إذا ما ورطتك معي أكثر من هذا وجعلتك تلجين هذا الطريق.
رفعت إلي وجهها مشرئبة قليلا بجيدها، ثم دنت حتى صارت ملتصقة بي تماما . فأحطت كتفيها بذراعي ثم ضغطتها بقوة في أحضاني. في قمة نشوة المرتبكة تلك وجدت ذراعيها تطوقان عنقي وذراعاي تلتفان حول خصرها . كانت شفتاها على بعد قيد أنملة من شفتي ، وظمأ طفولي يطل منهما . فانطلق نداء مدو من قلبي، جاوبه هتاف خجول من قلبها تلاشى صداه أسفل وجنتيها فتوردتا قليلا. وحين لا مست شفتاي شفتيها، نفحت نفسا حار وزكيا من طاقتي انفها في وجهي ثم لم تلبث أن غلبها التأثر فهمت بدمع ـ كالزلال ـ عيناها. كانت تلك المرة ألأولى التي أقبل فيها "زينب" وكانت أول قبلة أطبعها على شفتي أنثى .
تركتها وفي رأسي خيبة وبنفسي حسرة، وكان في خديها حزن وفي عينيها استسلام

المتليكسي
25-05-2010, 01:45 PM
شكرا أخي على هذه القصة الرائعة والتي تنبئ بذالك القاص الجيد في داخلك فلا تقتله بداخلتك وأخرجه إلى الملئ في قصص أخرى
وأشكرك مرة أخرى وأهنئك أيضا

محمد جواد
20-10-2010, 03:02 PM
إثنى عشر عاما ـ وأنا ـ في "نواكشوط " أرى الآن آخر صورة ارتسمت لها في مخيلتي ، واضحة وضوح أول صورة انطبعت لها في وجداني . يوم قدمتها أول مرة عام حصلت على الباكالوريا . يومئذ خيل إلي ـ والسيارة التي كنت استقلها تشق بصعوبة طريقها وسط الازدحام، والأنوارـ بأنني مصطفى يدخل الفردوس من بوابة الأنبياء . ورسخ ذاك التخيل في نفسي ، هبات منعشة كان المحيط الهادر ينفثها من آن لآخر فتصفع وجهي وتتغلغل في رئتي ، وأنا القادم لتوي من صيف "كيفه " الجهنمي وبطشه وحر لظاه . وتوهج أنوارا لمصابيح الكهربائية الساطعة في عيني، ولم تعرفا قط سوى نور "لمبتي:" البترولية الصدئة. صورة ما فتئت الأيام ، تثلمها ، وتخرمها إلى أن حفرتها في ذاكرتي على الشكل الذي أراه الآن ." أطلال لحلم عفي وأندرس ، وأنقاض أمل أجهضته بلادة الحس " . تلك هي "نواكشوط " التي أراها الآن في مخيلتي . نواكشوط التي عرفتها شارعا ، شارعا ، " شارع بورقيبة، وشارع عبد الناصر، وشارع الاستقلال ...ومكاتبها الحكومية أعرفها , إذ أنني لم أدع منها مكتبا إلا قرعته بحثا عن عمل . وأسواقها أيضا عرفتها . سوق "سينكيم " ، و"سيزيم " ، "وكابتال" .فقد لعبت فيها "المرياس " بجميع أنواعها ، و"ظامت" وكل أخواتها . كنا زمرة من الشباب العاطلين . لا نمل اللعب . عزل إلا من شهاداتنا الجامعية عديمة القيمة ، والجدوائية . لا وزن لنا في مجتمع "نواكشوط" الصاخب ، حيث القيمة والأهمية ، ماركات مسجلة ، ومحتكرة من قبل الأقلية ، من أصحاب السيارات الفارهة ذوي الوجوه الناعمة ، والجيوب المنتفخة . نلعب من الشروق إلى الغروب . ولا نفترق إلا حين يحيق بنا سلطان البطون القاهر ، فنتشتت زرافات ووحدانا في أحياء المدينة . ليحل أحدنا ضيفا لم يكن غالبا في الحسبان بإحدى الأسر من معارفه . معارف ملوا رؤيته ومجتها أنفسهم ، فيقتات على استحياء نظرات التبرم تنهش وجهه ساعة قدومه، ومشاعر الازدراء تلاحقه حين ينصرف. اتخذت اللعب بادئ أمري وسيلة لتجزية الوقت أقصد التسلية ، لكنه مع مرور الوقت تحول الى مشروع مدر، وذو مزايا متعددة القمار. هل تفهمني ؟ ومضيا في هذا الاتجاه استأجرت وبعض الزملاء بيتا في أحد الأحياء الشعبية، وسرعان ما أجتذب عالمنا بعض الجنود والعاطلين وسائق السيارات وغيرهم. وكنت في سبيل تأمين قدراتي القماريةـ ألجأ الى وسائل كثيرة ، منها أفراغ الشاحنات وتحميلها ، والعمل كمحصل في الأتوبيسات ، ووسائل أخرى قد لا تعجبك كثيرا "التبتيب" هل تفهم ؟ وأدمنت هذه الحياة بكل ما فيها من ممارسات . ممارسات غدت بالنسبة لي : مقبرة لما فاض عن الحاجة من وقتي ، وفيها كنت أجد دائما ، مدفنا ملائما لأوجاع قلبي وأتراحه . ومع أنها كانت تجسيدا لمعاناتي مديدة العمر وبؤسي ، فقد وجدت فيها مختبرا ـ أختبر فيه كل مواهبي وما أوتيت من قوة ورباطة جأش . ويحدث أن أخاصم أحدهم أو يخاصمني فأصفعه. ولا أذكر أنني صفعت أحدهم مرة، إلا وفقد الوعي لبعض الوقت. فقد منحني الله قوة عضلية عاتية ، أنضافت الى قوة قلبي الهائلة ، فأصبحت كتلة قوة لا مكان للضعف فيها . إنسانا صخريا من لحم ودم ، أعني كالصخرة ، تسقط على الشيء فتسحقه ، أو يسقط عليها الشيء فينسحق . كذالك سوق الحيوان أعرفها ، جلبة الباعة ولغط المتبضعين . هؤلاء يساومون ، ويناورون ، و أولائك يضاجون ويداورون. والضأن ثغاؤه وضجيج الماعز يغمران الفضاء في ذعر ملهوف واستغاثة مظلوم. صورة حية لأسواق أخرى نحن ضأنها ونحن معزها . ودنيا المجون و كل أوكار الضياع ، "الوازيس" ، و"ميناء الفن " و"الفتح .. تلك لعمري أماكن أعرفها .كم فتاة رافقت منها أو إليها ؟
"ألم يان لهذا القلب البائس أن يسلى هواه فيصغي لعويل هذا الجسد المسكين " ؟
بلى. استجابة حرجة لهذا النداء . نداء أرق نفسي طويلا ، قبل أن يتحول الى سأم وفتور . ويوم استجبت، كاد الألم يعصف بي، وأعتصرني الندم حتى كاد أن يمزق قلبي. أن انتهكت براءة صبية حسناء في أوج ريعان شبابها وضعها القدر وسوء طالعها في طريقي تلك الليلة. فسلبتها بسمة الأمل ، بل ولربما سرقتها حياتها والى الأبد . كنت ليلتها مغتما أوشك أن أتضعضع تحت حالة من الإحباط الفظيع . فقد تلقيت نداء استغاثة من "زينب"، وكان نداءها ألأخير ، تنذر فيه بانهيار وشيك لمقاومتها ، بعد ثلاث سنوات من الصمود .
" يئست من محاولة استنهاض روح المغامرة فيك ، وإذا لكنت شدد ت أزري ، وها أنا أجد نفسي أخيرا ـ وجها لوجه مع أبي ، فإما أن تأتي وتأخذني معك أو تأذن لي فألتحق بك ، وإلا فسأستسلم أو أضع حدا لحياتي
"لاتثريب عليك . استسلمي ، ولا تؤذي نفسك " هكذا رددت، وكأنني أغرس نصلا حديدا في قلبي. لكن خانني التوقع فلم أحسن تقدير ما سيلحق بي من ألم.
آويت الى مخدعي الكئيب كمدا ، بعد أن أودعت ذالك الرد اليائس بالبريد ، وآوى معي الى مهجعي الندم والحسرة والألم . وألقيت جسمي في الفراش بإهمال وإعياء وشرود ، متوسلا طمأنينة لن تأتي ومستجديا نوما قد عاف وهجر. هكذا بقيت أتقلب ذات اليمين وذات الشمال في ضجر وبعينين مفتوحتين تغالبان انهمار الدموع . وانقضت بضع ساعات بكيت خلالهما في صمت وبلا دموع . وضايقتني فكرة أنني ربما كنت قد فرطت في حبي، وفي "زينب" عندما رفضت مقترحها بأن نتزوج ونهرب. فقلت بصوت أحسبه كان مسموعا، وبعصبية وغضب : ما من شيء كان يمكن أن يحل بي أفظع مما ألاقيه الآن ، فتبا لك أيتها لأخلاق ، وبئس الرأي ما رأيت . لكن الفكرة ازدادت إلحاحا وزاد معها ارتباكي وألمي، قبل أن يطغى على الغضب وأصبح عصبيا وعدواني المزاج . ثم بدأت أشعر بالدوار، ودهمتني طلائع الحمى والزكام ، فلم أجد بدا من أن أقفزمن السرير، للبحث عن أي شيء يمكن أن يهدأ من حالي . فعثرت على بعض الحبوب فقمت بابتلاعها دفعة واحدة وفي الحال . لا أدري كم كان عددها ، وهل كانت صالحة وذات مفعول ايجابي مضمون ، لكنني فعلت ذالك وحسب ، وعدت لأتمدد في السرير. وقد عقدت العزم هذه المرة على أن أجبر نفسي على النوم ، فأغمضت عيني بشدة وفرضت على كافة جسمي السكون ، لكن ذهني ظل متيقظا ، وشرعت تغزوه الخيالات . وشعرت مع مقدم الليل كآبة نبعت في كل زاوية من نفسي. تلك الكآبة المؤلمة المؤذية عدوة القلب والروح والجسد ، والتي كانت تثير حفيظتي دائما ، وتجعلني أفكر في الانتحار. كانت عندما تهجم علي أفقد كل صلة بالعالم من حولي ، وتفقدني كل رغبة حتى الرغبة في أن تزول . وعدت فتذكرت "زينب" وكيف أن عيناها تشبهان عيون الأطفال في براءتهما ، وكيف كان يخيل إلي حين تضحك أن حريقا من نور قد شب في ثغرها. وتذكرت أيضا أنني ـ لم أشعر بمثل هذه الكآبة يوما منذ أن أحببتها ، رغم كل الأوقات العصيبة التي عرفتها معها ، وتلك التي مرت بها علاقتنا . وبقيت أداعب هذه الخيالات ، لاه أنشد فيها السلوى. وفجأة غصت نفسي بمشهد عرض لخيالي فحاولت أن أوقف عرضه بكل ما أوتيت من قوة ، وأن أستعيض عنه بالتفكير آي جمال "زينب" وحسنها. لكن الأمر لم ينجح ، فهاج بي الحنق والغضب ." فقد رأيت "زينب" الوديعة اللطيفة ، تصارع مستميتة لكي تخلص نفسها من براثين متوحش غشوم . وكان غضبي يزداد ، ويتضاعف حنقي، كلما أشتد إصرار الغريم وأمعن في التصميم ، وكان يستبد بي القلق ويسحق قلبي الفزع ، كلما رأيت مقاومتها تلين أو تخف ضراوتها . فظاعة المشهد أستغرقتني ، فسلختني تماما عما حولي ، فتارة كنت أقف ، وأجلس تارة أخرى ، وكنت أكلم نفسي طورا ، وطورا أثور وألوح بيدي ، تبعا لنوع الايثارة المتضمنة في كل مقطع وفي حالة من الاندماج والانجذاب الكلي . وشيئا فشيئا ، بدأ الإعياء يدب في إصرار البنت و أخذ الوهن يمخر مقاومتها ، الى أن استسلمت فتوارى كامل جسدها في الجرم الهائل المتكوم فوقه . ثم أخذت تموء ، مواء قطة محصورة في قفص ، كانت عيناها مطبقتان كمن يبتلع مرا ، وحين هم بلثم شفتيها غمغمت ، وقد طما بها التقززـ قبل أن تستجمع كل قواها لتطرحه بعيدا ، ثم هوت على رأسه بقضيب من الحديد كان الى جانبها . اِلا أنه تفاداه في اللحظة المناسبة ، لينقض عليها بعنف وبشراسة ، ويقبض بكلتا يديه على جيدها الصغير". عندئذ ، جأرت كالثور، وصرخت صرخة ارتجت لدويها كل زوايا المكان وأركانه ، ثم غادرت السرير، وقد تملكتني الغيرة والغضب وكل مشاعر السوء ، وترنحت الى أن لامست الباب ـ كان الظلام دامسا وحالك السواد ـ إلا أنني تحسست بيدي الى أن عثرت على مقبضه ، لم ينفتح بسرعة فضربته بمنكبي ، ولربما هممت بنطحه برأسي ، فقد وصلت بي الحال الى حافة الجنون ،ثم لعقت عرقي ، وأدركت بأن كل ذالك كان خيال . كنت قد خرجت الى الشارع ، لكن من دون أن أحدد وجهتي . وتركت الأمر لقدمي ليجرا جسمي بلا هدى . وسرت تتقاذفني الهموم، وتتلاعب الهواجس بقلبي ، الى أن وجدتني في مكان معزول تتعارك فيه قطع الظلام ، هذا القفر ، هذا الظلام . وأنبسط أمامي المجهول، انه شيء كهذا ؟ و"زينب" الحسناء تموء تحت جرم مغتصب ظلوم . هل ذالك عدل ؟ لطالما ما آمنت بالله وخلعت عليه كل الصفات الايجابية التي أنتجتها مخيلتي ، وإنني لأجله عن أن يكون ضالعا في ما يحصل لي من مكروه ، وإذا فأنا في حل من أن أجبر نفسي على الصبر والاحتساب . كان كل شيء من حولي هادئا يلفه الظلام والسكون، وكنت وحيدا وجزعا، أقف على عتبة الجنون، ثم انطلقت أسب حظي العاثر، وألعن بصوت مسموع أبوي اللذان أوجداني على ذالك النحو الممقوت. ولم ألبث أن يممت شطر المدينة الغارقة في هدوئها ، وصحت مهددا ومتوعدا فيما يشبه هذيان المحموم .
أنتم أيها الغارقون في ملذاتكم التافهة الى الذقون ، السادرون في غيكم ، في بلادة ومجون ، أنني ـ ومنذ هذه اللحظة ـ أخلع عنكم صفة البشر . وآه لو تعلمون ماذا يعني ذالك في قاموسي ؟ إنكم مجرد أشياء ، عقبة . فلن يرف لي رمش، وأنا أدوس شرائعكم الباطلة التافهة، ولن يخفق لي قلب، وأنا أعبث بأعرافكم الهزيلة. فأنا ومنذ هذه اللحظة ـ وأقولها صراحة ـ لا أنتمي لكم ، وأنتم لا تمتون إلي بأية صلة . كم أكرهكم إذ حرمتموني "زينب" ، وكم أحتقركم اِذ سمتموها العذاب لأنها أحبتني . لقد جندتم كل طاقات خبثكم لإلحاق الأذى بي وبها ، ولتعاقبونا على جرم لم نكن عليه شاهدين . و صدق الحزن في عيني "زينب" لأثأرن لها ، ولنفسي ، ولأكيدن طوطمكم ذاك اللعين ، ولأكيلن لكم الصاع صاعين . سأجعلنكم تلعنون تلك الأجداث التي دمتم لها عاكفون ، وتستنزلون عليها الغضب ، وما هي أهل له من العذاب الأليم . وإذا ما نبض في عرق رأفة أو شفقة بكم ، فسأقطعه بلا حساب وأهدر دمه ولا أبالي . والى أن تركعوا عند قدمي ـ في تضرع وابتهال ، تعلنون آي الولاء ، وترددون أناشيد البراء " لقد كفرنا بكم ، وبكرمكم أيها العابرون " وما أكثر المصائب التي يجرها كرم الآباء على أبنائهم ، وهل أورد الآباء مورد الشقاء إلا تركة أسلافهم ـ الى أن تفعلوا ذالك فسأظل أعبث بكم ، وبهنائكم وأعيث فسادا في حياتكم . سأزرع الرعب والخوف في كل زوايا بيوتكم ، وأسلبكم الراحة والاطمئنان . أصرخوا في وجوههم ، أيها الأسلاف : وفروا كرمكم لأنفسكم . واِن شئتم فيمكنكم التعفف . والأمر في النهاية عائد لكم ، وبالنسبة لي سيان . عندئذ فلربما سأغير رأيي ، وأشياء أخرى كثيرة ستتغير ، لن أحزن إذا كان من ضمنها موقفكم من زواجي " بزينب" لكن ثمة ألأهم وينبغي أن يكون من ضمنها . وأفقت من نوبة الثورة هذه، وعلمت بأنني كنت أهذي ، فقد زلزلت الغيرة قلبي وأفقدت نفسي توازنها . وكنت لا أزال أسير وبعد عدة خطوات وجدتني في حشد أقف أمام سينما "الوازيس" وكنت في تلك اللحظة بدأت استعيد نفسي ، وسرى عني قليلا ، وأحسست بنوع من الارتخاء يداعب أوتار نفسي ، ثمة نذر لشيء كالسرور الغامض ، أخذت تدغدغني . فاندفعت بإحساس المطارد اندس وسط جمهرة رواد السينما ، لائذا بضجيجهم من صخب مشاعري الهادرة ، ومخافة أن تفلت مني رغبة بلهاء كانت في طور التشكل داخلي . ما عساها تكون بحق الشيطان ؟! هناك في ركن قصي في منتهى مؤخرة الحشد، وقفت سيئة الطالع تلك الصبية الحسناء. كانت لوحدها ، وتتفادى سطوع الضوء ، حرجا ربما ، أو لعلها كانت تحاذر من أن ترى . وحمل مشهد تلاعب النسيم بخمارها ، الى نفسي مشاعر كدت من فرط بؤسي وحزني أن أنساها . لكن صراع أناملها مع الهوى حين كان يعبث بخصلات شعرها، أعاد لها الروح فجأة وأذكى جذوة اتقادها. وعلقت نظراتي الزائغة بقوامها ، وتغلغل وقع أنوثتها الغضة في كامل كياني ، وغالبت ترددي ويممتها . كان ذهني قد صفى، وعاود أعصابي هدوءها، كان هدوءا حذرا، لكنه كان كافيا ليمكنني من مفاتحتها، ودعوتها بشكل مناسب، يضمن استجابتها. وناضلت حين وقفت أمامها لأتحايل على صورة "زينب"في عيني وإشراقها، ولأفلت ـ ولو مؤقتا ـ من قبضة طيفها الذي أقتحم علي لحظتي فجأة من غير استئذان " فهذه فرصة للسلوى وللنسيان وقد صممت على اقتناصها بأي ثمن. وأفقت على شفتا البنت المكتنزتان وقد فترتا عن ابتسامة صغيرة.ارتبكت قليلا ، فلربما ند عني ما يفضح حالي ، فقلت مستبقا وساوسي وعادة التردد البغيضة في .
ـ بون أسوار.
ـ بون سوار.
ـ هل ينتظر هذا الجمال كله ـ أحدا ما ؟ حدقت في برهة ، ثم قالت ـ ومفعول الإطراء يلون نبرتها
ـ الجمال ينتظر ، ولا ينتظر .
ـ هذا ما اعتقده بالضبط ، لا بد أنك اِذا ـ ضجرت من مكثة البيت ، وروتينه الفتاك ،وب.. لم لا تتفضلي، لمشاهدة الفيلم ؟ وخيل إلي أنها تفاجأت ـ رغم أن هذا ما يفترض أنها كانت تنتظره ـ لكن لغتي الواثقة الآمرة أخافتها أو استفزتها فهي مازالت صغيرة ، وفي طور الهواية على ما يبدو . جلست وهي الى جانبي وشعور غريب يغمرني ، فها أنا ـ ولأول مرة أجدني بصدد أن أجرب ... وكدت أغضب ، اِذ حسبت الامر نوعا من التشكيك في ، وفي قدرتي أن أكون شيئا ، وأن أتجاوز سلبيتي . اللعنة. من يجرؤ بأن يظن بي هكذا ظنا ؟ . مع "زينب" كان ألأمر مختلفا، وكان مجرد النظر في عينيها يكفي. لكن الآن ، لا . وساعة يجد الجد فإنني مستعد لأحرر الوحش الكامن في داخلي. وتناولت يدها ، وهممت بلثمها ، لكن طيف "زينب" عاد لمشاغبتي ، فتقهقرت ، وخارت عزيمتي ، وشعرت بالخجل من نفسي . والواقع أنني بمزاجي السيئ ذاك ، ووضعيتي النفسية المرتبكة تلك، لم أكن سوى عاشق مهزوم، تجره الغيرة من ذقنه بخطواتها الواسعة في درب الجنون. نظرت إلي بطرف عينها إذ أحجمت عن لثم يدها، بدت خجلة، ومترددة مثلي، لكنني خمنت بأنها كانت تشجعني في سرها أن أفعل ، بل ربما كانت تناشدني . كانت يدها ما تزال في يدي ، فاستجمعت قواي ، وملأت بالثقة والشجاعة قلبي ، وجذبتها إلي وضممت جسمها بكل قوة الى صدري ، وافلت زمام نفسي من يدي وانطلقت أحدثها ، بما عن لي ، وأحكي لها كيفما أتفق ، نكات ، وحكايات ، وأشياء .. ورغم هذا كله فلم أقرر فعل أي شيء محدد. ولدى خروجنا ، كانت يدانا متشابكتان ، ونسير في تناغم وانسجام حتى ليخيل الى من يرانا ،بأننا عرسان أغراب . ومشينا بضع خطوات، وبحركات صغيرة حررتها من التردد، وقضيت على حذرها. وحين كانت هبات النسيم تدغدق منخري بأريج عطرها الزكي ، كانت حالة من النشوة تنتابني، وتكاد ـ لولا ترددي ـ أن تخرجني عن طوري . ألم أكن قد حسمت أمري، فلم تر... آه من رغبتي ، ورهبتي ، وهذا القلق الراكد في قلبي . ومع مرور الوقت، وتوهج النضارة في وجه البنية ، تحررت شيئا فشيئا ، من وساوسي ، وطردتها وجلسنا نحتسي بعض المشروبات على لبنتين متقاربين قرب أحد الدكاكين ، بركن مظلم بعض الشيء ، جوار بناية قيد الإنشاء . وبقينا صامتين برهة ، ثم جذبتها ناحيتي ، وداعبت خديها ، وهمست في أذنها بشيء ما فضحكت ، فتشجعت وطبعت قبلة على خدها ، وانتظرت لدقيقة أو أقل ، لأعرف ردة فعلها . ثم مددت يدي بتؤدة ، حين آنست جانبها ، وأخذت أداعب صدرها ، وحللت زرا ، ثم زرين ، من أزرار فستانها ، و استمتعت لبعض الثواني وأنا أعبث بنهديها ، وبلغ تأثري أشده ، واكتسحت حمى الرغبة كامل كياني ، وانزلقت بيدي الى أسفل ، فصدها ضيق الفستان، فقلت فيما يشبه التوسل :
ـ هل تسمحين ؟ و
ـ ماذا تريد أن تفعل ؟
ـ أفسحي الطريق ، وستعرفين كل شيء. تنهدت في حيرة، ويبدو أنها مثلي لم يعد لها على نفسها سلطان، ثم قالت وهي ـ تمكنني مما أردت باستسلام:
ـ ألا ترى بأننا في الشارع ؟
ـ أنا لا أرى سواك. وكنت صادقا، فقد تواريت عن العالم وراء حجب رغبتي. وتطلعت إلي في فضول، وكنت أعلم أنها مرتبكة وضحكت ضحك مأخوذ يجرفه تيار التجربة، وقالت:
ـ هذا جنون، فأنا لا أعرف حتى أسمك !
ـ ولا أنا ، لكننا لن نحتاج الى ذالك الآن على الأقل .
ـ لعلك ظننتني من ...، أسمع . أنا من عائلة "محترمة" والدي أمين عام وزارة سابق ، وأمي أستاذة لكنني وكأي إنسانة معاصرة لا أرى بأسا في الذهاب الى السينما ، ولا حتى في الخلوة مع الرجال إذ أنهم ليسوا كلهم سفلة وأشرار. فهمت ما كانت تريد قوله، وما عنته فيما قالت ، فقد كانت تريد أن تبعد من ذهني فكرة كونها فتاة ليل ، أو من أولائك السائبات . ومضت تصور بحذق وبتهويل ، ما ينتظرها من ذويها إذا ما ضبطها أحدهم وهي في هذه الوضعية معي ، أو رآها وهي تعود للبيت في ساعة متأخرة من الليل ، لكن ماذا يهمنى أنا في ذالك كله ؟ ألم أحزم أمري وأقرر ؟ وعلى كل حال فأنا لا أنوي أن أفعل بك يا حلوتي ـ أكثر مما يريدون فعله "بزينب" فكيف تسنى لهم دعوة هذا سفالة ، واعتبار ذالك زفافا وفرحا ؟ وإذا ، فليس ثمة صلة مفهومة يا صغيرتي ـ بين الشر وبين ما نحن بصدده ،اللهم الى تلك التي يقيمها هؤلاء المنافقون في أذهانهم الصدئة ، وتلك صفة أخرى تجعل الأمر عصيا أكثر على الفهم . قلت هذا في نفسي ، وقدت البنت الى ركن مظلم ، في البناية المهجورة قيد الإنشاء تلك ومن ثم أخذتها ـ وأغلب الظن أنها كانت صادقة فيما قالت ، رغم أنها لم تقاوم مقاومة ذات شأن . تمنعت قليلا ، واحتجت ، ثم بكت بكاء المغلوب . تركتها حيث أخذتها ولا أدري ما حصل لها بعد ذالك

أحمد الحسن
20-10-2010, 11:25 PM
أهلا بعودتك يا جواد ألا ترى أنك تسرف في الغياب؟

على كل أنت بعودتك ستكون إضافة كما كنت من قبل خاصة وأن هذا الروتين القاتل لا زال بعدك جاثما علي مشهد القصة!

محمد جواد
18-11-2010, 03:09 PM
لا يوجد حي من أحياء العاصمة إلا ساكنت قاطنيه ، وكان لي معهم شأن ، و"الكبة" ، و"المدائن" ، و"الكزرة" وما شابهها من الأماكن تسكعت في أزقتها ، وخضت نتنها وعملت فيها العجب العجاب ، و"لكصر" و"تيارت" ، وكل ملحقاتهما ، جست خلالها ، وعثت فيها فسادا . كان في نفسي اِحساس تحول مع مرور الأيام ، وتلاحق الإحداث الى إيمان راسخ ، بأن جميع ما أقوم من أعمال ، كان مجرد تمرينات من قبيل الحركات التسخينية التي يجريها اللاعبون عادة قبل النزول الى أرضية الحلبة ، أو نوعا من البروفات على أحداث مسرحية حياتي ،ألملآ بالآهات ، والدموع وبالمفارقات .
المساجد أيضا عرفتها . المسجد الجامع، ومسجد المقاطعة الخامسة، والسادسة و... لم أدع مسجدا إلا صليت فيه، واستغفرت الله. إثنى عاما ، وأنا أعيش هذه الحياة . أدوس على كل شيء سام عند هؤلاء الناس، واسخر من كل شيء وقروه . وكنت كلما آنست في أحد الزملاء ، ضعفا أو تهاونا إزاء ما كنا نمارسه من أعمال ، ألبسته تهمة ما تزج به في السجن لبعض الوقت ، أو أغري به آخرين فيعود راغما الى الأحضان ، أو يختفي من الوجود والى الأبد ، وسائل إخضاع جديدة أضفتها الى وسائل قديمة درجت على استخدامها ، من قبيل الإعراض ، والإغراء ، والترغيب والترهيب ، وأشياء أخرى أكثر تقليدية من ذالك .
كان لا بد لي ـ وقد باتت المواجهة أمرا مقضيا ـ من أن أعبأ نفوس كل المحيطين بي بالحقد وبالكراهية . فكل ما يربط أولائك التائهون في بيداء الحاجة أللامتناهية ـ العالقون في الذل والبؤس والمهانة من وشائج ورموز وقيم أخلاقية بهؤلاء الغوغاء أعداء الإنسان والإنسانية ـ ينبغي أن يجتث ويستأصل من الجذور، وما من وسيلة أفضل لإنجاح ذالك وأضمن من لقم عقولهم بالعنف ولغم سلوكهم بالعدوانية . لقد استطعت ـ بعقلية اللص الكريم وذهنية المغامر الجسور، وبعقلية المثقف المنافح عن كل ما هو سام وجميل ـ من أن أجد لنفسي مكانا مناسبا ضمن صفوف القطيع .لكن بعد فوات الأوان .
لا تنتظر التسلسل فيما أرويه لك من أحداث ، والعتب كل العتب على ضعف الذاكرة .
ذات مرة وجدتني أتساءل، لماذا لا أستعين ـ في بحثي عن العمل ـ بأحد أصدقاء خالي، أو ببعض معارفه الكثر؟ كنت ـ ما أزال ـ ساعتها أتمسك بخيط أمل واه ، أمني النفس مستأنسا بحلم يقظة لذيذ . حلم مافتئ يراودني من حين الى آخر ملوحا لي بمعجزة ما قد تقع في أية لحظة ، فيتخلى النحس عن ملاحقتي وأفوز بالزواج من "زينب" . كأن يرتد هؤلاء الغوغاء عن عبادة وثنهم الأثير ذاك ، أو أن تكفر"أم زينب" بقداسة أسرة خالي . ولماذا لا تنخسف الأرض مثلا بكل أولئك البله الذين حكموا علي وبطقمة شهود الزور تلك التي أدانتي . سآمل أن يحدث هذا أو ذاك ، لكن في انتظار ذالك ينبغي أن تكون أموري كلها مرتبة وجاهزة لاستقبال "زينب" .
" مر الواقع ، فليحلو الخيال" .
قصدت "عبد الله ولد حم " وهو أحد أصدقاء خالي المقربين ، وواحدا من أعيان القبيلة المتنفذين. لم تكن تلك المرة الأولى التي أتردد فيها على أحدهم في هذا الشأن ، لكنها كانت الوحيدة التي أقصد فيها أحدهم في بيته ومن تلقاء نفسي ، ففي المرات السابقة كنت أكتفي بإيصال رسالة من خالي ، الى المعني في مكتبه من غير أن أنتظر رده ، أو أهتم بمقابلته في البيت . والواقع أنني لم أسعى الى ذالك غالبا . فحالة العبوس والفتور التي استقبلني بها بعضهم، وتلك المماطلات والوعود المراوغة الكاذبة، خلقت لدي حالة من القنوط، والنفور، وعدم الثقة.
استقبلني الرجل بوجه وسمته النعمة والرفاهية في صالونه الفخم بحي "تفرغ زين الراقي " و حين سلمت عليه تثاءب ملأ فيه قبل أن يأتيني رده البارد. بقيت واقفا مأخوذ اللب بروعة أثاث الصالون ، أدلك بنظري وجه الرجل الناعم ، الحليق ، أتنسم ملأ رئتي شذى عطره العليل ـ الى أن دعاني ـ بعد لأي ـ للجلوس . وفور قعودي ابتدرته قائلا فيما يشبه الاعتذار.
ـ كان يفترض أن أتصل بالتلفون قبل قدوم الى البيت ، خصوصا أنكمم شخصيا لاتعرفونني لكن يبدو أن إيماننا بأشياء المدنية هذه مايزال ناقصا . هز الرجل رأسه بتكاسل وبلامبالاة . فواصلت الكلام وقلت:
ـ أنا " أبن أخت "محفوظ ولد أعل". واجتاحت الرجل موجة حماس رتيبة لدى سماعه اسم صديقه ، لكنها لم تلبث أن تحولت الى مايشبه عدم الاكتراث ، عندما قلت له بأنني أحمل شهادة "المتريز" في الاقتصاد ، وإنني بحاجة الى من يساعدني في توظيفها . قال بعد أن أنهيت كلامي ـ والضجر يلاحق بقايا الحماس في وجهه:
ـ أعتقد أنك وصلت متأخرا بعض الشيء ، فأنا الآن مجرد موظف عادي .ابتسمت في سري بمرارة فقد كنت أتوجس خيفة من أن يلحق بي نحسي الى هنا ، لكن هاهو يسبقني متعمدا زرع المزيد من اليأس في دربي . فالرجل كان في موقع هام يخوله مساعدتي ، وكان ربما سيفعل ، لو أنني جئت أبكر قليلا . وإذا لتغير الوضع ، ولأصبح للأشياء معنى آخر. فأف لهذا سوءا لطالع اللعين، الذي حجزني عنه كل هذا الوقت، وأعمى....
ـ أعرف أن سيادتك كنت أمين عام وزارة، و...
ـ والآن أنا مجرد مدير تنفيذي، لا حول له ولا قوة.
ـ لا أريد أن أحرجك، لكن سيادتكم تتمتعون بسمعة طيبة، وما تزالون قريبي عهد ـ كما أظن ـ بالوزارة، ولا شك أن لديك من الصلات ما يمكنكم بالاطلاع بمهمة كهذه ، ثم لا تنسى بأنكم أمل كل القبيلة وشبابها في الحصول على نصيبها من الغنيمة . وأرجو عفوكم ! فوصم البلد بهذه الصيفة شيء لا يبعث على السعادة أبدا ، لكنهم جميعا يتصرفون فيه بصفته كذالك . استمع الرجل الى بقية كلامي بدون تأثر يذكر، وكانت بوادر الملل والضجر بادية في محياه ، فلم يعلق ، وطال صمته واستطال ، حتى ظنته قد مات ، فقمت أريد الرحيل . وقبل أن أبرح أطلق الرجل زفرة ، اتبعها بشخرة ، أعادتا الطمأنينة الى قلبي اِنه مازال حي . ثم استدرت خارجا، لكنه لاحقني، ولما أتجاوز العتبة، قائلا:
ـ أتنتظر"ازريق"والشاي ؟
ـ شكرا ، في مناسبة أخرى إن شاء الله ، فقال بلغة المتثاقل الغير آبه بما يقول
ـ عموما سأهتم بموضوعك ، وسأرى ما يمكنني فعله. ثم تثاءب حتى خفت في نفسي ألا يستطيع غلق فمه من جديد ، واستطرد : لابد أن ثمة وظائف ، شاغرة في الدولة ، وحاجة المؤسسات الى العمال تزداد يوما بعد يوم ، وذالك بفضل السياسة الحكيمة لرئيس ...، وبفضل التوجيهات النيرة للوزير الأول ...، لكن هنالك مسألة هامة ، وبدا منه الجد ـ الواقعية أمر ضروري ، والتحلي بها مؤشر ايجابي على حسن فهم العصر وأساليب العيش فيه . المرحلة صعبة، لكن الأصعب منها هو فهم كيف تتم المعاملات في ظل تشابك، وتعقد المصالح. بالنسبة لإنسان مثقف مثلك فاِن آخر شيء يخشى عليه منه هو قصور الفهم. الاتكالية عرف قديم ، أبلاه التقادم، وسوء الاستعمال ، والمجانية آلية عقيمة في التعاطي مع الأمور وإدارتها . وهي ـ بالمناسبة ـ أسلوب ثبت بالتجربة فشله ، حتى من لدن الدولة ذاتها ، فنبذته الى غير رجعة ، وتخلت عنه الى ألأبد ، اِذ أنه لم يؤدي إلا الى خلق أمة من الكسالى ، وأجيال من المتسولين وأشباههم . نحن في عصر أمسى لكل شيء فيه مهما تفه ثمن. وأنت شاب ومتعلم، ويمكنك بكدك، وجهدك أن تبدأ مشروعك الخاص. وسيكون ذالك فيما أحسب ثمنا مقبولا، لكن الأمر قد يتطلب بعض الوقت لتلمس العائد، وفي حالة ما إذا كنت متعجلا ـ وأنا هنا إنما أريد أن أنير أمامك الطريق ـ فيمكنك تجربة وسائل أخرى، ربما تكون أنجع، وأسرع فاعلية، فهنالك أناس مختصون في دهاليز الإدارة ، وما يدور خلف كواليسها ، يمتهنون مثل هذه الأشياء ويمكنهم مساعدتك ، مقابل أتعاب معقولة ، وغالبا غير مجحفة . فقلت ـ وقد بدأت أشعر بالغثيان من شدة الغضب، وبالغليان ـ
ـ لكنني لا أعرف أحدا منهم ، و ليس لدي ما أقدمه لهم ؟ ..
ـ ليست تلك مشكلة لا أمل في حلها. فهم معروفون جيدا ، ودرجة مرونتهم عالية جدا ، لكنهم يقدسون الوفاء بالتعهدات . ولديهم ـ في حالة الإخلال بها ـ ردود فعل غير متوقعة.
ـ وهل سيأخذون شهادتي بعين الاعتبار؟
ـ بكل تأكيد، لكن، أرجو ألا ترفع سقف توقعاتك عاليا، فالمتاح محدود، والزبائن كثر.
ـ أخفضه الى أي حد مثلا ؟
ـ أنت وحظك، إنما لا يمكنني أن أخبرك أي شيء الآن، ويمكنك الاتصال بي بعد شهر من الآن. ازدرت خيبتي وانصرفت من دون أن أنبس ببنت شفة.
يهبط المرء درجة ، فيدنو أكثر فأكثر من حيوانيته ، ويخطو مبتعدا بذات القدر عن جوهر إنسانيته ، كلما توالت الانتكاسات تضرب أمله بلا هوادة وفي كل حين ، وتراكمت الاحباطات على نفسه و تلاحقت تحفر قلبه في الصميم . وقد يتحول بالتدريج الى كائن شرس وخطير، كألافعى حين تداس أو حين تشعر بالخطر. أو الذئب عندما يجوع ،أو يطارد ويحاصر. لكنه سيكون أشد منهما فتكا وأبشع ،وأخبث منها وأوسع حيل . كائن يموت فيه كل إحساس بالآخرين، فيمسون في نظره مجرد أشياء .منزوع الإنسانية بليد الشعور. ولن تجدي معه المواعظ غالبا حين يتوقد فيه ذاك الساعور . أتعتقد جديا ـ ياصاحبي ـ في جدوى أن يتنازل المرء بلا مقابل ، والى مالا نهاية ؟ فأي معنى نعطيه لوجوده عندئذ ؟ وأي وصف يمكن أن يعكس حياته.؟ لا أخالك قادرا على الإجابة . وأنت تعرف أننا ـ ومن بين كلما تضج به أنفسنا من رغبات، وما يصطرع فيها من أهواء ـ لا نسعى فعلاـ وبجد وإصرارـ الى تحقيق منها اِلا ما يبدو لنا ضروريا ، وأساسيا في حياتنا ، أما ماعدا ذالك فنتمناه ، نحلم به ، نجد في طلبه ، وأحيانا نجتهد ، إنما في حدود الممكن ووفق المتاح غالبا . لكن حين يتعذر ذالك ، لا لشيء إلا لأن الآخرين يأبون التنازل عن أي شيء ، فاِن حمولة النفس من الضغوط تزيد ، وتتناقص قدرتها على التحمل . ويغزو الإرادة الوهن ، فلا تعود قادرة على الصمود . لا نية لدي مطلقا في أن أبرر لك جرائمي ، إلا أنني لن استاء إذا ما فهمت الأمر على أنه كذالك . فالأمانة العلمية تلزمني ـ مادمت قررت أن أقول لك ـ أن أخبرك عن أي نوع من الناس كنت قبل قدومي الى هنا .
خرجت من عند الرجل ـ كعادتي ـ أتلفع إيهاب خيبتي ، وقد بدأت أقطار السماء تختفي شيئا فشيئا عن ناظري ، وأطراف الأرض من حولي تضيق وتتضاءل وتنكمش . وطفحت نفسي بالكآبة الى حد جعلني أفكر جديا في البكاء . فربما وجدت في ذرف الدموع وإهراقها بعض العزاء والهدوء ، ومرة أخرى عدت ألعن حظي ، ومن كان السبب في ما يحصل لي . وتمنيت لو أني أقدر عليه ، وعلى ذاك اللعين الذي تسبب في وجودي ، وأني لأتمنى لهم جميعا مقاما سامقا في مس جهنم الأبدي جزاء الأذى الذي سبباه لي والشوك الذي زرعا به دربي . كم هما ظالمان وغاشمان، وكم هما قاسيان ؟! وعدت أدراجي الى كوخ الصفيح ، حيث أقيم آنذاك في "الكبة" عند "أمبيريكة " المسكينة . تلك المرأة التي تعودت العطاء بلا حدود رغم المعانات والجحود، والتي حين أذهب كانت تودعني بدعاء قلبها، وتستقبلني بضحك عيونها حين أعود، كانت بحر كرم ، أرضا معطاء، سماء بذل دافئة وحنون. وهاجمتني بقيا من ذكريات الطفولة عندما كنت أعيش مع جدي وجدتي ـ وكانت "امبيريكه " ماتزال عندهم . مجرد أمة كانوا يذلونها ويستغلونها ، فيما كانت هي تجلهم وتكبرهم وتتفانى في خدمتهم. كانوا يصفونها بأبشع النعوت ، ويعاملونها بازدراء واحتقار . كنت صغيرا ، لكنني مثلهم ـ فلسبب كنت أجهله ـ لم اكن أكن لها اِلا القليل من الاحترام . ولم يكن من المعقول ، وأنا في تلك السن أن أحس بمعاناتها ، ولا حتى أن أتساءل عما عساها جنته لكي تلقى كل ذالك العنت ، وما الذي كان يجبرها على تحملها بجلد بصمت . إلا أني أحس الآن، كم كان مخز ومحزن في آن، أن حسبت يوما أن ذالك شيئا عاديا كان ، ومقبولا بأي وجه من الوجوه . وليس دناءة نفس ، وسفالة خلق ، وجريمة تستحق العقاب وأن تدان . كانت كل ما بقي في حوزة أهلي من ذرية امرأة كانت يوما عبدة لهم . ذرية تسربت من حولهم تباعا ، وتشتت ، اِلا "امبيريكة"وبعض أولادها الصغار. وظلت صابرة على أذاهم تخدمهم الى أن خلصتها منهم عدالة المنون . فجاء أحد إخوتها واصطحبها لتعيش منذ ذالك الوقت في "نواكشوط". واعتبرتها منذ ذالك الحين بعضا من ذكرى طفولتي الأليمة ، وأجبرت ذاكرتي على نسيانها وإيداعها سلة الإهمال ، لكن حين أوصدت في وجهي جميع الأبواب ، وخصوصا أبواب أولائك الذين أرسلني إليهم خالي لأقيم عندهم ـ بشكل فج أحيانا ، ودبلوماسي أحيانا أخرى ـ عادت "امبيريك" الى ذهني ، كملاذ وخيار أخير، وكنت أتساءل في نفسي ـ طوال بحثي عن مكانها ـ عما إذا كانت ستستقبلني أم أنها ستثور في وجهي وتطردني شر طردة .ألم يؤاخذني الجميع بجريرة أمي ؟ فلماذا علي أن أتوقع أن تكون هي الاستثناء ؟ والحق إنني حين فكرت في الموضوع بشكل محايد وعميق خلصت الى أنه لن يكون عليها من ملام ، إذا ما فعلت ذالك وأكثر. فجدي الذي كان لسانه رطبا دائما بتلاوة القرءان والأذكار، وجدتي التي قرحت شفتاها الأدعية وتلاوة الأوراد ، كانا بالكاد يحسبانها مخلوقا من دم ولحم وذا روح وكيان . وسألت إلى أن اهتديت الى مسكنها في ذالك حي الصفيح البائس ، وكدت لا أصدق عيناي ، عندما رأيتها تنهار من التأثر حين عرفتني . وبكت بمرارة وانتحبت حتى خشيت عليها من الإغماء ، حين أخبرتها بوفاة أمي ، وبأن لي أخوة لم أراهم منذ أمد بعيد . ولبثت تلثم يداي تارة ، وتقبلني في الرأس تارة أخرى ، ثم تضمني إليها مرددة عبارة " ياون " باستمرار . لم يفعل ذالك معي أحد قط ، حتى جدي وجدتي . فالدفء الذي أشعر به الآن في كنف هذه المرأة الصبور، وتلك البشاشة والاحتفاء المؤتلقة بهما عيناها جعلاني أتذوق ـ وللمرة الأولى ـ طعم الحنان الطبيعي الأصيل. ولمست عن قرب الفرق الشاسع والبون بين مشاعر الحنان حين تفيض لتغمرك في عفوية وانسياب، وبينها حين تكون راكدة فتبللك في تكلف وفتور. كانت تنزع اللقمة من أفواه أبنائها لتضعها راضية في فمي ، وكانت تعد لي متكئي وتتركهم يتدبرون أمرهم ، وبدأت مشاعر كراهية ممزوجة بشيء من الاحتقار تتبلور في نفسي اتجاه جدي وجدتي ، وأدركت أنهما كانا ضالعين الى حدما في مأساتي وجودي الأبدية ، فقد كنت بمثابة عقابا لهما ـ أقل بكثير مما يستحقان ـ جراء سوء معاملتهم "لمبيريكه" العطوف ، ونكرانهم لجميل صنيعها معهما ، فكل أطفالها الذين ولدوا حين كانت في حوزتهم ، كانوا مثلي ثمرة سفاح شأنها هي نفسها ، إلا أنهم لم يعتبرا ذالك يوما شيئا قبيحا ومشينا ، بل ربما كانا يشجعانه ، ويفرحان حين ترفدهم بالمزيد ، فهي لم تكن في تصورهم أكثر من قاذورة ، لكنها قاذورة تنتج الإماء والعبيد ، وفي أحسن الأحوال كانت دجاجة ، وينبغي أن تبيض دائما وتبيض ، لكن حين حملت بي أمي بالطريقة ذاتها ، أصيب جدي بجلطة في الدماغ وشل من هول الصدمة نصف جدتي . لا بد أن وضعها الراهن هنا ـ رغم بؤسه المدقع الشديد ، أفضل بكثير مما كانت عليه الحال أيام كانت في قبضة أهلي ، اِلا أنها كانت ـ وكان ذالك يستفزني ـ دائمة الحنين لذاك الماضي البائس الحزين ، ودوما كانت تترحم وتسأل الصفح والغفران كلما ذكر أحد ذانك العجوزين .
لا شك أن ثمة خللا ما في هذه الحياة و نظامها ، واِن شئت فقل خطئا ، وينبغي أن يكون خطئا جسيما ، كي تقبل وترضى أن تعيش "امبيريكه" هكذا . ألم تفني هذه المرأة شبابها في الخدمة و في العطاء، وتروي الأرض بعرق جبينها، و تزرعها بدم قلبها الكبير الحنون ؟ أو لم تكابد، الإذلال و الهوان وكل أهوال الشقاء ألأخرى، لتدر الضرع وتنبت الزرع ؟ أو من العدل أن تقبع تلك المرأة المكافحة منذ صغرها في هذا الجحر الحقير طوال حياتها، بينما ينعم ذالك الفاسد الوضيع في قصر منيف شيد من أنات حرمانها ؟ وأن تتلاعب نساء الحي المخملي بالحلي وبالملايين، ويتعابث بالسيارات الفارهة أبناؤها الفاسدين المفسدين ، فيم تناضل هي مستميتة ، كي تسكت عواء بطون صغارها ؟ . لكن مادامت مقاليد ألأمور كلها في هذا البلد البائس التعس، بيد أمثال ذالك اللص التافه بليد الشعور والحس ، يتناوبون على إدارتها بالكذب ، والخيانة وبالغش ، فسيطول انتظار "امبيريكه" وشقاؤها ، وستلد كل لحظة العشرات ، بل المئات من أمثالها ، لكنهم قد يكونون أوهن منها صبرا وأقل استعداد للتحمل وللعطاء، وقد تكون مشاعرهم أقل نبلا من مشاعرها وأكثر قسوة وجفاء .
إنني لم أكن أطمع من ذالك الحقيرـ أبدا ـ في أكثر من مد يد العون والمساعدة ، وكنت أقصد بذلك تحديدا ، أن يخبرني ـ إن علم مثلا ، وبحكم مركزه الكبير وموقعه في الإدارة ـ عن أي مسابقة ستجرى لاِكتتاب موظفين جدد لدى الإدارة التي يعمل فيها أو أية إدارة أخرى ، فمعظم ألإدارات هنا ـ وبحجة استغلال الوقت والجهد ـ صارت تعتمد السرية في اكتتاب الموظفين ، إلا أن الحقيقة التي لا مراء فيها أن تلك ألإدارات ـ أو على الأقل معظمها ـ فقدت منذ زمن بعيد صفات عموميتها ، ومن ثم فقد غدت مجرد إقطاعيات للقائمين عليها ، والدائرين في فلكهم ، يوظفون فيها من يشاءون ، وكذالك يحرمونها . أو أن يحمي من السطو ومن التلاعب والعبث مجهودي في المسابقات التي كنت أشارك فيها ، كما حدث لي عدة مرات .
مرة عندما تم إقصائي من مسابقة نظمتها إدارة الجمارك ، حين ظهر اسمي أول النهار على لائحة الناجحين ، ليختفي آخره ، دونما سبب واضح .
ومرة عندما استبعدت ـ ظلما ـ من الناجحين ، وبعد التقويم الشخصي ـ في مسابقة أخرى نظمتها هذه المرة المدرسة الوطنية للإدارة .ومرات أخرى كثيرة ، ومرات ، لعل أسوأها كانت ، وأبعدها أثرا في نفسي ، تلك التي تم فيها السطو على جهدي ، وعلى أسمي في نفس الوقت . حين انتزعت صوري من بين أوراق ملفي ، وألصقت بدلا منها صور شخص آخر ، لتؤول إليه ثمار تعب لم يذرف عليه قطرة عرق واحدة . حصل معي ذالك في مسابقة نظمتها ، المدرسة الوطنية لمختلف الأسلحة " بأطار" لاكتتاب الضباط العاملين . وكان غريبا أن وجدت من يتعاطف معي ، ويحاولا جاهدا ـ وبدون ـ مقابل أن يساعدني. أحد ضباط الصف، يعمل في الإدارة، في عقله بقية أخلاق، وفي روحه شيء من التقوى. ؟ ومع أن جهوده لمساعدتي لم تفلح في أن ترد على حقي اِلا أن فضحه لتلك الجريمة البشعة أمامي قد قربني خطوة أخرى في اتجاه مصيري . قال ـ وهو يعض على أسنانه بتأثر واضح : أعرف أن هؤلاء الأوغاد بتصرفاتهم الغبية هذه ، أنما يدفعون بالبلاد الى حافة الهاوية . وبزرعهم اليأس في نفوس الشبيبة هكذا ، فإنهم يجازفون بسلبها القدرة على الصمود والبقاء . مثل هذه الأشياء تحدث هنا دائما ، ولم تسلم منها أية مسابقة فيما مضى ، لكن ليس بهذه الدناءة والجرأة ، والوقاحة . سامحني ـ ياـ ولدي ، فالساكت على الجريمة متواطئ ، والمتواطئ مجرم لكنه جبان . قال هذا، ثم أردف ـ وهو يتجنبني بنظراته، ربما إشفاقا من حالة الانهيار التي كانت تتهددني بجلاء ووضوح ـ أردف: ألق بمظالمك الى الله ، وثق في أنه سينتصر لك . من يدري لعل المستقبل يدخر لك ما هو أفضل وأحسن ؟
لعل ؟! ذاك رجاء غير موثوق التحقق، وإشفاقا لا أدري أين أضعه، لكن مازال بالقلب بعض الرجاء، وفي الروح فسحة أمل.
صمدت بعد ذالك طويلا، وقاومت وأحسنت البلاء، و كنت كلما أوشكت على الانهيار أتدارك نفسي في الوقت المناسب. فلذت بالصبر واعتنقت الرجاء وأبقيت على فوهة بركان الغضب الفائر في داخلي ـ رغم المشقة ورغم العنا ء ـ هادئة ومغلقة بإحكام ، الى أن تلقيت رسالة من "زينب" تنعيني فيها نفسها وحلمي الجميل إذ قضت عليها مشيئة أبويها وأجبرتها على الخضوع والاستسلام .
كنت يومها أستعد لأداء مسابقة أخرى، تتعلق هذه المرة بمفتشي الشرطة وضباطها. مسابقة ، سبق وأن خضتها مرات لا أعرف كم عددها ، لكنني أعرف الآن أن هذه ستكون آخرها .
لو كان لدي في ذالك اليوم ما أفعله أفضل منها ، ما كنت لأعبأ بها وأتجشم العناء لأخوضها ، لكن الإحباط كان يعضني وأحزاني كان قد أرتفع منسوبها . و كانت رغبتي في أن أتلافى حدوث شيئي مما حدث فعلا، تدفعني في كل اتجاه وتغريني بالتعلق ولو بأوهى الأسباب. اِلا أن أحد القائمين على المسابقة من الضباط ، الميامين ! أبى اِلا أن يتطوع بصب القطرة التي جعلت كأسي تمتلئ وتفيض . فعلى أثر احتكاك بسيط، بينه وبين أحد المتسابقين، أشتعل في صدر لرجل الغضب فأخرجه عن طوره ليصرخ في الجميع ـ متسائلا في سخرية وشت عن صلف واحتقارـ "لا أدري لماذا علينا أن نتحمل وقاحاتكم ، وكل هذه السخافات ، وقلة الأدب ، من أجل أمر قد قضي وحسمت نتائجه سلفا " ؟ قال هذا ، ثم خرج ، وترك القاعة في حالة هياج تمور بالغليان .
هذه البلادة في الحس ألأمني لذالك رجل ألأمن الوقح، وتلك الفظاظة والقسوة في تصرفه الأحمق ذاك ، لم تفاجئني شأن غيري ، ممن لايزال لديه بعض الرجاء . فنحن أبناء الصحراء نتحمل اللثام طويلا، وان رث واخلق و بلي، لكننا نختنق بالأقنعة سريعا وإن تخفينا بها فإلى حين . وبينما ضجت القاعة بالاحتجاج وبالسباب والاستنكار، رفعت أنا ـ قلمي عن الورقة و عمدت الى تمزيقها ، وخرجت. كانت الفرقعة في أعصابي تكاد تصخ أذني، وقد أغسق الوجود في عيني، وشيئا فشيئا بدأت أفقد الصلة بما حوالي من ناس ومن أشياء.
لقد حان دوري وسألعبه بكل مهارة ومهنية ، وما أزدرع في نفسي هناك ، قد نضج الآن هنا . وإذا لم أكن واهما فاِن الساعة قد أزفت. أيها الشيطان : الثمار قد نضجت وآن قطافها ، فخذ المنجل والسلة وهلم.
الآن ، ومنذ هذه اللحظة ، الآن ، ستتهاوى تباعا وتتلاشى كل تلك القناعات البائسة التي زرعوا بها روعي . وتلك الأفكار الرمادية كلها التي ألقموها لعقلي ـ منذ الصبا، ويافعا. ولاحقا سعوا سعيا ، دؤوبا لايكل لترسيخها في ذهني . وسيجوا محيطها بالسخرية وبالاستهزاء واعتقلوا في أتونها تطلعي إلى غد أصنعه لنفسي ،بأن أكون كما شاءوا وحكموا ، بائسا ودونيا ، أرسف ما حييت في الحرمان ـ ستتبدد كما الرماد في يوم شديد العصف . وها ، أنا أقرر، ومن هذه اللحظة والآن، أن أعبر عن نفسي كبائس ودوني ، وكمحروم يائس، لكن ليس بالشكل الذي كانوا يتوقعونه ، إنما بشكل آخر. شكل أقل تقليدية مما ألفوه، لكنه جذري، وفعال. بالقوة، وبالمكر. وهل من سبيل غيرهما أقصر إلى ذرى المجد والشهرة،أو من وسيلة سواهما أضمن للحاق موكب الخالدين ؟ فبهما تفوق الإنسان على نفسه ، فقهر الخوف والجبن ، وكل ثمارا لضعف المريرة، وفيهما تطهر من أوهامه ، وتغلب على وسواس المشيئة والمكتوب والمقدر. أفتك وساوس النفس كلها، وأشدها وطأة وأبعدها أثرا. اِذ يقتل في الروح دوافع الفعل الخلاق ، ويسلبها خاصيتي المبادرة والاقتحام ، حين تتوهم بأنها ستصطدم كلما حاولت بجدار تلك المشيئة السميك الجبار . وشيئا فشيئا يتسرب إلى ثناياها الوهن ، وتفقد القدرة على التصرف وعلى الفعل . وبهما سام وتسامى، وساد الأنام وأنتصر. "

زينانا
18-12-2010, 08:35 PM
يا جواد،
جادت قريحتك علينا بهذه القصة الجيدة التقاسيم،
لا عدمناك و لا تم اطول فين ليد يسلمك انشاء الله

محمد جواد
20-12-2010, 09:52 PM
شكرا لك . اعدك بذالك إنشاء الله . لكن لاتنسوا إخوتي الإعزاء أننا نكتب لك ، وأننا لذالك بحاجة إلى آرائكم ن وانطباعاتكم حول ما نكتبه ، بغض النظر عن مضمونها . فهي إن كانت إطراءا فذالك يشجعنا على الإستمرار، وإن كانت نقدا أو تصويبا فنحن في أمس الحاجة إليها .

محمد جواد
20-01-2011, 11:33 AM
سأتفهمك إذا لم تستسغ هذه الفكرة ، وإذا لم تشطارنيها فسأتفهمك أكثر ، فليس على أعمى منذ الولادة من حرج إذا ما أخفق في وصف القمر. وسأسامحك أيضا ، فلربما لم تختبر ـ كما اختبرت ـ الإحساس بالدونية وبالحرمان ، ولم تجرع ، وطوال حياتك كلها ، كؤوس اليأس والإذلال كما جرعتها . اِذ نشأت وأنا أفتقر إلى أي شيء ينمي لدي ـ ولو وهميا ـ الشعور بالثقة . فحماية أمي المنكوبة بي كانت أضعف من أن تمدنيه، وبطش زوجها الفظ القاسي كان دائما لي بالمرصاد. فقمع في نفسي كل توق، وقتل فيها الإحساس بالأمان. وغداة أقمت مع خالي ، لم تتحسن الأمور إلا قليلا ، فزاملت الموادعة ، ولزمت الانطواء ، وقبعت في كهف ذاتي أنشد الأمان . وما رأته مني "زينب" في بعض الأحيان، من أفعال وردود أفعال، فخالته نوعا من التمنع، وعزة نفس، وإباء وكبرياء، لم يكن في حقيقته سوى هروب مستمر لكن إلى الأمام . فقد كنت أحسبني دائما، أقل من أن أوجه أو أحتج ، وهبات الغضب التي كانت تجتاحني ، حين كان سلوك أمها يقرصني في الصميم، كانت مجرد رجع صدى لأنين من لا يجرؤ على الجأر بالرفض أو بالشكوى . وكبرت ، وكبر معي عاري ، ويوما بعد آخر كان إحساسي به يتضخم وكان صلف أم "زينب" لي بالمرصاد ، تذكرني إن غفلت أو تغافلت أو حاولت النسيان ، فعندما كان أحد الأبناء ـ مثلا ـ يخطئ أو يسيء التصرف ، كانت تتعمد أن تصرخ فيه ، وتحرص أن يكون ذالك في حضوري ـ " لفروخ" وحدهم يفعلون هذا . هذا عمل " لفروخ" . هل أنت " فرخ" لكي تكون... لا تكذب ك"الفروخ" ، لا تسرق ك لفروخ ..." وحدها "زينب" حاولت أن تدفعني قدر مستطاعها إلى خارج قمقم سلبيتي ، وحين أعجزتها عادت نفسي إلى عهدها القديم . فلم يكن ثمة ما هو مضمون في حياتي بعدها ، اللهم إلا تلك جرعات الاهانة الممزوجة بالهوان التي كانت توزع بالمجان علي وعلى أمثالي . وكان ينالني منها كما أحسب القسط الأكبر. فكوني تجاسرت في نظر هؤلاء الغوغاء على محاولة الخروج على ما رسموه ، جعلتني غير مأمون الجانب ومخيفا إلى حد كبير. وفهمت السر! لكن بعد ذالك بزمن طويل حين قررت الثأر لأمي و"لزينب". فقد كانت "زينب" تقول لي دائما بأنها حين كانت تنظر في عيني ، كانت تنسى نفسها وتنسى العالم من حولها. كانت زميلاتها في الفصل يقسمن لها بأنها إما ملاك ، أو صخرة صماء ، اِذ كيف تعيش معي كل هذا العمر دون أن تفتتن بي ، أو حتى دون أن تغتصبني . كان أغلبهن في الواقع يجهلن ما خفي من أمري ، فقد كنت في نظرهن أبن عمها وحسب . وكنت أحسب أنها كانت تبالغ بعض الشيء، لتعلي من شأني أو لتجاملني وترفع معنوياتي. وعلقت في ذالك المأزق زمنا غير قصير، ولم يكن ثمة من سبيل للخروج منه أأمن من التقوقع فيه والتسليم . وتلقفتني "امبيريكه" في أحضانها وأسبغت علي من نعم حنانها ، وكنت في نفسي أتمنى لو أنها كانت أمي الحقيقية . فقد كنت لأكون شأن ـ أبنائها ـ مجبرا على القبول بما قسموه لي ، أو راض به على كل حال، وإذا لجنبت نفسي كل هذه المعاناة، ولكانت حياتي غير الحياة التي أعيشها الآن . وحتى بشاعات الرق وأهواله، صارت لها في نفسي، بعض الفضائل والمزايا. كنت فريسة سهلة للأوهام والأماني ، حتى للمنحط منها وغير المعقول ، لعبة في أيدي المجانية والاعتباط ، وأسير في طريق بلا معالم أو شواهد . وتقلبت في أتون السلبية إلى أن ملتني ، وجلدني الشعور بالعار، إلى أن أدمى روحي . وجيرني اليأس . اليأس من الظفر ـ ولوـ بالشيء اليسير مما يفترض أنه حقي الطبيعي ، بأن تتاح لي نفس الفرص كالآخرين تماما . وأن أكون حيث يضعني جهدي وجدي ، لا حيث يريد الآخرون أن أكون . وحقي في أن أحقق ذاتي بما يلاءم مواهبي ، وطموحاتي ، وليس بما يرضي غرور الغير ويكرس نفوذهم وامتيازاتهم . وبدأت أشعر بالخطر يتهددني ، وأمست نفسي مسرحا لآلام مجهولة الهوية تحل بها آن وترحل. وازداد غليان بركان الغضب والخيبة الفائر بداخلي ، وطما صهاره ليطمل روحي ويؤجج أوارها ، فعيل من الصبر وطفح الكيل .
احترفت الادعاء والرياء لبعض الوقت ، ووجدت في وسط "امبيريكه" شيئا من العزاء ، فكنت أحس اتجاههم بنوع من التفوق ، ممزوجا بشيء من الاحتقار الضمني وبعض الازدراء ، فقد كانوا بشكل ما، مقلوب صورتي المهزوزة البغيضة على نفسي ، علة بثي وحزني ، واللعنة التي ما فتئت تطاردني . ولحظة فاه ذالك الضابط النزق ، بكلماته الحمقاء تلك أحسست بالسدادة التي كنت بها أسد فوهة بركان الغضب الثائر داخلي ـ تنقذف بفعل الضغط وتدافع الحمم وتصاعدها . عندئذ أدركت بأنني كنت في صيرورة ، وبأنني كنت محكوما بحتمية . فأكتمل وعيي بمأساتي وأبعادها ، وانقشعت الغلالة عن عيني . ثمة بضعة أسوار لكنها وطيئة ـ ولا بد أنني سأعرف كيف أتسلقها ، كانت تفصل بيني وبين حقي الثابت بموجب طبيعة الأشياء ونظامها ـ في أن أعيش وأن أحيى كالآخرين ، لكن ليس كما يشاؤون .
ألأن متوحشا ـ ذات مساء ـ سطا على براءة أمي وسرقها ، ولاذ من ثم بالظلام ، ظلام عقول هؤلاء الغوغاء ، أجبر على أن أمضي عمري كله ، كاللص أتستر بالجدران ، وأن أتخلى عن حلمي بأن أكون شيئا ما ، شيئا يمكن "لزينب" أن تعشقه دون أن يخسفوا به و بها الدنيا ، ويقيموا القيامة قبل أوانها ؟ . أو لست وسيما ، وصراحة أقولها، وجميع أعضائي في كامل لياقتها ، ولي روح أخف من نسيم الهواء، وعضلات مفتولة في أوج قوتها. ولبست من الأخلاق أحسن حلل ، وقبضت على جمر الفضيلة بأكفي ، متحملا في جلد وصبر ما بعده من صبر حرها و أذاها ، حين ضحيت بحبي "لزينب" وأحرقت بلوعة الفراق قلبي وقلبها ، وكان ذهني في مثل مضاء السيف يحسم بسرعة في تعامله مع الأشياء ، وامتلكت في رأسي عقلا راجحا قلما أخطأ في الفهم أو في الإدراك ، واجتهدت في دراستي إلى أن تورمت عيناي ، وتشبع بدخان "السندل " مخي ، وحصدت التقدير تلو التقدير دائما ، وتخرجت من الجامعة بامتياز وعاصفة من الإشادة ومن التصفيق . كل هذا، وبقيت كما كنت في ذات المنطقة من أذهانهم ، وزرا يتكلم ويسير، وحتى أنصاف البغايا المائعات ممن كن يفتن بوسامتي ، كن يقمعن أهواءهن بلا تردد حين أقول لهمن حقيقتي . كنت ـ رغم ـ أن ذالك كان يخجلني ، ويشعرني بالخزي وبالألم ـ أجد الشجاعة دائما لأفصح لمن يسألني عن حقيقتي ؟ ربما كان ذالك عارضا نفسانيا محضا، أو شيئا آخر من ذالك القبيل ، لكنني كنت أكره الكذب ، وأكره في الواقع أن أكون غير شخصي ، ألم تحبه "زينب" وتتغنى به وتفتتن ؟ فليذهب الجميع إلى الجحيم ، أو إلى أي مكان مشابه . فأنا حين أقرر أن أكذب، فلن يكون ذالك من أجل إعطاء انطباع زائف يجنبني الحرج مؤقتا، ويوهمني بالخلاص، وإنما في سبيل عدالة قضيتي، وقضية كل هؤلاء المحرومين.
"أنا وأنتم أيها البائسون ، ضحايا لبؤس الأنا الإنسانية وحمقها ، و قسمة الحياة الضيزى وعماها وعشوائيتها . ولن نكون حتى نعيد ألأمور إلى نصابها. ألم نشبع من الذل إلى حد التخمة ؟ ونتجرع الإذعان إلى حد السكر؟ فجذور كلما يربطنا بهؤلاء، ينبغي أن تجتث . وإذا كان لابد من ربطها فليكن ، لكن بشكل آخر. والصروح العقائدية التي تحميها يجب أن تقوض، أو إعادة بناءها على أسس جديدة "
هكذا خطبت في لفيف من أولائك المحرومين ، لفيف انتقيته بعناية فائقة ، وبعقلية مجرب يتقن التمييز بين الأشياء . لم أجد صعوبة تذكر في إقناعهم ، كانت كلماتي تقع على مسامعهم وقع وخز الإبر، لكنها حين تنفذ إلى قلوبهم ، كانت تتحول إلى مخدر لذيذ ، يمكن تلمس آثار انسيابه واضحة وجلية على صحون الوجوه وفي كل زواياها . لم أقل لهم كل شيء، وبعض ما قلته لهم :
" خيوط الواقع الذي أريدكم أن تقتحموه، نسجت كلها من ألأضاليل، والنفاق. وعملة التداول الرائجة فيه هي الأكاذيب والخداع.
والزيف هو نوع الأصباغ المفضلة لدى هؤلاء، اللذين يتعاركون فيه تعارك الدببة الجياع. وقوام لغة التخاطب فيه ـ أللتي ينبغي ـ جيدا ـ أن تتقنوها ، كخيوط ذالك النسيج أكاذيب وأضاليل وخداع. أنظروا إلى مفعولها وهي تقتحم عقول الناس هنا ، وحين تستبيح نفوسهم ، فتضل وتعمي وتنقاد "تحسبوا جيدا للمعركة التي أنتم على وشك خوض معمعانها وأحسنوا تقدير الجهود التي سيتعين عليكم بذلها ، ولتكن ضرباتكم فعالة وحاسمة ما أمكن وقاتلة ومميتة إذا ما تطلب الأمر، فالوحوش القابعة في أعماقكم ستفترس ـ وبلا رحمة ـ بعضها اِذ ما توانيتم ، أو فشلتم في إسكات عواء بطونها . تنبهوا جيد، فما كل فريسة بعد الآن ـ وقد تفتحت شهيتها ـ ستكون كافية، لإشباع نهمها. إنني أقرر لكم الواقع ، ولست أحرضكم عليه . ولا رغبة تدفعني في أن أتهمه لصالح المثال. الرحمة اِهانة مضاعفة ، والإحسان نوع من الرياء ، والشفقة طبعة إذلال أخرى ـ مزيدة ومنقحة . ولمن لديه بعض الشك حول نجاعة مثل تلك الأشياء، فليتأمل سماء الأجيال التي عبقت بها ، فوحدهم الضعفاء كانوا يمجدونها ويحتفون بكدرها ، يحسبونه مغنما . أما رائق سلا فتها فكان من نصيب أولائك الأقوياء ، اللذين أوجدوها كفائض قوة . وإذا كنت أحدثكم ـ أصدقائي عن الواقع هكذا فلأنني لص موهوب بارع في فن الخداع، أتقن المراوغة وكل العلوم الضرورية لمزاولتها، ولأنني ـ باختصارـ ابنه الشرعي العارف بأسراره وبخفاياه. وهل يثبت ألإنتساب له بدون هذه الصفات ؟ ولا جرم ، فقد كانت ومازالت وستظل هي أقصر السلم ، وأقربها إلى رغد العيش وهناء الحياة . وسيبقى أولائك اللذين تمكنوا بالفعل ـ من حيازتها ، واستخدامها بشكل فعال ـ أبدا ـ قابضون على زمام أمور الحياة يوجهونها حيث يشاؤون . أو ترونهم بدعا من الناس ؟ كلا . فهذا هو الإنسان، مزيج من الأهواء والانفعالات، قضت المشيئة أن تكون نفسه مسرحا، للنهم وللملذات، ولن تستطيع ضوابط ما أن تغيرها، واِن كبحتها فإلى حين". وإذا كان لي إليكم من رجاء ، فهو أن تكونوا كرخو الوحل ، يخدع بنعومته ، ويبتلع دون سابق إنذار.
صفق القوم طويلا، وهتفوا بحياتي ، في حماس وحبور، قبل أن يقترحوني زعيما، ورئيسا مدى الحياة.
العفو، هكذا قلت، لكنني كنت ـ والحق يقال ـ أهلا ساعتها لتزعم العالم بأسره ، أحرى زمرة محرومين تتأهب لاِحتراف الإجرام . فقد كنت متماسكا كإيمان الأنبياء، واثقا كرجاء المؤمنين، متوثبا كأحلام المراهقين، قلبي صحراء مهلكة، لا ماء فيها ولا مرعى . اختاروني رئيسا ونصبوني بدون مراسيم . نعم هذه مملكتي ، وسوف تتوسع وتمتد حتى تعانق حدودها تخوم السماء . وهؤلاء قومي ، أنا الذي اصطفيتهم وأهلتهم تأهيلا منقطع النظير، وسلحتهم بما يلزم للأعمال المقبلة بأل ...."
وظهرت على الرجل بوادر الخطورة فأصبح شخصا آخر، شخصا غير الذي عرفته وأحببته ، وخلت النار تنقدح في عينيه ، وأزبد وهو يقول
" لا مزيد من الانتظار بعد الآن ، فزمام مصائرنا بات بأيدينا ، ولن نفلته . ولنبادرـ ما دامت سورة الحماس متأججة فينا ـ الى الأعمال الجليلة حقا .هؤلاء المساكين عانوا طويلا ، قبل أن يكتشفوا ممكنات الجانب المظلم في أنفسهم ،مثلي تماما . وشقوا شقاء لا نظير له ، بالتشبث بالجانب الآخر من إنسانيتهم ، لكن كف الظلم كانت ثقيلة وبطش الحرمان كان أدهى وأمر، وها أنا أوفر لهم ـ لقاء ثمن معقول ـ موطئ قدم ، على ظهر سفينة الحياة .
إحدى أكثر سخريات القدر دهشة ، وواحدة من نكاته الكبرى ، أن تتولى أقل التجارب في حياتنا أهمية رسم وتحديد مصيرنا . وعجبت كيف أن ساعات قضيتها أتسكع بين الأحياء ، وبضع أخرى أفنيتها لاه في السينما ـ لأنه لم يكن لدي ببساطة ما هو أفضل لأفعله بها ـ علمتني أكثر مما علمتنيه أربعة عشر سنة من الاجتهاد أمضيتها متنقلا بين مقاعد الدراسة ، وألهمتني كيف السبيل لأقرر مستقبلي ولأغير مصيري والى ألأبد .
لم يكن ذالك هو نوع التغيير الذي طالما نشدته، إلا أنه لم يكن ثمة من بديل لكي أتجنبه أو أتفاداه.
كانت "نواكشوط " في تلك الفترة مسرحا لفيضان هجرة عارم، قادم من الأرياف، والمدن الداخلية. التي أجبرها الجفاف القاهر وضعف جهود الدولة التنموية ، الى أفراغ أحشائها بشكل شبه كامل في حلق العاصمة الفتية . كان ألأمر في الواقع يرقى الى مستوى كارثة إنسانية ، إلا أن الامبالات العتيدة دفنت في رمالها القضية . وكان قدر الجموع التي تقاطرت على العاصمة آنذاك ، مطاردة من الجوع والفقر و من والمعانات ،أن تتكدس في أحياء الصفيح " الكبة ، والكزرة" مشكلة أحزمة بؤس وفقر وفاقة ، وأوكارا لشتى أنواع العوز، والممارسات المنحرفة . وبدل أن يسعى القائمون على الشأن العام ، الى التخفيف من معاناتها ، ومد يد العون لها ومساعدتها على تجاوز محنتها ، وجد أغلبهم فيها فرصة لإرواء نزواته البهيمية ، ولاستعراض دلائل إفلاته من حالتها المزرية .
ولاحقت مسئولا أمنيا كبيرا ـ كان يوكر بشكل شبه دائم في تلك الأحياء ـ إلى أن ظفرت به يوما في حالة تلبس كامل بجريمة أخلاقية . كان ألأمر أصعب بعض الشيء مما كنت أتوقعه ، ولم يخلو من المجازفة والمغامرة وشيء من التضحية ، لكن البنات أللائي تولين ألأمر تمتعن بالشجاعة والمهنية الكافية ، لينفذن ألأمر كما اتفقنا ،بإخلاص ومسؤولية . كن صغيرات ، وكن جميلات ، لكن الفقر قذف بهن الى هامش الحياة ، ويد الفساد الطولي سلبتهن الحاضر والغد الآمن . فالمال الذي يفترض انه ـ أصلا ـ وجد لتأمينهن، ضد غائلة الجوع والجهل والمرض ـ أنفق لإفسادهن، وسرقة براءتهن.
ورابطت لمدة أسبوع كامل، أمام مكتب الرجل، إلى أن تفضل أخيرا ووافق على مقابلتي. كانت مقابلة قصيرة لم تدم لأكثر من بضع دقائق، لكنها كانت كافية لإتمام صفقة العمر. وانتهزت فرصة انشغاله بالرد على التلفون ، لأضع أمامه على المكتب ألبوما كاملا من الصور الفاضحة صور التقطت له وهو في أوضاع مختلفة ، غارق في الفاحشة من رأسه الى أخمص قدميه . تأمل الصور بأنات وكان يغالب فزعه ثم نظر إلي وكان يلعق شاربه في عصبية، ووضعها في نفس مكانها. وتململ في كرسيه وحركه يمنة ويسرة ، قبل أن يخاطبني وعيناه تتوقدان بالحنق والشر.
ـ أتدرك الى أي مدى ورطت نفسك ، وتانيك المافوننتين معك ، بإقدامك على هذه المغامرة عالية التكلفة .؟
ـ ربما.
ـ وأنه بمقدوري أن أدفنكم أحياء دون أن أتحرك من مقامي هذا ؟
ـ ممكن، لكن لم تتعب نفسك إننا مدفونون سلفا ؟
ـ أسكت . وأنني أستطيع أن أخسف بك وبهن الأرض في بساطة ويسر؟
ـ وهل ألجأني إليكم غير ثقتي في قدراتكم الهائلة ؟! لكنني ـ في الحقيقة ـ كنت أفكر في استقبال أقل حرارة ! وضغط الرجل على زر إلى جانبه فجاء أحد الحرس مهرولا. كان إنسانا مخيفا، معافى البنية قويها. وقد استنتجت من طريقته في تأدية التحية بأنه جاد وصعب . ولعله أشار إليه إشارة معينة ، فأمسكني من تلابيبي و أوقفني بعنف ، قبل أن يسحبني و يتوجه بي نحو الباب فيما يشبه الجر رغم أنني لم أقاومه . لكن ـ و قبل أن يفتح الباب أمره الرجل قائلا:
ـ أفلته ، وانصرف . بقيت واقفا حيث تركني ألحرسي إلى أن جاءني صوته وهو يقول:
ـ عد إلى هنا . وقبل أن أجلس أبتسم في استهزاء وقال:
ـ هذه الحفاوة لم يحظى بها أحد من قبلك ونجا ؟!
ـ أظنني فهمتك .
ـ هذا شيء طيب . لكن الأطيب منه أن توصل الرسالة لتانيك المأفونتين .
ـ سأفعل . أعدك بذالك ، لكني أود أن أخبرك بأن أسلوب التخويف هذا ليس هو الطريقة ألأفضل في التعامل معي وتانيك المأفونتين . لأنه ليس لدينا ببساطة ما نخاف عليه . لقد خسرنا كل شيء ، ولم يبقى لدينا سوى أرواحا تثقل علينا و نتمنى أن نجد من يتولى مهمة تخلصنا منها . قلت هذا ثم قمت أريد الخروج ، وقبل أن أصل الى الباب ، قال الرجل في تهكم مشوبا بالتشنج ـ قال
ـ نسيت الصور ؟! فقلت :
ـ اقبلها هدية مني ، فلدي منها الكثير . وشعرت بقشعريرة تدب في جسمي ، وتلبستني حالة من الترقب وساورني القلق والخوف ، فقد خيل إلي بأن الرجل كان يصوب مسدسه نحوي ، و لربما كان قد أوعزـ تحت تأثير الغضب ـ الى حرسه الشخصي ليتولوا أمر تصفيتي . فحالة الذعر التي أصيب بها ـ والتي قاوم بقوة لإخفائها ، و الاستفزازية الباردة التي اتبعتها لابتزازه ـ كانتا من الفظاعة بحيث أنهما قد تدفعانه الى ارتكاب أية حماقة . وفكرت بأنني قد استعجلت، و كان من الأفضل لو أنني تريثت، و... ، وأفقت على صوت الرجل المحتقن المثقل بالهم وهو يقول:
ـ تعالى . وقل لي من أنت ؟ فقلت ـ وأنا أتخذ مجلسي قبالته بثقة ، يشوبها بعض الحذر:
ـ لماذا تصر ياسيدتي ، على أن تبدأ دائما بداية خاطئة ؟ قال وهو يبحلق في وجهي ، كأنما أراد أن يبتلعني ـ قال :
ـ وما هي البداية الصحيحة في نظرك ؟
ـ ألا يبدو لك الأمر شبيها بالابتزاز ؟
ـ بل هو الابتزاز بعينه، لكنه ابتزاز من النوع الرخيص . قال هذا ثم سكت للحظات قبل أن يقول ـ ماذا تريد ؟
ـ ها قد خطونا في الاتجاه الصحيح .
ـ لا وقت لدي لكي أضيعه . قل ، وأوجز .
ـ إنني أمارس بعض الأعمال ، المخالفة ـ غالبا ـ للنظام ، وأتمنى لو أنني أحظى بحماية مسؤول مثلك سام ،أسند عليه ظهري ، و يشعرني بالاطمئنان .
ـ وما نوع تلك الأعمال والتي من أجلها خاطرت كل هذه المخاطرة ؟
ـ أريد أن أعرف ـ أولا ـ ما إذا كنت قد ظفرت ببغيتي ؟ فصاح في
ـ لا تجعل صبري ينفد . صمت برهة ثم قلت :
ـ حسن، لدي بعض الرجال يعملون في مجال الوساطة التجارية ، بيع العملات ، الجمركة و. .. ولا أريد أن يزعجهم رجال الجمارك ،أو الشرطة ، وأصحاب الضرائب...الخ . سكت الرجل ، وكان بين الحين والآخر يلقي علي تلك النظرة الفاحصة المرتابة المخيفة ، بينما كانت أنامله تعبث بقلمه بشكل عصابي ، ثم قال :
ـ أمن الدولة خط أحمر.
ـ لا يذهبن بك الخيال بعيد، فأنا مجرد مسكين لا يريد التنازل عن حقه في الاستمتاع بالحياة .
ـ أرجو ذالك .
ـ أطمئن .
أنشأت ـ في "نواكشوط" ـ مكتب تصدير واستراد ، لأواري فيه سوءات أنشطتي ، على أمل أن تغطي أنشطته ـ لا حقا ـ معظم البلاد ، وأنحاءها المتفرقة. وانطلقتا، نخطف ونسرق ونسلب جهارا وفي وضح النهار، وفي غسق الليل نرهب ونرعب ونبث الجزع في الشوارع والبيوت. وفي غضون أشهر، كان في صفوفنا مسؤولون كبارا في الدولة وفي أمنها ، وكثيرين آخرين ، ممن أرهقهم طول الانتظار وبعدت عليهم الشقة . كنت ملكا حقيقيا لا تنقصه سوى بعض الترتيبات الهامشية ، وكان ما أقمته مملكة حقيقية لا تنقصها إلا بعض الشعارات الثانوية . وكمعظم ملوك دنيانا الرديئة هذه، وضعت في قبضتي كل السلطات، وكل الصلاحيات احتكرتها. بدءا من صرف المكافئات والرواتب ، وانتهاء يايقاع الجزاءات و الروادع . وكنت أستحوذ على ثلاثة أرباع المغنم ، والربع الباقي أوزعه على أفراد المجموعة ، لم أكن أفعل ذالك إثرة ، لكني كنت ملكا ، وكنت أيضا واعظا ، وكنت داعية . فعندما أرى رجلا يسيرا الى جنب امرأة أصيح ملأ فمي قائلا : إنا لله ، أبناء زماننا هذا أمسوا كالنصارى .وفي المسجد ـ يوم الجمعة ـ أخور حتى يفزع المصلين . نصف ما أستبقيه أسدد به رواتب لصوص آخرين، لكنهم لصوص جندتهم الدولة ودربتهم لا أنا. أنا ملك، ولص وداعية. وهم رجال أمن وحفظ نظام ورعاة قانون. لا عدل .

زينانا
05-02-2011, 09:43 PM
اجدت و ابدعت يا جواد
صراحة انتظر جديدك دائما على هذه الصفحة من المنتدى و استمتع بقراءة ما تكتب
دمت مبدعا

محمد جواد
06-02-2011, 05:45 PM
شكرا يا زينانا ، ودمت قارئة نهمة ، وأعدك أنني ساقوم خلال كل أسبوعين بنشر مقطع من هذه الرواية إلى أن تنتهي . شكرا مرة أخرى .

محمد جواد
06-02-2011, 05:52 PM
اتخمت النقود الجيوب سريعا وطاولت السمعة الآفاق ، وتوارت أيام البؤس والعوز في وهج النعمة الوليدة . وغدا أسمي تحليه لمجالس اللهو، وعلما في أوكار الرذيلة والقمار ، وأمسى قربي رجاء كبار المسؤولين وصغار الموظفين والتجار، وأحاطت بي جيوش من الطفيليين ، وأطياف من الناس الأخرى . وطفقت أغوص في هذه الحياة ، حياة السطو والغش والملذات. ومرة، بعد مرة بعد أخرى، وجدتني أغرق في الفسق و في الفجور. كان النساء يتقاطرن علي ، تقاطر النحل على رحيق الأزهار، ويحطن بي إحاطة المعصم بالسوار. فنهشت في أعراضهن الى أن بشمتها ، و أولغت في شرفهن حتى الثمالة ، وهروبا من نوبات تأنيب الضمير القاسية التي كانت تعتريني من حين الى حين ، عاقرت المجون واعتكفت في المواخير، حيث دفنت القلب والروح والجسد . لكن النفس ـ رغم كل هذا ـ مازالت تربد بالحزن وبالأسى ، ودامت الروح تنز بالألم والحسرة. وظلال الحرج في عيني "زينب" النجلاوين مابرحت كالقذى تقض توهج النور في عيني ، وصدى كلمات ذاك الوسيط المأفون مافتئ ، كاللحن النشاز يشوش السمع في أذني . وما أعتم طيف وجه أمي المزمل بالعار ـ يطاردني ويحرمني هناء النوم ودعته .
" قسما بصبرك الجميل يا أماه ـ إذ أدانوك وبرؤوه وأذلوك وعذروه ـ لأوردنهم ذات الحياض ، ولأسقينهم ثفالتها عللا بعد علل . وأنت أيتها الجميلة: وحلاوة عينيك وكلفي بهما، ورذاذ الخجل وهو يطرز وجنتيك إذ أعابوك حين أحببتني ، وقرعوك أن قربتني ، لأكيدن وثنهم الأثير ذاك ما وسعني ، ولاقتحمن كل هياكله . و لألاحقن عبرالايام كل عاذلة ، أوجعت روحك بلسانها الذرب ، ولأمرغن في أوحال العار كرامتها ولأدسن كبرياءها وأذله .
ويوم رأيت "الميمونة " حاسرة ، تلثم يدي وقدمي ، جاثية على ركبتيها تستجديني في تذلل وخضوع رجاء أن أحفظ لها كرامتها وأنقذ شرفها من لطخة العمرـ شعرت وكأن ـ مثل الضباب ـ وفجأة ـ بدأ رويدا، رويدا ينقشع عن عيني .
لم تكن "الميمونة" أول ضحايا غضبتي ـ ولن تكون بالطبع الأخيرة ـ لكنها كانت أولى خطواتي في سبيل إدراك ثأر أمي و"زينب" .
كانت عندما ألتقيتها ـ في عرس لأحدى صديقاتها ـ ترفل في شبابها ، بكبرياء وشموخ . وخمنت حين رأيتها ـ وقبل أن استفسر عنها ـ بأنها لا بد أن تكون لروح أمي القربان المناسب. فقد كانت تبدو واثقة ، ومحافظة في تطرف وتزمت ، وشديدة الاعتداد بنفسها الى حد التعصب والغرور. فأبوها وريث عرش مشيخة معروف في كافة أنحاء البلاد ، ووزيرا سابقا في عدة حكومات ، وكان فاسدا ومحتال . استطاع في فترة استو زاره ـ وبوسائل الوزراء المعروفة ـ جمع ثروة طائلة ، فأصبح واحد من أشهر رجال الأعمال . صدتني في إهمال أولما كلمتها، وحين تماديت عنفتني بقسوة، فزاد إصراري على ملاحقتها، وبات افتراسها شغلي الشاغل. فحمت كالحدأة في سماها ، ولزمت حماها ككلب الحراسة ، وكانت أينما ذهبت وجدتني أمامها ، ونصبت لها في كل مكان أفخاخي وشركي . و يوما صرخت في وجهي قائلة ـ في غضب وانفعال ـ
ـ ماذا تظن أنك ستكسبه من ملاحقتك لي ؟
ـ ذلك غيب لا آبه له، فحسبي ما كسبته الآن. رمقتني، بمزيج من الاستخفاف والاستغراب، لكني كنت أحس الإغراء، في نظراتها، وقالت ـ ونبرات صوتها تأسرني ، وتسكر قلبي ، وترعشه
ـ وماذا كسبت، لتفرح به هكذا ؟
ـ متعة العين، وسكينة الروح، وهناء القلب، و... فقاطعتني قائلة ـ وهي تحبس ابتسامة صغيرة بين شفتيها :
ـ حسبك، تكاد تشعر!
ـ ليخرس لساني إن لم يرعف ـ والآن ـ بالشعر، وب... تجهمت عندئذ وقطبت جبينها وقالت
ـ اِسمع أنا لست من النوع الذي تبحث عنه، وقد تتأذى كثيرا إن لم تكف عن ملاحقتي.
ـ فداك الأذى ، والأذية ، وكل أخواتها ، وهل حالت ابر النحل ـ يوما دون ـ جني العسل ؟
ـ اِنك تقفز في الظلام ، دون أن تفكر أين ستسقط.
كانت تزداد ابتعادا كلما حسبت أنها دنت، وكانت كلما التقيتها جمحت ، إلا أنها مع إصراري ـ تعودت على مطاردتي ، وألفتها واستمرأتها، فاستأنست . وشيئا ، فشيئا ، أخذت استحوذ على اهتمامها ، وغدى مرآي ـ وأنا أتربصها ـ طقسا من طقوس يومها . ومرة اختفيت عن ناظريها مدة لأفاجئها وهي تتسوق مع إحدى صديقاتها ، وكادت عيناها تنخلعان من مكانهما ساعة وقعتا علي ، وصاحت بي فرحة :
ـ أين اختفيت يا جاني العسل ؟
ـ هل افتقدتني ؟
ـ كان إصرارك يعجبني .
ـ هل تغريني بالاستمرار ؟
ـ لا فائدة ، فقد يئست بسرعة ، ولما تصل الشهد بعد .
ـ ليس يأسا، لكنها استراحة محارب.
ـ سنرى !
ـ إلى اللقاء . بقي القليل يا آنستي ، وعاجلا أو آجلا ستقعين ، وسأجني العسل وسأجتث خليته ، وليفعل النحل ماشاء من لسع ومن طنين . و في اللقاء الثاني جالستها ، و عندما خرجت كانت حبائلي تلتف حول عنقها ، و قبل أن أسحبها سأتريث قليلا ، وسأنتظر الى حين أتأكد من أن الخيار لم يعد لها . وبعد طول تمنع ركبت سيارتي، وتفسحنا سويا وتنسمنا الهوى، ومرة سهرت معي وشربنا الشاي عند صديقاتها. وارتدنا الشاطئ ذات مساء وعرجنا في طريق العودة الى السينما . لكني حين أبديت رغبتي في التعرف على أهلها، سخرت واعتبرتني، مجنونا ـ من فرط غرورها. فهجرتها مليا وغاضبتها ، لأوقع بإحدى أعز صديقاتها. كان تدبيرا دون مستوى الاختراع بكثير ، لكنه أثمر سريعا وأتي أكله ، اِذ غصت البنت بعزة نفسها ، وتلاعبت بها الغيرة ، وأسفت عقلها. واِلى أن تأتيني طائعة ترجو ودي وتتمناه ، فسأظل أخنق بالإهمال كبريائها ، وأجلد روحها بألامبالات والعناد . لم يخب أملي فيما خططت له ـ فزمان سوء الطالع والخيبة قد ولى ـ فقد أقتحمت البنت على سيارتي بعنف ذات مساء ، بينما كنت في انتظار خروج زميلتها بعد انتهاء حفل كانت تحضره في دار الشباب . وقبل أن يستقر بها المقام قالت ـ في ثورة واحتدام ـ
ـ قل لي بصراحة ماذا يعجبك في هذه اللقيطة الحقيرة ، كي تتركني من أجلها ؟
ـ إنها قادمة . أرجوك لا أريد المشاكل .
ـ لا آبه لها. أجبني ؟
ـ بصراحة، أنا أكره التردد.
ـ أنا لست مترددة ، ولكنني لست بسائبة مثلها . وقاطعنا قرع الأخرى الغاضب على زجاج نافذة السيارة، وحين هممت بأن أفتح لها انتهرتني في حنق قائلة:
ـ لا تفتح لها، ودعها لقارعة الطريق فهي تناسبها أكثر. استجبت ، فنظرت ، نظرة ظافر الى زميلتها وقبعت ـ بحبور طفل يفوز باِثرة على أخيه ـ في مكانها ، ثم ألتفتت إلي وقالت :
ـ لننطلق .
ـ اِلى أين ؟
ـ أين كنت تريد الذهاب ؟
ـ الى بيتي .
ـ بيتك، رددتها في فزع، وباضطراب قبل أن تبهت لبرهة، ثم همت بفتح الباب، إلا أنها تراجعت في اللحظة الأخيرة، وولتني صفحة وجهها، حائرة دون أن تنبس ببنت شفة. وظلت واجمة ساهمة في اللاشيء، فيما رابطت ألأخرى عند باب السيارة بإصرار. أنا طالب ثأر ـ يا آنستي ـ رغم ـ ذالك فإنني لست في عجلة من أمري. وحين تتحول جذوة العفة تلك في عينيك الى كومة من الرماد ، وأرى بأم عيني جدار عندك ، وقد صار ركاما من الأنقاض ، فسأروي ثرى قبر أمي وأتوارى ، لتمطر أنوائي بقعة أخرى ، فلي في عنق كل واحد من هؤلاء سدنة القبور الأوفياء . دينا مستحق الاستيفاء، وسأقبضه طال الزمن أو قصر. ونبهني صوتها الخفيض المهزوم ، وهي تقول فيما يشبه الهمس :
ـ لنذهب ، لكن ... وسكتت ، فعرفت أنها في نهاية طريقها الى الاستسلام . لا عجب . فما من اِمرأة قبلها ـ مهما أتيت من طهارة وعزة نفس ـ صمدت أمام سطوة شبابي. تركت ترددها بمدخل الدار، وعند باب الغرفة حسمت أمرها ، اِلا أني حين أخذتها الى السرير قاومت بقوة ، واستبسال ، لكن دون ما يكفي من إيمان . أكان ذالك يأسا من الانتصار، أوشكا منها في عدالة القضية لست أدري. ترنحت وهي تغادر السرير، وبالكاد تلمست طريقها الى الباب . لم تقل شيئا، ولم تنظر إلي ، ولم ترد حين طلبت أن أوصلها. وكأنما انشقت ألأرض فابتلعتها ، أوكأنها تبخرت في الهواء منذ يومئذ . فقد بحثت عنها طيلة أشهر دون أن أعثر لها على أي أثر . اِلى أن فاجأتني ذات مساء ، وأنا أهم بركن سيارتي قرب سوق العاصمة . وبالكاد تعرفت عليها فقد بدت منكوبة مهمومة ، وشعثاء . غائرة العينين ومهزولة . رحبت بها في حفاوة ، وصعدت معي في السيارة وسألتها :
ـ إلى أين نذهب ؟
ـ الى حيث تريد . فقلت وقد حرك منظرها في نفسي مشاعر شفقة نحوها ـ
ـ لقد بحثت عنك في كل مكان. ؟ حركت شفتاها لتتكلم، لكنها غصت بدموعها، فعدت أسألها من جديد وألح، إلا أنها كانت تزداد صمتا ووجوما. وفي بيتي ألقت بنفسها على السرير بلا تحفظ . ذات السرير الذي شهدت ملاءاته هزيمة كبريائها ، وموته ، وحين هممت بها استسلمت ومكنتني ـ بسهولة ـ من نفسها. وسألتها ـ وفي نفسي أكذب ما أراه بعيني ـ
ـ هل أعتبر هذا عربون صداقة مديدة العمر ؟
ـ أعتبره كما يحلو لك ، وما تشاء .
ـ في المرة الماضية قاومت باِستماتة، وكدت تموتين من الخوف والجزع ؟ ! غمغمت وهي تغالب دموعها قائلة في مرارة وحسرة وألم :
ـ أما ألآن فلم يعد لدي ما أقاوم لأجله. فهمت . وقمعت مشاعر فرح ، شعرت بها تتسلل خلسة الى وجهي ، وقلت ـ وأنا أحاول ـ جاهدا ـ محو آثارها المرتسمة في عيني :
ـ سيبقى هناك دائما ما نخشاه . ومنا بع الخوف فينا لن تنضب . ومادمنا أحياء، فسنجد غالبا سببا ما لنقاوم من أجله. لكنك حقا تبدين محبطة، وبائسة، فما الخطب ؟ ضاقت حدقتا عيناها الجميلتان حزنا ، وطمتا بدموع الندم ، وقالت فيما يشبه الهمس :
ـ محبطة وحسب ؟! ثم تأوهت، وغار الدم في وجنتيها، وارتعشت شفتيها وأطرافها، وأردفت: ما من عبارة في كل قواميس الدنيا ستكفي لوصف حالي وما أعانيه.
ـ اِهدئي أرجوك ، فمشكلتك مهما كان حجمها فلن تكون الأولى ، ولا الأخيرة من نوعها .
ـ إني حامل ؟! ضحكت، وأظهرت عدم التصديق، وقلت:
ـ أتعرفين ؟ مثل هذه الأشياء لا تقال في المزاح.
ـ أو حقا تعتقد بأنني أمزح ؟! وغطت وجهها بكفيها ، وأجهشت بالبكاء . افتعلت الدهشة ، وتصنعت الصدمة ، وتلعثمت كأنني فوجئت ، ثم ربت على منكبها ، وقلت :
ـ لكن، ألم يكن يجدر بك أن تكوني أكثر تحفظا ؟ نظرت إلى بطرف عينها ثم غضت ، وقالت فيما يشبه العويل
ـ بل كان يجدر بي ألا أولد ـ لو أن ألأمر كان بيدي، وليتني أموت الآن ، وأغدو نسيا منسيا.
ـ هيا ، لا تبالغي ، فبإمكان أي طبيب مبتدئ أن يعالج الأمر.
ـ لم أكن لألجأ إليك ، لو أن الأمر كما تقول .
ـ أرجو أن تقبلي اِعتذاري فربما ، ساهمت الى حد ما في ولوجك هذه الطريق ! هبت واقفة من مكانها ، وحدجتني بنظراتها ، وقالت :
ـ بل سقتني إليه راغمة وبقلب جامد ، وعن وعي وسابق إصرار.
" وكذالك فعلها أحدهم ، بأمي المسكينة ذات مساء ، اِلا أنها لم تحظى منه بأسف ، وبخل عليها حتى باِعتذار، أو بكلمة عطف أو رثاء "
ـ أيا كان ألأمر فإنني أكرر أسفي، واعتذاري.
ـ ليس ذالك أحسن شيء تفعله لمساعدتي، فهو لن يفيدني في الخروج من هذا المأزق.
ـ وما ذاك ؟
ـ تزوجني ؟
ـ أنا لا أصلح للزواج !
ـ لكنك المسؤول عما حل بي ؟
ـ أليس هذا اتهاما ؟
ـ وإذا تطلب ألأمر، فسأثبته.
ـ أعتبر هذا تهديدا ؟
ـ وأرجو ألا تضطرني الى تنفيذه . وحفرت في أعماقي ، وبذهن عدواني مقيت ،حتى تشبعت بقسوتي ، ثم قلت ـ ببرودة شامت ـ يرى غريمه في ورطة وضيق :
ـ بل سأفعل . غادري منزلي وفورا، وأنسي أنك عرفتني يوما.! غيض الدم من وجنتاها ، وشهقت حتى خيل الى أن قلبها قد أنتزع ، وعالجت الوقوف لكنها ، تهاوت ، وانهارت قبل أن تعتدل في وقوفها . فزحفت على ركبتيها ، الى أن بلغتني ، كنت أجلس على كرسي في الجانب الآخر للسرير. فأنكبت على قدمي تقبلهما في لهفة ذل ورجاء، ثم قالت ـ في حشرجة:
ـ لا تفعل بي هذا بربك ، وصن لي عرضي وكرامتي . تزوجني ليوم واحد على ألأقل ،أو حتى لبضع ساعات لو تشاء . فالمهم أن أجد أي شيء، أداري به فضيحتي. لا أريد منك مهرا، ولا حفلا أو زفافا ، بل مجرد شهود وعقد وبعض الإشهار القليل. إنني مجرد بائسة ، ساقها القدرالى هذا لمصير المشين ، فأرحم ضعفي ودموعي ، وأنقذني وأسرتي من وحل الفضيحة ولطخة العار. بل ولربما من الموت المحقق ومن ثم التشتت والدمار ، فقد يقدم أبي على قتلي ـ اِذا ما علم بأمري ـ وعلى قتل أمي من بعدي ، وربما قتل إخوتي ونفسه . وتنفست الصعداء فها قد بات بيدي دليل إدانة ضدك ، وضد أبوك ، وأهلك أجمعين. " أهذا الفزع والذعر كله ، وكل تلك الحسرة والألم ، من أجل وهم اسمه شرف الأسرة وعرضها ؟ فبئس الشرف شرفها ، وتبا له من عرض عرضها ، مادامت كذبة تكفي لمده بالاستمرار وبالحياة ". وقارعت شعورا بالرأفة حيالها ، تبجس في داخلي فجأة ، واجتهدت لطمره وتجفيف منابعه في نفسي ، اِلا أنه اِزداد تدفقا وطما وكاد أن يغمرني .
" وفكرت في أن أشرح لها كيف أن الحكاية كلها، مجرد خديعة دبرت لها، فعلقت في حبالها دون أن تدري. حين جعلوا من جسدها حارسا لأنانيتهم وقيودها والتي ـ ويا للمفارقة ـ بها يستعبدون كيانها. فيحللون لأنفسهم ، ويحرمون عليها . فما الذي يجبرك سيدتي ـ لولا الكسل والاتكالية ـ على أن تتحايلي وتذلي بهذا الشكل المهين نفسك ، ليعرف الآخرون لاِبنك أبا ينسبونه إليه ؟ فاِن العالم لن ينهار، لو أنك نسبتيه لنفسك ، وربيته معافى ، بكدك جهدك بإمكانك أن تفعلي ذالك ، وتفكيه من أسرهم وتفكي نفسك . لا أقول بأن المهمة سهلة، وهي أبعد ما تكون عن النزهة. إنها مجازفة ، لكنها مجازفة ـ حقا ـ تستحق العناء " . يا للمسكينة ! أليست هي مثلي ضحية بريئة، فلم أطالبها بما أعجزني ؟ حين كانت "زينب" تدفعني الى المواجهة ، وتترجاني بدموع قلبها وتؤازرني ؟ وتذكرت أمي، وكيف أنها لم تجد كذبة لترقع بها شرف العائلة وعرضها ، وإذا لنجت بفعلتها ، ولكنت ـ كمعظم لأشياء هنا كذبة تسعى على قدمين وترى "
قهرت الشفقة قسوتي ، وتحرك في أعماقي الإنسان المطمورـ باغتني ألأمر فقد كنت أحسبني برئت من تلك الأوجاع منذ أمد بعيد . فما الخطب يا اِلهي ، ومن أين تسرب الى نفسي مثل ذاك الشعور؟ ألم أغدو وكرا للشقاء مكينا ، وقررت أن أخلع قلبي وبعزيمة لا تلين ؟ وأن أمضي قدما لاهثا وراء ثأري ، وأن أدركه ولو في قلب الجحيم. وسرت ـ الى ألآن ـ في ذالك الدرب أشوطا ، بشكل منظم وحثيث ؟ أهي نذر سوء الطالع عادت الى سمائي من جديد ، أم أن فتحا آخر قادم في الطريق ؟
خطبتها من أهلها ، فوافقوا بدون شروط . الكل كان مشغولا ، فلم يعد ثمة من يهتم بطرح الأسئلة .والآخرين أخذوا بوفير المال ، وبالهيئة ، والسيارة الفارهة والهندام ، وأصحاب الشأن ، كان همهم الأكبر السباق مع الزمن لدفن السر الخطير. قلت لهم ، أول اسم خطر ببالي ، فألصقوه بما شاؤا مما يكبر في نفوسهم . أقمنا حفلا خجولا، وهادئا. زفافا، لكن من دون أصوات أو ضوضاء، كيوم محاكمتي تماما. مهزلة أخرى وذر للرماد في العيون، وموكب دفن حقيقة أخرى أريد لها أن تموت في السر.

زينانا
09-02-2011, 11:06 PM
من الجميل في زمننا هذا ان نقرأ من انتاج ابناء الوطن ما يستحق ان نشيد به
حقا ابدعت في روايتك هذه
الا ترى ان اسبوعين مدة طويلة جدا على قارئ نهم مثلي

محمد جواد
26-02-2011, 01:20 PM
يوم ذاك بدوت ـ وأنا في قفص الاتهام ـ كممثل كوميدي يؤدي أحد المشاهد الهزلية .، وكنت أغرق في الضحك، كلما نظرت في وجه " لعبيد ولد خنفوسه" وهو يعتصر من قبل القاضي ، والاعترافات تنثال من بين شفتيه ، محاولا ـ في يأس ـ النأي بنفسه ، عن بعض الحوادث العنيفة التي ارتكبتها العصابة . " أعترف أنا لعبيد ولد خنفوسة " المعروف حركيا بين زملائي "بكارلوس " بانتمائي لعصابة تعمل على فتح أبواب المجتمع الموصدة أمام أفرادها ، وأن هذه العصابة هي المسؤولة عن جل الجرائم التي ارتكبت خلال السنوات الماضية ، أو ضالعة في ارتكابها بشكل أو بآخر. ثم أردف لكن هذه المرة في تردد وخوف ـ وأعترف بأن هذا الرجل "يقصدني" هو رئيس، وزعيم هذه العصابة. وبينما أنهار المسكين مغشيا عليه، غرقت أنا في الضحك. وصاح بي القاضي :
ـ بيرام ! أهذا هو اسمك الحركي ؟
ـ نعم سيدي .
ـ وما اسمك الحقيقي ؟
ـ محفوظ. محفوظ، رددها للحظات، ثم دفع إلي برزمة من الصور، تحمل كل صورة فيها رقما خاصا بها ، وقال:
ـ أتعرف صاحبة الصورة رقم واحد ؟
ـ نعم سيدي ، هذه مريم . واحدة من بنات كثيرين ، لي عندهم ثأر قديم ، وقد قطعت عهدا على نفسي ، لتطالهم يدي ، ولو اِختبؤا في وجنة الشمس .
ـ هل قتلتها ؟
ـ كلا .
ـ وماذا فعلت بها ؟
ـ ما يفعله الرجال بالنساء عادة .
ـ مختارة، أم مجبرة ؟
ـ لا أدري . وسيادتكم تعرفون بأن الحدود بين الجبر، والاختيار، لم تحسم بعد الى الآن .
ـ الصورة الثانية ؟
ـ نعم هذه "عيشة" "مسكينة ، إنها تبدو هنا واثقة من نفسها ، ومتماسكة ، لكنها لم تكن كذالك يوم دخلت اِلى وكري "
ـ هل قتلتها ؟
ـ كلا .
ـ وماذا فعلت بها ؟
ـ ما يفعله الرجال بالنساء عادة ؟
ـ مختارة، أم مجبرة ؟
ـ أظنها كانت مختارة ، حسب العقيدة الكلامية لبعضهم !
ـ وحسب عقيدتك أنت.
ـ أنا دائم الترحال بين عقيدة كلامية وأخرى، ولا أتذكر بالضبط العقيدة التي كنت عليها آنئذ.
ـ أولم تشارك ، "لاله" ، "وعيشة " ، و "حورية" ـ كلا منهن على حدة ، قتلهن لأزواجهن ؟
ـ كلا .
ـ وما هي علاقتك بمقتل أولائك الرجال ؟
ـ لا توجد اللهم اِلا اِذا اعتبرت سيادتكم ، علاقتي الغرامية بزوجة كل منهم . وأغتنم هذه الفرصة مادامت سانحة، لأنوه بشجاعة، تلك النسوة، وبعملهن الجبار. اِذ قد أزحن ـ بتغييبهن لأولئك الأنذال ـ عقبة جدية في طريق سيرنا الى الأمام .
فزوج الأولى كان ساحرا، مهر في التلاعب، بآمال الناس، وبأحلامهم. فزرع بكذبه الشقاق بينهم، وأفشى بينهم الحقد والغل، فصرفهم عن مواجهة واقعهم، وأعماهم عن سبل تغييره الفعالة.
أما زوج الثانية ، فقد أغبش عن عقيدتهم الأبصار، وأغرق أرواحهم في حلكة الأوهام ، وبلد عن شريعتهم العقول ، وحولها الى أحاجي وأباطيل ، ونصب بينهم وبين الله نفسه وسيطا ، بإرضائه يجزل العطاء ويغدق النعم ، وبإغضابه ، يقدر ويوقع الشرور والمآسي .
أما الثالثة ، فزوجها كان رجل أعمال أناني وضيع ، بنى ثروته من شقاء المحرومين وارتقى على ظهورهم سلم المجد والشهرة ، كان يغش و يزور، وكان مرتش وصفيقا . فليقف الجميع وقفة إجلال، وإكرام لهن .
ـ ألزم حدود الأدب يا متهم ؟
ـ حاضر سيدي .
ـ أولم تكن تزور بطاقات التعريف الوطنية، وتبيع الجوازات للأجانب ؟
ـ بلى .
ـ وبالطبع كنت تتوفر على العشرات منها للاِستخدام الشخصي .
ـ نعم سيدي .
ـ أولم يكن بحوزتك، أكثر من عشرين ثوبا تنكريا ، بالإضافة الى لحى ، وشوارب اصطناعية ؟
ـ بلى .
ـ وقبض عليك ذات مرة، وأفلت ـ وأنت تقوم بأعمال الدورية بزي ضابط الشرطة الذي قتلته ؟
ـ لم أقتله سيدي .
ـ ومن قتله ؟
ـ ومن قال بأنه مات ؟
ـ أتزعم أنه ما يزال حيا ؟
ـ هذا ما تقوله آخر معلوماتي عنه.
ـ وأين هو حسب آخر معلوماتك ؟
ـ في مكان ما في أوربا.
ـ وكيف عرفت ؟
ـ كان رجلا طهوريا ، ومولعا بالاستقامة وبالشرف ، يؤدي عمله بنزاهة وبإخلاص ، ويرفض الظلم والكسب الحرام . فأستحق من رؤسائه اللعنة ، والنقمة والكراهية من مرؤوسيه ، وبعد تشرد في إنحاء البلاد طويل ، ألقي به في إدارة الأمن وأهمل . وفي حين كان المنحرفون من زملاءه ، الأقل أداء والأدنى منه معرفة ـ يتسلقون السلم الوظيفي بسهولة ، ودونما عائق أو عقبة ، ويحيون في بحبوحة من العيش ، ويسكنون الفلل الفخمة ، ظل هو في مكانه ، معتقلا في ذات الوظيفة والرتبة ، يصارع براتبه الهزيل ليؤمن لعياله اللقمة . وقاوم كل محاولاتنا لضمه ، ورفض التعاون معنا لفترة طويلة ، لكن الظلم أحبط عزيمته ، وحطم اليأس إرادته وتصميمه ، فباعنا عهدته ، لقاء تسفيره الى الخارج .
ـ وماذا عن جثته التي عثر عليها.
ـ تلك الجثة لا تعود له قطعا.
ـ لكن التشريح أثبت عكس ما تزعمه !
ـ ذاك ادعاء ، ويحتاج الى برهان .
ـ أولم تكن تحاضر في المساجد بالنهار وكنت في الليل تتخذ منها أوكارا لعصابتك ،و مراكز للتخطيط لجرائمك ؟
ـ بلى
ـ وكنت بلسان الداعية المتبتل تدعو الى الفضيلة ، والإنسانية ، وبلسان المرشد تهدي الى سبل تحقيقهما ؟
ـ نعم سيدي .
ـ ومع ذالك ، فقد هجرت "فاطمة" ـ وكانت حاملا ـ من دون أن تطلقها ، أو تسأل عن مصيرها ، وفعلت الشيء نفسه مع فاله" و"فيلالة" و" لعر وص" و"زيناه" .
ـ لم يكن ما بيننا ـ يا سيدي ـ زواجا لكي يكون هنالك اهتماما أو طلاقا، هن بعن وقبضن الثمن، وأنا اشتريت، وقضيت مأربي.
ـ و"أم الخير" ؟
ـ قتلتها .
ـ متعمدا ؟
ـ وعن سابق إصرار.
ـ لماذا ، وكيف ؟
ـ كانت جوهرة تاج عز أهلها، وفخر العائلة ومحط اهتمامها ، حوراء وضيئة ، تفيض بالحيوية والشباب . تعرفت عليها لأول مرة عندما جاءت بيتنا ذات يوم ، تزور "زينب" . وقدمتها لي الأخيرة على أنها إحدى أعز صديقاتها. لم أجالسها طويلا يومئذ، لكن اللحظات القليلة التي أمضيتها معها كانت كافية لأعرف معدنها من الناس.لم أرتح لها ، ولم أخفي ذالك عن "زينب" فقد كانت حركاتها متغطرسة بشكل استفزازي، وكانت كلماتها ونظراتها مليئة بالزهو وبالخيلاء. ثمة رائحة خبث خبيء كانت تتضوع من نبراتها ، وكان مثل المكر يشع من عينيها في دهاء . ضحكت "زينب" حين أبديت لها ملاحظاتي تلك، وحذرتها منها، وقالت:
ـ إنها مغرورة قليلا، لكنها طيبة وحسنة النية.
وذات يوم أقتحمت علي و"زينب" وحدتنا المقدسة وحدة بالكاد كنا نحصل عليها . كانت منفوشة وحانقة، لسبب كنت أجهله، وقد اصطحبت معها بعضا من زميلاتها، وزميلات "زينب" في القسم. وصاحت حين اقتربت منا، قائلة ـ بأعلى صوتها
ـ أنظروا ها هما يفعلان كذا و.... أترون كيف تذل شريفة نفسها مع لقيط وضيع مثل هذا ؟ أو لم أقل لكم بأنها كانت تكذب عليكم في شأن علاقتها به ، وقلت لكم بأن وراء مظهرها الطيب الوديع، نفس خبيثة وروح عاهرة في جلد متبتلة ، و.. ... وأردت أن أنقض عليها، وأن أهصرها بين يدي حتى الموت، لكن "زينب" زجرتني، وأقسمت علي أن لا أتحرك. وواصلت الحمقاء هجومها، فقالت تخاطب "زينب" باستهزاء، واستعلاء:
ـ ألم تزعمي بأن هذه الحشرة أبن عمك ؟ واكتسى وجه "زينب" بالخجل ، وامتلأت بالحرج عيناها وقالت ـ فيما يشبه التمتمة ، والحزن يفيض من صوتها ـ
ـ ما مناسبة هذا السؤال، افرغي قاذوراتك، وارحلي غير مأسوف عليك. ضحكت بخبث ، وقالت :
ـ محض فضول، من البنات وحب تطلع من لدنهن، فقد قلت لهن بأنه ابن أخو أبوك غير الشقيق، وبأنه حبيبك ، لكنهن يزعمن أنه أبن عمتك، وأنه لقيط ، ولا يمكنك ـ إلا إذا كنت مجنونة ـ أن تسمحي لوضاعته بأن تدنس شرفك . قالت هذا ثم قهقهت بشماتة، ومضت نشوى بفعلتها. وناورت "زينب" بذكاء وإصرار، وداورت بحنكة إلى أن تخلصت من توترها، ثم قالت ـ مازحة والحرج لما يفارق عيناها :
ـ إذا رأيتك مرة أخرى ، تبحلق في وجه امرأة غيري هكذا ، فسأقتلع عينيك . فقلت ـ وقد أردت ألا تفقد روح دعابتها :
ـ سيكون ذالك جزاء عادلا تستحقانه، و... باءت محاولتي ـ الاسترسال في المزاح ـ بالفشل ، فقد كان صدى كلمات البنت يعربد في نفسي ، فقلت :
ـ ما لذي قلبها عليك هكذا ، وقد كانت إحدى أعز صديقاتك ؟ قالت في تبرم :
ـ لست أدري ؟
ـ وماذا أرادت من وراء سؤالها ؟
ـ أرادت ما أرادته . لا تهمني ، ولا أكترث لها . ثم إنها كانت أمامك فلم لا تسألها ؟ التقطت أصابعها المرتجفة من الانفعال، و نظرت في عينيها المنكسرتان خجلا، وقلت ـ وأنا أكاد ألمس بيدي ندب الحرج في قلبها، وأكاد أسمع بأذني أنين روحها يمزقها ألألم ، مابين مطرقة هيامها بي ، وقسوة سندان العذل ـ قلت:
ـ لن يسعدني ـ ياحبيبتي ـ أن تكذبي لتداري على حقيقتي . ثارت قليلا ، لكنها تمالكت نفسها ، وقالت :
ـ حقيقتك الوحيدة التي أعرفها ، والتي تهمني ، هي: أنني أحبك الى حد الوله ، مغرمة بك الى حد الهوس ، وأنك تاج على رأسي .
سرحت في عذاباتي للحظة ، ثم أقبلت عليها مغتما وقلت :
ـ لاشك بأنهن سألنك مرة عن أبن من أنا ، واضطررت...
ـ لم أضطر الى أي شيء ، ولا شيء حدث يمكن أن يضطرني . هكذا قالت "زينب" بانفعال، ثم أردفت : هل تعرف بأنني سئمت من الكلام في هذا الموضوع . كل زميلاتي في المدرسة يعرفن من أنت، ويعرفن كذالك ماذا تعنيه بالنسبة لي . ولم أكذب ـ يوما ـ على أي كان، لأخفي عنه حقيقتك كما تقول. وبالمناسبة فإنهن جميعا ، ما فتئن يعبنني ويعيرنني، وينعتنني بالجنون وبأنني غبية ومنحطة ، ولم يدعن أي وصف يغيظ أو يهين ، اِلا الصقنه بي بكل صفاقة وخسة . لكنني لم أكترث لهن أبدا ، ولا نية لدي لأفعل ذالك في المستقبل . وإذا كنت ستغتم هكذا وتتجهم وتظلم الدنيا في عينيك ـ كلما هذر هاذر، أو نعب ناعب ، فستتعب روحي وروحك بلا مبرر، و تحرمنا متعة اللحظات القليلة التي بالكاد نفوز بها . هذه البنت مجرد مغرورة حمقاء ، تعتقد بأنها بهذا التصرف الغبي ، تثأر لما تعتبره اِهانة ألحقتها باِبن خالة لها معتوه . فقد أنقض علي الأرعن ـ بينما كنت في الفصل أثناء الاستراحة مع بعض البنات ـ وهم باحِتضاني وبأن يقبلني. فقمت بصفعه، وبالبصق على وجهه، ونعته بما حسبته يليق برعونته من أوصاف. سبق وأن فعلها، وظننتني ساعتها أوقفته عند حده، فقد فعلت به نفس ما فعلته به هذه المرة، أو أكثر قليلا.كان ذالك أكثر بكثير، مما كنت مستعدة لدفعه كي يبقى أمر علاقتنا سرا. ويومها ثارت ثائرتها هي أيضا ، وهاجت وما جت ، وهجتني وشتمتني بأقذع الألفاظ وأحطها .
ـ ألم أحذرك من الاستهزاء بابن خالتي ؟
ـ أنا لست ابنتك حتى أأتمر بأوامرك ، ثم إن هذه الحثالة تخطى كل الحدود ، وتمادى ، وساءت أخلاقه أكثر مما ينبغي .
ـ لو كنت تعرفين ابن من هو، لما جرؤت وقلت عنه حثالة ، لكنك على "لفروخ" فتحت عينيك أولما فتحتها ، ومعهم كبرت وتربيت ، ولأنك لم تعرفي في حياتك سواهم ، فقد أمسى الكل في نظرك حثالة . وهممت بأن أخذها من شعرها و أدوس على رأسها ، أو أنقض على لسانها وأقوم بقضمه . لكنك كنت تريد بأن يبقى أمر علاقتنا سرا، وخفت ـ إن ـ تأزم الموقف بيني وبين الغبية بأن تذيعه . فقد غلطت يوما غلطة كبيرة ، وقمت ـ من فرط سذاجتي ـ باطلاعها عليه . كانت صديقتي منذ أيام الطفولة وكنت أثق فيها ثقة عمياء ، وقد اضطرني لذالك سعيها الدءوب لدي ، كي أتجاوب مع أبن خالتها ، حتى ولو من أجلها . إذ كنت أقابل ملاحقاته لي بالصد ، وتقربه مني بالجفاء ، وكنت أسخر منه دائما ، وأصف زعمه حبي بالغباء .ولطالما كلمتني عنه ، وأثنت عليه أيما ثناء ، وكانت تشتط في وصف هيامه بي ،وتشبهه بهيام قيس بليلى . كنت أتعلل لها بأنني لم أفكر بعد في مثل هذه الأشياء، وأحيانا كنت أعيدها بأنني سأفعل. ومرة ألحت علي، ورجتني وأكثرت الرجاء. فوجدتني مضطرة ، الى أن أقول لها عما بيننا . وآخر ما دار بخلدي ـ حين بحت لها بسري ـ بأنني أطوق عنقي بسلسلة وأسلمها مفتاحها. ولا حظت أنها تفاجأت ، بل ـ ولربما ـ صدمت ، إذ أنها سكتت ولم تقل ـ حينها ـ أي شيء ذو أهمية . وأنا أودعها سألتني:
ـ هل هو أبن عمك ؟
ـ وأبن عمتي . وضحكنا ، وذهبت . وأحسست بأنها لم تعد لي كما كانت منذ يومئذ ، وصارت تتهرب مني ـ كما أظن ـ أحيانا . ولأنها كانت الإنسان الوحيد الذي أطلعته على علاقتنا ، فقد كنت مجبرة على التمسك بصداقتها ، و على تحمل نزق أنانيتها ، والسكوت على بعض تصرفات أبن خالتها الغير مناسبة غالبا ، إذ كان يتحرش بي ، ويخدش حيائي بكلامه البذيء ، وكان يتعمد مضايقتي ، ومغازلتي حتى وأنا في الفصل . كان ذالك بالطبع يغيظني ، بل ، ويخنقني ، لكنني كتمت وصبرت نزولا عند رغبتك . وانقلبت علاقة الزمالة بيني وبينها الضاربة جذورها في أيام الطفولة ، الى علاقة أسير بمأسور كلها خوف وترقب وعدم ثقة . وشعرت بوطأة الاستعباد وذقت ذل الانقياد، وأمسيت في نظر نفسي آثمة ومطاردة. ولكن خوفك من أمي كان يقيد إرادتي كلما فكرت في أن أضع حدا لهذه المهزلة .
ـ أكان تصميمك على إظهار علاقتنا ، بدافع التحرر من قبضتها ؟
ـ ليس تماما . فلم أرى في علاقتنا يوما شيئا يجب أن يخفى. لكني كنت أحترم رغبتك، حتى واِن كنت غير مقتنعة بها.
ـ هل حدث ذالك قبل لقائنا ذاك ، أم بعده ؟
ـ قبله .
ـ لعلها هي من وشى بنا لأمك ؟
ـ كان فخا نصبته لي فوقعت فيه دون أن أشعر. فقد شكوت اليها يوما ـ بصفتها صديقتي ألأقرب ـ ما نلاقيه من عنت في كل مرة نريد أن نلتقي . قلت لها بأن لدي الكثير مما أود أن أناقشه معك، وأنني لذالك أحتاج إلى الانفراد بك. وأحسنت بها الظن ، وبحت لها بالكثير مما يعتمل في نفسي، فعرضت علي تلك الفكرة وتعهدت بمساعدتي. بعد حادثة ابن خالتها تلك معي نسيت ألأمر، فمن يومها اعتبرت أن علاقتي بها قد انتهت ، لكنها جاءتني بعد ذالك تتباكى ، وأخذتني في الأحضان ، وأمطرتني بوابل من القبل وأغرقتني في سيل من الاعتذار والتأسف ، فأمنتها . وذكرتها بالموضوع ، فأبدت جاهزيتها ، وبينما كنت معك ـ وفي نفسي أنتظرها ـ كانت هي بين المكاتب تجوبها بحثا عن والدي ، لتوقع بنا عنده .، وعندما يئست من العثور عليه ، عمدت إلى تكليف أحدهم بأن يخبر أمي .
ـ أفهم من هذا بأنها هي من كان يقوم بكتابة عبارة " أم لفروخ" التي كنت تجدينها دائما على سبورة فصلكم ؟ تأوهت بملل واضح وقالت :
ـ نعم . هي من كان يفعل ذالك، وفعلت غيره كثير وقالت أكثر. لكن ما أهمية ذالك ؟
ـ لاشيء، لا شيء.هكذا قلت، وقطعت عهدا على نفسي ـ سرا بيني وبينها، والحزن في عيني "زينب" يمضغ كبدي ـ لاِن ظفرت به يوما، لتخرسن إلى الأبد. وساقت لها الأقدار أخو "الميمونة " فتزوجها، ووضعت لي "الميمونة" في طريقي فتزوجتها. حتما سنلتقي، لكن لنفترق، وليبر عهد قد قطع. وليلة زفوا لي "الميمونة" كانت في طليعة النساء اللائي جئن لتهنئتها ، وبصفتها كانت تعد من صديقات العروسة ، فقد بقت معانا إلى وقت متأخر من الليل عرفتها أول ما رأيتها، لكنني سأسأل عنها "الميمونة" وأتأكد من هويتها بلا ريب. أكلنا ليلتها معا ، وشربنا وضحكنا إلى مطلع الفجر . ولاحظت طيلة السهرة بأنها كانت تسترق النظر إلي بين الفينة والأخرى. وهي تودعني أسرت إلي ـ ومثل الشك يطل من عينيها: قائلة
ـ يبدو لي وجهك مألوفا !
ـ ماذا تعنين ؟
ـ أعني أنه يذكرني بوجه أعرفه ؟
ـ ولماذا لا أكون أنا، هو ؟ ضحكت وقالت :
ـ لأن ذالك مستحيل .
ـ لا شيء في الدنيا مستحيل .
ـ بلى، هذا. اِنه المستحيل بعينه . ومرة قالت لي "الميمونة":
ـ "أم الخير" تظن أنها رأتك من قبل ؟
ـ أحقا تظن ذالك ؟ ، وما ذا تظن أيضا ؟
ـ تزعم أنك من أهل "كيفة" ؟!
ـ وهل تصدقينها ؟
ـ أحيانا تبدو لي غير مفهوم !
ـ وما نوع الصلة التي أقمتها بين ذالك، وبين ما تزعمه زوجة أخيك ؟
ـ لاشيء ذي بال، لكن ظلال حزن كانت تسكن عينيك دائما، وثمة في وجنتيك مسحة أسى.
ـ لا أفهمك ؟
ـ إنها تشبهك بشاب من أهل "كيفة" ، مختف منذ فترة طويلة ، بعد فشل حبه ل.....
ـ أظنها واسعة الخيال قليلا ! ؟ ضحكت وقالت :
ـ إلى حد ما .
ـ وأنت صغيرة، أظن أن مثل هذه القصص كانت تثيرك، وتشعرك بالمتعة ؟
ـ ربما مازالت كذالك .
ـ ذالك ـ إذا ـ يفسر كل شيء.
" الدين الذي لي في ذمتك ـ يا أم الخيرـ أمسى مضاعفا، وغدا استيفاءه أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، وسأتقاضاه فقد حل، وليرحمنا الله جميعا."

زينانا
27-02-2011, 02:52 PM
ابدعت بحق وجاء هذا الجزء ليزيد من التشويق المرتبط بالرواية كاملة،
ننتظر المزيد

محمد جواد
02-04-2011, 08:36 AM
جئت بيتها في يوم من أيام أغسطس الحار، أحمل لها المنية معي . كنت أعرف أنها هناك، وكنت أيضا أعرف أنها وحدها، فقد سافر زوجها في مهمة عمل تستغرق أياما، وكان أطفالها يصطافون عند أهلها في "كيفه". قرعت الجرس، مرة ومرة أخرى، وفي الثالثة فتح الباب. وكانت هي من فتحه .
ـ أنا آسف يبدو أنني قطعت عليك نومك ؟! ابتسمت ، وهي تتثاءب ، وقالت
ـ لا عليك. كان يفترض بي أن أصحو باكرا، فلدي الكثير مما ينبغي الانتهاء منه قبل السفر إلى البادية . قالت هذا ثم تطلعت عبر الباب قبل أن توصده، وأردفت:
ـ هل سافر "الخلطة" ؟
ـ نعم .
ـ ألم يكن من المفترض أن تكون معهم ؟
ـ صحيح، لكن أمرا طارئا منعني، وسألحق بهم غدا .
ـ كم أغبطهم ، فأجواء اسبانيا هذه الأيام شيء جميل وممتع .
ـ لا شك في ذالك ، لكن ما الذي منعك من صحبتهم ؟
ـ هذا الرجل ، وولعه بالبادية ،فهو يقول بأن البلد أولى بما سننفقه من العملة الصعبة .
ـ هذا كان رأيي دائما، ولولا ظروف "أم الخير" لما وافقت على سفرها. دخلنا ، وأجلستني في الصالون . وسألتها عندما رأيتها تعد لي "ازريق" والشاي بنفسها :
ـ أين الشغالة ؟
ـ سرحتها ، فقد قالت أنها لاتريد الذهاب معي إلى البادية . تنفست الصعداء عندئذ ، وشعرت ببعض الراحة وبالارتخاء ، لكن رهبة الموقف ـ سرعان ما تلبستني ، فوجدتني أغرق في الحيرة والتردد ، فنبع العرق في كل شبر من جسدي ، وتلاحقت دقات قلبي وعلى وجيفه ، وأنحشر الهوى في صدري وبالكاد أصبحت أتنفس ، وراودني النكوص . إلا أن إطلالة من وجه "زينب" ـ في خضم ترددي ـ حركت سورة الغضب الدفين بداخلي ـ كان متشحا بالحرج ، موشى بالأسى وكان مكتئبا وحزينا ، ورأيت سهام شتم "أم الخير" الحداد تخترق شغافها وتمزق سويداء قلبها الكبير ، وضجت آذاني بتأوهات روحها وهي تتلظى في أتون بذاءات عذلها ـ والطريق إلى غايتي مازال بعيدا ، ولن آمن "لأم الخير" فهي حشرية بطبعها وطويلة اللسان وفضولية . أخمدت ثورة شفقتي ، وتملصت من ترددي . وأفقت من أفكاري عليها وهي تدخل حاملة "ازريق" . لكنني بقيت على حالتي منكس الرأس، تلك عادتي، فحين أقرر الانقضاض على الفريسة أتجنب النظر إليها، خشية أن تتسرب الرأفة إلى نفسي فتردعها أو تتلبسها الرحمة فترتدع. وانتهزت فرصة انشغالها بإعداد "طاجين" فغلقت الأبواب وأوصدت النوافذ ، ثم أقبلت نحوها مكشرا وقد خلعت كل الأقنعة . أوقفتها ـ بغتة ـ جذبا من شعرها، وسحبتها إلى الغرفة المجاورة، وقبل أن تفيق من هول المفاجأة، كان خنجري المضاء يداعب نحرها. اضطربت بقوة محاولة أن تخلص مني نفسها، لكنها كانت عالقة في قبضتي القوية . وحين همت بالصراخ عاجلتها كفي فكتمت صوتها قبل أن يلامس الهوى ، حينها غارت من شدة الرعب عيناها ، ونضب الدم من وجنتيها ، فحشرجت قائلة ـ بصوت مبحوح ، والخوف يسد حنجرتها ـ
ـ أفعل بي ما تشاء ، وخذ من الدار ما تريد ، لكني أسألك بالله أن لا تيتم أولادي ؟!
في لحظة عماء انفعالي كهذه ، تمسي النفس صماء وغريبة عما حولها . فلم تكن التي تئن من الذعر في قبضتي ، وأرى تقطع قلبها يمزقه الفزع والخوف ـ سوى حشرة أدوسها ـ بلا مبالاة ـ تحت رجلي . ونظرت في عينيها الجزعتين، لاشك بأن الدنيا تبدو لهما ألآن أكثر قتامة ، وأقل أمانا من ذي قبل ، حين كانت تطلان عليها من شرفة برجهما العالي . شأن عيني عندما كانت تتطلعان إليها من قعر حفرتي الواطئة العميقة. ولابد أنها تتمنى في هذه اللحظة حدوث معجزة ما تنقذها من هذه الورطة ، مثلي تماما وأنا أحلم بأن أصحوٌ ذات يوما ، فأجدني غير ما كنته في عيون أولائك الغوغاء ، أو أجد لهم عيونا غير تلك التي كانت في رؤوسهم قبل أن أنام ، لكن ألأماني كلوه السراب خداعة ، وزمان المعجزات ولى .
ـ سأفعل بك ما يحلو لي ، وما أرد ت من الدار سواك ، ولن أترك أولائك الأبرياء ليتربوا في حضنك . اضطربت بيأس ثم قالت فيما يشبه الهمس :
ـ ستقتلني ؟
ـ لن تكوني أما صالحة . ولابد أن حياتهم ستكون أفضل من دونك.
ـ لكن من أنت ؟ ولماذا ... ؟
ـ أنا ثمرة النبتة الذعاف التي زرعوها في رحم الليالي ، ولفحة حروراء من الحريق الذي أشعلوه في أحشاء الأيام ، وقطرة من السم الزعاف الذي سكبوه في معين الحياة .
أنا . أبن عمتها ـ ياسيدتي ـ
ـ أبن عمتها، اِبن ... أننت ... "محفوظ" اِبن عمة "زينب" ؟ !
ـ نعم أنا الحشرة ـ كما كنت تقولين ـ وقد تحول إلى إنسان. لا تستغربي هكذا، طالما أنه وحسب قوانينك يمكن لإنسان أن يتحول إلى حشرة بمجرد قرار. نعم ، أنا ابن عمة :زينب" ، "زينب" الجميلة ، الوديعة ، المسالمة "أم لفروخ " كما كان يحلو لك أن تناديها طعنا في ، واِهانة لها . أغمضت عيناها في حسرة ، وعضت بندم شفتاها ، وقالت في ما يشبه الخترفة والكلمات تتجمد في فمها :
ـ ألم أقل بأن وجهك يبدوا لي مألوفا ؟ لكن آه من "الميمونة" وعنادها. وتشبثها المرضي بك و وإصرارها على أنك من أهل "تيرس" . قلت لها كل شيء ، وحكيت لها قصتك مع "زينب" بأدق تفصيلها ، لكنها أبت أن تصدقني ، ووصفت كلامي بأنه محض أوهام . ورجتني واستحلفتني بأغلظ الإيمان ـ عندما عزمت أن أسأل عنك أهلي في "كيفه" ـ بأن لا أبوح لأي كان بما يساورني من شكوك ، وزعمت أنها ستتحرى عنك بنفسها ، لكنها لم تفعل شيئا . آه لو أنها صدقتني ! لكنت... ؟ لكن... وصمتت في حسرة ، وقد عقل الخوف لسانها .
ـ أما أنا فقد عرفتك، منذ رأيتك للوهلة الأولى، وكنت دائما أسأل عنك، واقتفيت أثرك عبر الأيام إلى أن أوصلني إلى هنا . ومن أجلك طاردت "الميمونة" وصبرت على صلفها وغرورها ، ولأجلك تشبثت بهذه الزيجة الفاسدة وجازفت وتحملت مخاطرها الجمة ، وخضت و"الميمونة" في سيرتك مرات ، وقلت لها عنك الكثير من ألأمور. لكن ما لم أقله لها عنك أبدا ، هو أن لي عندك ثأرا، وبأني لا بد أن أدركه ولو بعد حين. ذالك لم أقله لها . ولم أقل لها أيضا بأن القروح في روح "زينب" لم تندمل بعد في قلبي ، وبأن حرقتها لم تفتأ كالنار تلسع روحي وعقلي ، إذ أولغت في عرضها ، وسلقت كبريائها بلسانك الذرب، وإذ أدميت بالسخرية والاستهزاء قلبها ، وسحلت روحها في جمر الملامة والعذل ، وخنتها حين أتمنتك على سرها ، وسعيت لدى صديقاتها لينبذنها ، وحتى دفاترها لم تسلم من بذاءاتك ، وطالت وقاحاتك الطاولات التي كانت تجلس في الفصل خلفها فلطالما خضبتها بالشتائم ، ومهرتها بكلمة "أم لفروخ" البغيضة على نفسها و...
لو كان من الممكن أن أعني لك شيئا ـ ألآن، أكثر من كوني مجرد سفاك آثم ، لأقمت لك الحجة والبرهان على أني بريء من دمك . وإذا كان ثمة من ملام فيما سيؤول إليه مصيرك ، فلابد أنه أبواك اللذان ورثاك تلك العلل والأمراض . فداء الأنانية العضال أنضى روحك و شوهها ، وأمات في عاطفتك الحياة وباء بلادة الشعور الفتاك ، و لوثت عقلك لعنة الوفاء ، وعقدة الاصطفاء الغبية ، وأعمى بصيرتك البطر والخيلاء ، والكبرياء الزائفة.
شهقت حين غرست السكين في نحرها، واضطربت في يأس وإعياء، قبل أن تتهاوى متهالكة تحت وطأة الألم
كانت عيناها شبه مطبقتان ، والدم الغزير يخضوضب صدرها عندما رفعت إلي بصرها وقد أوشك أن يخبو، ثم تمتمت ـ وهي تلهث ، وقد تهدجت أنفاسها ـ ما ذنبي ؟
اجتاحتني في تلك اللحظة عاطفة كادت أن تودي بي ، فيها عطف ، وفيها حنان ، وبها شيء من فرحة الانتصار، فرفعتها إلى صدري ، ثم أدنيتها إلى أن شعرت بحرارة نفسها ، تداعب الجمود في وجهي ، وأحسست بنبض قلبها وكأنه مناجاة تخترق حنايا صدري في هدوء .ما أصعب تدفق الدمع من عينيها على التحمل ،وما أشد على النفس ـ وقع مرأى شعرها الفاحم الناعم المنثور! وزحف الموت ببطء نحو آخر مكامن الحياة في نفسها، فافترت شفتاها بمثل الابتسامة، واضطربت رموش عينيها، كانت ذراعاها متدليتان بإهمال، وأنفاسها ألأخيرة تتلاحق فيعلو صدرها ويهبط، ثم لم تلبثت أن شهقت، فأدركت بأنها ودعت الحياة.
دفنت شفتاي في جبينها ، قيل أن أضعها بهدوء في سريرها ، ثم خرجت تاركا المكان ورأسي مرفوعة إلى السماء حيث العدالة والحب ، والخير كل الخير ، وفي نفسي أردد أستغفرك يارب ".
إثنى عشر عاما وأنا أجوس خلال الديار ، أعبث بكل مقدس عند أولائك الناس ، وأنتهك كل شيء حرموه .أبذر المصائب أينما حللت ، وأنى مررت أهرقت الدماء و الدموع ، وحملت ألألم والحسرة معي دائما ، وخلفت ورائي العويل والندب والعواء . كانت تلك المشاهد تسعدني ، وكانت آهات الندم والتفجع تطربني ، ويمتع ناظري مرأى آيات الخضوع والاستجداء ، وكان يستعذب تذلل الاستعطاف والرجاء ، وكنت كلما حاولت أن أقلع شعرت بالتهديد وبالفزع ، وعصف بنفسي الإحساس بالفراغ ، وخامر إرادتي الوهن وغزاها التردد والخذلان ، فأعود إلى سابق عهدي متقهقرا ، لكن أكثر شراسة وأشد فتكا وأقسى .
لقد أملت في يوم من الأيام ـ حينما كنت إنسانا تعمر نفسه بالتفاؤل ويخفق قلبه بحب الحياة ، ويؤمن بأن الفضيلة طريق المجد والسؤدد والخلود ، وبأن شريعة الروح والبذل والعطاء لابد أن تسود يوما ليستقيم أمر الدنيا ـ أن يقف القدر إلى جانبي ويمد لي يد العون ، وأن يشد من أزري إلا أنه لم يفعل . ولا أدري لماذا حين كنت أتردى في هذا المستنقع الفظيع ـ كان يذلل لي الصعاب ، ويدفعني دفعا إلى ألأمام ، ويسارع إلى نجدتي في كل مرة كنت أكبو أو أتلكأ ، ويزيل من طريقي كل عقبة ، والعثرة تلو العثرة ، وكان يتولى بنفسه تنسيق أمر هبوطي ويشرف عليه ويرعاه ، و يسعى لأن يكون انحداري منظما وتاما ومريعا ؟
في سوق العاصمة أوقعت "بالبتول " في شراكي. تزاحمت وهي المناكب ، ونحن ندخل دكان أحد الصاغة ، بدا الأمر وكأنه حادث عرضي ، لكنه في الواقع كان متعمدا. التفتت إلي بحدة وانفعال ، فعلقت عيناها في تماسك هيئتي ، وحين أرادت أن تتكلم تلعثمت ، فقد شرقت نفسها بطغيان فحولتي ، وبعد جهد تجاوز محنتها وقالت ـ في احتجاج، لكنه خجول ـ

محمد جواد
01-05-2011, 12:40 PM
إخوتي رواد مشهد القصة ، وخصوصا متابعي أحداث حياة "ولد أهل" الرواية ستخضع للمراجعة والتصحيح استعدادا لطبعها ، ولذاك فسأتوقف عن متابعة نشره بقية أحداثها ، لكن بشكل مؤقت إنشاء الله . وأستسمح من المهتمين سلفا وأرجو أن يتقبلوا شديد أسفي ، وخالص اعتذاري .

عبد الله اسلم
01-05-2011, 02:12 PM
أخي محمد جواد أبارك لك الخطوة بالقرار الشجاع بطبع الرواية وهي فعلا عمل أدبي جميل و رصين يستحق أن يرى النور و أن تزدان به المكتبة الموريتانية و أن تسد ثغرة أخرى في رفوفنا البسيطة ..


توكل على الله و استشر اهل الخبرة قبل كل شيء فما خاب من استشار ..

زينانا
01-05-2011, 03:02 PM
إخوتي رواد مشهد القصة ، وخصوصا متابعي أحداث حياة "ولد أهل" الرواية ستخضع للمراجعة والتصحيح استعدادا لطبعها ، ولذاك فسأتوقف عن متابعة نشره بقية أحداثها ، لكن بشكل مؤقت إنشاء الله . وأستسمح من المهتمين سلفا وأرجو أن يتقبلوا شديد أسفي ، وخالص اعتذاري .
وفق الله/ في انتظار البقية على صفحات المشهد

أحمد الحسن
01-05-2011, 03:11 PM
إخوتي رواد مشهد القصة ، وخصوصا متابعي أحداث حياة "ولد أهل" الرواية ستخضع للمراجعة والتصحيح استعدادا لطبعها ، ولذاك فسأتوقف عن متابعة نشره بقية أحداثها ، لكن بشكل مؤقت إنشاء الله . وأستسمح من المهتمين سلفا وأرجو أن يتقبلوا شديد أسفي ، وخالص اعتذاري .


الأخ محمد،

اتكل علي الله، هذه القصة/الملحمة تستحق النشر والإشاده وحين تخرج للنور ستصبح ملكا للقارئ وعلي الكاتب مراعاة حق القارئ بمحاولة عدم السقوط في أحضان الايديولوجيا.

أنت يا سيدي تكتب عن آدوابه لقارئ في الغالب لا ينتمي لهذه الفئة وهنا تكمن عظمة الموضوع، جسر هوة بين عالمين قدرهما العيش معا يراد لهما غير ذلك فكن من المبشرين فستكون صاحب سلطان يرسم لقرائه معالم الطريق الذي عليهم أن يسلكوه.

محمد جواد
02-05-2011, 07:44 PM
الإخوة الإعزاء : عبد الله ، أحمد ، زينانا. اشكر لكم مشاعركم الطيبة ، وأمنياتكم الجميلة .
بالنسبة لملاحظات الأخ أحمد . أخشى من أنني لم أستوعب تماما ما عنيته في ملاحظتك الاولى .
أما ملاحظتك الثانية . فأود فقط أن اشير ـ وانا اعلم مدى حسن النية في ملاحظتك ـ إلى أن ما يبدو للوهلة الأولى كما لو انه عالمين ، هو في الواقع عالم واحد . عالم وإن عبر عن نفسه في اشكال متباينة نسبيا فإنما ليبرز غناه وتنوعه فحسب .
"أدباي" ليس النقيض الطبيعي ل"لفريج" وليس حتى المقابل له ، وإنما هو أمتداد طبيعي له ، وتجل من تجلياته . وأي إنطباع يتم تكوينه بخلاف ذالك إنطلاقا من هذا العمل بالذات ، لا بد أنه إنطباع أولي وبالتالي يحتاج إلى المراجعة .
وحتى لو أفترضنا جدلا بأن ثمة عالمين ، فإنه يمكن إفتراض وجود أي شيء بين هذين العالمين بإستثناء وجود هوة . ثمة علاقات بحاجة إلى بعض الترميم ، ثمة عرى ربما تحتاج إلى إعادة النظر في نوعية مكونات مادتها ، ثمة وشائج ربما اصابها التآكل نتيجة الإهمال وسوء الإستخدام و... لكن هوة !لا .
إن الفصل بين عالم "أدباي" وعالم "لفريج"في هذا العمل لا يرمي إلا إلى التاكيد على إرتباطهما العضوي ، وستبقى مسألة تقييم مدى سلبية أو إيجابية ذالك الإرتباط مسألة خلافية ، وهو خلاف لا ينبغي أن يفسد ـ كما يقال ـ للود اية قضية .
مرة أخرى أشكرك لكم إهتمامكم .

alcotob
10-05-2011, 01:25 AM
الاخ محمد جواد
قصتك فعلا اكثر من رائعة وقد حلقت بنا بعيدا حيث ربطتنا بالقصة الجميله باحداثها وشخوصها ثم تركتنا ننتظر في تلهف بقية القصة
نتمنى ان تجد طريقها قريبا الى السوق
تحياتي

أصيلة
26-05-2011, 07:48 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأديب الفذ محمد جواد, أتمنى في البداية أن تشرفني بقبول تحياتي وتقديري وأعجابي بهذا العمل الأكثر من رائع, اللذي استطاع - على الرغم من كوني وبشهادة كل من حولي قارئة نهمة - أن يشد انتباهي للوهلة الأولى, كما استطاع تهديد الرقم القياسي لجميع قراآتي إن لم أقل تحطيمه.
كماأتمنى أن لا تتبع معنا اسلوب ''التغلية '' بالنسبة لتكملة القصة, لأننا ننتظرها بفارغ الصبر أولا, ولأنها وهو الأهم ''غالية و ما تحتاج'' تحياتي

محمد جواد
26-05-2011, 02:59 PM
اشكرا الأخ القطب على مشاعرك الطيبة ، وتعليقك المشجع .
شكرا ك الأخت "أصيلة " على الإطراء ومشاعر الإعجاب . ودمت قارئة نهمة لكل ما هو قيم ومفيد .
الأمر لا يتعلق ب"التغلية" رغم إكتشافي المتأخر لفوائدها ، ولا غرو فهي أحد مخترعات الأنثى المدهشة حقا وذات القدرة الهائلة على إختبار العواطف ، و على إخراجها من مخابئها .
الموضوع لن يطول إنشاء الله ، وآمل خلال فترة وجيزة أن تجدي القصة في متناولك ، وفي متناول كل متتبعي أحداثها ـ مطبوعة ، وإلا فساعود لمتابعة نشرها على صفحات هذا المشهد الرائع . مرة أخرى أشكرك .

المتليكسي
08-06-2011, 05:44 PM
الأخ محمد جواد هذه القصة رائعة وقد نشرت بعضها هنا وأرجو ألا تمنعك طباعتها من مواصلة نشرها هنا لذلك أطلب منك مواصلة هنا في هذا المنتدى وشكرا

محمد جواد
11-06-2011, 10:36 AM
شكرا لك الأخ المتليكسي . أعدك وجميع المتابعين ل"ولد أهل " أن أستأنف نشر باقي فصولها في المشهد قريبا إنشاء الله .

أصيلة
29-06-2011, 04:33 PM
الأديب المتميز محمد جواد, السلام عليكم ورحمة الله وبركاته من المعروف أن الإلحاح من العادات السيئة أو غير الحميدة على أقل تقدير ولكنني متأكدة أن جميع قراء العمل الأكثر من رائع ''ولد أهل'' سيلتمسون لي العذر في إلحاحي, هذا إن لم يضموا أصواتهم لصوتي لنقول معا ''إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء'' تحياتي

محمد جواد
30-06-2011, 11:51 AM
الاخت اصيلة ، الإخوة رواد المشهد من متتبعي فصول "ولد أهل" كنت أتمنى أن أعود إليكم مع فصول "ولد أهل" مطبوعة حتى تكون متعة القراءة كاملة . لكن بما أن الأمر سيطول قليلا كما أدركت ذلك اخيرا ، ونزولا عند رغبتكم ـ التي اسعدتني كثيرا بإعتبارها أكبر محرض لي على الإستمرارـ فقد قررت أن أعود إليكم معها على صفحات المشهد الرائع . تقبلوا اعتذاري المسبق عن أي ضيق سببته لكم جراء هذا الإنقطاع الطويل . وتاكدوا بأن لهفتي على التواصل معكم ، لم تكن أقل من رغبتكم في التواصل معي .

محمد جواد
30-06-2011, 11:59 AM
لقد أملت في يوم من الأيام ـ حينما كنت إنسانا تعمر نفسه بالتفاؤل ويخفق قلبه بحب الحياة ، ويؤمن بأن الفضيلة طريق المجد والسؤدد والخلود ، وبأن شريعة الروح والبذل والعطاء لابد أن تسود يوما ليستقيم أمر الدنيا ـ أن يقف القدر إلى جانبي ويمد لي يد العون ، وأن يشد من أزري إلا أنه لم يفعل . ولا أدري لماذا حين كنت أتردى في هذا المستنقع الفظيع ـ كان يذلل لي الصعاب ، ويدفعني دفعا إلى ألأمام ، ويسارع إلى نجدتي في كل مرة كنت أكبو أو أتلكأ ، ويزيل من طريقي كل عقبة ، والعثرة تلو العثرة ، وكان يتولى بنفسه تنسيق أمر هبوطي ويشرف عليه ويرعاه ، و يسعى لأن يكون انحداري منظما وتاما ومريعا ؟
في سوق العاصمة أوقعت "بالبتول " في شراكي. تزاحمت وهي المناكب ، ونحن ندخل دكان أحد الصاغة ، بدا الأمر وكأنه حادث عرضي ، لكنه في الواقع كان متعمدا. التفتت إلي بحدة وانفعال ، فعلقت عيناها في تماسك هيئتي ، وحين أرادت أن تتكلم تلعثمت ، فقد شرقت نفسها بطغيان فحولتي ، وبعد جهد تجاوز محنتها وقالت ـ في احتجاج، لكنه خجول ـ
ـ ألا يجدر بك أن تنظر أمامك ؟ لقد كدت أن توقع أسناني ؟
ـ العفو، أعدك بأن أكون أكثر حرصا في المرة القادمة. قلت هذا ثم انصرفت إلى مطالعة المشغولات المعروضة ، بينما أخذت هي تساوم الصائغ حول ثمن إحدى القطع.
ـ هذه غالية جدا، أنقص ثمنها ؟
ـ لكنها متقنة الصنع ، وتليق بالناس المحترمين .
ـ هذه طريقة ذكية للاِبتزاز، لكنني مصرة على أنها غالية.
ـ لا، لا، تلك هي الحقيقة . كانت عندي ثلاث من نوعها، وقد اشترتهم زوجة أحد الوزراء، وبثمن يفوق ما اطلبه منك بكثير.
ـ و لكنني لست زوجة وزير ؟
ـ لا تبدين أقل منها في شيء، ومع لذلك أعطيتك سعرا مناسبا.
ـ خفض السعر قليلا ؟
ـ أقل من هذا ؟ لا أستطيع ذالك .
ـ حسن، وكم ستخصم لي مقابل أسناني التي كاد صاحبك هذا أن يسقطها ؟ ضحك الصائغ وقال
ـ صاحبي ! إنني أراه للمرة ألا ولى، ثم أنه هو من كاد أن يفعل بك ذالك، وعليه أن يتحمل التبعات.
ـ رفعت إلي عيناها ـ وبهما ما يشبه النداء ـ وقالت في نبرة ما رأيك ؟ . لم أحر جوبا ، وتظاهرت بأنني لم أسمعها. فأخجلت حاجبيها وقالت في نبرة تحسر:
ـ يبدو صاحبنا أصم ، ولله الحمد ؟! رمقتها بطرف خفي ولم أرد عليها، فثمة خطوة لابد ـ أولا ـ من أن أحملها على قطعها ، فكرت في هذا ثم أقبلت على الصائغ فشغلته عنها. كنت أتحدث إلى الرجل وعينان تسترقان النظر إلى ضحيتي، ورأيت كيف أن الملل بدأ يساورها. لكنها كانت قد وقعت واستسلمت لقدرها، عرفت ذالك من دورانها حول نفسها، ومراوحتها مكانها. ومن زفرات صغيرة كانت تفلتها، ونظرات كانت تسترقها إلى بين الفينة والأخرى. ستحتاج هذه المسكينة إلى معجزة لكي تنجو بنفسها، لكن زمان المعجزات ولى . وخاطبت الصائغ قائلة ـ واستفزازية الشعور بالإهمال تغلف نبرتها :
ـ لم أسمع رأيك ؟
ـ رأيي في ماذا ؟
ـ في ما أعرضه عليك . ضحك وقال
ـ إذا قبل صاحبي ! فلا مانع لدي . فقلت ـ وكأنني لا أفهم ما يخوضان فيه ـ
ـ أقبل بماذا ؟ فقال الصائغ :
ـ بأن تدفع لهذه السيدة لقاء أسنانها التي كدت أن تسقطها.
ـ وكم تريدني أن أدفع لها ؟
ـ الفرق بين ما تعرضه ، وبين ما أطلبه كثمن لهذه ألأسورة . فقلت ـ وقد قررت أن أنشط شراكي ومرة واحدة ، وعيناي مسلطتان على وجه المرأة بتركيز هائل ـ
ـ بل أدفعه كله ، وإذا ما أستزدت أزدك . أشرقت معالم وجهها بابتسامة عريضة ، وقالت ـ بتنغيم خاص كله عذوبة وايثارة وإعجاب :
ـ هذا كلام "العيل " وهو بالمناسبة يعجبني .
ـ وفري إعجابك حتى تري أفعالهم .
ـ لا تقلق ، فلدي منه الكثير .ونحن في الطريق إلى سيارتها ، قالت ضاحكة :
ـ لم أكن لأتقبل أن تلزمني "السبعين" وقد كدت أن توقع أسناني !
ـ برافو. ذلك كثير، وكثير جدا ، فهذا الجمال يستحق شيئا مختلفا تماما . رمقتني بخفر وعيناها تشعان بالسعادة ، وقالت :
ـ أحقا أنا جميلة ؟ أم أنك...
ـ إذا قالت لك مرآتك غير هذا ، فاكسريها فورا .
ـ مرآة المرء الحقيقية هي عيون ألآخرين !
ـ العيون التي لا ترى فيك ما أرى ، لا بد أنها كليلة. بعض النسيب كما ترى ، وأحيانا كنت أمزجه ببعض التشبيب ـ جرعته المرأة بهدوء ختول يتحين الفرصة ليثب على طريد ته ـ وتريثت إلى أن شعرت بأنني تغلغلت في مركزا لتحكم في قلبها ، فقلت ــ فيما يشبه التعجب
ـ كم أنت كريمة معي أيتها الصدف ؟
ـ هل كانت كذالك معك دائما ؟
ـ إنني مدين لها بكل شيء ممتع وجميل في حياتي .
ـ أكان ما حصل اليوم من تدبيرها؟
ـ أليس ممتعا وجميلا ؟
ـ أهذا ما تشعر به حقيقة ؟
ـ لا أظن أن لغتي غامضة إلى هذا الحد !
ـ لكني بطيئة الفهم قليلا .
ـ بإمكاني معالجة ألأمر ، إذا سمحت لي .
ـ أرجوك .
عندما وصلنا إلى حيث كانت تركن سيارتها، قلت لها :
ـ فرحتي بك أنستني عن أن أسألك عن اِسمك ؟ ابتسمت بحبور، وقالت :
ـ ليس قبل أن أعرف أسمك أولا ؟
ـ أنا اسمي "عبدا لله، عبد الله ولد عبد الرحمن "
ـ وأنا اِسمي "البتول" منت...
" بل "بيتات" وواحدة من فرقة التعذيب التي كانت تستبيح روح "زينب" وقلبها ، وبنت ذالك الوسيط المأفون الذي أراد قمع إرادتي في أن أخطبها ، لطالما حسبتك منها دائما بمنزلة الأخت الشقيقة ، وقاومت رغبتك المرضية في أن تكوني دونها مرتبة وأقل منها شأنا . وكانت تقول لك ، بأن نوع العلاقة التي بين أبويكما لا ينبغي أن يكون المثل ألأعلى لعلاقتكما ، فالمعني الذي كان يثيره كونكم "أمعلمين " في ذهنها ، لم يكن كالمعني الذي يثيره في أذهان ألآخرين . كان الأمر بالنسبة لها قلبا للأدوار غير بريء ، ودليل إدانة آخر للأوضاع التي كانت تقارعها . كانت صغيرة لكنها كانت ذكية بما يكفي لتدرك بصفاء ذهنها وسلامة فطرتها بأن قضيتها هي قضيتك . ولم تكوني مجبرة ـ من وجهة نظرها ـ لكي ترفعي من شأنها أن تحطي من شأنك. فرفعة الشأن ، والقيمة والاحترام، أشياء يمكن للجميع بعمله أن يحوزها. لكن عقلك كان أصغر من أن يستوعب أفكارها ، وكانت روحك أقل نقاء من أن تحس بمشاعرها ، وأثاقلت حين دعتك إلى أن تربئي بنفسك ، وركنت إلى دنياك وما تعودت ، وتحالفت مع أمها ضدها ، وبذلت ما بوسعك لتفتنيها عن حبي . ولن أنسى بأنك حاولت يوما استمالة قلبها لصالح مفوض الشرطة، وبأنك تحايلت عليها مرة وجعلتها تلتقي بحاكم المقاطعة رغما عنها ، شأنك مع ضابط فرقة الحرس، والوالي المساعد، ومسؤول الجمارك . وآذيت مشاعرها عندما شتمتني ونعتيني بأقبح النعوت أمامها ـ حين نصحتك بأن تتوقفي عن لعب تلك الأدوار القذرة .
ـ أتعرفين بأنك تجلبين لنفسك الازدراء بلعبك مثل تلك ألأدوار ؟
ـ ومتى كان سعي "أمعلمه" في سبيل رفعة "منت " ازوايتها " مجلبة للاِزدراء ؟
ـ كان كذالك دائما .
ـ إنني اسمع هذا لأول مرة ؟
ـ بل سمعتيه مرات وعشتيه أيضا ، لكنك تهربين فيه بدل مواجهته .
ـ" آهآ ، آهآ " أنا لا أفهم كلام المدارس هذا . ما أعرفه هو إني حريصة على أن تكوني حيث يراك من يليقون بك ، وتستحقينهم و..
ـ لكنني لم أفوضك للقيام بذالك .
ـ لم أحسب بأني أحتاج إلى تفويض .
ـ هذا ما يجعل خطأك مضاعفا ؟
ـ أنا آسفة، فآخر شيء كنت أتوقعه، أن يكون هذا جزاء حبي لك وإخلاصي.
ـ تعرفين بأنني أحبك وبأنني أحسبك بمثابة أختي ، ولا أظنني بحاجة إلى أن أقدم لك البرهان على ذالك . واستسمحك ، فربما كان قد خانني التعبير قليلا ، لكن ما قصدته هو أن الدنيا قد تغيرت ، وبأ ....
ـ "حق يواجعة" (كلمة تأسف) بل ـ قولي ـ انقلبت أو جنت أو .. ! .
ـ عجبا ! كان يفترض أن تكوني أسعد الناس بذالك ؟
ـ أسعد بأن تذل "بنت "ازواي" نفسها على هذا النحو العجيب ؟
ـ وأي ذل ؟ وعم تتكلمين ؟
ـ اسمعيني . أنا أيضا أحبك ، وأحترمك . ولذالك فمن حقي أن قول لك بأن ما تفعلينه بنفسك وبأهلك وبنا جميعا ، مشين ومخجل. أغضبي إن شئت . لكنني سأقول لك ما كان يجب أن أقوله منذ أمد بعيد. حبك لهذا "المحفوظ" جنون ما بعده جنون، وتشبثك به عار وإساءة وفضيحة. صحيح أنه " قضاء وقد حل " وأنه أبن عمتك على أية حال ، لكن لا يجب أن يكون أكثر من ذالك ، وإلا فعلى أحدهم أن يوقفه عند حدوده . وحتى ولو تطلب ألأمر قتله !
ـ ماذا تقولين أيتها الغبية ؟ هل فقدت عقلك ؟
ـ وأي قيمة للعقل بعد هذا ؟! " وأفقت من أفكاري على هدير محرك سيارتها ، وهي توشك على التحرك . وقبل أن تنطلق لاحقتها ـ ورهبة الخطوة الحاسمة تجثم في حلقي ـ
ـ متى سيكون لقاؤنا التالي ؟ أفلتت دواسة البنزين، مرة واحدة فارتجت السيارة وانطفأ محركها ثم أقبلت علي بوجه ضحوك ، وعيناها تتلألآن بالفرح وبالسرور، ثم قالت ـ وكأنها تحتضنني:
ـ خفت من أن لا تسألني هذا.
ـ هل في هيئتي ما يدل على أني عديم الذوق ؟
ـ بل أنت الذوق نفسه !
ـ هيا . لا تجعليني أحلق في السماء الآن .؟
ـ متى شئت ، وفي المكان الذي تحدده .
" أنا الآن هو صاحب الحل والعقد في هذا العالم المسحور، عالم هذه السيدة الحسناء المنجرفة بسرعة نحو المجهول. والى أن أحولها إلى عبوة ناسفة أتحكم ـ متى أردت ـ في تفجيرها، أو إلى معين مسموم على جانب طريق وسط مفازة مهلكة ـ فسأظل أدغدغ بالأماني مشاعرها ، وأملأ جمجمتها بالوعود الكاذبة . أسقيها السراب حين تظمأ ، وحين تجوع أطعمها الوهم .
بدأ حديثنا ـ في اللقاء الأول ـ متعثرا، كجدول يتلمس طريقه بين الأحراش، لكنه لم يلبث بعد ذالك أن أنساب فأندفع كسيل يعبر منحدرا. حين دعوتها استجابت بدون تردد، وهي في قمة ضعفها ناجتني قائلة ـ وإحساس بالذنب يطاردها:
ـ أعرف أني بهذا التصرف ـ يا عزيزي ـ أسيء إساءة بالغة إلى الأخلاق ، لكني أشهدك بأني ـ من هذه اللحظةـ أكفر بها وبكل ملحقاتها . ولن أسمح لعقبة من أي نوع كانت أن تقف بعد الآن في طريق سعادتي . ومرة سألتني ورجتني في خشوع وإلحاح :
ـ أصبر نفسك معي قليلا، وسترى بأني سأتخلص من هذا العجوز المقيت.
ـ هذه هي المرة العاشرة التي تقولين فيها هذا الكلام ؟
ـ ثق في أنه لن تكون هنالك مرة حادية عشرة .
ـ أريد أن أعرف كيف ستفعلين ذلك ؟
ـ سأجبره على أن يطلقني.
ـ ما كنت لأفعل لو أنني مكانه، فالرجل الذي يفرط في كل هذا الجمال لابد أن يكون معتوها !
ـ ليته يقدر الجمال مثلك . بل ليت له قلبا أصلا ليحس بغير النقود وعدها.
آه يا "زينب" ، سامحيني ، سامحيني أينما كنت أرجوك ، فقد ظلمتك كثيرا كما ظلمك الآخرون كيف توقعت مني أن أقدر شعورك وأنا ... أوف .
ـ من "زينب" هذه ؟ وعلى مَ تريدينها أن تسامحك ؟
ـ "زينب" ؟ وجذبت نفسا عميقا بصدرها ، ثم نفثته . وعادت تكرر "زينب"، "زينب". قبل أن تردف قائلة ـ وإحساس عميق يسكن صوتها ـ زينب: إنها صديقتي، بل أختي. أحبت قريبا لها وهي صغيرة، لكن أمها كانت تكرهه فرفضت أن تزوجها له، ثم أجبرتها على الزواج من رجل آخر. حاولت المسكينة أن تكيف نفسها مع الأمر الواقع، إلا أنها فشلت، ولم تستطع السلوان فقتلت الرجل ثم هربت. ألم تسمع بقصتها ؟
ـ بلى، بلى، من أهل "كيفه" على ما أظن أليس كذالك ؟ أحقا كنت تعرفينها ؟
ـ كانت بمنزلة أختي، تربينا معا ، ودرسنا معا و.. ثم سكتت قبل أن تقول في تحسر بالغ ـ طالما أنبتها وعبت تعلقها بذالك الشاب و... ، وعادت للسكوت مرة أخرى وتطلعت في وجهي، ثم أردفت أتعرف أن ملامح وجهك تذكرني به ؟
ـ لعل ذالك ما يعجبك في ، فلربما كنت قد وقعت أنت الأخرى شأن زميلتك في غرامه ؟
ـ وقعت في غرامه ! لم يكن ذالك نوع المشاعر التي كنت أكنه له ، وعلى العكس من ذالك فلطالما كرهته واحتقرته ، ونعته بأقبح النعوت وأقذرها . كان ذالك يؤذي مشاعر "زينب" ويؤلم قلبها ، لكنني لم أتورع ـ وبتحريض من والدتها ـ عن تكراره على مسامعها . كم كانت ودودة ، وخلوقة . وكم كانت صبورة و واثقة من صحة اختيارها ؟ أتعرف شيئا ؟ لدي إحساس قوي بأنني ـ ولكثرة ما خنتها وخذلتها ـ أتعرض الآن لنفس امتحانها ؟!
ـ لا ، لا . ذالك مجرد وهم . أقصد أنه لا وجه للمقارنة بين الحالتين . هكذا قلت بمكر، ثم أردفت : لقد تزوجت الرجل بمحض إرادتك ؟
ـ أي زواج ؟ لا إشهار، لا أولاد ، ولا... شبح يأتي إلى عقب ليل متسللا ويعبث بجسدي كيف يشاء ، ثم يرمي إلي ببعض الفتاة ، ويتركني قبل أن ينقشع الظلام . هل تقبل حرة هكذا زيجة ، إلا إذا كانت مكرهة ؟
ـ ولا أظن أن أمة تفعل . لكن من أكرهك ؟
ـ والبؤس والحرمان، والرغبة في الهروب من جحيم الدونية المقيتة.
ـ أعتقد بأن الأمر قد نجح . فالدار كبيرة والسيارة فارهة ، ولديك شغالة وأراك تنفقين بسخاء ...
ـ لكن الثمن كان فادحا .
ـ أفدح من الفقر والدونية .؟
ـ ومن الموت والخلود بعده في النار. ضحكت في خبث وقلت :
ـ حالتك تبدو صعبة للغاية ؟
ـ كانت "زينب" تقول : بأن مثل تلك الأشياء تسد لكنها لاتسعد .
ـ هل صاحبتك كانت فيلسوفه أيضا ؟
ـ بل كانت ملاكا . ملاك هبط إلى الأرض عن طريق الخطأ فدنس أهلها روحه الطاهرة .
ـ أكنت معجبة بها دائما هكذا ؟
ـ نعم، إلا أنني كنت أغبى من أن أفهمها.
ـ وفهمتها الآن ؟
ـ وتفهمتها أيضا . ضحكت وقلت في لغة تحريضية ماكرة :
ـ أرجوك أنك لن تفكري بأن تفعلي بزوجك، مثلما فعلت هي مع زوجها ؟
ـ لن أقبل بأن أخسرك.
ـ ليس ذالك سببا كافيا لتقدمي على مثل ما أقدمت عليه ؟
ـ عندما أضيف وجودك في حياتي على ما لدي من أسباب، يغدو الأمر مغريا. ؟
ـ . ولكن ...؟
ـ لكن ماذا ؟ ألم تعدني بأنك لن تتخلى عني عندما.... ؟
ـ بلى .
ـ إذا ، سأنفصل عنه ، ولن يهمني كيف .
وكدت ـ لولا عهد سبق وأن قطعته "على نفسي " ـ أن أعفو عن المسكينة وأسامحها ، لكن سبق القول مني لأتتبعن آثار كل اللائي عذبنها في حبي ، ولو اختبأن في وجنة الشمس . وإذا ، فلابد من أن تلفحها ـ ولوـ لمما نار غضبي وانتقامي " كنا بعد ذالك نلتقي بانتظام ، وفي كل مرة كنت أغرقها في مزيد من الأكاذيب والأوهام ، إلى أن أستبد بها الشوق إلى حدائق السعادة الغناء التي شيدتها عبقريتي على سطح مخها ، و التي كنت أسخر لوصفها خيالي الساعات تلو الساعات. ويوم نفذت وعيدها تواريت عنها واختفيت، وحين شبت نيران الخيبة واليأس في قلبها وتعاور روحها الشعور بالخديعة وبالخذلان، قررت أن تضع حدا لحياتها في صمت وبهدوء. ولم تنبس سوى بهذه الكلمات التي وجودها محفورة في جدار زنزانتها " معك اختبرت أجمل إحساس في الحياة ، وبفقدك تعرفت على اسمي معانيها ، ولأن اللذة الوحيدة التي عرفتها في دنياي كانت متعة اللحظات التي قضيتها في أحضانك ، فلن أحرص ـ وقد فقدت من حياتي ـ أن يمتد بي العمر من بعدك ولو لألف عام . وبدل أن أموت غدا، أو بعد غدا أو.....فلماذا لا أموت الآن ؟ وداعا . تم إنقاذها من الموت في آخر لحظة على نحو غريب ، لكنها لم تحظ بذات الفرصة عندما تردت في دهاليز الجنون .

محمد جواد
07-07-2011, 02:00 PM
نفس العبارة تقريبا ختمت بها "امريام " حياتها ، بينما كانت تحتضر بين قبضة يدي زوجها . كانت تحلم بمصير مختلف يوم تعرفت علي. ويومها قالت لي بأنني نزلت بساحتها كما لو كنت إعصارا من الفئة الرابعة ، لكنها كانت واثقة من أنها ستنجح في القضاء على الفوضى التي ضربت حياتها على اثر ذالك. فقد آمنت منذ صغرها بما كانت تسمعه يتردد على السنة أهلها بأن الغيث يصلح دائما أضعاف ما أفسد . التقينا للمرة ألأولى في سهرة فنية إحياء لذكرى عيد الاستقلال الوطني ، و ليلتها غنت وألهبت حماس المدعوين ، ليس بالغناء ـ وإنما بإطلالتها الفاتنة وقدها المتناسق ، وقوامها الممشوق . كان زوجها من ضمن الحضور ، وهو ضابط سام من الارستقراطية القبلية متزمت وغيور. حين تزوجها فرض عليها التخلي عن الغناء . مهنة آبائها وأجدادها ، إلا أنه وفي مناسبة عيد الاستقلال كان يأذن لها بذالك كنوع من التعبير عن الاعتزاز بهذه الذكرى . كل شيء جرى ترتيبه في لقائنا الأول ، ساعات بعد اجتياح آخر جيوب مقاومتها ، ولأن تحصيناتها كانت ضعيفة على ما يبدو ، فاِن الأمر لم يتطلب الكثير من الجهد أو العناء . فقد فوجئت بي ـ وهي تهم تركب سيارتها ـ أنحني أمامها وأقدم لها باقة من الورد . همت بأن تتجاهلني ، فشرعت في إغلاق نافذة السيارة ، إلا أن رأيها تغير على ما يبدو حين نظرت في وجهي . و رأيت كيف أنها ارتبكت ، وكست معالم الذهول محياها ، وكانت أصابعها قد تجمدت فتوقفت عن تحريك مقبض النافذة . ولبثت تبحلق في وجهي منبهرة فاغرة الفم بلا حراك ـ إلى أن قلت:
ـ ألن تأخذيها مني ؟ مدت يدها بتمهل وسحبت الهدية مني بتؤدة، لكن نظراتها بقيت مسلطة على وجهي في انبهار. فعدت أقول:
ـ فكرت في أن هذا هو الشيء الوحيد الذي لم يهد لك من قبل ؟ .
ـ لكن ألست أنت... . لا لا ذاك محض جنون، هكذا قالت فيما يشبه التمتمة وكأنها تحدث نفسها قبل أن تردف:
هل تعرفني ؟
ـ لا أريد أن يكون ذالك شرطا لكي تقبلي هديتي ؟ ابتسمت في ارتباك واضح وقالت :
ـ لا ، لا . فكرت فقط في أنك ربما تكون أحد المعارف !
ـ يمكنك ـ ومنذ الآن ـ أن تعتبريني كذالك. زفرت في حيرة وقرعت على المقود بأصابعها ثم قالت: ـ دون أن تنظر إلي ـ :
ـ دعك من ذالك ألآن وقل لي بحق: هل تعرفني ؟
ـ تريدين الحقيقة، أم هي وابنة خالتها ؟
ـ بل الحقيقة وحسب .
ـ الحقيقة أن صوتك أشعل في قلبي حرائق من ذكرى زمن بائس جميل. و رأيت في موج عينيك بقايا من أشرعة أملت يوما أنها ستوصلني إلى شاطئ الأمان.
ـ مع أني لم أفهم مما قلت أي شيء ا. إلا إني أحس لكلامك في نفسي وقعا من نوع خاص.
ـ لم أشك للحظة في أن مشاعرك مرهفة وبأن إحساسك الفني قادر على تذوق جمال الأشياء حتى واِن لم يفهمها. صمتت للحظات في حالة من الشرود ثم عادت وقالت لي :
ـ لماذا لحقت بي ؟
ـ إحساس غامض أهاب بي أن أفعل، وقد فشلت في دفعه.
ـ فسر لي ذاك فأنا لا أعرف العربية !
ـ ألن تسيئي فهمي ؟
ـ لا تهتم لأمري، لكن صارحني.
ـ أعجبتني ، فصممت أن أعبر لك عن ذالك وجها لوجه .
ـ وماذا أعجبك في ؟
ـ كل شيء . إطلالتك المميزة ، وصوتك العذب الرخيم ..و..
ـ هل كان صوتي بالفعل كما تصفه أم أنك تجاملني ؟
ـ ألم تري كيف كنت أتمايل وأصفق ؟
ـ كلهم كانوا يتمايلون ويصفقون، لكن لا أحد منهم لحق بي ليقول لي هذا الكلام ؟
ـ وماذا أفعل لهم إذا كانت أحاسيسهم بليد ة إلى هذا الحد ؟
ـ هل تعرف أنك ـ بوقوفك إلى جانبي هكذا ـ تعرضني، وتعرض نفسك للخطر؟
ـ آسف جدا. لكن خفت أن تذهبي قبل أن أملأ منك عيني عن قرب.
ـ هل ذالك أمر يستحق أن تخاطر من أجله ؟
ـ لقد كدت ـ لولا مراعاة جمهور الحضور ـ أن أقتحم عليك خشبة المسرح. أشاحت عني بوجهها للحظات، ثم أقبلت علي وغلالة حزن تظلل وجهها وقالت:
ـ هل أنت جسور هكذا دائما ؟
ـ إذا كان ذالك يزعجك، فيمكنني تدبر ألأمر. جذبت نفسا عميقا من صدرها، ثم دورت محرك سيارتها وقالت ـ وعيناها تنهبان وجهي:
ـ ما يزعجني حقا هو أننا لم نلتقي قبل الآن .
" من قال بأننا لم نلتقي قبل الآن يا"امريام " ؟ وان كنت لا تذكرني فأنا أذكر.وصدى كلماتك الجارحة لم يزل كصوتك النشاز يتردد في أذني . حين أغرتك بي" أم زينب " لتفتني بيني وبين ابنتها .
ـ أرجوك يا "منت أزوايتن المتعدلة " لا تحرمينا من عرس مشعشع مع هذا الرجل ! " ولد خيمة كبيرة " ، وغني ومتعلق بك أشد التعلق . أعترف لك بأن هذا "الصيد " (تقصدني) ـ وسيم وفاتن بشكل رهيب. ولا بد أن قلبك معذور حينما يتعلق به . لكننا نريد لك شيئا كبيرا يليق بك ، وبمقدارك ، ومقدار خيمة أبوك الحسيبة النسيبة .
ـ أشكركم على الاهتمام، لكنني لم أعرفكم ؟
ـ أنا الفنانة " امريام ".
ـ تشرفنا يا "مريام" لكن هذا ما أريده لنفسي ، أما مسألة يليق وما لا يليق هذه فيمكنكم ترك أمر تقديرها علي
ـ وما ذا تركت لنا لنقوم به ؟
ـ أكره أن أكون أنانية، لكن ثمة الكثير من الأشياء التي يمكنكم القيام بها.
ـ إنه عملنا !
ـ جدوا لأنفسكم عملا آخر غيره .
ـ هذه مسلوبة الإرادة "بركت أباتها وجدودها علينا "!
ـ لقد قلتها بنفسك، فلا فائدة ترجى من الحديث معي .
ـ لا نريد أن نغضب منك، فمثلك لا ينبغي أن يغضب الفنانين.
ـ ولا أنا أريد ذالك . لكنها حياتي ولا أحب أن ينازعني فيها أحد.
ـ " هذا متين" ! و متى علينا أن نتوقع خطوة إيجابية من قبل هذا "الصيد" ؟
ـ إنه ما يزال طالبا .
ـ" هذه هي أرزية حق" ! لكن صاحبنا موظف كبير وجاهز، ومستعد لتنفيذ كلما تطلبينه.
ـ لن أطلب منه أي شيء ، لأنه ببساطة لا يعنيني في شيء، وإذا كان يهمكم أمره فلتبحثوا له عن أخرى غيري.
ـ لقد اخترناه لك محبة فيك و ...
ـ محبة في ، أو لحاجة في أنفسكم ؟
ـ وما الفرق ؟ كلا الأمرين .
ـ الفرق هو أنني حسمت اختياري.
ـ لا أظنك ترضي لنا بخسارة بهذا الحجم !
ـ أرجو أن يعوضكم هذا "الصيد" ـ كما تسميه ـ خسارتكم.
ـ لكننا مستعجلون ؟
ـ مع السلامة إذا.
ـ إبن من هو ؟ أقصد هذا الصيد "إل مخصر تخمامك " =( أفسد تفكيرك)
ـ ولد آدم وحواء .
ـ كل الناس أولاد آدم وحواء .
ـ فيم سؤالك إذا ؟
ـ ما معنى ذاك ؟ أريد أن أعرف من أي أولاد آدم وحواء.
ـ وهل لذالك علاقة باختياركم ؟
ـ لم لا ؟ ألا يفترض أننا سنمدحه ليلة الزفاف ونمدح آباءه وأجداده ؟
ـ حسن، عندما يحين ذالك الوقت ستعرفون كل شيء.
ـ هل هو مجحود ؟ " أياك باط ما هن فرخ" ؟! =(أرجو ألا يكون إبن زنى )
ـ وجهي هذا السؤال لمن كلفك بهذه المهمة القذرة ؟ "
***
ـ لكن ها نحن قد التقينا .
ـ وسنفترق ، وقد لانرى بعضنا بعضا أبدا .
ـ إلا هذا. إذ ستجيدينني دائما في الصف الأمامي في كل مناسبة تحيينها. ابتسمت في أسى وقالت:
ـ ستنتظرـ إذا ـ حلول ذكرى الاستقلال القادمة !
ـ ليكن . لكنني لم أنتظر أكثر من ثلاثة أيام لأجد ها تذوب في أحضاني وسط غرفة نومها الفاخرة. حاولت أن تنظم طريقة وقوعها ، وربما فكرت في أن لا يكون مباشرا،و نهائيا ، لكن أرضيتي كانت زلقة ، وهي كانت تسير أسرع مما كانت تظن .
ـ قل ماذا علي أن أفعل كي لا أفقدك أبدا ؟
ـ لا تنسي بأنك متزوجة وأم لثلاثة أطفال ؟
ـ لا تذكرني أرجوك ، ودعني أتذوق طعم عمري. عمري الذي سرق مني ومنعت ـ حتى ـ حقي في الشكوى .
ـ أكان عليك أن تتزوجي رجلا في عمر والدك ؟
ـ لم أتوقع أن ذالك سيكون مأساويا إلى هذا الحد.
ـ لا شك أنك كنت تتخيلين أشياء مختلفة ؟
ـ الواقع أنني لم أكن واسعة الخيال شأن الكثير من صديقاتي. كنت ككل البنات في الدنيا أحلم بالزواج وبالأسرة، لكنني لم أهتم بالتفاصيل إلا نادرا . وأقصى ما كنت أطمح إليه حين كنت أناقش ونفسي هذا الموضوع ، رجلا يكون ميسور الحال ، وواثقة من انه يرغب في . ووجدت في هذا الرجل ـ حين تقدم لخطبتي ـ مزية إضافية جعلته ـ في نظري ، أشبه ما يكون بهدية وقد هبطت علي من السماء. فبالنسبة "لتيكويت" =(فنانة) مثلي فاِن الزواج من "عرب وولد شيوخ " وضابط سامي وميسور الحال يعد مغنما حقيقيا .
ـ وهل وجدت ألأمر كذالك بالفعل ؟
ـ هذا ما يعتقده الآخرون ، وهو أيضا ـ ما كنت أقنع به نفسي طوال الوقت .
ـ والحقيقة ؟
ـ الحقيقة أنه أغدق علي من المال حتى عفته ، وحزت في ظله مكانة لم أحلم بمثلها ،لكنه بالكاد كان يملأ جسدي ، وكان يترك روحي وقلبي فارغين .
ـ استمري ، فقد تتحسن الأمور!
ـ ليس بعد أن تعرفت عليك.
ـ قد أكون مجرد وهم !
ـ لكن الأحاسيس التي أثرتها في نفسي كانت حقيقية .
ـ لو أردت ـ لجعلت زوجك يثير فيك نفس الأحاسيس، وربما أحاسيس أجمل وأنبل، لكنكن معشر النساء في هذا البلد شحيحات في عواطفكن وضنينات بهن إلى حد البخل، وبدل مواجهة السأم حين يتسرب إلى حياتكن ـ فإنكن تفضلن الصمت وانتظار حدوث المعجزات.
ـ لقد حصلت معجزتي . ولا أهتم بالأخريات .
كانت خطواتها في الاتجاه الذي رسمته تسير وئيدة ، ومرات خشيت من أنها ستتوقف في منتصف الطريق ، وكنت كلما حاولت دفعها إلى الأمام حرنت وازدادت تباطئا . ومرة جئت موعدنا متأخرا وكانت المرة الثالثة التي أتعمد فيها ذالك ـ فقالت لي في استياء :
ـ ألا تلاحظ بأنك أصبحت أقل حماسا لمواعيدنا ؟
ـ لأنني أصبحت أقل ثقة في قدرتك على الإيفاء بما اتفقنا عليه.
ـ وبما ذا تشير علي ؟
ـ لا أعرف لكنني لم أعد أطيق التسلل هكذا كالمجرمين في كل مرة أريد أن ألقاك ؟
ـ وددت لو أنه يكرهني ، وبذلت جهدي ليفعل. فقد حولت حياته وحياة أولاده إلى جحيم . وبعد أن كانت أجواء بيتنا وادعة يسودها الهدوء والانسجام ، حولتها إلى أجواء بركان كلها ثوران وغليان . لكن أعماق هذا الرجل لا بد أنها من الجليد ، وأعصابه منسوجة من الفولاذ . وإلا لكان قد طردني من بيته ، بل ولربما كان قد قتلني . يوميا أصرخ في وجهه بلا مبرر واضح ، وأصيح على الأولاد وأضربهم لأتفه الأسباب ، وأمضي اليوم واليومين من دون أن أكلمه ، الأسبوع والأسبوعين من دون أن يضمني وإياه سرير واحد . وأتعمد الغياب عن البيت حين يكون عنده ضيوف مهمين أو أتجاهلهم أو أتمارض. وفي كل مرة كنت أنتظر غضبه ـ وأرجو أن يكون عارما فيطلقني طلاقا لارجعة فيه ، أو يضربني فيمنحني سببا لطلب الانفصال ـ إذا به يتمحل لي الأعذار، ويتودد إلي ويتقرب . فماذا تريدني أن أفعل غير ذالك ؟
ـ لو كنت مكانه لأثار ذالك فضولي على الأقل ولسعيت إلى معرفة أسبابه .
ـ انه يحاول إقناعي بأنني مسحورة، ويفكر في عرضي على شيخه ليرقيني.
ـ ألم تساوره الشكوك حول سلوكك ؟
ـ لا أظن ذالك .
ـ لا بد أنه يثق فيك ثقة عمياء .
ـ أعتقد أنه يثق في نفسه أكثر. "كم أنت مغرور أيها الأحمق . أتراك أجل وأعظم من أن تنتهك حرمتك ، أم أنك ترى "مريام" أقل شئنا من أن تأثم بحقك ؟
وفوجئ ذات مساء عندما رآها مصادفة ـ تنزل من سيارتها وتصعد معي في سيارتي ، فتبعنا إلى أن رآنا ندخل إلى منزلي . حين قرع الباب هبت المسكينة واقفة وسألتني في ذعر :
ـ هل كنت تنتظر أحدا ما ؟
ـ لا .
ـ وما ذا أفعل ؟
ـ اختبئي إن شئت .
ـ لا تفتح الباب وحسب ؟ لقد نسي أن يغلقه . هكذا قال الرجل ـ في تهكم ـ وهو يدخل قبل أن يتوجه إلى زوجته قائلا بصوت يفيض بالغضب والحنق:
ـ ماذا تفعلين هنا ؟ أخرستها المفاجأة للحظات قبل أن تقول بنبرة مرعوب:
ـ لا شيء إنني ، إنني أزور صد... صديقتي ، فوجئت بأنها لم تكن هنا لكنها تركت لي الباب مفتوحا وقالت بأنها ستأتي بعد قليل .
ـ ومن هذا الرجل ؟
ـ هذا.الرج..الرجل... لا أعرفه ! ربما يكون أخوها أو قريبها لست أدري.. لقد كان هنا , و. ..!
لم يفاجئني الأمر مثلها فقد عودتني حياة الإجرام الحيطة والحذر. و أن أتحسس جيدا ـ وقبل أن أخطوـ أين سأضع قدمي التالية . ولاحظت ـ وأنا أمسح المنطقة بناظري ـ حين انطلقت من حيث ركنت المرأة سيارتها، بأن ثمة سيارة أخرى ربما كانت تتبعنا. ومع أنها أختفت عن عيني وسط الزحام ، ـ إلا أنني مع ذالك بقيت متوجسا ومترقبا وحذرا. وفي لحظة من لحظات تجلي قسوتي فكرت ونحن ندخل الدار بأن أترك الأبواب مفتوحة . فربما صدق حدسي بأن من كان يتبعنا هو زوج المرأة، وإذا فلأدعه يتولى القيام بما عجزت هي عن القيام به.
كانت تلك مقامرة مجنونة ، بل مخاطرة أشبه ما تكون بالانتحار، لكن المقامرة أمست لي دينا ، وغدت المخاطرة ديدني وشأني . فمنذ أن ودعت "زينب" باكية ـ وهي تترجاني بأن ألا اتركها وحدها، وأوصدت قلبي عن ألدفي الذي كانت تشيعه في صدري وفي روحي كلماتها و نظرتها ـ صارت الحياة بالنسبة لي مجرد لعبة من قبيل القفز في الظلام .
ـ ومضى الرجل ـ الحانق المطعون في شرفه وكبريائه ـ في استجواب زوجته الخائن المرتعبة المرتعدة فهدر فيها :
ـ ولم تطلبين منه أن لا يفتح الباب ؟!
ـ أي باب ؟ ها . لا . هو كان على وشك أن يخرج ، فطلبت منه أن يترك الباب مغلقا.
ـ كاذبة. وصفعها صفعا متتاليا قبل أن يجذبها إليه من شعرها ويمسك بخناقها. ثم عاد يصرخ فيها:
ـ منذ متى وأنت تخونيني ؟ ولماذا تفعلين ذالك ؟ وركلها في البطن عدة مرات ، ثم رمى بها على الأرض وداس على رأسها. و قبل أن تسلم الروح تناهى إلى مسامعي صوتها المتحدي لكن المثخن باليأس و اللامبالاة:
ـ خنتك حين سطع القمر في ربوع حياتي، ولم تعرف ـ قط ـ سوى حلكة ليلك و طول عتمته.
ـ خنتك لكي أروي عطش أنوثتي ، وقد كاد يقتلها الظمأ في صحراء روحك المجدبة .
هيا ، أقتلني أسلب جسدي نبض الحياة، كما سلبته روحي وقلبي. لكن طعم الساعات التي أمضيتها في كنف هذا الحلم الجميل سيلازمني إلى قبري مهما عنفت وقسوت.
***
كنت أتمتع بحس إجرامي مميز. وفي انتقاء أهدافي كنت صاحب ذوق من الطراز الرفيع ، ونادرا ما خانتني فراستي بشأن ضحاياي ، وعرفت ـ غالبا ـ متى أقدم ومتى أحجم وحالفني التوفيق ، ولكثرة ما مارست مثل تلك ألأشياء، وشهدت مثل تلك المواقف وعايشتها، تبلد في داخلي كل أحساس اتجاهها، واتجاه ما كانت تنطوي عليه من قسوة ومعاناة. لم تكن الأمور دائما هكذا. فمرات كان يعتريني الندم ، وحينها كنت أبكي وألوم نفسي واشجبها ، وأحيانا كنت أكرهها وأحتقرها وأكيل لها اللعنات. لكن بعد فوات ألأوان غالبا "ولات ساعة مندم "

محمد جواد
17-07-2011, 12:38 PM
كنت أتمتع بحس إجرامي مميز. وفي انتقاء أهدافي كنت صاحب ذوق من الطراز الرفيع ، ونادرا ما خانتني فراستي بشأن ضحاياي ، وعرفت ـ غالبا ـ متى أقدم ومتى أحجم وحالفني التوفيق ، ولكثرة ما مارست مثل تلك ألأشياء، وشهدت مثل تلك المواقف وعايشتها، تبلد في داخلي كل أحساس اتجاهها، واتجاه ما كانت تنطوي عليه من قسوة ومعاناة. لم تكن الأمور دائما هكذا. فمرات كان يعتريني الندم ، وحينها كنت أبكي وألوم نفسي واشجبها ، وأحيانا كنت أكرهها وأحتقرها وأكيل لها اللعنات. لكن بعد فوات ألأوان غالبا "ولات ساعة مندم "
صحوت متأخرا في يوم ربيعي جميل ، فحلقت ذقني وأخذت حماما دافئا وجلست أستمع إلى الأخبار وأتصفح بعض الجرائد ريثما ينتهي الشغال من إعداد الطاجين ، لكن إحساسا غامضا ألم بي ونازعني إلى الخروج وألح . تلك ليست عادتي فأنا لا أبرح مخدعي في مثل هذه الأيام إلا نادرا. وأحرص حين أفعل أن أقصد الخلاء لأخلو بنفسي بعيدا عن المدينة وصخبها.
تجاهلت ألأمر بادئ ذي بدء ، ومن ثم حاولت بوسائل شتى أن أتحايل عليه أو أن أدفعه . وعندما فشلت ركبت سيارتي وتوجهت إلى الشاطئ . فهاهو الجو قد صحا أخيرا، بعد أسبوع مغبر مترب أهوج، واليوم عطلة نهاية الأسبوع وهو يوم الاستجمام عند الشاطئ المناسب لغالبية الناس في المدينة. و ها هي الشمس وقد عادت لتشرق من جديد بعد اختفاء أمتد على مدى أيام. كانت الساعة تشير إلى العاشرة والنصف عندما ما وصلت. واخترت لركن سيارتي مكانا مرتفعا نسبيا منحني إطلالة مثالية على البحر بحيث كان بمقدوري ـ وعلى مدى امتداد البصر ـ أن أرى بوضوح كلما يتحرك على الشاطئ .
لبثت حيث أنا متكأ إلى مقدمة سيارتي شاخصا ببصري نحو الشاطئ المصطخب بالناس أذرعه شبرا شبرا ، في تمهل وبأناة. إلى أن استقرت عيناي على إحداهن . استصرفتها فأبت الانصراف ، هذه إذا هي ضحيتي التالية . قلت هذا في نفسي و من ثم يممتها .
كانت تسير وحدها حافية القدمين لاهية ، مخلوبة اللب بتكسر الأمواج على الشاطئي وبهديرها . وكانت حين يداهمها الموج ترفع ثيابها فتبرز ساقاها المرتويتان ، وعندما يحاول الهوى العبث بخمارها تشرئب بجيدها الناعم لتحكم تثبيته . وتمنيت ـ وأنا أسترق الخطى خلفها ـ بأن تظل في غفلتها حتى تبتعد عن الناس أكثر من ذالك. إلا أن التفاتة ـ عفوية ـ منها إلى الخلف قضت على أمنيتي . وخيل إلي أنها ذعرت عندما وجدت نفسها وقد انقطعت عن الناس، ووجدتني خلفها كالمتربص وقد قطعت عليها طريق العودة.
راوحت مكانها للحظات وبين الحين والآخر كانت تسترق إلى النظر، وهي تقدم رجلا وتؤخر أخرى ، وتلتفت ذات اليمين مرة ، ومرة ذات الشمال . وأخذت أقترب شيئا فشيئا . وحينها بدا لها بأن ألأمر أصبح أخطر من أن يواجه بتماسك زائف ورباطة جأش كاذبة . لكن مالعمل ؟ فمواصلة السير إلى ألأمام يعني مزيدا من الابتعاد عن الناس ، وطريق العودة حتما سيمر بذالك المتربص المجهول ؟
" آه لو أنني أجد نفقا في الأرض أمرق عبره ، أو جسرا في السماء أمر فوقه فأجدني في الناس وبين ظهران أخواتي . وليتني أملك رشاقة القطط فأثب من فوق هذا المتربص أو خفة الطيور فأحلق عنه عاليا "
لابد أنها فكرت في هذا، وربما في أشياء أخرى مما يدره الخوف في النفس من أماني في حالك لحظاته. قبل أن تقرر ـ على ما يبدو ـ بأن خيار العودة هو الأسلم .
هاهي مقبلة لفاء هضيم سمراء فارعة ، وهي تقترب مني فتحت خطواتها أكثر وأحكمت نقابها لكن ـ وقبل أن تتجاوزني ـ أخرجت منديلا أبيض كان معي ومن ثم لوحت به عاليا أمامها . حيلة نبعت في رأسي فجأة. قلت أجربها فاِن نجحت فذالك هو الرجاء ، وإلا فلن أعدم غيرها، فقد كان في كنانتي المزيد من السهام، ويومي مازال في أوله. عندما تأرجح المنديل الأبيض أمامها أفلتت ضحكة خلتها تحولت لتوها من صرخة ، ثم ضربت بكفها على صدرها الممتلئ وقالت ـ وهي بالكاد تلتقط أنفاسها من شدة الذعر والخوف ـ قالت
ـ كاد قلبي أن يتوقف ؟
ـ هل أبدو مخيفا إلى هذا الحد ؟
ـ لقد فاجأتني .
ـ أرجو أن تكون مفاجأة سارة كما يقولون ؟ قالت ـ وقد بدأ الذعر في عينيها يتحول إلى اطمئنان حذرـ قالت:
ـ دعني أسترجع أنفاسي أولا، وبعد ذالك... فقاطعتها بحماس لا تنقصه الجسارة :
ـ لا تقولي لي وبعد ذالك أفكر في الأمر وسأرى كذا... و... فأنا أحب العفوية والارتجال شريعتي، وعندما يتعلق ألأمر بمثل هذه المواقف فإنني أحب الحسم والتسويف يوترني. رنأت إلي بما يشبه الاستغراب ، وشيء مثل الابتسامة يجلل محياها ، قبل أن يرتد إليها طرفها ثملا بسحري وبشبابي . و لم تلبث أن عادت تنظر إلي مجددا، لكن في تأمل وتخفر. وعبق من بوغاء طيبي الزكي يلفح أنفها بلا هوادة ، ثم أغضت وحركت شفتاها ، لعلها كانت تريد أن تقول شيئا لكنها أحجمت . ومشينا بضع خطوات ونحن صامتين، هي مولية وجهها تلقاء البحر سارحة تتأمل تدافع الأمواج وصخبها. وأنا منصرف إلى شأني ، أذرب سيوفي وأشحذ سكاكيني ، ومن حين لآخر أرنو إلى الفتاة متفحصا في أناة وهدوء جمالها ، لكن صمتها أقلقني ، وضايقني اِقترابنا أكثر فأكثر من الناس . كنت أعرف بحس القناص بأنني أصبتها ، إنما لم أكن واثقا من أن إصابتها كانت نافذة . وعلى العموم فينبغي أن لا أتشاءم كثيرا، فبعض الطرائد تحمل الإصابة معها طويلا ، لكنها في النهاية لابد من أن تقع . وبحثت في قرارة نفسي عن كلمة ما أخترق بها هذا الصمت المطبق وقبل أن أهتدي إلى شيء معين . جاءني صوتها المفعم بالغنج وبالدلال :
ـ كن مدخنا !
ـ صرت مدخنا . مدت يدها ، لكن من دون أن تنظر إلى. فسحبت سيجارة من العلبة إلا أنني احتفظت بها في يدي وقلت:
ـ تفضلي . كانت قد خفضت يدها ، فعادت ومدتها من جديد . وحين أبطأت قالت :
ـ ألن تعطيني سيجارة ؟
ـ ليس بهذه الطريقة ! . التفتت إلي متباغتة ، لكن ـ وقبل أن تتكلم ـ عاجلتها وأنا أحاول أن أضع السيجارة في فمها، شمخت برأسها قليلا ، ثم حدقت في لثوان قبل أن تقبل على وتلتقط السيجارة بشفتيها . وانتظرت حتى فرغت من أشعالها فجذبت منها نفسا وقالت:
ـ شكرا .
ـ العفو. جذبت نفسا آخر ومجته للحظة في فمها ثم نفثته بفوضوية وفي بطء وقالت :
ـ لماذا جئت ورائي ؟
ـ وهل تسأل الفراشة لماذا تقتفي أريج الزهر؟
ـ أولا يفترض أنها تفعل ذالك داخل الغابة وليس خارجها ؟
ـ تفعله أين يقودها الأريج .
ـ لا يبدو لي ذالك مقنعا ، وأنا أستغرب بالفعل كيف أنك تركت كل هذه الجموع وجئت ورائي أنا بالذات ؟
ـ وإذا قلت لك بأنني لم آتي هنا ـ أصلا ـ إلا للبحث عنك ؟
ـ سيكون هذا بدون شك أقل إقناعا، فأنا لا أعرفك، ولم أرك قبل الآن !
ـ أما أنا فقد رأيتك مرارا وتكرارا، وأعرفك أتم المعرفة. ألقت علي نظرة خاطفة وعادت إلى صمتها والى البحلقة في البحر والموج. ثم جذبت نفسا آخر من السيجارة وقالت وهي تنفثه :
ـ لا بد أن ثمة خطئا ما. أو لعل الأمر أختلط عليك.
ـ أظن أن الوقت مازال مبكرا لكي أصاب بالخرف .
ـ وأين رأيتني ؟
ـ رأيتك في منامي دائما، وسكنت أحلامي منذ أمد بعيد. وصحوت اليوم وصورتك تملأ عيني وأريج عطرك يملأ رئتي ، فقررت أن أبحث عنك في كل مكان . تألقت عيناها ببريق ابتسامة قصيرة وقالت :
ـ هل في مظهري ما يدل على أنني ساذجة ؟
ـ لم أقل ذالك ؟
ـ وكيف تريدني أن أفهم ما قلته ؟
ـ اِفهميه على أنه الحقيقة.
ـ تعني أن أخدع نفسي ؟
ـ لم أطلب منك ذالك .
ـ وماذا تسمي ما تطلبه مني ؟
ـ أظنني كنت صريحا .
ـ أتريدني أن أصدقك ؟
ـ اِستفتي قلبك ؟
ـ سأستفتي عقلي أولا ؟
ـ لا أرجوك ! إن العقل قاس دائما.
ـ ألم يقل لك أحدهم يوما بأنك جريء بعض الشيء ؟
ـ تلك عادة لا أنوي الإقلاع عنها ما حييت .
ـ وحتى لو قلت لك بأنها مزعجة.
ـ لايسرني ذالك لكن ...فقاطعتني ـ ضاحكة ، وهي تقول ـ وقد اندثرت كل معالم التردد والحذر في وجهها:
ـ لا تقل لي لكن هذه طبيعتي وقناعاتي و... فأنا أكره التعصب للرأي ، والإصرار عليه يؤذيني .
ـ ها قد ثأرت لنفسك .
ـ أنا من قوم يدركون ثأرهم ولو بعد حين.
ـ لا يسعدني أن تعتبري تلك خصلة جيدة ؟
ـ وهل يمكن أن أعرف لماذا ؟
ـ أظنها أحدى مآثر جاهلية السيبة وظلمائها ، وقد وليناها ظهورنا إلى غير رجعة .
ـ لا تكن واثقا هكذا، فنحن لم نبتعد كثيرا.
ـ المهم ألا نتقهقر ، ولنواصل السير إلى ألأمام .
ـ تبدو تقدميا رغم مظهرك البرجوازي ؟
ـ أتمنى ـ وهذا ليس من باب الثأر ـ ألا تكوني أنت رجعية رغم مظهرك التقدمي .
ـ هل يعني لك ذالك الشيء الكثير ؟
ـ بل يعني لي كل شيء .
ـ قالت ـ وهي تقذف ببقية سيجارتها إلى البحر، و كنا قد اقتربنا من جموع المتنزهين ـ لنسترح هنا قليلا ؟ وأشارت إلى تلة صغيرة على مقربة منا .
ـ بل تعالى نجلس هناك حيث أركن سيارتي. ـ هذا طبعا إذا لم يكن في الأمر أي نوع من الإحراج ـ هكذا عاجلتها ـ ثم أردفت مبينا مزايا اختياري، وكنت ما أزال في طور تأليف قلب الفتاة أردفت: فلدي هناك كراسي ، وحلويات ، وبعض الجرائد والمجلات ، وأشياء أخرى. وجمت ومرة واحدة وكأن أمرا جللا قد وقع ، وعادت تولي وجهها تلقاء البحر والموج وصخبه ثم قالت:
ـ أشياء أخرى مثل ماذا ؟
ـ سأدعك تكتشفينها بنفسك.
ـ أثرت فضولي .
ـ ذالك من حسني حظي . تعالى .
جلست قبالتها مباشرة تفصل بيني وبينها مائدة صغيرة أعددتها على عجل ، عيناي الجسورتان تحضنان وجهها ، وعيناها المتوجستان تتحسسان وجهي . كنا نأكل ونشرب والجو منعش وحنون. في البداية رفضت أن تأكل متعللة بأنها تخاف الشطائر، والكعك على وزنها واكتفت بشرب بعض العصائر والماء ، لكن الجلسة راقتها أخيرا وتحت إلحاحي وإصراري تحررت من مخاوفها وتناولت شطيرة فشجعتها على أن تجرب أخرى وهكذا . وعندما أحسست بأنها بدأت تألفني سألتها:
ـ ما اسمك ؟
ـ حورية. حورية كررتها ثم أنشدت :
" ظحكت حورية من تنزاه العين ..." فقاطعتني ضاحكة وقطع الحلوى تذوب في فمها :
ـ لا لا . لاتسرق الناس أشياءهم . هذا قديم وأصله:
" ظحكت فاله تنزاه العين ..."
ـ أعرف . إنما كنت أكرره لأنسج على منواله.
ـ لكنك أفسدته.
ـ مجرد كبوة وسترين . أسمعي ؟
ـ "الحور أل في الجن أوذوك ال في لخيام مايلحقولك لجن قد أمبكرت صبان ، ظحك الا صب الجمان و.." . ضحكت وقبعت أكثر في المقعد وقالت وهي تشير ـ جذلانة ـ بيديها يكفي، يكفي.
ـ ألم يعجبك ؟ حسن . اسمعي هذا ؟
ـ بلى أعجبني ، إنما أنا لا أريد أن أرهق ذهنك جرب شيئا آخر فربما تفلح؟
ـ لا أسمعي ، لطالما أفلحت في هذا الشيء وسأثبت ذالك أسمعي ؟
ـ لا . أرجوك ، فمثل هذه ألأشياء ـ أصلا ـ لا تروقني ثم أردفت :
ـ قل لي ما اسمك ؟
ـ كما تريدين. اِسمي "السعيد هذه اللحظة" رنت إلي بمزيج من المشاعر المتناقضة التي كانت تتنازعها حيالي ثم قالت :
ـ وما هي وظيفتك ؟
ـ أنا ألآن ملك، لكنني قبل ذالك كنت مجرد رئيس، رئيس الجمهورية الصغيرة هناك في الجمهورية الكبيرة هنا. إن جمهوريتي لا حدود لها كأطماع مسؤولينا ، لكن مساحتها صغيرة مثل عقولهم تما ما . قمعت ضحكة كادت أن تفلت منها ثم سكتت حتى قضت على معالمها وقالت :
ـ أنا لست صغيرة لكي تثير خيالي بمثل هذه ألأحاجي، وإذا كانت لديك مشكلة في أن أعرف اسمك فيمكنك أن تنسى الأمر.
ـ لا ، لاتسيئي فهمي . إنني أحب المزاح فقط . ثم أردفت ـ وأنا أتصنع الجد ـ أسمي "يحيى ولد بوي " وأعمل كمدير تجاري لشركة تأمين في باريس ، وأنا هنا ألآن فقط لقضاء إجازتي السنوية . أصغت إلي ، لكن من دون أن أستطيع تمييز نوع الانطباع الذي تكون لديها عني بعد هذه التعريف الموجز، وخمنت بأنه لم يشكل إضافة محسوسة تذكر ـ ثم قالت :
ـ أمن أهل "نواكشوط" أنت ؟
ـ لا بل من أهل "النعمة" ابتسمت وهي تقول:
ـ اِنك على وشك تغيير الصورة التي في ذهني عن "أهل النعمة" بل عن "أهل الشرق" عموما ؟
ـ سلبيا أم ايجابيا ؟
ـ وهل يشكل ذالك فرقا بالنسبة لك ؟
ـ أريد أن أرى إن كان ألأمر جديرا بالاِحتفاء ؟
ـ وإذا لم يكن كذالك ؟
ـ أعالجه . اتكأت على مسند المقعد ومدت رجليها بأريحية وقالت :
ـ أريد أن أعرف كيف ستعالجه ؟
ـ هو ـ إذا ـ غير جدير بالاحتفاء ؟
ـ لم أقل ذالك ؟
ـ لكنك لم تقولي العكس . أطرقت للحظة، قبل أن تهب واقفة ـ وهي تنظر في ساعتها وتقول:
ـ لقد تأخرت كثيرا ؟ انقبضت نفسي وشعرت بالامتعاض ، وران على قلبي الشعور بالفراغ ، فرجوتها أن تبقى قائلا :
ـ دعينا نستمتع ببعضنا ، فالوقت مازال مبكرا ؟
ـ إنها الساعة الواحدة .لا أريد أن أثير قلق أخواتي . قالت هذا ثم أردفت: لكن لماذا لا تأتي معي ؟
ـ سأنتظرك . فأنا لا أطيق الصخب ، والحصى يقززني ، ودويبات البحر تلك تقثني . قلت هذا وأمعائي تتقلص خوفا من أن تفلت مني الفتاة، ثم أردفت محاولا إغراءها بالرجوع إلي:
ـ سأحضر لك مفاجأة ريثما تعودين ؟
ـ طيب . سأرى . ؟
ـ أرجوك . ألقيت بجسمي على المقعد ـ بعد أن غادرت الفتاة ـ و قد استولى علي شعور رهيب من وحي فكرة أنها قد لا تعود. ولألا يرهقني عذاب انتظارها والإحساس بالخيبة والتفكير في خسارتي المتوقعة لها ، أخرجت من السيارة بعض الجرائد والمجلات وأخذت في مطالعتها . إنها جزء من عدتي التي كنت أحرص دائما على رفقتها ، أخدم بها كل ألأذواق وعند الضرورة أتسلى بها . وانتزعني صوتها المفعم بالسعادة والحبور من وساوسي ، عندما لامس مسامعي وهي تقول:
ـ أين المفاجأة ؟ . فرددت عليها بسرعة وبدون تفكير. :
ـ هلت ساعة السعد، أخيرا ! لقد كدت أن أيأس منك.
ـ نصف ساعة بالضبط !
ـ خلتها دهرا .
ـ اِنك تبالغ كثيرا ؟
ـ كلا وحياتك.
ـ لا يقسم الناس عادة إلا بالأشياء التي يقدسونها !
ـ أو تلك التي يحبونها أكثر من أي شيء آخر ؟
نظرت إلي بطرف عينها سكرانة بحلاوة الإطراء، ثم جذبت نفسا ، وقالت في نشوة ممزوجة ببعض الحيرة :
ـ إلى أين تسوقني يا حلو اللسان ؟
ـ إلى حيث ينبغي أن تكوني. قالت وهي تتطلع إلى إحدى المجلات الموضوعة أمامها ـ
ـ وأين ذالك ؟
ـ هنا ، وأشرت إلى قلبي . لم ترد ، ولعلها لم تسمعني ، فتطلعها إلى المجلة سرعا ن ما تحول إلى اِهتمام ، ولم تلبث أن التقطتها وأخذت في تصفحها ، ثم انغمست في قراءتها ونسيتني .
شعرت بالاستفزاز، وامتلأ صدري بالضيق. فحاولت ببعض الإيماءات والايحات استعادتها ، أو لفت انتباهها ، وحين فشلت لم يعد لي من خيار سوى مجاراتها اهتمامها على أمل أن تتهيأ أمامي فرصة أخرى .
هكذا أقبلت من جهتي على إحدى المجلات وشغلت نفسي بتصفحها . كانت عيناي تائهتان بين سطور المجلة تتنقلان بينهما بلا هدى أو تركيز، بينما كان تفكيري منصبا كليا على قالب الحلوى المنتصب أمامي . و شعرت بعد لحظات بأن الفتاة كانت تتنهد ، لأتفاجأ ـ حين تطلعت إليها ـ بوجهها ممتقعا وغارقا في سحابة من الحزن العميق.
ـ ما بك ؟
ـ لاشيء. هكذا ردت باِختصار من دون أن ترفع عيناها عن سطور المجلة. فعدت أقول :
ـ لعلك قرأت عن حادث مأساوي آلمك ، أو شيء من ذالك القبيل ؟ فقالت ـ وهي تنتقل إلى الصفحة الموالية ـ قالت :
ـ ألست عربية ؟
ـ وماذا يعني ذالك ؟
ـ يعني أنني من المعذبين في ألأرض. وأن كل قراءة لي في مجلة أو جريدة ستعني إذكاء ذالك العذاب. إذ أنها لن تتحدث إلا عن قتل العرب ، وعذابات العرب وعن إرهاب العرب وخلافاتهم . وفكرت في أن أقترح عليها ـ كعلاج لحالتها ـ أن تكف ـ فحسب ـ عن قراءة المجلات. لكنها كانت متأثرة وتتكلم بجدية وبانفعال ، فآثرت أن لا أتكلم ، بينما واصلت هي الكلام وبنبرة خطابية رفيعة .
إن دمي العربي زيت يغلي ويدور ـ مع الدم ـ في شراييني، وقلبي العربي كتلة من الجحيم مزروعة في صدري، ومشاعري العربية لعنات تشقي نهاري وليلي.
أنظر هذه صورة لعرب يقتلون أمام عدسات المصورين بدم بارد وبلا رحمة.
وهذه لعرب يصارعون الجوع والمرض، يستغيثون ولا مغيث.
وتلك لآخرين يدفعون إلى المنافي، أو يساقون إلى أقبية السجون ولا من نصير.
ثم أنظر هنا هؤلاء زعماء العرب وقادتهم ، يتغازلون في اجتماع قمتهم الطارئة ، ويتبادلون النكات البليدة ، ولا ثمة غير المزيد من التشرذم ، والمزيد من الفرقة والاختلاف . والكثير من الكلام ، والقرارات الجوفاء الفارغة ، التي لاتساوي في قيمتها ألمداد الذي أهرق في تسطيرها . فبعضهم حلق في سماء أحلامه عاليا، فعلق هناك وعلقت معه أحلام تلك الجموع البائسة التي طالما بحت حناجرها من الهتاف به، وتورمت أكفها من التصفيق له. لكنه لايزال يصرـ في عناد وكبرياء زائف ـ على أن عصى التغيير السحرية بحوزته .
وبعضهم ألف دعة الراحة واستطابت نفسه هناء الاِتكاء ، فأخلد إلى ملذاته وجعل دين الناس التنقيب في تاريخ أجداده الميامين ، وديدنهم الزحف عند رجليه مباركة لعيد عرشه المجيد ويرى الدنيا من خلال بريق كأسه وأحوال الناس بأتم خير.
والبعض ألآخر ممن تفنن في سرقة ألأحلام ، وبرع في الكذب وتزويق الكلام ، كان همه ألأكبر نوع جرعة الأوهام التالية التي سيخدر بها وعي الجماهير. .."
أصغيت إلى خطبة البنت في انقباض ، وأنا أقاوم حالة الملل التي تلبستني جراءها ، وقارعت رغبة لجوجا كانت تدعوني إلى القنوط والتخلي عنها . ولطالما كرهت المرأة المثقفة عموما ، وتلك الواسعة الاطلاع هكذا ، ومع أنه كان لدي دائما لكل مستغلق مفتاح ، إلا أنني أوشكت هذه المرة على التسليم بأن ألأمر لن ينجح مع هذه الفتاة . لكن شعورا غريبا كان يدفعني إلى الصمود والثبات. وما أن أنهت البنت مرافعتها حتى قفزت واقفا ، وطفقت أصفق في سرور وأصيح في إعجاب مفتعل:
ـ برافو ، برافو ... ثم ـ وقد جررت مقعدي ووضعته إلى جانب مقعدها، ودنوت حتى أوشكت شفتاي أن تقعا على خدها ـ كانت يدي قد وثبت بجسارة وقبضت على أناملها ـ قلت:
ـ أرجوك يا حلوتي : حرام أن تؤذي هذا الجمال كله ، وهذه والوداعة والرقة ، بهموم فلت سنان رماح الأيام ، وأعجزت مناصل الليالي !.
غدا سينزل ذالك الحالم من علياء سماء أحلامه ، بعد أن قصت منه الخوافي وذبلت فيه القوادم . وغدا ستضجر نفس ذالك القابض على ملذاته، السادر في غيه و شهواته ـ بعد أن ملت هناء الراحة ولذة الكأس وسماع التهاني والألقاب.
وسيمج ضمير سارق الأحلام والآمال ـ بعد أن تحولت جماهيره إلى أخشاب ـ التزييف وصناعة ألأوهام فيكف عن خداع الآخرين.
وغدا سيجتمعون، ويصدرون القرارات تلو القرارات، فتنتفخ أوداج الصحفيين بالتهليل، وترتفع حناجر الصحفيات بالحمد وبالتفخيم. أما أنا وأنت ومن على شاكلتنا، فليس لنا سوى الانتظار، وعلينا ـ عندما يقررون ـ بالزغردة وبالتصفيق. أرم عن كاهلك ياعزيزتي هذا الحمل الثقيل وتعالى نحتفل ـ أولا ـ بلقائنا . أتعرفين أنني والى ألآن لم أعرف عنك أي شيء ؟ قالت ـ وهي تبعد كرسيها عني قليلا، والانفعال ما يزال يخامر نبرتها:
ـ وماذا تريد أن تعرف عني ؟
ـ أشياء كثيرة. لكن مازال لدينا الوقت ، إنما قولي :
ـ " آش طاري" في "نواكشوط" ؟ وردت بعد صمت قصير، وبدون الكثير من الحماس :
ـ لا شيء ذي بال . . ثم أردفت : لكن لا بد أنك ملم "بالطواري" أكثر مني فأنت رجل ؟
ـ ليس من عادة الرؤساء الاختلاط بالناس إلى ذالك الحد.
ـ كف عن هذا النوع من المزاح، وإلا... فقاطعتها :
ـ كما تشائين . لكن قولي ـ بجد ـ "أشطاري في "نواكشوط " أعني فيم يتحد أهله هذه ألأيام ؟
ـ يتحدثون في أشياء كثيرة . لايمكنني حصرها ؟
ـ لكن لا بد أن ثمة موضوعا ما يستحوذ على المجالس ويحظى من الناس بالاهتمام الأكبر؟
ـ ولم أنت مهتم إلى هذا الحد ، وعم تبحث بالضبط ؟
ـ أبدا، لقد عشت في الغربة طويلا، وأشعر بالفضول لمعرفة أخبار الناس، وحكاياتهم...
ـ لا أدري إن كان ذالك سيعجبك ، لكن بالنسبة للمجالس التي أحضرها ، فان ما يحظى فيها بالاهتمام ألأكبر، هو المسيرة الكبيرة التي ينوي الأطر والمثقفون تنظيمها احتجاجا على ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من ظلم ومعانات على يد الاحتلال الغاشم.
" لا بأس مادامت جرائمي خارج إطار التداول في مجالسها " وشعرت ببعض الارتياح ، وراود نفسي شعور خجول بالاطمئنان ، ومع ذالك فإن نوع اهتمامها خليق بجعلك تتوقع المتاعب . وقلت فيما يشبه الاحتجاج :
ـ أرأيت ؟ عدت بنا للقضايا من جديد ! ثم أردفت: ألم تقولي لهم، بأن تلك ليست هي أفضل طريقة لخدمة الفلسطينيين وقضيتهم ؟
ـ لا . لكنني سأقول لهم، عندما تخبرني بالطريقة الأفضل.
ـ من الصعب التحديد . لكن من المؤكد أنهم يحتاجون إلى شيء آخر غير الاحتجاج .
ـ شيء آخر مثل ماذا ؟ وفكرت في أن أقول لها بأن ما يحتاجه الفلسطينيون أكثر من أي شيء آخر: هو طبيب ماهر وحذق. يخلصهم من داء العرب العضال: حب السلطة المزمن، والأنانية والعناد. لكنني عدلت عن ذالك. خفت من أن أثير غضبها، فقد كانت متحمسة وجادة ومتعصبة.
ـ وقلت: مثل ؟ حسنا . هنالك العديد من الخيارات، لكن ليس هذا هو الموضوع ، إنما أستغرب كيف أنكم معشر مثقفي هذا البلد تفرطون فيما هو واجب، وتحرصون على ما هو من قبيل الندب.
قالت في سخرية :
ـ ماذا تعني، أنا لا أفهم لغة "الطلبة" هذه !
ـ أعني أن أوضاع جحافيل المظلومين عندنا هنا لا تقل قساوة عما يلاقيه الفلسطينيون هناك ، وهي ـ بلا شك ـ أولى بوقفة تضامنكم واحتجاجكم هذه .
ـ هذه المقارنة قاسية !
ـ لكنها واقعية .
ـ اشك في ذالك . ولابد من أنك تمزح ! عندما تعقد هذه المقارنة بين أوضاع شعب مستقل له كامل السيادة على أرضه، وبين أوضاع آخر محتل ومحروم من أبسط حقوقه.
ـ لا تخدعنك المظاهر، وكبر العناوين . والأرجح أنك لن تعثري على شيء جوهري و ذي بال إذا ما بحثت عن الفرق.
ـ ولم العناء، مادامت السيادة على الأرض والاستقلال، لا يشكلان فرقا من وجهة نظرك !
ـ السيادة التي تتكلمين عنها والاستقلال، لا وجود لهما خارج أفواه مذيعي نشرات الأخبار.
ـ على الأقل ليس هنالك محتلون يحكموننا بالحديد والنار.
ـ وفيم يختلف من يحكموننا عن المحتلين، وفيم تختلف وسائلهم في حكمنا !
ـ أفهم أن تكون ساخطا على النظام، لكن ربما يتعين عليك أن تعيش تحت قهرا لاحتلال لكي تتذوق طعم الظلم الحقيقي .
ـ لن أحتاج إلى ذالك ، وأيا كان طعمه ، فطعم ظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... تأوهت في غضب وقالت :
ـ قل لي بأنك لا تعي ما تقول ، أو أقنعني بأنك مجنون قبل أن أظنك يهودي و... فقاطعتها قائلا ـ وأنا أتلمس طريقا لإنهاء هذا النقاش بأقل خسارة ممكنة :
ـ لا ، لكني سأقول لك شيئا آخر. إنني لا أختلف معك من حيث المبدأ كما يقولون ، إلا أنني لا أريد لك أن تكوني سطحية النظرة تجزيئيتها . إن نكبة الشعب الفلسطيني ـ الصاخبة، يا عزيزتي ـ ليست سوى مظهر من مظاهر النكبة الخرساء الشاملة التي يتعرض لها شعبنا، بل وتتعرض لها كافة الشعوب العربية الأخرى في صمت وهدوء.
وما تلك الدموع الشجاعة التي تنثرها ثكالى الأراضي المحتلة وأيتامها ، سوى قطرات صغيرة من بحر الدموع الطامي الذي مرجته آلامنا ومعاناتنا ،لكن في ذل وبخنوع .
وتلك الدماء الزكية التي تنضحها شرايين صقورها ، ليست سوى بقع بلون البلور من دماء شعوبنا المستباحة ، لكن المتجمدة من الجبن والخوف ومن الطمع .
واذا كنت عزيزتي من هواة حمل هموم هذه الأمة ، فقد قصمت ظهرك بأثقال أعيت كاهل الدهر، وأضعت عمرك في اللهاث وراء السراب ثم هيهات ، هيهات . قلت هذا ثم انقضضت على خدها بشفتي ، لكنها أشاحت عني بوجهها ،قبل أن تسدد إلي نظرة احتجاج زاجرة . لكني لم أعبأ بها وإنما التقطت أناملها ـ وقلت وقد رفعت ستار الكلفة عاليا ـ قلت :
ـ لقد أهدرت أجمل أوقاتنا في هذا النقاش الغير مجدي . لم تتكلم ـ فعدت أقول : تعالي نفرح بيومنا السعيد هذا ، قبل غدنا مجهول الشكل والهوية . لا تحزني . لم الحزن، ولم ألأسى ، والزعماء قد يجتمعون الليلة ويقررون قبل الغد ؟
كانت الفتاة تنظر إلي بمزيج من الغيظ والاستغراب و إحساسان ـ كما أرجح ـ يتجاذبانها نحوي. إحساس بأنني مجرد إنسان مرح يغرق في المزاح ، ويهوى الجدال والتلاعب بألا فكار والألفاظ وهذا جيد، خصوصا إذا كانت الآنسة من ذوي النوايا الطيبة.
وإذا لم أكن كذالك فأنا صاحب موقف ـ ربما لا يعجبها ـ لكنني مثقف والثقافة قشرة سميكة تعمي عما تحتها ، وثوبا براقا يكسب مرتديه نوعا من الإجلال والإكبار، وهذا ولا شك أحسن . كنت أفكر في هذا عندما وقفت البنت فجأة وهي تقول:
ـ دعنا من هذا الحديث الآن ، ولنكله للمجلات والجرائد . ثم أردفت : تعالى ننضم إلى أخواتي ؟
ـ لماذا ألسنا سعداء بوحدتنا هنا ؟
ـ لقد مللت هذا المكان .
ـ سنقوم بشيء أفضل من ذالك . سنركب السيارة ونذرع الشاطئ حتى أقصاه . ألقت علي نظرة خاطفة لكنها لم تتكلم . فعدت أقول: ما رأيك ؟
ـ رأيي، ومطت شفتيها ـ وسرحت لثواني ثم عادت تكرر: رأيي ؟ رأيي ؟ وسكتت.
" لقد علقت في الصنارة يا آنستي ، وسأسحبك رويدا رويدا، وبتمهل وأناة " وأفقت عليها وهي تقول :
ـ لقد قررت، وحددت الأفضل فما أهمية رأيي إذا ؟ تجاهلت ردها فلم أتكلم، وشغلت نفسي عن ترددها بترتيب أشيائي داخل السيارة، وصرفت ذهني إلى التفكير في للحظة الحاسمة. ثم فتحت باب السيارة وقلت :
ـ تفضلي ؟ وهي تصعد ، رمقتني بتردد وشدوه وقالت ـ كأنما تحاول أن تتخلص من مخاوفها أو لعلها كانت تبحث في عيني عما يشعرها بالأمان ، قالت :
ـ المفروض أن أكون مع أخواتي ، وليس مع رجل التقيته صدفة ! ثم أردفت أليست هذه حماقة كبرى ؟!
ـ وأين وجه الحماقة في هذا ؟
ـ لو عرف أهلي بأمري لأقاموا القيامة.
ـ هذه مخاوف كلاسيكية تماما .
ـ لكنها في محلها، فا نواكشوط لم يعد كما كان، وكثرت فيه جرائم القتل والاغتصاب بشكل مخيف، ففي السنة الماضية وحدها، اغتصبت ثلاث بنات كن يدرسن معي، واختفت اثنتان في ظروف غامضة، وفي هذه السنة حصل أمر مشابه و... واسترسلت في الكلام، كلام كرسته كله لتبرير خلوتها معي. وحكت لي جرائم بشعة في تصورها أنا من أرتكبها . لم أعلق إلا نادرا . ومرة سألتها عن والدها، فقالت اِنه ضابط سابق في الجيش، كان يشغل منصب سفير قبل أن يستدعوه لمهام أخرى.
" إنني أعرفه ـ يا عزيزتي ـ ولي في ذمته بعض الدين اليسير"
قلت هذا في نفسي ودلكتها بنظرة فاحصة، إنها في الثانية أو الثالة والعشرين من العمر. كل شيء فيها فاتن وعذب وجميل. وجهها ألأحوري المستطيل وشفتاها الاعساوين ، وضواحكها الفلجاء النضيدة وعيناها الواسعتين . وخمنت بأنها لو كانت أمام رجل آخر غيري لنصبها اِلاها في محرابه ، ثم خر لها إلى الذقن ساجدا . لكنها أمامي. وأنا حيوان مفترس قلبي فلاذي آثم ، ونفسي صحراء مجدبة .
إنها تبدو شاردة الذهن كأنما تتوقع حدوث أمر تخافه. شأني تماما وأنا أفكر في أنه ينبغي علي أن أخطو إلى الإمام. فقد تكلمنا إلى أن مللنا، وضحكنا حتى الضجر. وها نحن نعود إلى السيارة بعد جولة على الأقدام . داعبنا خلالها الموج الهادر ما شئنا أن نداعبه ، واستنشقنا هواء المحيط الطري وملأنا منه رئتينا كما نشتهي . عندما استوت على مقعدها في السارة التفتت إلي وقالت :
ـ لقد تأخرنا كثيرا ، فلنعد أدراجنا ؟ أدرت محرك السيارة، وبدلا من أن أتحرك. سلطت عليها نظراتي بإغراء، وتركيز هائلين. قبل أن تزحف أصابعي برشاقة وتقبض بهدوء على أصابعها. نفرت قليلا ، لكنها تركت لي يدها . فتماديت أكثر، وداعبتها للحظات، ثم هويت بشفتي مباشرة على شفتيها، وقبل أن تطبقا عليها، أشاحت عني بوجهها كما في المرة السابقة، وطافت بنظراتها أرجاء المكان ثم هامت بهما في سقف السيارة لبرهة ، قبل أن تسقطهما على حجرها وهي تقول:
ـ ألا تريدنا أن نمشي ؟ ثمة غلالة حزن رقيقة كانت تهيم في سماء وجنتيها. لعلها الإحساس بالذنب أو الخوف لست أدري. وهي تعطيني شفتيها تنهدت وقالت:
ـ إنني أفعل هذا للمرة الأولى في حياتي ، ولولا ثقتي فيك ل... " وتمنيت في تلك اللحظة لو أن يدا تمتد إلى قلبي الفولاذي لتشقه ، وتملأ شغافه بالرحمة وبالشفقة ، أو لتنتزعه نهائيا وتزرع مكانه شيئا آخر كله حب ودعة ورقة ، لألا أمضي قدما نحو خطوتي التالية . بقيت مترددا للحظات ـ يداي تداعبان صدرها ، وعيناي مسلطتان علي رموش عيناها المرتخيتان أتحسس بخيالي حواجبها الغزيرة ،عسى أن يتسرب منهما إلى نفسي ـ ولو النزر القليل من الرحمة أو الشفقة ، فتنتفض نفسي فيما علق بها من دنس أيامي الكوالح البائسة ،لكن هيهات. إذا لم يعد بوسعها هي أن تختار، فاِنه لم يعد بوسعي أنا كذالك أن أختار، وإذا لم يكن الذنب ذنبها فاِنه ـ أيضا ـ ليس ذنبي. كلانا كان ضحية والكل ساهم في مأساتنا . ومرت لحظة أحسست فيها بأن الفتاة غدت كقطعة قطن غمرتها في الماء ، عندئذ جذبت رافعة المقعد فتمدد وبتمدده هبط ليل نفسي المدلهم ليغشى صحراء قلبي المجدبة ، فغرقت والفتاة في العتمة وفي الظلام .
تسمرت ـ يجللني الخجل ـ إلى جانب الفتاة ، ووطأة الإحساس بالذنب تغطني ، بينما وقفت هي حاسرة الرأس تحدق ـ بعينين منطفئتين ـ نحو الأفق البعيد .لا أعرف فيم كانت تفكر بالضبط ، ولا نوع المشاعر التي كانت تراودها ، لكنها بدت كمتوحد ، يهيم في ضفاف عالمه المجهول. وغصت بكلماتها وهي تقول ـ بصوت محتقن مكلوم .
ـ هل هذا كل شيء ؟! ترددت للحظة قبل أن أجيبها، فقد كنت شبه مشلول، متعطل المدارك ومذهول، ثم قلت:
ـ آسف. أعتقد أن...أسمعي .. أعرف أنني لا أستحق منك غير الازدراء ، لكن ، ولم أجد ما أقوله . وعادت هي تقول :
ـ ولم لا ترحل ؟
ـ كم مرة طرحت هذا السؤال على نفسي ؟ سكتت للحظات ثم قالت :
ـ سيجارة من فضلك ؟
ـ تفضلي . وعادت إلى صمتها ، تدخن وتحدق على ذالك النحو الغريب . بينما كان قرص الشمس الحائل ، ينحدر متمهلا نحو سفح الأفق . قبل أن تقول:
" كنت أعرف أين تريد أن تسوقني، فأنا لست بلهاء ولا غبية. وأنت. أنت لم تكن على تلك الدرجة من الدهاء ، لكي تخفي عني نواياك. لعلك تحسب أن هذا بطولة . وأنا لا أريد أن أفسد عليك شعورك بالنصر، لكن الحقيقة أن خوفي خذلني على نحو غير متوقع، وربما كنت أفرطت قليلا في التقليل من قوة ضعفي. قالت هذا ، ثم بدأت تتقدم داخل البحر بخطوات متمهلة لكنها ثابتة. فقلت لها :
ـ لا تتقدمي أكثر من ذالك ، فالمد عال بعض الشيء !؟ لم تجبني . و إنما واصلت تقدمها وبوتيرة أسرع من ذي قبل . هالني الأمر، فعدت أقول : ستغرقين ! ضحكت وقالت :
ـ أعرف . لكن ألن تأتي معي .؟ ثم أردفت بسخرية: يمكنك ـ إن أردت ـ فعل ذالك .
ـ إلى أين ، يا ،؟! ومددت يدي محاولا ألإمساك بها، لكنها نفرت. واندفعت مبتعدة أكثر فاكثر. وهدر الموج العاتي مندفعا نحوها، فوجدتني أصرخ بذعر:
ـ تراجعي . لا، لا ، أرجوك ، لا تفعلي هذا بنفسك ، يمكنني إصلاح الأمر، وسأفعل. أعدك، عودي إلى هنا أرجوك ؟! ثم ـ ولما يئست من إقناعها ـ رميت بنفسي خلفها . لكنني لم أكن أجيد السباحة، فكان سباقي مع الموج نحوها محسوما سلفا. وبينما كان الموج يسحقها ، ويطوح ـ متلاعبا ـ بحسدها ، تناهى إلى مسامعي صوتها المتحشرج وهي تقول:
" أنا لا ألومك . لكني لم أعتقد أنه من بيننا من يمكن أن يكون بهذه الوحشية، والقسوة، كما أني لن ألوم نفسي ، فشيء ـ كهذا ـ كان يجب أن يكون عاديا . ليسامحك الله كائنا من تكون، وليرحمني ، ويلهم ذوي الصبر والسلوان "
وأستمر الشدوه يشد بصري إلى سطح اللجة الرخو، حيث اختفت الفتاة ، ويسوق روحي المثقلة بالحسرة نحو جحيم الذكريات .
" في يوم مثل هذا إلا من بعض الفوارق الضئيلة، أخفقت ـ كما الآن ـ في أن أفعل الشيء الصحيح. حين رجتني "زينب" بدموع قلبها بأن أترك كل هذا وآتي معها ... لكنني كنت كما قال الإدعاء :
" رجلا مغرورا، توهم في لحظة غيرة ويأس، أن بوسعه هدم نظام الحياة وإعادة تأسيسه وفقا لرؤاه ".
لا يعدم الفاشل سببا، والواقع أنني لم أفلح ـ طوال حياتي ـ في شيء ـ قدر فلاحي في إهدار الفرص وتضييعها. يومها، وقفت وذات المشاعر تجلدني، بينما كانت طائرة " زينب" تتوارى في الغيوم ، وعاد نفس الصدى يقرع أذني مرددا، ذات السؤال وذات الرجاء.
عندما ركبت سيارتي ، وأقفلت راجعا كنت أردد " وهذا يا جميلتي، ما لم أكن أتصوره أنا أيضا. لكن ألم تقولي بأن أبوك ضابط سام ؟ الآن ينبغي أن تعرفي. لا بد أنه هو من جر بقلمه على أسمي، فشطبه من قائمة الناجحين. فاِن لم يكن هو فواحد من أولائك الذين يرتبط معهم بأكثر من علاقة . فهمت ؟ فأنا لست متوحشا ولا قاسيا ، إلا بقدر ما كان أولائك الأنذال ، بمن فيهم أبوك متوحشين وقساة ، عندما يقوضون بالغش والأنانية صرح آمال شيد بالعرق والدموع ، وبالمحال " .
بهذه الاعترافات أمام المحكمة ـ يا صديقي ـ أستدل الستار على حلقة مفزعة من مسلسل حياتي، ولا أخفي عليك بأنني وددت لو أنها تكون الحلقة ألأخيرة. لقد كان علي أن أمشي كل هذه المسافة لكي أدرك أخيرا ، بأن كل أولائك الذين طالهم انتقامي كانوا مثلي ضحايا ، شأن أولائك اللذين آذوني وآذوا أمي و"زينب" . وساعتها تمنيت على قضاة المحكمة أن يقومي بما هو مطلوب ، و يوفروا علي كل هذا العناء . لكن القدر عاد لمعاندتي كما فعل دائما، عندما يتعلق الأمر بتلك الأماني العزيزة إلى قلبي.
لقد سلمت نفسي طواعية، وأمام المحكمة اعترفت بكل شيء. وبدأت صور من العالم الآخر تغزوا خيالي وأنا قابع في قفص الاتهام. وهيأت النفس لاِستقبال الأسوأ ، وودعت الدنيا ووليتها الظهر.فماذا هنا لأتأسف عليه ؟
وفوجئت حين رأيت القضاة يتصيدون لي الشبه ، ويتقمصون لي الأعذار. وفي مرافعته النهائية قال الإدعاء :
" إن هذا المجرم الماثل أمام حضارتكم رجل شرير،إلا أنه معتوه. أراد في لحظة يأس وغيرة، أن يهدم نظام الحياة ، متصورا من فرط جنونه بأنه قادر على إعادة صياغته وفق رؤاه وهواه " وحكموا علي بألا عمال الشاقة مدى الحياة . وبعد شهرين هربوني إلى السنغال ، ومنه ذهبت إلى غامبيا ، ثم بنين ، فغينيا وآبدجان ، وأخيرا عدت إلى هنا لأعيش بين هؤلاء الناس البسطاء وفي هذا الريف البسيط .

م ن ع الشقروي
17-07-2011, 06:39 PM
هذا عمل أقل ما يمكن أن يقال فيه إنه عمل رائع ومتميز بكل المقاييس من حيث الأدوات اللغوية و الفنية . أبدعت و الله .

محمد جواد
26-07-2011, 05:34 PM
ا
لفصل الثالث




اكتظت قاعة المحكمة بالمتفرجين حتى آخرها ، وانتشر الهمس والوشوشة في أرجائها ، وقبل أن يحضر القضاة، لاحظت أن القضية الرئيسية موضع النظر في ذالك اليوم هي بالفعل ـ كما وصفت لي من قبل البعض ـ قضية القرن بإمتياز. فعلى مقربة مني وقفت امرأتان تتحدثان وكانتا تغالبان دموعهما، وسمعت إحداهن تخاطب ألأخرى قائلة بلغة ملأها الحزن والأسى:
ـ كانت طوال حياتها خلوقة ومؤدبة ، ولم يعرف عنها غير ذالك حتى في صغرها . وحين فعلت فعلتها تلك ثم اختفت على ذالك النحو الغريب، قلنا جميعا بأنها عناية الله وقد تدخلت لإنقاذها من حبل المشنقة أو السجن. وآخر شيء دار بخلدنا عندما نجت بعملتها أنها ستعود في يوم من الأيام لتواجه هذا المصير؟ فردت الأخرى في استسلام حزين:
ـ إنها إرادة الله وهي نافذة، وقضائه الذي لا راد له سواه. وفي جانب آخر من القاعة استمعت إلى شابين يتجاذبان أطراف الحديث في ذات الموضوع. فقال أحدهم مستغربا :
ـ لا أصدق بأن ذالك حدث هنا ، و في ذالك الزمن ! فرد عليه الآخر:
ـ يقولون إن للقانون روحا فلنرى اليوم إن كان ذالك صحيحا. وإذا ما أدينت هذه المرأة وحكمت بالإعدام، فلابد أن ذالك مجرد هراء. .
ـ لو كانت ثمة عقوبة أقسى، لعد الإعدام قليلا في حقها.
ـ ينبغي أن تسمع تفاصيل الحادثة أولا قبل أن تحكم هكذا.
ـ أيا كانت تفاصيلها، فلاشيء يبرر القتل بتلك البشاعة التي يتحدث الناس عنها.
ـ لا يمكن لمن يتعمد إثارة أسد جريح، أن يحظى بنهاية أفضل.
ـ حتى هذا لا يقتل بتلك البرودة.
ـ لكن قسوة الرجل تجاوزت كل الحدود.
ـ نحن هنا يا صاحبي ، تبكي المرأة وتنشز حين تكره ، وعندما تغار تهجر بيت الزوجية ، لكن تقتل ببرودة وتهرب ، فذاك لعمري شيء فري .
وهممت أن أقتحم على الشابين حديثهما ففضولي العارم، قد احتشد كله في حنجرتي، لكنني تراجعت في آخر لحظة حين رأيت القضاة يصعدون إلى منصتهم. ودوت صيحة قوية في أرجاء القاعة "محكمة" فعم الهدوء أرجاء ها وران الصمت على الجمهور. وبعد لحظات جاء صوت جهوري ينادى: القضية رقم ...001 لسنة... جنايات المتهمة "زينب منت أعل " وأحسست لدى تلقي آذاني الاسم ـ وكأن انفجار وقع على مقربة مني ، فاقتلعني من الأرض دفعة واحدة لأعود وارتطم بها من جديد. "من قال بأن الصدفة لا تصنع الأحداث ؟ وتساءلت ـ ولما أفق بعد تماما من هول المفاجأة ـ أيمكن ـ حقا كما ألقي في روعي ـ أن تكون هذه "الزينب" ابنة خالي "محفوظ" ؟ وقبل أن تستبد بي الظنون ، وأتوه تتقاذفني الفرضيات، ظهرت امرأة في حدود التاسعة والثلاثين من العمر وربما تنقص قليلا ـ متوسطة القامة وسيمة الأنف لمياء ، أسيلة الخد ، دعجاء الأعين ، في مشيتها شموخ ، وفي إطباقة فمها مزيج من القوة والوداعة والحزم . اندفعت مخترقا الصفوف لدى ظهور المرأة . وحين مثلت بين يدي القاضي كنت أنا أجلس في الصف ألأمامي. وقال القاضي :
ـ أنت "زينب منت أعل " ؟
ـ نعم سيدي . وسكت القاضي للحظة لا أدري لماذا سكت، لكن خيط المرارة الذي كان ينعقد بين حاجبيه ـ كما خمنت ـ لم يلبث أن تحول إلى إحساس حقيقي وهو يقول:
ـ أنت متهمة بقتل زوجك المدعو "عبد الله ولد مولاي فما قولك ؟
ـ نعم سيدي . غرس السكين في صدره فوفرت عليه عناء الضغط عليها !
ـ يعني تعترفين بأنك قتلته ؟
ـ نعم .
ـ كيف ، ولماذا ؟
ـ كنت واهنة الروح فارغة الفؤاد ومحطمة ، عندما زوجونيه راغمة . وقبل ذالك، وعندما بدأ هذا الرجل يطاردني متوددا ، أفهمته بوضوح ليس بعده من وضوح، بأنني لم أخلق له، وبأنه لم يخلق لي. قلت له بصراحة جارحة إنني لا أملك إلا قلبا واحدا، وروحا واحدة، وقد نذرتهما لشخص آخر . شخصا أحبه إلى درجة الإفتتان ، ومتيمة به إلى حد الوله . ومع أنهم سلبونيه بقسوة ـ وظلما وعدوانا ـ فما من شيء راعني أكثر من فكرة أن يضمني فراش واحد تحت سقف واحد مع رجل غيره كائنا من يكن . ولما تمادى وألح ، أعلنت له أمام ملأ من أهلي وأهله، وفي لفيف من أصدقائه وأصدقائي، بأنني أكرهه إلى حد المقت، ومن أن الموت أحب إلي نفسي من الزواج به. لكنه لج في عتو وكابر في إصرار، وأمعن في ملاحقتي أكثر. فطرق كل الأبواب، وقرع على كل النوافذ.
أغرى بي أمي ، وأوغر صدرها علي ، وأستثار كبرياء أبي ، وألب قلبه ضدي ، وسلط علي الأهل والأقارب والجيران ، فتحاماني الجميع بكل قسوة وتعاورتني الألسن ، حتى غدوت كجلحاء متطفلة وسط قطيع مشاغب
ثلاث سنوات وأنا في وسط هذا المعمعان ، أعتصم بالصبر حينا ، وألوذ بالرجاء حينا آخر. كنت وحيدة أصارع عواصف الملامة والعذل ، وأقاوم بلا نصير حملات التنديد والتشهير.، فضاجعني الهم حتى أوهن قواي ، ولازمني السهاد حتى أذبل محياي . ثلاث سنوات وهذا الرجل يجري ورائي، وأنا أركض أمامه إلى أن انقطع مني النفس وتملكني الإعياء. فسألته :
ـ فيم تراني أختلف عن عشرات النساء أللائي يلاحقنك ، ويتمنين لو يحظين منك بلحظة أو بنظرة ، أو ببعض الاهتمام ؟ فقال في غطرسة أوجعتني :
ـ في أنك لست كما تصفينهم .
ـ وهل يتعين علي أن أكون كذالك لكي تتركني وشأني ؟
ـ افعلي أولا ، وسأرى !
ـ أهو العضل ومحض العناد ؟ فقال بسخرية واستهزاء :
ـ بل الحب، ورجاء القرب !
ـ لكنني لا أحبك ، وقربك لا أطيقه !
ـ ستتعودين .
ـ لن يكون حبا إذا .
ـ المسميات لا تهمني.
ـ وإذا رجوتك بكل كلمات الذل والتضرع، ألا تركتني وشأني ؟
ـ تزوجيني أولا .
ـ ولو جثوت على ركبتي أمامك ولثمت يديك وقدميك ؟
ـ تزوجيني أولا .
ـ وإذا استحلفتك بكل مقدس عندك ، وبكل غال وعزيز ؟
ـ تزوجيني . وسنرى !
ـ إنني لا أبصر بعينيك، لكنك توشك أن تقفز في الظلام .
ـ إنني أعي ما أفعله.
ـ أخشى ألا تكون كذالك .
ـ لم ترفضني اِمرأة قبلك هكذا .
ـ كيف أوضح لك ألأمر؟ لماذا لا تفهم بأنني مغرمة برجل آخر وحسب، وتكف عن التعامل مع الموضوع بهذه الحساسية ؟
ـ رجل آخر ! تقصدين ذالك "لفريخ" ؟ وتمنيت أن أقتلع لسانه من حلقه حين فاه بتلك الحماقة لكنني أسررتها في نفسي ولم أبديها. وواصل هو كلامه ممعنا في تعاليه وغطرسته، فقال: ذالك ما يضيف إلى تمسكي بك معنى آخر، معنى يسمو به إلى مصاف الواجب و التضحية. إذ به سأنقذك من نفسك ، ومن هواها الجامح، وأنقذ ـ في نفس الوقت ـ شرف عائلة حسيبة نسيبة من وصمة عار يوشك دلالك، أن يلطخ بها جبينها وإلى الأبد .
ـ أنت سخيف وسافل، ومنحط.
ـ قولي ما شئت ، فلن تكوني لغيري .
تطورت الأحداث بعد ذالك بشكل أدراماتيكي أذهلني . فوالدي ـ الذي بقي على الحياد طوال صراعي مع والدتي ومع الرجل وكتيبة ألأهل والجيران والمعارف التي كانت تؤازره ضدي على مدى ثلاث سنوات ، والدي الذي ظل صامتا وسط الفوضى التي كانت تجتاح أسرته ، والتي كادت أن تنتهي في يوم من الأيام بإزهاق روح بريئة ، والدي الذي كان بيته ساحة معارك حقيقية بيني وذاك الصابر المسكين من جهة ، وبين والدتي وشيعتها من جهة أخرى ، دون أن يتدخل أو يبدي أدنى نوع اهتمام ـ قرر فجأة وبدون سابق إنذار أن يخرج عن صمته ، ويتخلى عن الحياد . وليته لم يفعل ؟
وفوجئت ـ بينما كنت مع بعض صديقاتي في بيتنا ، نلهو ونشرب الشاي ذات ضحى ـ بجمهرة من الناس تقتحم بيتنا وسط الصخب والزغاريد . ثم جاءت والدتي لتقول لي بأنني أمسيت زوجة لهذا الرجل . ابتسمت في خبل ، وقلت لا شك بأنك تمزحين ؟ لكن الصخب والزغاريد أقنعاني بأن المصيبة قد حلت بالفعل .
هالني ألأمري. وساعتها بكيت إلى أن تقرحت جفوني، وصرخت حتى بح صوتي. وليلة الزفاف جن جنوني ، فعمدت ـ بروح حرة تتعرض للاِغتصاب ـ إلى ساعدي وقمت بتمزيق شريانه آملة أن أنزف حتى الموت . لكنهم حملوني إلى المستشفى، وتم إنقاذي في اللحظات الأخيرة. بقيت في البيت بعد ذالك لمدة أسبوعين وحين شفيت رفضت أن أذهب مع الرجل إلى بيته، وصممت على ذالك. ومرة أخرى ظهر والدي ليتم ما بدأه وليجهز على ما بقي في روحي من أمل.
كنت أجلس وحيدة في الغرفة ، ذات الغرفة التي شهدت جدرانها ميلاد حلمي، غارقة في أساي تتقاذفني الآلام والأحزان، عندما دخل علي حسيرا كسيفا ، ينوء بكل هموم الدنيا وأحزانها .
حز في نفسي منظره على ذالك النحو، فلم يسبق لي أن رأيته أبدا هكذا، وكانت هذه المرة الأولى التي أراه منذ أن ورطني في هذه الزيجة المشئومة. نهضت لاستقباله، فربت على منكبي وقبلني في الرأس قبلة طويلة ، ثم أحاطني بذراعه وجلس على السرير وأجلسني إلى جانبه. وبعد لحظة صمت لم تطل كثيرا قال: كأنه يخاطب نفسه في حالة تأنيب:
ما يجعل ألمي مضاعفا، ويعمق شعوري بالحزن وبالأسى، كوني في المرة الوحيدة التي تدخلت في حياتك كدت أن أتسبب في ضياعها. إنني والد يا بنيتي ـ وقد يتطلب الأمر بعض الوقت لتدركي حقيقة ما يعنيه كون المرء كذالك ـ و ما من والد فيما أحسب إلا ويتمنى ألأفضل والأحسن لولده. ربما بدوت لك سلبيا أكثر مما ينبغي أن يكون الأب العادي في مسألة تخص مستقبل ابنته ، والحال أنني كنت عالقا بين عقلي الذي يقف معك ، وبين قلبي الذي يؤيد موقف أمك ، لكنني كنت أتمنى دائما ـ وعلى الرغم من ذالك ـ أن تؤول الأمور في النهاية إلى ما يريح قلبك ، يسعدك روحك .
أعرف أنه ما كان يجدر بي أن أقسو عليك هكذا، لكنني أنسقت وراء مخاوفي، وصدقت تلك ألأراجيف والسخافات التي نسجوها حولك، فأقلقوا بها روحي وسمموا بها عقلي، حين سعوا بك عندي زاعمين بأنك تخططين للهرب واللحاق بابن..." وتنهد وأغر ورقت عيناه بالدموع . في في تلك اللحظة ، ثار في داخلي حنو بنوة صاف اتجاهه ـ طالما كنت أحسه نحوه ، لكن أحداث حياتي الماضية طمرته ، كما طمرت أشياء أخرى جميلة في نفسي ـ فوجدتني أهتف به قائلة في نغمة طفولية خالصة "أبي ، أبي " ثم طوقت عنقه بذراعي ودفنت وجهي في شعر رأسه . ضمني إليه بحنان ثم أستطرد مواصلا حديثه :
أعلم ألآن ، أن كل ذالك كان محض افتراء ، لكنهم نجحوا به في إثارة جزعي ، حين ضربوا في نفسي على وتر حساسيتي المفرطة اتجاه الفضائح . وسكت للحظات قبل أن يردف:
ليس من المألوف هنا أن يتحدث ألآباء إلى أبنائهم في أمورهم الخاصة هكذا ـ وتلك مصيبة أمست جزءا مما عمت به البلوى ـ لكنني اليوم أفعل، وأرجو ألا تخيبي أملي فيك. الشرع والقانون والناس مع هذا الرجل ، وقوامتي وهيبتي وكبريائي على المحك ؟
وهممت بأن أصرخ ملأ فمي :
وماذا عن إرادتي سعادتي وقلبي يا أبتاه ؟ لماذا تجعل من قومتك أغلالا تكبل بها إرادتي ؟ ومن هيبتك حملا تنوء به نياط قلبي ؟ ومن كبريائك معتقلا لروحي ولسعادتها ؟ لكنني لم أقل شيئا . وقام هو وتركني .
" رباه قد حيق بي ، ولا وزر اِلاك ، فهب الصبر روحي وألهم قلبي السلوان "

محمد جواد
13-08-2011, 05:57 PM
تجلببت بالتجمل، وتلفعت بالقناعة. وأقمت بين عقلي وروحي جدرا منيعة وحفرت في نفسي عميقا ودفنت مشاعري في غياهب النسيان، ثم التحقت ببيت الرجل وكأنني أحل في أولى منازل الجحيم. حين خلونا إلى بعضنا أقبل علي بروح منتصر ظفر أخيرا بغريمه وقال:
ـ يقولون بأن الهروب ليس دائما أفضل وسيلة للنجاة ؟
ـ هل أعتبر هذا نوعا من الشماتة ؟
ـ لا أبدا، إنما قصدت بأن منطق العقل لا بد أن ينتصر في نهاية المطاف.
ـ لست مهتمة بطريقتك الغريبة هذه في التعبير عن أفكارك ، لكن الوقت مازال مبكرا لكي تبدأ في الاحتفال . ضحك وقال :
ـ فات ألأوان على مثل هذه النصائح. لقد بدأت احتفالي بالفعل، ولن يوقفني أي شيء .
ـ لا تكن واثقا هكذا ! لم يعجبه كلامي ، أو لعله لم يفهمه . فاقترب مني أكثر وقال بلغة وشت بحنق دفين :
ـ أعطيني سببا مقنعا واحدا ، لكي تكرهيني إلى هذا الحد ؟
ـ أعطيني أنت سببا مقنعا واحدا ، لتشبثك بي ، رغم إدراكك باني أكرهك إلى هذا الحد ؟ فار غضبه وصاح :
ـ أبسبب ذالك "لفريخ" الذي لايع...
ـ اخرس . هكذا صرخت في وجهه ثم أردفت : من تسميه "بلفريخ" هو بالنسبة لي نموذج الكمال الإنساني المطلق ، ومثال الرجولة والشهامة ، والمرؤة والخلق الرفيع . وليته لم يكن كذالك، وكان مثلك انتهازيا وأنانيا، وشهوانيا، وإذا لوفر علي عناء رؤية وجهك ، وجنبني هذه المصيبة.
عشت معه إنسانا أنانيا، جلفا ومتوحشا، لا يعرف للحب من معنى سوى إشباع نهم نفسه الشهوانية. ولا يرى للزواج من قيمة ، سوى إرواء نزواته البهيمية ، ولا يهمه في الحياة إلا ما يرضي صلفه وغروره .
عشت معه موجوعة القلب ، ملتاعة الروح ، مكسورة الإرادة وضجرة . وبعد أن وئدت أغلى ذكرياتي . ذكريات من هواه قلبي وارتضاه عقلي، وانتشت له روحي وغنى له كل كياني ـ ومحوت ظلالها المتشبثة بخيالي ـ أقحلت في عيني ألأرض، وأقحطت السماء، فأجد ودبت الحياة، وفقدت الدنيا كل رونقها. فاعتنقت السلبية وركنت إلى حماها، وزهدت في جسدي وأقمت بينه وبين روحي سترا وحجابا.
عرفت بخيانات الرجل المتكررة لي ، ومنذ ألأيام ألأولى لزواجنا . خانني مع زميلاتي ، ومع قريباتي ومع الجارات . تغاضيت عن ألأمر باديء ذي بدء ، وتجاهلته لمدة طويلة. والواقع أنه لولا حشرية البعض، وضغوط والدتي ، لما أعرته أدنى نوع من الاهتمام. " فما يضرا لشاة السلخ بعد ذبحها " ، وواقعيا ، فما حسبتني يوما بأحق به من أية امرأة أخرى . إلا أنه بالغ كثيرا وتجاوز كل الحدود . وبلغت وقاحته وخسته حدا جعله يخونني مع "الشغالة" و في البيت الذي يؤويني وعلى الفراش الذي يقلني . ولما لفت نظره ، رد علي بدون اكتراث :
ـ ولماذا الشغالة ؟! أليست امرأة ككل النساء ؟
ـ لم أزعم بأنها ليست كذالك . لكن ليس في بيتي وعلى فراشي !
ـ أقنعيني أولا بأن هذا بيتك، وبأن هذا فراشك، ثم حاسبيني كما يحلو لك.
ـ ذالك أمر لا أنوي مجرد التفكير فيه، ومحاسبتك هي آخر شيء يمكن أن يخطر لي على بال، لكنك بالغت في وقاحتك كثيرا، وتماديت وتجاوزت كل الحدود.
ـ هل أعتبر هذا إنذارا ؟!
ـ بل تحذيرا ! انتابته حالة فرح غريبة وقال :
ـ لو كنت أعلم أن للشغالات كل هذه المزايا، لكنت فعلت ذالك منذ زمن بعيد.
ـ يمكنك أن تحتفي باكتشافك المذهل ـ هذا ـ كما تشاء ، و لك أن تفرح به كما تريد ، لكن أرجوك حبا في الله ـ لا تدس علي أكثر من ذالك . تألقت عيناه بالمزيد من الفرح وهو يقول :
ـ الآن أدركت لماذا يقرصون الطفل عند ولادته ؟
ـ لكنك لم تفهم بأنهم لا يفعلون ذالك إلا ذا لم يبادر إلى الصراخ.
ـ أتعرفين شيئا . هذه هي المرة الأولى التي أحس فيها بأنك تشعرين بوجودي ؟
ـ ذالك أمر لا يهمني .
ـ لكنه يهمني أنا ، ويسعدني فأخيرا أدركت بأنني أتعامل مع إنسان يشعر، ويتألم، وليس مع كتلة من الرمل أو صخرة صماء.
ـ هذه طريقة مرضية في إدراك الأشياء .
ـ لكنها الوحيدة التي نجحت معي.
ـ لا غرو. ألم أقل لك بأنها مرضية ؟ إذا فهي تناسبك . تجاهل إساءتي ، وقال :
ـ دليني على أخرى صحية وأعدك بأني سأتبعها.
ـ لماذا لا تطلق سراحي وحسب . وتريح نفسك من هذا كله ؟ سكت للحظات ثم قال :
ـ سأفعل . لكن ليس الآن .
ـ ومتى ؟
ـ عندما تستعيدين آدميتك. عندما أراك تفرحين، وتحزنين، تغضبين وترضين، وتقبلين وترفضين ، كان في الواقع إنما يمعن في إذلالي والاستهتار بي وتعذيبي ـ فقلت:
ـ الفرح، والرضي، والقبول أشياء ماتت في نفسي منذ زمن بعيد، أما الغضب، والرفض والحزن فقد ملوها فهجروا، وسأستعيد بشريتي ـ فلا تقلق ـ لكن عندما أصحوا ذات يوم فلا أجدك إلى جانبي.
وتفاجأت حين أرادني فجأة ، فآخر شيء كنت أتوقعه في تلك اللحظة هو أن يهم بي . صحيح أننا كنا في البيت ، وكنا أيضا بمفردنا، لكن الجو ـ كما كنت أحسب ـ كان جو خصام، وكان مشحونا بالتوتر وبالغليان.استسلمت له كما في كل مرة دون أدنى مقاومة تاركة له جسدي يعبث به كيف يشاء ، وفجأة تركني وقام واقفا هو يزمجر حانقا في غضب:
ـ كم أكره هذا الاستسلام ! ، وكم أمقت هذه البرودة ! ثم صرخ في : أي نوع من النساء أنت ؟ ومن أي طينة بشرية جبلت ؟ خنتك ،وأهنتك ، فلم اسمع في صوتك نبرة احتجاج . وأهملتك ، فلم ألحظ في عينيك نذر تبرم أو ظل استياء.
ـ هذه سيادية قحة !
ـ لكني نثرت النقود عند رجليك فرفستها ، وراكمت الهدايا بين يديك فتجاهلتها . حتى تمنع الدلال حرمتني متعته ، وبخلت علي بتذلل الرجاء .
ـ ألم يكن هذا ما أردته ؟ دمية تلهو بها ساعة فراغك، ثم تودعها الإهمال حين تضجر.
ـ بل أردت زوجة من لحم ومن دم.
ـ كم مرة علي أن أقول لك بأن ما بيننا ليس زواجا ؟
ـ وماذا يكون إذا لم يكن زواجا ؟
اغتصابا، لكن بعقد و بشهود ؟
ـ وهل رأيت مغتصبا يتشبث بضحيته بعد أن قضى منها وطره ؟
ـ نعم، أنت !
ـ لن تستطيعي سلب ما بيننا صفة الزواج مهما قلت وفعلت.
ـ لن يكون فيه من الزواج سوى اسمه .
ـ ليكن ، لكنك لن تفلتي منه أبدا.
وتمضي الأيام، وغطرسة الرجل وغروره يمضغان عقلي وروحي ، وحيوانيته وقسوته تذلان كبريائي وجسدي. ولأن السلبية لم تعد كافية في مواجهة بهيمية هذا المغرور. فقد صرت ألجأ في بعض الأحيان إلى وسائل أكثر تقليدية . فكنت أهجر بيته الأسبوع والأسبوعين ، وأمسيت أقل استسلاما لنزواته . لكن في كل مرة ألجأ فيها إلى أحد هذين الخيارين ـ وهما كل المتاح أمام المرأة هنا في مواجهة صلف وأنانية الرجال في هذا البلد ـ كانت أمي تقف لي بالمرصاد ، ويجتمع علي الأهل والأقارب والجيران كل منهم بلسان . هذا يعنف ، وذاك يؤنب ، ولآخر يوعظ وينصح . هكذا وبدل أن أقتنع أخجل. فأعود، أعود إلى حيث تداس كبريائي ويستعبد جسدي وتشقى روحي.
ثلاث سنوات انقضت، وأنا أحيى هكذا. كان الرجل يخون ويغدر ويقسوا ، وكنت أبكي وأشقى وأتعذب . وذعرت حين اكتشفت بأني أمسيت أقل ارتعابا من فكرة أن أقتله و انتحر بعد ذالك ، تلك الفكرة التي مافتئت تراودني منذ علقت في حبال هذه الزيجة التعسة . وشيئا فشيئا بدأت تستحوذ على تفكيري وأخذ عقلي رويدا رويدا يخوض في تفاصيلها . سأنتحر لكني سآخذ هذا الأحمق في طريقي! و لماذا لا أقتله وحسب وأتركهم بعد ذالك يتولون مهمة تقرير مصيري؟ وأصبح قاتلة! وللمرة الأخيرة استنجدت بأمي فأعرضت ، وبأبي فرجاني الصبر ودعا لي بالسلوان. فتوسلت بالجيران، وتسولت تعاطف الخلان، لكن بدون جدوى.
لابد أن تلك التي بسمائي غيوم مأساة،لا مناص من أن تقع . أنذر بذالك التحجر التام الذي بدأ يغزو قلبي ، والهبوط المخيف لدرجة الحرارة في عواطفي . لكنني لن أستسلم . وعدت أخوض المعركة، لكن ليس من أجل التخلص من هذا الزوج المكروه، بل من أجل بعث الحياة في قلبي، وبث بعض الدفء في عاطفتي، وباختصار من أجل الحيلولة دون ما حدث. لكن هيهات.
لقد كانت سيرته معي سببا في إجهاضي لمرتين متتاليتين ، مرضت في آخرهما حتى أوشكت على الهلاك . وبينما كانت أمي تسأل الله لي الشفاء، كنت أنا أسأله أن يذهب بي، لا زهدا مني في الحياة وحسب، بل هربا من أفكاري تلك ومشاعري.
كل هذا والرجل سادر في غيه، ممعن في عناده وإصراره. وفكرت في أن وجود طفل في دنياي ـ حتى وان كان من الرجل الذي أبغضه ـ ربما سيجعل من حياتي شيئا له معنى ، وإذا فلربما أسهم في تخليصي من الأفكار التدميرية التي أخذت تستولي علي ومن المشاعر المرعبة التي كانت تنتابني جراء ذالك . كان ذالك أسوء شيء فكرت أن يحصل ـ يوما ـ في حياتي معه على الإطلاق، واحتطت دائما للحيلولة دونه ما وسعني، لكنني في سبيل الإفلات مما كان يعتريني من أفكار ومشاعرـ كنت مستعدة لفعل أي شيء. حتى وان كان محاولة كسب قلب ذالك الرجل والتودد إليه.
وراجت في المدينة شائعة تقول بأن ذالك المسكين قد عاد إليها خلسة، وبأنني عدت لربط الصلة به من جديد. فجن جنون الرجل، وعصفت الغيرة بعقله وبقلبه، فأزداد قسوة على قسوته وذهب في الوقاحة كل مذهب. فتتبعت عيونه خطواتي أني ذهبت ، وأحاطت بي ، وأحصت أنفاسي في كل لحظة وحين . وشيئا فشيئا بدا أنه يتحول من جلاد فظ إلى ضحية تفترسه الظنون.
وودت لو أنني كنت بمزاج أحسن مما كنته ساعتها ، فلتلاعبت بأعصابه أصالة عن نفسي ، ولسليت نفسي بحالته شيئا قليلا ، لكنني كنت حاملا، وكان حملي في أشهره الأخير. ولم أرى في الأمرـ من جهة أخرى ـ سوى أنه استمرار من طرفه في خنقي والتضييق علي أكثر. ولم يلبث ما كان تلميحا في كلامه ـ عندما كان حملي في بداياته ـ أن تحول إلى اتهام ، بل قذفا صريحا وطعنا ، عندما قال لي ذات ليلة ـ وكنت عائدة من عند الطبيب لتوي ـ :
ـ لا أفهم سر اهتمامك بحملك هذه المرة ؟ فهمت ما يقصده وفكرت في أن أقول له بأنني لست مهتمة بأن يفهم ، أو لا ، لكنني كنت في تلك الأثناء أحاول جاهدة ألا أصطدم به ، فسكت . فعاد يقول: أليس من الغريب أن ينجو حملك هذه المرة !
ـ ليس هنالك أغرب من ما توسوس لك به نفسك !
ـ ظننت أنك لن ترغبي في الإنجاب مني !
ـ كان ظنك في محله .
ـ ولم سمحت بحدوث ذالك ؟
ـ كانت غلطة ، ولن تتكرر.
ـ ليس معي أليس كذالك ؟! أخرسني الغضب للحظات، قبل أن أرد عليه:
ـ لم تكن لتكون غلطة لولا أنها كذالك !
ـ إذا هو شيء لا يريده أحد، فلنتخلص منه وحسب.
ـ لا أحتاج المزيد من البراهين على أنك قاس، وبلا قلب. تجاهل ذالك، واقبل علي بنظرات تتقد شكا وريبة، وقال ـ لكن في لغة مناورة:
ـ كنت دائما تريدين الانفصال ؟
ـ وما زلت، وسأظل أريده.
ـ إذا، تعالي نعقد صفقة ! لم أتكلم ، فعاد يقول :
ـ ما رأيك ؟
ـ إني أسمعك ؟
ـ ستعترفين لي بالحقيقة ، و سأطلقك في المقابل !
ـ أية حقيقة ؟
ـ لأكون صريحا معك قليلا، أنا أشك في أنك كنت تلتقين بذالك. لفر... حسنا، لأقول: "بمحفوظ". وإذا فلابد أنه...، ضاقت علي الأرض بما رحبت، وخلت أن السقف يطبق علي فوجدتني أهب واقفة وأهوي بكفي على وجهه. و ثار هو غاضبا ، فدفعني حتى أسقطني أرضا ، ثم أطبق بكلتا يديه على عنقي ، قبل أن يفلتني جثة هامدة . وعندما أفقت وجدتني في البيت وحدي ، فجمعت أغراضي وذهبت إلى بيت أهلي

محمد جواد
01-09-2011, 08:35 AM
وكان آخر سلوكه الغادر أنه ـ وبينما كنت أنا بين الموت والحياة ـ تتعاورني ألام المخاض وأهواله ـ كان هو يقضي ليلته في أحضان امرأة أخرى على بعد مرمى حجر من بيت أهلي يحتسي "الزريقة تلو الأخرى، الشوى يذكي سمره ، نشوى بالموسيقي وصرير كؤوس الشاي المنعنع . وحين جاءه من يخبره بحالتي، لوي شفتيه بلا اكتراث وقال له مستهزئا:
ـ لتذرقه شأنها كل مرة ، أو لتموت إن شاءت !
"أصابني كلام المرأة في الصميم وبلغي تأثري أوجه ، وبينما انفجرت هي تبكي تهالكت أنا تحت وطأة مشاعري الملتهبة ، ثم لم ألبث أن نهضت واقفا في حركة هسترية ، لا أدري لماذا لكنني عرفت فيما بعد بأنني لو لم أقعد على ذالك النحو الغليظ من طرف أحد الحراس فلربما أقدمت على عمل أحمق "
وهدأت الضجة التي أثارها وقوفي على ذالك النحو ، فاستأنفت المرأة مرافعتها فقالت :
ـ لم أشعر بأي غضب عندما بلغت مقالته الحمقاء تلك ، وإنما تبلورت الفكرة النهائية في رأسي بأنه يجب أن أتخلص من هذا الرجل ، وليرحمنا الله جميعا .
بقيت في المستشفى أسبوعا كاملا ـ دون أن يزورني ـ وبينما كنت أستعد للعودة إلى بيت أهلي بعد أن أطمأن الطبيب على حالتي ـ فوجئت بالرجل يحضر، ويصر على أن أذهب معه إلى بيته قالت أمي في احتجاج :
ـ العرف يقضي بأن تقضي المرأة فترة النقاهة بعد الولادة في بيت أهلها، وبذالك جرت العادة وسرت التقاليد ؟! فقال الرجل ـ كأنه يمزح ـ في أدب مصطنع :
ـ دعك من العرف فطالما ظلم، ومما جرت به العادة فالزمان غير الزمان.
ـ سأعتبر كلامك هذا مزحة ، لكنها من النوع الثقيل !
ـ العفو. هكذا قال الرجل ثم أردف :
ـ لم أقصد الإساءة، لكن البيت عندنا واسع جدا، وسنحيطها بكامل العناية. ابتسمت أمي في حيرة وقالت تتمثل:
ـ " نحن ما شنن أنذوب" ثم أردفت ـ وقد تحول ما كان مجرد عتب في كلامها إلى استهجان واضح، لرغبة زوجي عصية الفهم هذه ـ أردفت:
ـ لا يشكو بيت أبيها من الضيق، وان لم يسعها أحلت محل المقل. تأفف الرجل ونفخ شدقيه بصبر نافذ وقال ـ وقد تخلى عن تأدبه الزائف ـ قال
ـ ستكونين محل ترحابنا ، إذا شئت أن تأتي معهما ! وسمعت أمي وهي تقول فيما يشبه التمتمة ـ وقد شعرت بالاهانة جراء رد صهرها غير اللائق هذا ـ
ـ الآن أظهرت حقيقتك !
" وهل أخفاها يوما يا أماه ؟ إنما هو عمى عين الرضي عمن تحب وترضى . لقد تقطع بينكم وانفرط ما ظللتم تحيكون، حين سعوا بك عنده ، أن استبشعت ما فعله بي ، وعبت مقالته ، و إحجامه عن زيارتي في المستشفى. " وهاك حميا انتقامه ، والقادم أعظم" . لقد تمنيت دائما أن تتعارض إرادتاهما ، ولطالما حلمت بأن أراهما يختلفان ، ولأن أمي تدرك ذالك جيدا ، فقد توقعت مني أن أستغل الموقف وأنحاز إلى جانبها ، لكن ما غاب عن بال أمي هو أن ابنتها لم تعد ترغب في شيء ، أو تسعى وراء أي شيء ، هي ساعات فقط وستنتقل إلى الصفحة الموالية .
وشدهت أمي ـ ومشاعر الاستصغار تعربد في رأسها ـ وهي تراني أركب إلى جانب الرجل في سيارته ، بينما تركتها هي متسمرة إلى جانب السيارة التي أحضرتها لتقلنا إلى البيت ، عقلها لايفهم ما يجري وعيناها لا تصدقان .
تناولت وهو العشاء في جو عائلي نادرا ما حظينا به ، مع زمرة من أصدقائه، وبعد انصرافهم بقي إلى جانبي لبضع لحظات قبل أن يقوم واقفا وهو يقول ـ سأزور "فلان" فهو كما بلغني مريض ؟ فقلت :
ـ هو استئذان، أم مجرد إعلام ؟ تريث قليلا قبل أن يجيبني ، ثم قال :
ـ هو استئذان ، نعم هو كذالك .
ـ وإذا رفضت أن آذن لك ؟ تلعثم قليلا ، ثم قال :
ـ لن أطيل المكوث عنده ساعة فقط وسأعود.
ـ لم أسألك عن ذالك، وإنما... ؟
ـ أوه ! لا تعكري صفو ليلتنا الجميلة هذه. قال هذا ، ثم سكت قليلا حتى تخلص من انفعاله ، فربت على الطفل ودغدغه قليلا ، وقال :
ـ أشغلي نفسك بهذا الملاك ، ريثما أعود . اتفقنا ؟ لن أتأخر كثيرا . فلاحقته قائلة بلغة استفزازية تهكمية صريحة :
ـ كيف تصف بالملاك من كنت إلى الأمس القريب تعتبره ثمرة عمل شيطاني آثم ؟
ـ من قال بأنني لم أعد أعتبره كذالك ؟ هكذا رد علي في حدة ، ثم خرج ، ثم عاد ، وسكت للحظات ، قبل أن يعود إلى لغته التصالحية تلك فقال : أريد ليلتنا هذه أن تمر بسلام احتفاء بهذا الضيف الجميل ، وآمل أن يكون وجوده في حياتنا سببا في زرع ألألفة بيننا والانسجام . أفهم ما تشيرين إليه ، وأتفهم حقيقة شعورك . وأعترف لك بأنه كان يجد ربي أن أكون أقل قسوة من ذالك، لكنني كنت فريسة سهلة للوساوس، والطابع المتوتر لعلاقتنا سهل من مهمتها ، وأعدك بأنني سأحاول جاهدا منذ الآن فصاعدا أن أكون أكثر حكمة وأقل انصياعا للشائعات والأراجيف. قال هذا ثم خرج .
لم تترك كلماته في نفسي الأثر الذي يمكن أن يتوقع منها. ولم تكن لتغير في الوضع أي شيء، فحرصه على أن يلحق موعده بمزاج أفضل، هو ما دفعه ـ كما خمنت إلى ذالك أسلوب الملاينة الخادع.
لم يعد في نفسي من الإنسان سوى سؤر شر مستطر ، وفي حمى طغيان الانفعال ، كما في برودة غمرة اليأس والإحباط ، يتحول الوجود في عيون المرء إلى ليل وقد طما أسطمه .
ومرت الدقائق والساعات بطيئة، وأنا ملقاة ـ إلى جانب الطفل ـ على السرير. ومن حين إلى آخر، كنت أرفع الخنجر وأشد قبضتي على مقبضه، فأستمد الثقة من نصله، وأستلهم العزم والإصرار. ولا أدري كيف أستطاع النوم التسلل إلى نفسي، ولعلي لم أنم، لكن ساعة طرق الرجل الباب، شعرت وأنا أقوم لفتحه كأنني ـ بالفعل ـ أفيق من النوم. وهو يدخل سلطت ضوء المصباح على وجهه ، فرأيت الإثم تقدحه عيناه ، والخيانة تربض على جبينه في هدوء . وفكرت في أن أساله عما إذا كانت ساعته تعمله وفق نظام يوم القيامة، لكن لماذا واللحظة الحاسمة قد أزفت ؟ وهو يتوجه إلى فراشه قال ـ في اعتذار زائف، يدمغه الكذب ويفوح بالخيانة ـ قال:
ـ لقد وجدت الرجل في حالة مزرية، وصعب علي أن أتركه قبل أن يتعافى ، فسرقني الوقت دون أن أتنبه. قال هذا ثم ألقى بجسمه في الفراش، ولم يلبث أن علا غطيطه.
جلست عند رأسه ثم أيقظته بجسه بحد الخنجر، ففتح عيناه المنهكتان من السهر وقال:
ـ من
ـ أنا.
ـ وماذا تريدين ؟
ـ لقد وصلنا .
ـ إلى أين ؟
ـ إلى مفترق الطرق. تململ في كسل وضغط برأسه على الوسادة وقال :
ـ لنفترق . حين أحرى ذالك الجواب المطمئن ، عم عن الخطر الداهم المتربص به ، نبعت في داخلي مشاعر شفقة نحوه ، كادت أن تجعلني أتقهقر . لكن وطأة اللحظة استبدت بي وسيل انتقامي كان قد بلغ الزبى . انتفض في ألم حين غرست الخنجر في ثغر نحره ، وصاول بيديه محاولا انتزاعه ، إلا أنني نجحت في إعاقته ، إلى أن خارت قواه نهائيا ، وهو يهوي في قاع الموت السحيق هتف بي محشرجا : قتلتني يا ،... لم يفه بغير تلك العبارة المبتورة، ولم يرف له بعدها نفس.
ما تبقى من ليلتي أمضيته أعد العدة للقادم ، فهيئت نفسي وحضرتها لإقامة طويلة ـ وربما أبدية ـ في السجن . وفي الصباح الباكر حملت طفلي وتوجهت إلى مركز الشرطة، حيث سلمت لهم نفسي ببساطة وفي هدوء. وفي التحقيق لم أتلعثم ، واعترفت لهم بكل شيء

زينانا
21-09-2011, 06:54 AM
أبدعت كما عودتنا محمد جواد
ننتظر المزيد من روايتك المشوقة
دام قلمك

محمد جواد
24-09-2011, 12:00 PM
ل
لبيك يا "زينانا" يا من كان تشجيعك ومتابعتك خير محرض لي على مواصلة السير في هذا الدرب المتعب . البقية في الطريق إنشاء الله . أرجو لك ولكل رواد المشهد متابعة مريحة .

محمد جواد
25-09-2011, 11:57 AM
[B][FONT="Arial Black"][SIZE="4"][RIGHT]أودعت السجن، وقبل أسبوع من بدأ محاكمتي ـ وبينما كنت نائمة ـ أقتحم علي أحدهم الزنزانة بعيد منتصف الليل بقليل. كان رجلا أسمر البشرة مفتول العضلات قصيرا. لم يكن مقنعا ، لكن عمامته كانت ملفوفة بإحكام ، وتلطف وهو يوقظني ، وحين فزعت سدد إلي ضوء مصباحه الصغير وأشار إلي بأن أسكت ، كان الفصل شتاء والرياح كانت تعصف في الخارج بقوة ، و لأنني كنت المرأة الوحيدة بالسجن فقد كنت معزولة عن بقية النزلاء . وسألت الرجل فزعة :
ـ من أنت وما لذي جاء بك إلي ؟
ـ ألا ترغبين في الخروج من هنا ؟ تلعثمت وقد عقلت المفاجأة لساني، قبل أن تنساب الإجابة من بين شفتي عفوا :
ـ بلى .
ـ اخرسي إذا ، واتبعيني !
ـ إلى أين ؟
ـ قلت أخرسي ؟ قال هذا ثم هم بحمل الطفل ، إلا أنني خطفته من بين يديه وأنا أقول في فزع ماذا تفعل ؟ لم يتكلم وإنما سدد إلي ضوء المصباح من جديد ، ثم هز رأسه قبل أن ينطلق وأشار إلي بأن أتبعه. وهممت بالامتناع لكني فشلت في مقاومة إغراء اللحظة ، فمضيت خلفه متعثرة الخطى ، مسلوبة الإرادة صامتة . ونحن نغادر السجن سألته ـ عندما لم أرى أيا من الحراس ، وقد ارتاعت نفسي من فكرة أن يكون قد قام بقتلهم ـ سألته :
ـ هل قتلت الحراس جميعا ؟
ـ ألم أقل لك بأن تخرسي ؟ هكذا أسر إلي الرجل بحنق ، ثم أردف ـ في لغة توبيخية صريحة ـ إلى هذا الحد تستسهلين قتل الرجال ؟ فلذت بالصمت ، وواصل الرجل تقدمه وأنا أسير خلفه لاهثة ، ألاحقه ولا ألحقه . وصلنا إلى ركن مظلم في الحي القريب من السجن وهناك وجدت في انتظارنا سيارة سوداء من نوع "504" وبداخلها رجلين . ومرة أخرى سألت الر جل :
ـ من أنت ، ومن هؤلاء ؟ وماذا تريدون أن تفعلوا بي ؟ وكما في المرات السابقة جاءني نفس الجواب:
ـ اخرسي . وكاد ألأمر أن يفشل برمته ـ بعد أن ركبت السيارة ـ حين أطلعني مهربي بأن خطتهم تقضي بأن أترك الطفل.
ـ إنكم تمزحون ، هكذا صرخت في وجوههم ، ثم اندفعت خارج السيارة ، وأردفت قائلة في حزم وإصرار أعدوني إلى السجن. ولماذا أتعبكم ؟ فأنا أعرف طريقه. بلغوا تشكراتي إلى من كلفكم بهذه المهمة ، وقولوا له ـ كائنا من يكن ، بأن لا يحاول مساعدتي بهذه الطريقة مرة أخرى.
ـ غضي صوتك يا مجنونة ، وفكري بعقلك . سيكون طفلك في أمان في أحضان والدتك . هكذا خاطبني الرجل الذي جاء بي من السجن ، ثم أردف قائلا : هيا ، لا تضيعي على نفسك فرصة للنجاة قد لا تظفرين بمثلها أبدا
ـ قل كلاما غير هذا. أما أن أخذه معي، أو تتركوني وشأني. فتدخل أحد الرجلين الآخرين قائلا بلغة صارمة فلنطبق الخطة "ب" ونزل من السيارة. فقلت ـ متشجعة ـ وقد بدأت مشاعر قلقي تتحول إلى خوف ورعب:
ـ لو طبقتم كل خطط الدنيا، فلن تفصلوا بيننا إلا إذا قتلتموني. ووليت مدبرة في ما يشبه الفرار. لحقني الرجل، ورجاني ـ بنبرة هامسة هادئة ـ قائلا:
ـ انك على وشك اتخاذ القرار الخاطئ للمرة الثانية في حياتك خلال هذه السنة . لقد خاطرنا بحياتنا من أجل إنقاذك مما ورطت فيه نفسك . هذا العناد سيقودك إلى حبل المشنقة، أو إلى أن تذوي خلف القضبان في انتظار فك شفرات إشكالات قانونية لا حصر لها. أو البت في خلافات فقهية قد يتطلب الفصل فيها بعث الحياة في عشرات القبور. قال هذا ثم أخرج من جيبه جواز سفر وتذكرة طائرة، ولوح بهما على ضوء مصباحه اليدوي الصغير أمام عيني، وأردف:
ـ مع هذا الشيء، وعندما تختارين الذهاب معنا، ووفق خطتنا، ستكونين غدا ـ في مثل هذا الوقت ـ حرة طليقة وفي مكان آمن، ومريح. بينما سيكون طفلك سعيدا في أحضان جدته. وإذا ما حدث العكس ـ وهو مالا أتمناه على كل حال ـ فستكونين بين أيدي المحققين أو في زنزانتك، والتي قد تبقين فيها مدى الحياة إذا ما نجوت من حبل المشنقة. ستكونين مع طفلك نعم . لكن فكري ـ حين يكبر كيف ستجيبينه عندما يسألك عن.... لا أريد إحراجك ، لكنني أشك في أنه سيكون سعيدا ، وهو يرى في كل ساعة أمامه يدا أمه المخضوضبتان بدم أبيه
كنت صغيرة أخطو خطواتي ألأولى في درب الأمومة. كانت مشاعرها في متوثبة ، لكنها كانت طرية لم يصلب عودها بعد ولم تتمدد جذوره ، وبعد أن خبت نار غيظي واستعادت روحي بعضا من صفائها ، بانقشاع قتامة ليل زوجي وتبدد دجاه ، نبض قلبي بحب الحياة وأينعت له رباه ، لكن جدران السجن كانت عالية وأمل الخروج منها كان شبه مستحيل، فأخلدت بنفسي إلى قاع اليأس ووطنت روحي أجواءه . كان الأمر صعبا في البداية، لكن قابلية الإنسان للتكيف لا حدود لها . وها أنا ، وفجأة أجدت نفسي على بعد خطوات من الإفلات من مأزقي ! وبدأت حلاوة نسمة الحرية تتغلغل بداخلي وإغراءات اللحظة تغويني فأخذت قبضتي على موقفي تتراخى ، وعزيمتي تفتر وتلين . وعدت أسأل الرجل :
ـ لم أنتم حريصون على إنقاذي كل هذا الحرص ؟ !
ـ لا وقت لدينا للشرح ؟
ـ أريد أن أطمئن فقط . أخبروني عن من كلفكم بهذه المهمة ؟
ـ لا ندري . هذا عملنا ، وليس من مهامنا معرفة لصالح من نعمله . فكرت قليلا هاهي مشاعر أمومتي تتقهقر والأماني والأحلام تستبيح روحي . وتقبضت أمعائي في خوف ، وخفق قلبي في رجاء و دمعت عيناي وأنا أقول
ـ لكن كيف ستوصلونه إلى أمي ؟
ـ دعي ذالك الأمر لنا .
ـ أريد أن أراه في أحضانها أولا ، ثم أفعلوا بي ما تشاءون ؟
ـ تلك مجازفة، لا نريد أن نجربها . ورنوت إلى ذالك الطفل المسكين الذي فقد أباه في لحظة انتقام مدمرة، وهاهو على وشك أن يفقد أمه في مغامرة عمياء.
ـ أرجوكم أرحموني. فلا يمكنني أن أقسو عليه أكثر من ذالك، ويكفيني ألما أنني قد لا أراه أبدا.
حين دخلت السجن كنت ما أزال أعاني من بعض القروح، والخدوش الناتجة عن عسر الولادة، وكنت لذالك أحتاج إلى مراجعة الطبيب من وقت لآخر بانتظام. و في كل مرة كنت أحتاج إلى ذالك كان القيمون على السجن يسمحون لي بأن آخذ الطفل إلى أمي ، إلى أن أعود من العيادة وفكرت في أنها قد لا تتفاجأ كثيرا بشكل يعقد مهمة مهربي ـ إذا ما نجحت في أن أجعل الأمر يبدو لها وكأنه كما تعودت . صحيح أن الوقت كان متأخرا كثيرا، لكن المرض لا يكترث للوقت
ـ وإذا فزعت وأصرت على مرافقتك إلى المستشفى ؟ هكذا قال كبير مهربي ، حين أطلعته على الفكرة .
ـ فقال أحد زميليه : سننكشف وينتهي أمرنا . فقلت :
ـ سآمل أن يساعدنا الحظ . فرد الرجل في فزع :
ـ من هو الحظ هذا ؟ نحن لا نحتاج إلى مساعدة أحد. ولا نشرك معنا في عملنا أي مخلوق كائن من يكن. فهمت ثم أستطرد أسمعي: أعتقد أنه لم يعد أمامك الكثير من الوقت، وعليك أن تقرري بسرعة، وإذا كنت غير جاهزة بعد فسنتركك لمصيرك ونغادر. رفع الرجل الذي أعتقد أنه كبيرهم يديه في شبه استسلام وقال :
ـ هذا للأسف هو ما يبدو أننا سنفعله، مادامت السيدة لا تريد مساعدة نفسها.
رجف قلبي من الخوف وأكتسح القلق كل كياني، فقد استحوذت فكرة الهرب على عقلي، ولم تعد فكرة العودة إلى السجن والى الزنزانة واليأس واردة في تصوري. فقلت ـ في رجاء :
ـ ألم تقولوا بأنكم تريدون مساعدتي ؟
ـ بلى، لكنك لا تريدين مساعدة نفسك.
ـ حسن لا تتخلوا عني عند أول عقبة. وحاولوا تفهم مشاعري. لقد آذيت هذا المسكين كثيرا، ولا أريد أن أوذيه أكثر من ذالك .كلما أطلبه هو أن أراه ـ قبل أن أهجره ـ في حضن أمي وأطمئن عليه ، ولا أعتقد أنها كثير . نظر بعضهم إلى بعض في حيرة ، وصمتوا للحظات ، ثم أقبل على كبيرهم وقال :
ـ هذا يتناقض مع إجراءات سلامة تنفيذ الخطة ، وهو بالضبط ما حذرنا منه ، لكنني سأنحني تقديرا لك إذا ما نجح ألأمر.
وبرزت أمامي عقبة أخرى ـ وأنا أقود مهربي إلى دارنا ـ إذ كيف سأوقظ أمي من دون أن يشعر الآخرون في البيت ؟ لكن الحظ وقف إلى جانبي هذه المرة . وكدت لا أصدق عيني حين وصلت إلى البيت ، أن ألفيت أمي لدى باب الحوش قادمة من بيت الجيران . كانت تلك التفاتة من القدر كريمة لم أتوقعها أبدا ، وهدية منه غالية لم تكن تخطر لي على بال ، فقد كنت أحسب أنه كان يتعمد مضاعفة متاعبي وبذر حياتي بالشقاء وبالألم . وغمرني فرح عارم، وكنت لم أفرح منذ زمن بعيد ـ فمنذ سيطرت فكرة الهرب على نفسي وذقت تلك نسمة الحرية، انحصرت كل مشاكلي وهمومي في هذه التفصيلة الصغيرة. أريد أن أهرب لكن بعد أن أرى بعيني ذاك الطفل البريء وهو في أحضان والدتي.
حدقت نحوي وأنا قادمة ، وحين عرفتني انهارت من المفاجأة ، فوثبت في حضنها ، وطفقت أهدئ من روعها
ـ إنني بخير يا أماه ،فقط أشعر بحرقة وببعض الألم البسيط . وقد طلبت منهم أن أرى الطبيب فوافقوا على ذالك. لكن ماذا كنت أنت تفعلين في هذا الوقت المتأخر من الليل ؟
ـ لو لم يكن الأمر خطيرا، لما وافقوا على إرسالك إلى المستشفى في هذا الوقت المتأخر.
ـ أي خطورة يا أمي. إنها نفس التقرحات التي تعرفين، وآلامها المعهودة، ولا شيء آخر أقسم لك. لكنك لم تجيبين . ماذا كنت تفعلين عند الجيران ؟
ـ كنت أزورهم في شأن ما !
ـ ولم تجدي غير هذا الوقت المتأخر ؟
ـ لا تشغليني عن موضوعك .
ـ كما تشائين . خذي الطفل إلى أن أعود.
ـ لن أفعل حتى تقولين لي الحقيقة .
ـ أي حقيقة ؟
ـ هذا ما أريدك أن تخبرنيه .
ـ آه إنني أتألم . خذ الطفل أرجوك.
رجتني قائلة ـ بصوت يخنقه البكاء وهي تتناول مني الطفل:
ـ أخبري أمك عما يحدث ـ يا بنيتي ـ وعما تفكرين فيه.
ـ ماذا سيحدث يا أماه ، أكثر مما حدث فعلا ، وفيم عساي أن أفكر، وماذا بقي لدي لأفكر فيه
ـ طيب . سآتي معك إلى المستشفى ؟
ـ لا أحتاجك في شيء، ووجودك معي سيثير فضول الناس. هكذا قلت لها متعللة، ثم أردفت: وأنا أشير إلى مهربي ـ هؤلاء المساكين خرقوا القانون لمساعدتي، ولا أريدهم أن يندموا لأنهم فعلوا ذالك. ثم ـ وبأيد مرتعشة، وبقلب هوى ـ سلمتها الطفل وكأنني أقتطعها قطعة من كبدي، وقلت لها ـ وأنا أولي هاربة ودفق جوى قلبي يشدني ويقيد حركتي ـ قلت: أخبريه ـ يا أماه إذا ما بكى بأنني سأعود لأراه.
كان مهربي مهذبين جدا، ولطفاء جدا ومهنيين . وفي الطريق بين " كيفه" و"نواكشوط " شرحوا لي خطة تهريبي كاملة، وأطلعوني بالتفصيل عما ينبغي علي القيام به. لكنهم امتنعوا في حزم وفي إصرار ـ رغم إلحاحي الشديد ـ عن أن يخبروني أي شيء عن هوية من كلفهم بهذه المهمة.
استغرق قطع المسافة إلى "نواكشوط" حوالي خمس ساعات ونصف تقريبا. وقادني مهريبي مباشرة إلى ألمطار ، وبعد حوالي ساعة ونصف من الإنتظار وجدتني على متن طائرة تحلق بي نحو المجهول .
أقمت لمدة أسبوع في "ابد جان" وكانت محطتي الأولى ، ثم انتقلت إلى مالي ، ومنها إلى النيجر فليبيا ، فمالي مرة أخرى ، قبل أن أتمكن من دخول السعودية. حيث أقمت هناك طوال الأعوام التالية. وحين علمت بأن والدي يحتضر قررت العودة لكي أراه للمرة الأخيرة

محمد جواد
07-10-2011, 07:48 AM
قبل أن يؤوب القاضي من دهشته ، ويرفع الجلسة ، كنت أنا قد خرجت من القاعة مندفعا ، وشبح خنجر المرأة منغرسا في خيالي ، انغراس شبح خنجر "محفوظ" فيه ، ساعة قمت من عنده في الحقل ، بينما كان يروي لي قصة حياته .
لقد أمضيت ردحا مما تبقى من ليلتي تلك، وأنا أحاول جاهدا إعادة تعديل صورة الرجل في ذهني وفقا للمعطيات الجديدة. لكن حرصي على أن لا يشوه التعديل جوهر ما أحببته فيها عقد من مهمتي ، وجلب إلى نفسي الضجر. وبعد طول تفكير، أخلدت إلى فكرة أنه قد حوصر، وكان ـ ككل الحيوانات في الدنيا ـ مزودا بخاصية ردة الفعل المنعكس الشرطي.
لم تكن لدي ساعة لأعرف كم بقي من الليل عندما أنهى الرجل حديثه، لكنني كنت أشعر بأن الفجر على وشك أن يطلع. ولأسباب لم أفهمها ، قرر الرجل أنه سيمضي ما بقي من الليل في الحقل رغم الرطوبة وطنين البعوض ولسعه. حاولت أن اثنيه عن عزمه لكنه أصر، فتركته وانطلقت عائدا إلى القرية.
وعلقت لبعض الوقت وسط المزارع، وأنا أتلمس طريقي للخروج من السياج المضروب حولها، لكن الأمر لم يطل كثيرا ووجدت طريقي أخيرا للخروج.
كنت أخطو بحذر، متثاقلا مخافة أن أتعثر، أو أن أدوس على أفعى ، أو أقع في إحدى الحفر، فقد كان بعيني ما يشبه العشى جراء تأثير ضوء الموقد ، وكان بأعصابي ما يشبه الخدر نتيجة طول الجلوس .
ولدى مروري عبر الوادي الذي يفصل بين القرية والحقول ، اعتراني مثل الفزع ، جراء وقع تساقط الأوراق على سمعي ، وحفيف الأغصان وخشخشة العصافير في قمم الأشجار ، وبدا لي هسيس الرياح ـ وهي تصفع الحشائش كأنه فحيح عشرات الأفاعي والثعابين . إلا أن فزعي لم يلبث أن تحول إلى نوع من الاستمراء لتلك الأصوات المنبعثة من ذالك العالم الوادع الجميل . هكذا استسلمت لذالك الشعور إلى أن لا حت أمامي معالم القرية وربوعها . كانت هاجعة في هدوء سحري ، يلفها الصمت السكون والظلام ، ومن حين لآخر كانت تصافح وجهي دفقة من النسيم العليل مشبعة بروائح النباتات في الوادي ، وأريج البقول بالحقول ، فلاشك أنها تريثت بين هامات الدخن وفي أكم اللوبيا ، لهنيهة ، ولبثت بين شجر "اسدر، والتامات و"أمور" ... ولو لحين. وأحس لها وقعا منعشا ، وهي تداعب وجوه ذوي المحتمين ـ وسط القباب أو فوق أسطح المنازل ـ من البعوض ، وتراءت لي أشباح الحيوانات المتناثرة في محيطها ، كأنها قطع منفصلة من الظلام ، لكن حسيس أذنابها كان يتناهى إلى مسامعي بوضوح وكذالك احتكاك أضراسها وهي تجتر.
كان علي لكي أصل إلى دار جدي ـ وأنا قادم من جهة الحقول ـ دون أن تعترض سبيلي كلاب "أهل الخير" الشرسة ـ أن أقوم بحركة التفاف شبه كاملة حول القرية. فأدخلها من الشرق ـ وأنا قادم من الشمال الغربي ـ ثم ألج عبر المسالك الضيقة المتعرجة التي تفصل بين بنيات الحي بشكل فوضي وغير مخطط ، فأمر بدار "أهل أخطورة " ثم دار "أهل المخطار" فأهل "سيدي" وهكذا إلى أن أصل إلى المراح ، الذي يشكل فاصلا وحدود شبه طبيعية بين دور "لفريج" وأكواخ "أدباي" . ثم أول أكواخ "أدباي " وهو كوخ "أهل لقظف" مرورا بكوخ "أهل امبيريك" على اليسار قليلا ، ثم "أهل لقظف الصغار" فعريش " طالبن" فكوخ "ازوين" ثم كوخ أهلي ، ثم ـ بعد ذالك ـ بيت جدي الواقع وسط أكواخ "أهل أدباي" .
أنه ـ حقا ـ طريق شاق وطويل، لكنه بالنسبة لي كان أرحم من نباح تلك الكلاب المخيف.
لا يكترث معظم أهل القرية للخصوصية غالبا ، و عندما يعز الهوى في الليالي الحارة يهملونها تماما، فيبسطون أفرشتهم أمام منازلهم في الهواء الطلق وينامون ببساطة وفي سلام. وكدت أوقع نفسي في ورطة ـ غافلا عن هذا الأمر ـ عندما ما حاولت تفادي المرور بخباء "أم لعبيد" المجنونة ـ بالعبور وسط حوش "ازوين " في طريقي إلى بيت جدي . ولحسن الحظ فقد كنت أسير عكس اتجاه الرياح، وأمشي بتمهل وحذر، وإلا لكنت وقعت في المحظور، وغدوت في نظر "ازوين" من جملة أخدان زوجته "أم البركة" المزعومين. وذهلت ـ وكنت على بعد عدة أمتار منه ـ عندما سمعته يلقن زوجته الشهادتين:
ـ يا أم "البركة" إذا جاءك الملكان يسألانك من ربك فقولي لهما ربي الله. وإذا سألاك من رسولك فقولي لهم رسولي محمدا ابن عبد الله. قلت في نفسي إنا لله وإنا إليه راجعون أماتت "أم البركة" ؟ وقبل أن أتجاوز زاوية الكوخ وهي كل ما كان يفصلني عنهما ، سمعت "ام البركة" ترد عليه شاتمة :
ـ لماذا لا تتخلص أولا من قطعان القمل التي ترتع في مؤخرتك ؟
ـ سأتخلص منك أنت أولا.
ـ وماذا يمنعك يا جبان ؟
ـ واجبي أن ألقنك الشهادتين قبل أن أقتلك.
ـ أنت لا تعرف الواجب، ولا غيره، ثم إن التلقين يكون للأموات وليس للأحياء يا جاهلا. وصرخ "ازوين" قائلا:
ـ قولي يا فاجرة " ربي.... فقاطعته "أم البركة " في مثل نبرته، لكن بلغة ساخرة مستهزئة:
ـ ربي "ازوين" . تنفست الصعداء وحمدت الله ، فهذه مجرد لقطة أخرى من مسرحية حياة "ازوين" و"أم البركة" الملآ بالطرائف والنكات . مسرحية تعودت على مشاهدتها صباح مساء عندما كنت صغيرا، وطالما شهدت بعض فصولها وأنا كبير، لكن الغربة استنيها على ما يبدو كما أنستني أشياء أخرى كثيرة . وعدت أدراجي مسرعا ، فآخر ما أحتاجه الآن جلبة الناس من حولي في هذا الوقت المتأخر من الليل وسط غيرة "ازوين" المجنونة وسطوة لسانه الذرب . واسترقت الخطى وأنا أمر قرب خباء "أم لعبيد" خشية أن أوقظها، لكنها أحست بي قبل أن أتجاوزها فهبت من مرقدها ، ثم أقبلت نحوي مهطعة إلى أن جاءتني . ضحكت ضحكتها الكئيبة تلك التي أعرفها، ثم لسعت روحي بسؤالها اليائس، لكن الأبدي !
ـ "هوم الرجال ما جاوا" ؟
سؤال يعرفه كل الناس في القرية، ويعرفه كل من جاورها. سؤال بائس يخفي وراءه قصة تتقطع لهول بشاعتها القلوب، وتحكي تفاصيلها مثالا لما يمكن أن تصل إليه قسوة الإنسان. سؤال هو كل ما أبقاه الجنون من عقل تلك المرأة التعسة، يوم أقلد عليها ، وهي ترنو ـ بعيون زائغة حجرتها الصدمة والذهول ـ إلى مولودها القادم ـ توا ـ إلى الحياة ، يصارع الموت بين فكي ضبع ضار وجوعان . كان ذالك منذ زمن بعيد عندما كانت "أم العبيد" في السادسة عشرة من عمرها. وحينها حبلت الفتاة كما تحبل أي بهيمة من بهائم "عربيها " . في يومها المشئوم ذاك ، وعندما قرصتها آلام المخاض صباحا ، حاولت جدتها النصف عمياء جاهدة استدرار عطف "عربيها" آملة أن يسمح لها بالاستراحة من الرعي في ذالك اليوم . إلا أنه أبى في صلف وخيب رجاءها بجفاء .
ـ إنها صغيرة يا سيدي ، لكي تواجه أهوال الولادة وحدها ؟
ـ لم يحن أوان ولادتها بعد، وما أراها إلا تتمارض.
ـ بلى قد حان يا سيدي وهي... فزجرها بحنق قائلا:
ـ ليس عندي اليوم سواها، وإذا كنت تشفقين عليها إلى هذا الحد، فقومي بذالك بدلا عنها.
ـ إنني شبه عمياء ، وبالكاد أجد طريقي إلى الخلاء ؟!
ـ اسكتي ـ إذا ـ ودعي الملعونة تؤدي عملها .
ـ سأصبحها، فلا يمكنني أن اتركها تذهب بمفردها ؟
ـ وهل ستقودك ، أم هل سترعى الغنم ؟ لا لن تصحبيها .
آوت الفتاة إلى ظل شجرة عندما جاءها المخاض ، مسلمة نفسها لآلام الطلق وتهاويله المريعة ، وناضلت مستنفرة جماع غريزة أمومتها ،إلى أن وضعت مولودها بعد طول معاناة وعذاب . حين استعادت وعيها ،وخلصت نفسها من توابع الولادة ، لفت الوليد في خرقة كانت العجوز قد زودتها بها . إلا أنها كانت مضطرة لتركه والتحامل على وهنها، لترد الغنم، ولتجلب ـ من ثمة ـ قربتها من على ظهر أحد الكباش. وهي عائدة إلى الشجرة ، تجر في إعياء قربتها ، تناهت إلى مسامعها صراخ مذعور، قادم من حيث تركت المولود ، فأسرعت تستحث الخطى ، في لهفة وفزع ، لتجده يقاوم بلا جدوى إطباقة فكي الضبع الضاري. كان المشهد على ما يبدو أفظع من أن تتحمله نفسها، فسقطت مغشيا عليها على بعد بضع خطوات من الشجرة. وجن جنون العجوز عندما تراحت الأغنام بدون ابنتها، فطفقت تولول ملهوفة وتستنجد ، فهرع من استثيرت شفقتهم في طلبها . كانت نصف مشلولة عندما وجدوها ، وشبه خرساء وبالكاد تعي ما حولها ، ولم يكن من الصعب استنتاج تفاصيل ما جرى ، فمن الكلمات القليلة المضطربة للبنت عرفوا بداية ما حدث ، ومن بقايا أشلاء المولود ، وآثار الحيوان المفترس حول المكان أدركوا نهايته . خرجت المسكينة من عتمة الصدمة لتتردى في غسق الجنون ، وفي الطريق بين هذه وتلك لاقت من عنت الفجيعة ما أوهض قلبها ، ومن نار الحسرة ما أحرق روحها . وعندما كانت نوبات حادة من الجزع والخوف تنتابها ، كانت تهذي في ما يشبه الوسواس القهري " مربه ، مربه " فكانت جدتها تهب لنجدتها ، فتربت عليها مطمئنة وتفزع عنها بقولها " سيتتبعه الرجال ، وسيجيئون به" فتهدأ الفتاة لبعض الوقت ، ويسري عنها لكن إلى حين . ولم تلبث أن خبلها الحزن وتلبسها الجنون بشكل كامل، فأطل من بين أطلال ذاكرتها، ذالك السؤال الحائر. كصرخة ألم من نار طول انتظارها ، وتذكرة لألا يطوي النسيان سر مأساتها ، ورماد ذكرى أمنية لعلها آخر ما وعته قبل أن تضيع في أتون ولهها . " هوم الرجال ما جاوا " ؟
ـ " ادور ايجو إنشاء الله " . هكذا أجبتها ، وكأن المسكينة ظفرت بمبتغاها ، فابتسمت تلك الابتسامة البلهاء ، ثم انطلقت راجعة لتتوارى في عتمة خبائها .
دفعت عن نفسي ما أثارته فيها الذكرى الأليمة هذه ، ثم تابعت تقدمي نحو بيت جدي. وأنا أقترب منه، أحسست وكأن ظلال الليل القاتمة بدأت تتلاشى، وبأن الصبح يوشك أن ينبلج، فجبت بنظري أرجاء القرية، أتحسس بخيالي ربوعها، فشعرت في تلك اللحظة ـ بأنني أعيد اكتشافها من جديد.
كانت هذه المنطقة فيما مضى مستنقعات ضحلة تتوسطها تلة صغيرة يقوم وسطها جبل صغير شبه خلاء تعربد فيها الرياح بكرة وأصيلا، وتتناثر في محيطها خويمات بدو شاحبة الظل ، ساخنته. وأذكر أنه حين أراد "اخطور" شيخ القبيلة عندنا ـ أن يحفر في سفحها بئرا ، اتهمه البعض بالجنون ، لكن ادعاء إحدى قبائل الجوار، بأن تلك المنطقة بأسرها ملك لها ولأجدادها ، أثار حمية القبيلة ودفعها إلى الوقوف معه وتشجيعه . وتطور الأمر بسرعة بين الفريقين حتى أوشكا على الاقتتال . لم تكن "النعيم" قد ولدت بعد ، وكان "أدباي " يعيش منفصلا عن "لفريج " لكنه كان يعرف دائما ـ بصيفته "أدباي أهل أخطورة " . كان الفصل صيفا ـ و"أهل أدباي" يعدون العدة لهجرتهم الموسمية نحو الجنوب المالي ، حيث سيعملون أجراء لدى المزارعين الماليين إلى أن يبدأ الموسم الزراعي في موطنهم الأصلي ـ عندما جاءنا أحد رجال "لفريج" يستنفر الرجال ويبتغي النصرة . كنت صغيرا آنئذ ، وأقيم مع جدي في المدينة ، لكنني جئت إلى أدباي لقضاء العطلة الصيفية . وارتحل "أدباي" بأكمله استجابة لاستغاثة "لفريج" ، لكنهم حينما وصلوا كانت الحكومة قد تدخلت وهدأت الأمور. ووجدت الجماعة في الأمر مناسبة لتقوية روابط الانتماء بين أفرادها ، ولبث الشعور بالطمأنينة والأمان بينهم .فقد تقاطروا عليها من كل حدب ، وجاءها المناصرون من كل صوب ، فأقيمت الاحتفالات ،وذبحت الذبائح ، و أولمت الولائم على مدى أسبوع ، وفي مشهد لاستعراض القوة والنفوذ ، ودغدغة الكبرياء وإرضاء الغرور،كانت تقام سباقات للجمال مساء كل يوم ،و يعقبها سباق آخر للخيول ، وفي الليل كانت الاحتفالات تبلغ ذروتها ، فتفشو البهجة ويعم الحبور، حين تصدح "النيفار" في تلك الأجواء ويتعانق دوي "الشنة" مع قرع الطبول . وأخيرا سويت المشكلة ، وسمح "لأخطور" بأن يحفر البئر. ورجع الكل إلى حيث كان. والى وقت قريب ، بقيت تلك البئر نقطة عبور لامحيد عن المرور بها لمنتجعي كلأ الشمال المالي لأنعامهم صيفا ، والقافلين نهاية فصل الخريف نحو مراعي "اظهر" في الشمال الشرقي لولاية الحوض الشرقي . ومعطنا لهمل الحيوانات بمختلف أنواعها ، ونقطة يلتقي عندها البدو الساعين وراء ضوالهم ، حيث كانوا يتبادلون عندها الأخبار،ويروون دوابهم ، ويتزودون منها بالماء . لقد حللنا بهذه المنطقة مرات عدة بعد ذالك ، ومرات أقمنا بها حينا من الدهر. وبعد أن أخذ الجفاف في قضمها ، مررت من هنا أيضا في السيارة حينا، وعلى ظهور الحمير حينا آخر، كانت هناك ـ حيث تمتد الحقول ، ويقيم السدـ غابة كثيفة تتعانق فيها قمم أشجار"التامات" با"الصدربيظ" أرضها طينية صلبة ، تكسوها في بداية الخريف أعشاب "آز" وأعشاب أخرى ، وتخضوضل ب"تمقلصت" و"اقرطيم" أطرافها ، وفي فصل الشتاء تتحول الأعشاب إلى حشائش ، للنعاج في قضمها طريقة ذات جرس أخاذ طالما خلبت لبي موسيقاه وأنا صغير ، وحنت لها روحي وأنا في الغربة . القرية الآن ساجية في هدوء تولد لحظة من أخرى ، وعما قليل ستدب الحياة في أوصالها ، ويستأنف الزمن لعبته الأزلية مع هذه الكائنات. ومضيت متأملا فيما حولي ـ وقد انهملت ذكرياتي تترى ، وأنا أردد النظر بين أسطح منازل القرية الوطيئة وبين استدارة الأفق من حولها . لقد مر حين من الزمن كانت فيه هذه الأرض خصبة ممرعة ومعطاء، ثم حل بها القحط، و انقض عليها الجفاف، ففني خضلها بريح السموم العاتية، ودفن أديمها تحت الرمال المتحركة، لكن السماء رقت لها ، وفتحت أبوابها بماء منهمر، فاختنقت الريح ، وانجرفت الرمال. مثل ذالك الجفاف قد حدث بعد ذالك ، وسنوات قحطاء عجاف أخرى مرت من هنا ، لكن السماء ، ما انفكت ترق، وكانت في كل مرة تشفق . شأنها هذه المرة أيضا "ازوين" صاح مبتهلا "احماربيظة قايسا" حين رأى جدران كوخه تذوب من شدة المطر. لكن ماذا لو أن السماء قدرت، أو قست، أو حبست وغيض ماؤها ؟ . وألفيت ـ وأنا أدلف نحو باب الحوش ـ فأرا يجد في حماس لاجتراح جحر طلبا للطمأنينة و راحة البال . مثل تلك الاشجارعندما تنصب أشواكها مستنفرة في حالة تأهب قصوى وكهذه الخنفساء وهي تسعى جاهدة لتبلغ الأمان في مكمنها . مسكين أنا أين سبيلي إلى الطمأنينة، وأنى أظفر بالأمن و براحة البال ، مادام قلقي وخوفي يأتيان من داخلي . مررت قريبا من "السدرة" القائمة بمدخل حوشنا فأنشبت أشواكها في كمي ، هذه السدرة وتلك القتادتان ، المجاورتان لها ، تقوم بيني وبينهم وشائج قربى ، وأشعر اتجاههم بصلة روحية . ورغم حداثة العهد فإنني ، أحس نحوهم بالكثير من الحميمية ، خصوصا عندما تنوء أغصان السدرة بيانع النبق اللذيذ ، وتتبجس في القتادة أهلة الصمغ الناعمة الملمس الطيبة المذاق. حين وقفت أمام العريش القائم في فناء دار جدي ، كان الليل قد عسكر في الأفق جهة الغرب منهزما على ما يبدو وطلائع النهار تلاحقه ، وأملت أن أجد جدتي منهمكة في بعض أعمالها الصباحية ، فقد كانت تكره مبيتي خارج البيت دائما ، وطالما عنفتني حين أعود إليه متأخرا ، لكن أملي خاب . وبينما نظر إلى جدي بحدب متهلل الوجه في ترحاب ، شزرت هي إلي في ما يشبه الاحتجاج وقالت تستكنه سر شحوب سحنتي :
ـ هل طاردتك الشياطين طوال الليل كله ؟ تجاهلت تساؤلاتها الاستنكارية هذه ، فلم تكن لدي رغبة في الكلام ، ثم إنني كنت مرهقا ، ومتكدرا، وكنت أريد أن أنام . لم تعجبها ردة فعلي على ما يبدو، أو لعل الإرهاق على وجهي أقلقها ، وربما صدقت بالفعل بأنني كنت ضحية لمطاردة الشياطين ،فقد كانت تؤمن بتلك الأشياء أيما إيمان ، وتقيم لها ألف حساب ، وكانت تخاف شرها على أولادها وتحاول بسبل شتى أن تتقيه أو تدفعه ، ومن واقع حرصها علي فلطالما حسبتني عرضة لمختلف قوى الشر التي كان يضج بها خيالها ، فقد كانت عيون الحساد تلاحقني ، وكان يتربص بي كيد النساء ، ولأنني لم أكن أرى رأيها في أولائك الذين تعتبرهم أولياء ، وصالحين ، فقد كانت تخشى علي من لعنتهم ، وبطش لأرواح التي تنتقم لهم من منتقديهم . وزادها عزوفي عن الزواج قلقا ، وزهدي في هذا الجانب من حياتي ، فباتت مهيأة نفسيا لمكروه تتوقع أن يحل بي بين لحظة وأخرى . وفوجئت بسحلة ـ على القفى ـ من سبحتها قوية ، ثم بنضحة ماء باردة على الجبين باركها ريق أحد مشايخها الكثيرين . فانتزعتاني من براثين أحداث ليلتي الطويلة تلك، وحررت نفسي من وساوسها، شأنهما معي هذه المرة أيضا حين انتشلتاني من وهيج ذكراها المضطرم داخل نفسي على اثر أحداث محاكمة "زينب".
كنت مشوشا، ومضطرب التفكير عندما غادرت قاعة المحكمة، وفي المستشفى ـ حيث ترقد جدتي، وبعد أن ارتخت أعصابي، واستعاد ذهني هدوئه ـ طفت على سطح ذاكرتي، أحداث تلك الليلة مع "محفوظ"، لتتشابك مع أحداث هذا اليوم مع "زينب". ومرت الساعات وكأنها ثوان، وأنا منكس الرأس مستغرقا في التفكير، ولا أكاد أحس لما حولي وجودا.ولعلي أفلت تنهدة ، أو آتيت ما يدل على الشرود ، فعاجلتني مسبحة جدتي ونضحة ماءها المبارك ! وحين نفرت واقفا صاحت بي :
ـ أجلس . وهمت أن تعيد الكرة، فقلت ـ وأنا أتفاداها:
ـ هذه قوية، يا جدتي ـ كفى أظنهم قد خافوا الآن وهربوا.
ـ لا تهزأ بي ، فأنت توشك أن "تنكمل" فقالت أمي :
ـ "ألا لخير"، ثم أردفت موجهة كلامها لي ـ وقد أطلت من عينيها ظلال حيرة، وبوادر اهتمام مفاجئ ـ أردفت:
ـ ما بك تبدو متكدرا ؟
ـ أنا ! ماذا بي ، هل أبدوا فعلا كما تقولين ؟ إنني أرى نفسي بخير. لكنني لا أظن انك وجدتي كذالك فلماذا هذه الحيرة في عينيك، وما هذا القلق في وجه جدتي ؟ فقالت العجوز:
ـ ألم أقل لك بأنه "انكمل" انه لا يرى وجهه المتورم ، ولا عينيه الغائرتين ، ولم يسمع نفسه وهو يتنهد كمن يوشك على البكاء . ولعله لا يعي بأنه يجلس في نفس المكان "من الصبح" في حالة من التجمد التام منكس الرأس في وجوم منكوب أو من حلت به مصيبة ما. وازدادت أمي حيرة ، وأصبح قلقها أكثر جدية وهي تقول :
ـ هل ساء إليك أحدهم ؟ أو جاءك من خبر "لخيام" ما يسوء ، أرجوك لا تكتم عنا ؟
ـ آه كفى أرجوكم. لماذا ... وقاطعتني العجوز قائلة ـ وقد تحول خوفها إلى ثورة غضب واحتجاج:
ـ من قال لك انه يهتم ب"لخيام "أو بأخبارهم ؟ لا بد أنه تعرض للاعتداء ، من طرف احد هذا "جامبور" حيث يتسكع بينه الليل كله ، وكأنه في القرية بين ظهران أهله . ثم صمتت للحظة، وتمتمت متعوذة ، قبل أن تقذف بسر قلقها الحقيقي فقالت " أل كثر اسر يلقاه إل بخنافر ، وال بلا اخنافر" من يدري لعل إحداه سحرته سحرته ! . رددها أحد الحاضرين . شاب في مثل عمري كان يجلس على كرسي إلى جانب السرير الموالي لسرير جدتي، حيث ترقد امرأة علمت فيما بعد بأنها خالته. ثم أردف: لقد تطورت الأمور عندنا كثيرا ـ يا والدتي ـ فنساءنا صرن يقتلن حين يفشلن في ترويض الرجال.
ـ فقالت أمي في استنكار يقتلن ؟ قولي الخير واسلامه ، يارب نسالوك العافية . ثم أردفت هل حصل هذا بالفعل
ـ فقال الرجل: ألم تسمعي عن محاكمة تلك المرأة اليوم ؟
ـ أية امرأة ؟ وقبل أن يجيبها تدخلت أنا وسألته ؟
ـ هل حضرتها ؟ .
ـ بلى . وسكت قليلا قبل أن أردف:
ـ وهل أنت من أهل "كيفة"
ـ نعم .
ـ لا بد أنك إذا كنت تعرف المرأة ؟
ـ هي شخصيا، لا. لكنني كنت أعرف قصتها، وسمعت عنها الكثير. .
ـ وأنت. ؟ وترددت للحظة وأنا أفكر في الإجابة المثلى ، والتي قد تدفع الرجل إلى الخوض في تفاصيل الموضوع بشكل يشبع نهم فضولي . ثم قلت :
ـ أنا. لا ، .فأنا من أهل "النعمة". هكذا أجبت الشاب، ثم أردفت لكن بما أنك من هنا حيث وقعت الجريمة فلابد أن لديك بعض المعلومات، وتعرف من التفاصيل، ما لم يقل في المحكمة.
ـ أخشى إلا يكون الأمر كذالك، فمعلوماتي عن الموضوع عامة وسطحية.
ـ ليكن . حدثني بما تعرفه .
ـ لا بأس ، لكن تعالى لندخن في الخارج !
ـ هيا .
ـ إن قصتها محزنة . أليس كذالك ؟
ـ هي كذالك بالفعل ،ولكنها ـ في نفس الوقت ـ مثيرة .

زينانا
09-10-2011, 08:58 AM
محمد جواد،
استطعت ان تصل الى الحد الذي يجعل القارئ النهم دائم الترقب للمزيد
دمت مبدعا

bekrin
11-10-2011, 06:25 AM
أخي جواد أبدعت والله .نحن دائما في إنتظار إطلالتك بأحر من الجمر

محمد جواد
23-10-2011, 01:19 PM
ـ إن قصتها محزنة . أليس كذالك ؟
ـ هي كذالك بالفعل ،ولكنها ـ في نفس الوقت ـ مثيرة .
ـ يقولون إن أبوها كان رجلا طيبا، ومتواضعا ويحبه الجميع، بينما كانت أمها متسلطة، ومتعجرفة وسليطة اللسان. ولأنها كانت ابنتهم الكبرى ، فقد حظيت باِثرتهما ، فتربت عزيزة ومدللة . إلا أنهما غلطا في حقها غلطتهم الكبرى ، عندما أرغماها على الزواج من ذالك الرجل وهي له كارهة . ويقال بأن سبب كرهها له، هو تعلقها الشديد بابن عمة لها مفقود منذ زمن بعيد . و أظن أنها اليوم ـ وأثناء مرافعتها ـ أشارت إلى ذالك دون أن تخوض في التفاصيل . لكن الجميع متفق هنا على أنها كانت تعني ابن عمة لها يدعى "محفوظ". لكن رغبة البعض في أن يجعل "محفوظا" هذا هو القاتل الحقيقي لزوجها، وأنه هو من تولى تهريبها من السجن بعد ذالك. جعلني أرى في الأمر نوعا من التأليف. فهو لم يعد إلى "كيفه"ـ بشهادة الجميع ـ منذ أن هجرها يائسا من الزواج بالبنت. فكيف يكون هو من قتل الرجل، وكيف تسنى له أن يهرب البنت .إن ...
ـ ليس ذالك أمرا يصعب تخيله . هكذا. قال أحدهم ، كان يقف بالقرب مني ومحدثي . ثم أردف : فلربما كان الرجل قد دخل المدينة متخفيا ، ونفذ جريمته وهرب .
ـ " محفوظ" لا يهرب. !
" وصرخت "زينب" مذعورة عندما علمت بأنني لن أتي معها، وتشبثت بتلابيبي منتحبة ترجوني ألا أدعها ترحل وحدها.
ـ قل بأنك لن تخذلني مجددا، وستأتي معي أليس كذالك ؟!
ـ أنا لا أهرب.
ـ لماذا لم تدعني ـ إذا ـ أواجه مصيري بالقرب من أبوي.
ـ خوضي التجربة، وإذا لم تعجبك، فباب العودة مفتوح أمامك في أي وقت.
ـ كنا لنتجنب كل هذا، لو أنك أطعتني و...
ـ وهربنا ؟ أنا لا أهرب.
ـ آه لو أنك امتلكت نصف هذه الشجاعة حينها لكنا ... ؟
ـ واجهنا ؟ . كانت معركتي، ولم يكن من الشجاعة في شيء إقحامك في أتونها.
ـ كنت أحسبها معركتنا ،وليست معرتك وحدك !
ـ كانت كذالك .
ـ كيف ، وأنت تقول ب... ؟
ـ لا وقت للشرح ياحبيبتي ـ فالطائرة على وشك أن تقلع . لقد سرت طويلا في هذا الطريق وأصبح من المستحيل أن أرجع."
وعدت من شرودي ـ في حديث " محفوظ" هذا ـ إلى الرجل وهو يقول : ...و أولائك الذين يروجون هذه الإشاعة ، لا يفعلون سوى التأكيد على جهلهم "بمحفوظ"
فلاحقته قائلا ـ وهو يهم بمغادرتي ومحدثي ـ
ـ هل كنت تعرفه ؟ فتوقف . وبعد لحظة صمت لم تدم طويلا ـ لعله كان خلالها يستدعي ذكرياته البعيدة ـ نظر إلي وقال ـ وإحساس بالفخر يخامر كلماته:
ـ وهل هنالك من جيلنا من لايعرف "محفوظ" . "آينشتاين" كما كان الشباب في المدرسة يسمونه لحدة ذكائه ، و"نارسيس" كما كانت الفتيات يسمينه لفرط وسامته ، انه ليس من النوع الذي يمكن أن يسقط من لذاكرة بسهولة، فهو لم يكن ـ بكل المقاييس إنسانا عاديا. لقد كنت واحدا من أناس قلائل استطاعوا أن يفوزا بصداقته، لكنني كنت الوحيد الذي حاز على ثقته. ومع إنني كنت أجد متعة كبيرة في التحدث إليه ومناقشته، فقد كنت امتعض من سلبيته في بعض الأحيان، ومبالغته في الاهتمام بالدراسة. ربما كان طبيعيا جدا ـ لمن كان يعيش مثل عيشته ألا تكون همومه كهمومنا نحن أبناء الفقراء ، وكذالك تطلعاته ، وأحلامه ورؤاه ، إذ كان سليل أسرة شريفة ، أبوه وريث مشيخة وذو مال ، وكان يعيش في بحبوحة من العيش في بيت عمه عزيزا ومرتاح البال . لكن زهده في استغلال ما كنت أعتبرها امتيازات كان يحظى بها ، على نحو ما كان يفعل أمثاله من أبناء ذوي الحظوة في المجتمع ، كان يغيظني ، ويضع أكثر من علامة استفهام حول شخصيته . فهو لم يكن يغالي في اللبس، ولا في التأنق مثلا، ولم يكن ـ كالآخرين يطارد البنات، ويسعى ورائهن. وكان ـ على الرغم من اطلاعه الواسع ـ لايبدي كبيير اهتمام لما كانت تضج به ساحة الثانوية من حراك وأفكار. ولأنه كان شديد الانطواء ، ومتحفظا جدا ، وكتوم ، فقد كان البعض يتهمه بتضخم الأنا وبالزهو بالنفس وبالخيلاء . عندما كنا في الثانوية سرت بين الطلاب والطالبات نكتة تقول " وأخيرا وقع "بجماليون " في الحب. وكان المقصود "محفوظ" أما التمثال فكان ابنة عمه "زينب" مديرة أعناق الأساتذة، وساحرة ألباب الطلاب. لكن من يستطع إثبات ذالك ؟ أنا. هكذا كدت أجيب الرجل، لكنني أحجمت، وواصل هو حديثه فقال : لم أشهد المحاكمة اليوم ، إلا أنني سمعت البعض ممن حضرها ، يعود بالزمن القهقرى ، ليميط اللثام عن هذه النكتة من جديد ، بل ويذهب إلى أبعد من ذالك حين ينفخ فيها الروح ، فيزعم أن "محفوظا" جاء يخطب البنت حينما كان يدرس في الجامعة فرفضته أمها ، مدعية بأنه ليس كفؤا لها . وأن هذا هو السر في اختفائه ، قد يكون هذا صحيحا ، وقد لا ، فصلتي به انقطعت منذ نجاحنا في الباكالوريا . وأغلب الظن أنه حصل على منحة، وأنه فضل العيش حيث كان يدرس. ولا عجب . فلاشيء يغري بالعيش وسط هؤلاء، ما لم يكن المرء مجبرا. وأيا كان ألأمر ، فإنني أجزم بأن :محفوظ" لم يقتل ذالك الرجل . إذ يصعب أن نوفق بين كونه كان يعشق الفتاة ، وبين أن يورطها في جريمة بشعة كهذه ، ولو كان بالفعل يريد قتل الرجل ، لفعل ذالك علنا ، وعلى رؤوس الأشهاد ، إذ أنه كان عنتري النزعة شجاعا ، وكان يكره الحيل ، ويمقت المراوغات . كان الرجل يتكلم فيما يشبه الانفعال، وبنبرة صوت مرتفعة قليلا، مما تسبب في انجذاب بعض المارة والزوار، والفضوليين إلينا. ورغم أن الجميع تدخلوا في الموضوع، كل بوجهة نظر مختلفة، فان كل ما قيل سواء عن "زينب" أو "محفوظ" أو عن قصتهما، كان في الواقع أقل بكثير مما أعرفه عنهما. لكن كثرة المتدخلين في الموضوع، وتباين الآراء ، وتضاربها ، كل هذا أدى بالتدريج إلى فوضوية النقاشات و أدى بالتالي إلى تشعبها . قال أحد المتدخلين :
ـ إن المألوف قد ملك على الناس هنا عقولهم، فإزاء عجزهم عن استيعاب أمر ما ، أو فهمه أو استساغه ـ ينكبون على مألوفهم بحثا عن الشبيه، وتنقيبا عن المثال ، وحين يفشل الأمر لا يبقى أمامهم سوى التقول ، والأراجيف ، والشائعات . وأرى أن ما يتداول حول هذه القضية أكبر شاهد على ما أقول. فقد كانت أقوال المرأة اليوم أمام المحكمة منطقية، ودقيقة ومتناسقة. وكانت اعترافاتها وكاملة، وصريحة ، وحتى الدوافع ـ التي جعلتها تقدم على ما أقدمت عليه ـ كانت في مجملها كافية إلى حدما ومقنعة ، فحتى أعضاء الجسم يمسي بترها مستسهلا حين تغدوا مصدر للألم والأذى . فرد عليه آخر:
ـ لكن طريقة هروبها ـ كما روتها ـ هل كانت على ذات القدر من المنطقية و الصراحة و... ؟
ـ لست متأكدا من ذالك، وهي بالفعل تبدو غريبة نوعا ما، لكن أهل البنت كانوا يملكون المال وهو ـ وكما يعلم الجميع ـ عدو تقليدي لمختلف الصعاب. فتدخل آخر وقال :
ـ لقد قالت بأنها كرهت زوجها بسبب تعلقها برجل آخر، رجل قالت بأنها متيمة به إلى حد الجنون، فهل نحتاج بعد هذا ـ ولكي نبعد ابن عمتها عن الشبهة أن... فقاطعه آخر
ـ ابن عمتها أو ابن عمها ؟
ـ لا يهم . البعض يقول هذا، والبعض الآخر يزعم ذالك. فقال آخر
ـ قد يكون كليهما.
ـ يجوز. لكن الأمر سيزداد غموضا بدون معرفة أيهما بالضبط.
ـ يمكنك أن تختار أيهما تشاء .
ـ والحقيقة ؟
ـ الحقيقة هي ما يدعم معتقد الناس ، و يشيع بينهم أكثرمن غيره .
ـ يمكن لغير الحقيقة أن يفعل ذالك.
ـ وما ذا أفعل لك ؟ ألم تسمع الرجل الذي كان يدرس معه يقول لك أنه ابن عمها ؟
ـ لكن الكثيرين يزعمون بأنه كان ابن عمتها، وبأنه كان مجهول الأب ، ولذالك رفضته أمها بدعوى عدم كفاءته للبنت !
ـ إنني اسمع هذا للمرة الأولى ! أين الرجل الذي زعم بأنه كان زميله أيام الدراسة ؟
ـ لقد ذهب .
ـ ربما كان يكذب . فقال آخر :
ـ ذالك رجل صدوق .
ـ هل كنت تعرفه ؟
ـ لا ، لكنني أعرف من يعرفه .
ـ هل يكفي هذا في رأيك ، لنزكيه على هذا النحو الواثق .
ـ دعك من ذالك كله ، أكمل فكرتك . فقال آخر:
ـ ليس قبل أن نحدد موضوع النقاش.
ـ ألم تكن موجودا معنا ؟
ـ بلى . لكنني لم استطع أن افهم حول ماذا تختلفون ؟
ـ أنت لم تكن حاضرا إذا !
ـ ماذا كنت أريد أن أقول ؟ لقد نسيت ، آيوه.
ـ كنت أقول: بأننا لا نحتاج ـ لكي نبعد "قريبها" عن دائرة الشبهة ـ إلى التشكيك في أنها كانت تحبه، فكم رجلا سلب حبيبته دون أن يتحول إلى قاتل. فقال آخر:
ـ وكم امرأة حرمت من محبوبها دون أن تتحول إلى مجرمة ، ليس ذالك ـ بالفعل ـ كافيا لتفسير ما حدث ، خصوصا حين نعرف أن المرأة أخيرا أذعنت لرغبة ذويها فقبلت الزواج من الرجل باعتباره قضاء وقدرا ، فكانت تحمل منه المرة تلو الأخرى . ولولا الإجهاض لكان لها منه بدل الواحد اثنان أو ثلاثة. وقال آخر:
ـ فكرة أن قريبها المزعوم هذا هو القاتل، لا تصدم كثيرا أمام المنطق. فقد كانت لتعترف عليه، وتجنب نفسها هذه الورطة، مادام قد هرب ونجي بفعلته.
ـ ربما لم تكن واثقة في أنه سيتمكن من النجاة، فضحت بنفسها من أجله ؟
ـ ما أحوجنا إلى مثلها .
ـ قاتلات، مجرمات ؟!
ـ بل ، مخلصات ، صادقات في عواطفهن ، مستعدات للتضحية في سبيل ما يؤمن به . فقال آخر
ـ ولماذا لم تمكنه من نفسها ، أو تهرب معه ويتزوجا ، وفي كلتا الحالتين كانت ستضع أهلها أمام أمر واقع جديد ، قد يكون قاسيا ومشينا إلى حد ما ، إلا أنه مع ذالك سيبقى أهون مما أوقعت فيه نفسها من شقاء ، وما جلبته على أهلها من عار.فقال آخر:
ـ لا بد أنها فكرت في هذا، لكنه لم يكن قناعة أهلها. وتساءل أحدهم :
ـ أليس غريبا أنها لم تشر إلى أي دور له في الموضوع . ؟ فرد عليه آخر
ـ ربما لم يكن له بالفعل أي دور فيه .
ـ ومن هربها ؟
ـ ربما أسلافها المباركين !
ـ أهذا ماز عمته ؟
ـ كلا ، هي قالت بأنها لاتعرف .
ـ ينبغي أن أكون مجنونا، حتى أصدقها !
ـ ثمة حلقة مفقودة في تسلسل أحداث هذه القصة .
ـ تعني قصة هروبها ؟
ـ بل القصة برمتها. فتدخل آخر قائلا :
ـ إنها قصة غريبة، وهي مؤشر على وجود أزمة أخلاقية عميقة، قد تقوض صرح هذا المجتمع إن لم يتم التصدي لها في الوقت المناسب. فرد عليه آخر
ـ أزمة كلمة كبيرة إلى حدما ، لكن لاشك أن ثمة خللا في علاقة الرجل بالمرأة في مجتمعنا ، وينبغي معالجته قبل أن يتفاقم الأمر.
ـ وأين سنعثر على هذا الخلل وسط كل هذا الظلام ؟
ـ احفروا في جماجمكم . فقال آخر:
ـ لا تنسوا الديناميت . فرد عليه آخر:
ـ لا تتعبوا أنفسكم . فما ابتعد قوم عن الله ومنهجه ، إلا ابتلاهم الله بشتى أنواع بلائه . فرد عليه أحدهم :
ـ ولماذا لا يمنعهم من الابتعاد عنه وعن منهجه وحسب، بدل التنكيل بهم على هذا النحو؟ !فقال أحدهم غاضبا. ـ كفرت . فالله لايسأل عما يفعل . وهم يسألون " ثم أردف: منتصرا لرأي الأول لقد صدق الرجل.فقد انتشر الزنا ، وفشا الربا ، وكثرت المعاصي و الآثام ، فتوقعوا الزلازل والفتن وكل أنواع الأرزاء والمحن . فانبرى احدهم قائلا:
ـ لا يبدو مثل هذا الربط موفقا ، فلمثل تلك الكوارث أسباب أخرى مختلفة عن ذالك تماما ، وقد حدثت في كل العصور والأزمنة ، حتى تلك التي تمثل في ذهنك رمز الطهر والنقاء . فصرخ الرجل بغضب .
ـ أنت شيوعي مقيت . فرد عليه الآخر:
ـ وأنت اخو ينجي متعفن. ياجماعة ماهكذا تناقش الأمور ، لقد ابتعدتم كثيرا عن الموضوع وضخمتموه أكثر من اللازم . هكذا تدخل أحدهم برزانة وهدوء ثم أردف قائلا: لا شك أن غرابة الأمر هي... ، فقاطعه آخر بحماس :
ـ ليس في الأمر أي غرابة . الغريب حقا أن نصب الزيت على النار فلا تشتعل.
ـ ترى من كان الزيت، وأيهما كان النار؟
ـ أنت ومايلائم ذوقك فلن ، يغير مثل ذالك التحديد في الأمر شيئا ، ثم إننا بصدد نقاش جاد ، ولا داعي لهذا النوع من التدخلات ، واستطرد : إنني على يقين تام بأن تلك المرأة لم تعمد إلى قتل ذالك الرجل ـ وكانت ساعتها مجرد فتاة صغيرة ـ وفي قلبها قطرة من الإنسانية . إذ ينبغي للمرء أن يتجرد من إنسانيته، قبل أن يلبس حيوانيته. وثمة خطوات واسعة بين هذه وتلك، لا شك أن المسكينة قد ناضلت قبل أن تقطعها. لكن برودة الرجل كانت قاسية ، وغدره أحبط جهودها . حين أرادت أن تكيف نفسها مع جو الخيانة والقهر والضجر. ورغم العتمة التي كانت تلف طريقها ،و النفاذ المضطرد لمخزون الإنسانية في قلبها ، ظلت المسكينة تقاوم ، وتجاهد على أمل أن تتفادى ما حدث ، لكن هيهات . إنما يبصر الناس طريقهم في هذه الحياة بنور الأمل ، وعندما ما ينطفئ تمحي معالم الدروب في أعينهم ، وتتداخل في أذهانهم الحدود بين الأشياء ، ثم تنعدم . وقال آخر
ـ أحسنت . ثم أردف: هذه المرأة، وذالك الرجل كانا ضحايا، لعمى الأعراف وجمودها، وقسوة التقاليد وصممها.
ـ بل، ضحايا للجهل، والطمع، والغرور. فالجهل كان يصم آذان ألأم عن شكوى البنت وصيحات ضجرها، فكانت كلما جاءتها هاربة من جحيم حياة زوجها، أرغمتها على العودة إليه رغم إرادتها. وكان في نفس الوقت يثير في نفسها مخاوف غبية لا أساس لها ـ من شر سيلحقه بها ولاء ابو زوج ابنتها المزعوم لله ، فكانت كلما صممت ألا تعود إليه أعادتها بالنصح التافه مرة ، ومرة بالوعظ البليد . والطمع أسال لعاب تلك ألأم الجاهلة، فحملها على إكراه ابنتها على الزواج من رجل تكرهه إلى حد المقت. أما الغرور فقد أعمى بصيرة ذالك الزوج التعس فأساء تقدير خطورة الطريق الذي كان يقود عبره زوجته ، إذ كان يقتل فيها كل لحظة شيئا ما من إنسانيتها ، وحين غدت وحشا كاسرا كان هو أول ضحاياها. لقد زاملت ذالك الرجل عندما كان في الثانوية . وكان رحمه الله إنسانا غريب ألأطوار. فأحيانا كان يسبل لحيته، ويلبس مرقعة، وأحيانا كان يتأنق إلى حد التشبه بالنساء. ولأنه كان يدرك مدى ما لأبيه من سطوة ، وهيبة في نفوس الناس ، فقد كان يستغل الوضع أيما استغلال ، وكل البنات كن في نظره مجرد جواري في قصر أبيه ، وويل للبنت التي كانت تصده ، أو ترفض التجاوب مع مغازلته ، فقد كان لايتورع عن أن يقتحم عليها بيت أهلها ، أو يحاول هتك عرضها في الشارع العام . وكان بالإضافة إلى هذا كله بليد الذهن كسولا إذ رسب في السنة الثالثة من الإعدادية مرتين فطرد منها شر طردة ، لنفاجأ به بيننا في الثانوية دون أن نعرف كيف وصل إليها . لكنه لم يلبث أن اختفى على نحو مفاجئ بعد ذالك بقليل . ولم أره أو أسمع عنه شيئا إلى أن وقعت تلك الحادثة. فعلمت ساعتها أنه كان يتقلد منصبا حكوميا هاما، لكنه كان مفرغا ويتقاضى راتبه وهو في بيته. وأنه غدا واحدا من الأغنياء . ما يثير استغرابي هو كيف استطاع رجل سيء الأخلاق و وبليدا ، وصل إلى الإعدادية بطرق ملتوية ثم طرد منها ـ أن يحظى بكل تلك الامتيازات دون أن يثير ذالك استغراب أي أحد ، ثم وعندما يقتل لأسباب مقنعة ويعلمها الجميع ، تقوم القيامة ، ويهب الاستغراب من مراقده حاملا الناس على التكهن ومطاردة الشائعات . إنني... فقاطعه أحدهم قائلا :
ـ هذه المقارنة قاسية جدا .فتواضع المؤهلات ، وحتى ـ انعدامها ، لا يحولان دائما دون حصول البعض على امتيازات من النوع الذي تتحدث عنه .وما أقدمت عليه تلك المرأة شيء موبق ، ومدان ، كمحاولة تلطيفه أو تبريره.
ـ أنا أتحدث عن تفهمه، ولست بصدد تلطيفه أو تبريره.
ـ هذه مقدمة فقط، وسينتهي بك الأمر إلى الدعوة إليه.
ـ أكان موقفك سيختلف، لو أن الفاعل كان رجلا، وكانت الضحية امرأة ؟
ـ سيكون ذالك في رأي الكثيرين أقل إثارة، وأقل مدعاة للاِستغراب، لاشك في ذالك.
ـ هذا ـ إذا ـ يفسر كل شيء. فحين يتعلق ألأمر بعلاقة الرجل بالمرأة ، فأنتم أسرى قلاع مألوفكم الحصينة دائما ، وفيما عدى ذالك فلا بأس والحذر مطلوب . فلا بأس في السفر في الطائرة مثلا فهي أروح من الفرس ، وركوب السيارة ، لابأس فيه فهي أقل عناء من الجمل ... وأما أن تصرخ امرأة في وجه ذويها ، أنا لا أريد هذا ، أو أنا أريد ذالك . أو تثور أخرى حين يداس قلبها أو يعبث بروحها ، أو تنتقم ثأرا لكبريائها ، بعد أن تحاماها الجميع ، وضاقت ذرعا بظلم جلادها، فهذا شيء ، عجاب . فلا بد أن تلك أغويت ، وتلاعب الوسواس بقلبها ، أما هذه فهي ضحية خدعة حاكتها الغيرة في ذهن مجرم عتيد . فكيف لم تطأطئ تلك رأسها إذعانا لمشيئة الأهل وتكتفي بذرف الدموع وسكبها ، ولماذا حين طغى بهذه صلف الرجل وأنانيته ، لم تلجأ إلى سلاح الهجران وتشترط لكي تعود أن يجزل لها العطاء ؟ هذه يا سادة ـ أسلحة عتيقة أفقدها القدم الفاعلية ، وعلاها الصدأ لكثرة ما استخدمت . الدموع لا تفعل سوى تقريح جفون ذارفها . والهجر إهدار للوقت بلا عائد مضمون . وبذل المال لن يطفئ نيرانا أضرمها ـ في الروح الصلف والاستهتار. هذه المسكينة عيل صبرها، وكانت صغيرة لتتحمل أكثر من ذالك، فلاشك أنها طرقت كل الأبواب، ولم تدخر وسيلة ولا حيلة إلا جربتها. فطأطأت رأسها مرة ، ومرات سكبت بسخاء دموعها . ولا بد أنها جربت الهجر ، وفرضت لكي تعود أن يجزل لها العطاء ، لكن الدواء الذي كانوا يصفونه ، ما كان إلا ليفاقم الداء .
لقد عشت أحداث هذه القصة جلها منذ اليوم الأول لحدوثها، ومثل الكثيرين هنا، بدت لي ساعتها فرضية أن قريب البنت المزعوم ذاك هو من تولى تنفيذ الجريمة ـ مغرية جدا، إلا أنني حين تفحصت أساسها وجدته واه جدا وضعيف. إذ أنه مبني على تصور مضخم جدا، وغير واقعي، لعلاقة ـ هي إلى الآن محل جدل ـ كانت تربط بينه وبين الفتاة ساعتها. فمثل تلك العلاقة ـ إذا سلمنا جدلا بوجودها ـ لم تكن ـ ككل ارتباطات المراهقين على تلك الدرجة من الجدية والعمق ـ بحيث يمكن أن تتسبب في كل هذه المأساة. وكاد النقاش أن يفضي إلى كارثة محققة، عندما قال أحد المتدخلين ساخرا:
ـ لو تمتع هؤلاء الغوغاء بقليل من الحس الفني، للمسوا روعة الإبداع في ردة فعل هذه الفتاة. فقد أكد... فقاطعه أحدهم بغضب ـ لعله من أقارب الضحية، أو من شيعته ـ قائلا.
ـ روعة الإبداع ـ يا ملعون ـ قتل "ولد مولاي أشريف" "يحرق بيك أنت ، وهي ، وروعة الإبداع" ، قال هذا ثم وثب مندفعا ليطبق بكلتا يديه على عنق الرجل ، قبل أن يطرحه أرضا ، ويشرع في ضربه ، وهب لنجدة المتدخل أحد الحضور، فأشتبك مع أحد أنصار الرجل الآخر، فتدخل آخر لنصرته ، لكنه اصطدم بآخر، وانتصر بعض الحضور لهذا ، وساند بعضهم موقف ذالك ، وهكذا استحر الصفع في الطرفين ، وامتزج الركل ، واللكم مع الأنين ، فساد الصخب وانتثر الغبار، وسرت عدوى العنف وحالة الهيجان كأوار النار يتغلغل في الهشيم ـ لتعم معظم الحضور ، ومن كانوا قريبين من المكان . وتطور الموقف بسرعة ليقف الجميع على مشارف فتنة حقيقية عندما ذاع الخبر، وانتشر بين الناس في السوق. ولولا جهود بعض الطيبين، وتدخل بعض رجال الشرطة، لعمت الفوضى، وربما حدثت مجزرة.
وأنا أهم بمغادرة ساحة المعركة ـ وكل مغنمي ، رضوض في الفم و خدوش في الوجه وفي اليدين ـ أحسست بيد تلامس منكبي في لطف وبحذر، فألتفت فإذا بي أجد نفسي وجها لوجه مع "محفوظ"

زينانا
26-10-2011, 01:41 PM
محمد جواد
تماما كما توقعناك ، بدع جدا
في انتظار المزيد

محمد جواد
28-10-2011, 03:33 AM
وأنا أهم بمغادرة ساحة المعركة ـ وكل مغنمي ، رضوض في الفم و خدوش في الوجه وفي اليدين ـ أحسست بيد تلامس منكبي في لطف وبحذر، فألتفت فإذا بي أجد نفسي وجها لوجه مع "محفوظ" . كذبت عيني في البداية واتهمت ذهني بعدم التركيز وبالتشويش ، والواقع أن آخر شيء كنت أتوقعه أن أجد الرجل هنا . لكن هذه ليت المرة الأولى التي يخالف فيها كل توقعاتي. . ولم ألبث ـ ولما أصحو تماما من حالة المفاجأة الشبيهة بالصدمة ـ أن شعرت ببعض التوتر، ودهمتني حالة من الضيق.لكن لم يكن ذنبه أن أقحمت نفسي في حياته، وعلي أن أتحمل بصبر ثقل فاتورة فضولي. وابتدرت الرجل قائلا في لغة فيها شيء من العتب .
ـ ظننت أنك رويت لي القصة كاملة ؟ ضحك وقال :
ـ ها قد عرفت بقيتها . وشعرت بالحرج، وبالرغبة في الاعتذار، فلا شك أن الرجل كان حزينا ، ويحتاج إلى بعض المؤازرة، وإلى المواساة. لكن يا لقسوتي وهذا الفضول! وبدل أن أفعل ذالك ـ وهو ما كان حريا بي أن افعله ـ عدت أسأله في حياد بارد :
ـ هل علي أن أتوقع المزيد من المفاجآت !
ـ هل بت تخشى المفاجآت !
ـ فكرت في أن هذا يكفي !
ـ لم تشأ أن تكون مثل الآخرين ؟!
ـ ليس ذالك سببا كافيا، لكي أعاقب على هذا النحو !؟
ـ ربما ، لكن هذا هو أسوء وقت لإدراك ذالك . سكت قليلا ثم قلت :
ـ كيف علمت بالأمر ؟
ـ أنسيت أنني مجرم سابق ؟
ـ لقد قلتها . مجرم سابق !
ـ يقولون بأنه يبقى من الفيل ـ مهما هزل ـ ما يكفي لملء قدر.
ـ كدت افقد صوابي لدى معرفتي بأنها "زينبك" .
ـ رأيت كيف انفعلت على ذالك النحو .
ـ أكنت داخل القاعة ؟
ـ وأين تظنني كنت ؟
ـ أعذرني فأنا مازلت تحت تأثيرا لصدمة. هكذا قلت ثم أردفت : كانت صدفة غريبة . فقد طردونا من المستشفى صباحا كما يفعلون عادة ، ولأنه لم يكن لدي ما أفعله فقد ذهبت أتسكع في ساحة المستشفى ، وهنا سمعت الناس يتحدثون عن المحاكمة بإعتبارها محاكمة القرن ، فثار فضولي .
ـ إذن فقد كنت تعرف حين جئت إلى المحكمة بأن الأمر يتعلق ب"زينبي "
ـ ليس تماما . وإن كانت الشكوك قد راودتني .
ـ لا أظن أنه كان من الصعب عليك أن تستنتج ذالك ؟
ـ لكنني لم أكن متأكدا .
ـ توقعت طالما أنك هنا أن أجدك في الصفوف الأمامية. تجاهلت ذالك التلميح المبطن ـ من طرف الرجل ـ إلى فضولي الذي طالما ضايقه، وقلت:
ـ لم استطع الانتظار حتى إستئناف الجلسة ؟
ـ اعتقدت أنك ستعود بعد الاستراحة، لكنك لم تظهر !
ـ خفت من أن لا أتحمل ، في حالة ما إذا حكموها بالإ...
ـ مثل هذه القضايا لا تحكم في أول جلسة.
ـ هل قابلتها ؟
ـ ليس بعد !
ـ كن حذرا فقد تنكشف.
ـ ليس ذالك هو ما يشغل تفكيري الآن .
ـ لا تقل لي بأنك تفكر في تهريبها مرة أخرى ؟
ـ ثمة خيار آخر !
ـ خيار آخر!؟
ـ سأحمل عنها القضية !.
وبهت للحظات، وكنت أذرع وجه الرجل بنظري، فلعل التشويش الحاصل في ذهني قد انتقل الآن إلى أذني. لا شك بأن من أراه أمامي الآن هو "محفوظ" بشحمه ولحمه، لكنه كان يبدو موجوع الروح، مضطرب النظر منفعلا. وعدت أتساءل في دهشة وذهول:
ـ أظن أنني لم أسمعك جيدا !
ـ بل سمعتني . لن أدعها تواجه الإعدام ، أو للوحدة و عتمة الجدران !
وسرحت في حيرتي لبعض الوقت ، وعادت الشكوك تراودني من جديد ، فشرعت أجري بعض الاختبارات لعقلي ولحواسي ، لأتثبت من أن الكل يعمل كما يجب. أنا الآن في مدينة "كيفة" " وليس قرية "النعيم " هذا أدركه. وقد وفدت إلى هنا بصحبة أمي، وجدتي المريضة والتي ترقد في المستشفى منذ شهرين تقريبا. وأرى توهج الشمس في كبد السماء، وهي توشك أن تغادره. والجو المغبر المترب أراه بوضوح ، رغم تدني مستوى الرؤية ومحدوديتها .وأحس بأن درجة الحرارة مرتفعة قليلا لكنها مع ذالك محتملة . والرجل الذي يحدثني، ليس الشيطان الذي أغوى وحرض وقتل. بل الملاك الذي حمى وبذل وأرشد . ثم أقبلت على الرجل مبتسما ابتسامة بلهاء مكفهرة، وقلت ـ وقد توثقت من أن مداركي كلها على ما يرام ـ قلت له:
ــ سأعتبر نفسي أعمى وأصم، لكن بشرط أن تكف عن هذا الجنون !
ـ أقدر لك ذالك لكن، لدي ما هو أكثر أهمية !.
ـ إني أسمعك ؟
ـ لا أريد "السالمة" والأولاد أن يسيئوا بي الظن ؟ قال هذا ، وسكت ؟ فقلت :
ـ أظنني فهمتك . وسكت أنا أيضا ، بل وجمت . قبل أن أقول: وأنا مصمم على ثني الرجل عن ما يعتزمه:
ـ أفهم صعوبة الموقف . لكن لا تنس بأن حياتك لم تعد تخصك، و"زينب" لوحدكما، أقصد أن هنالك الآن آخرين.
ـ وهل كنت ـ لولا ذالك ـ لأتردد ، أو أحتار، أو أفكر ؟
ـ يبدو لي ذالك جيدا، وتذكر بأنهم ـ حسابيا ـ هم أصحاب النصيب الأكبر.
ـ لا استطيع الجزم بذالك . وعلى كل حال ، أرجو أن يتحلوا بروح الإيثار، وأن يتفهموا لماذا كان علي التصرف على هذا النحو.
ـ ليسوا مضطرين لذالك، وليس من حقك أن تضعهم أمام هذا الخيار.
ورأيت الضعف يكتسح معالم وجه الرجل، وتحولت الحيرة والتردد في عينيه إلى إحساس بالحزن حقيقي وعميق، ثم رجفت شفتاه وهو يقول بصوت محتقن تحاصره الدموع:
ـ لقد تعذبت كثيرا بسببي ، ولم أقدم لها أي شيء في المقابل .
ـ لا أعتقد بأن هذا نوع المقابل الذي كانت تنظره .
ـ لقد خذلتها كثيرا .
ـ يبدو أنك لا تريد أن تكف عن ذالك .
ـ أريد أن أفديها بروحي.
ـ ستشوش على حياتك، وحياتها وحسب. ولن ينجح الأمر في نهاية المطاف .
ـ أرجوك ! لا تصعب علي الأمر أكثر مما هو صعب.
ـ العفو. لكن "زينب" لن ترضى بأن تظلم نفسك لتفتديها.
ـ لن آخذ رأيها .
ـ ستكون النتيجة كما في المرات السابقة .
ـ الوضع مختلف الآن . فقد كان لدي بعض ألأمل عندما رفضت الأخذ برأيها، بأن نضع أهلها أمام الأمر الواقع ونتزوج . ولم تعد هي القضية حين رجتني المجيء معها.
ـ ليس أسهل من ارتكاب الأخطاء سوى تبريرها . سرح بنظره للحظات هو يعبث بشاربه، قبل أن يقول ـ وكأنه يحدث نفسه ـ
ـ بحثت فلم أجد من نفسي سوى قاتل ، يحترف القسوة و الإجرام، ونظرت في عينيها فلم أرى سوى يديها المخضبتين بالدم.
ـ كنت أدركت ـ كما أدركت ـ بأنها الحرب ـ يا صديقي ـ وأنه كان من الطبيعي جدا أن تكونا كما تقول، و كنت شعرت ـ لولا أنانية الرجال ـ بأنها مازالت تراك ـ في عقلها ووجدانها ـ ذات الشخص الذي أحبته و أحبها. وإذا ، فلو أطعتها حين دعتك للمجيء معها ، فلربما كانت حياتك وحياتها غيرما هما عليه الآن . تنفس بحسرة ، وبدا بمظهر المغلوب المتخاذل ، وقال :
ـ لطالما تفوقت علي في كل شيء ، حتى في معرفتي لنفسي وخباياها !
ـ أرجو أنك تقول هذا عن اقتناع .
ـ لم تراهن على أن الأمر لن ينجح ؟
ـ لدي الكثير من الأسباب، ليس أقلها أهمية أن " زينب" لن ترضى بذالك.
ـ ولماذا ؟
ـ لأن ذالك هو ما يفترض أن تفعله، وأنا واثق من رجاحة عقلها. تكدر وجهه أكثر ودمعت عيناه، ثم أطرق، وظل مطرقا للحظات قبل أن يتمتم بحزن:
ـ ظننت أنني بت بمأمن من مثل هذه المشاعر، لكن ... وسكت .
لم أره في مثل هذه الحالة أبدا ، حتى ليلة كان يهذي مصابا بالحمى. فقد بدا الرجل كسيرا، شاحب الملامح واهن النظر، وكان مرتبكا ومتخاذلا ، خائر القوى شارد الفكر. ولم استطع منع نفسي من معانقته، ثم أخذت أواسيه، وألاطفه لكي أهون عليه الأمر. ووجدت صعوبة كبيرة في لعب دور الناصح المرشد، للرجل الذي طالما قعدت منه مقعد التلميذ من المعلم. والذي رفعته على سلم الإعجاب إلى مرتبة القدوة والمثال . و ـ حتى بعد أن علمت من أمره ما علمت، وبدأ يراودني إزاءه بعض الحذرـ استطاع أن يحافظ لنفسه في قلبي على مكانة خاصة مميزة. فكنت كلما حاصرتني جرائمه أجهد ذهني لتبريرها والتمست له العذر. لم أشعر إلا بقليل من الفخر وأنا أقوم بذالك الدور ، لكنني كنت آنس في نفسي القدرة الكافية للعبه ، وكانت لدي الحماسة وأمتلك الرغبة . فقلت ـ وقد أردت أن أحرر الرجل من وطأة عواطفه المستنفرة إلى أقصى حد :
ـ أتعتقد أنه من الحكمة أن يتخلى القائد عن وحدته، لقاء إنقاذ جندي واحد من جنوده ؟
ـ ليس الآن وقت فلسفة الأمور. ومع ذالك ، نعم . مادامت فرصة إنقاذه قائمة ومتاحة . فعدت أقول ـ متغاضيا عن لهجة الرجل غير المشجعة ـ
ـ حتى وإن كانت فرصته إنقاذه كما تسميها ـ تعني أن يضحي القائد بنفسه.
ـ ما دام سوء إدارته للمعركة هو السبب، فليفتدي الجندي وحسب. " لا فائدة. فهذا الإحساس العميق بالذنب ـ المسيطر على عقل ووجدان الرجل ـ يقتضي حدوث معجزة ما لكي تتخلخل قناعاته . لكنني لن أيأس. فقلت :
ـ تعرف بأنني طالما استمعت إليك، وجلست منك مجلس الابن من أبيه، وأرجو منك هذه المرة وحدها أن تسمح بأن نتبادل الأدوار: القضية مازالت قيد التداول، وابن الجانية هو صاحب الدم. وأغلب الظن أنه حين يجد الجد، لن يطالب بالاقتصاص من والدته. سهم قليلا، ثم تمتم قائلا ببعض الحماس القليل :
ـ حتى وإن أفلتت من الإعدام، فسيحكمون عليها بالسجن مدى الحياة.
ـ أليس هذا ما حكمت به عليها ؟
ـ لكن ليس بين أربعة جدران.
ـ أشك في أن الفرق كبيرا.
ـ أرجو ألا تختبر ذالك .
ـ عموما، إن وجد محام بارع وذكي، مدعوما بعفو من أولياء الدم، فسيكون تجنب ذالك ممكنا
ـ ممكنا ، لكن غير أكيد .
ـ وهل تؤكد أن اعترافك سيكون كافيا لتبرئتها ،وإنقاذها ؟ . سكت لبعض الوقت وأغلب الظن أنه كان يقلب الفكرة في ذهنه ، ثم ـ وقد بدأ الدم من جديد يتدفق في وجهه ، وأخذت عيناه تتلألآن ببريق أمل حائل ـ قال :
ـ لكن ، . وعاد إلى الصمت والتفكير مرة أخرى . ثم أردف :
ـ لكن ؟
ـ لكن ، ماذا ؟ . قل ! أو أقول أنا عنك . لكن كيف غاب عن بالي شيء كهذا، ما كان ليخفى على أكثر لناس بلادة ؟ لكنك كنت مشتت الذهن، ترزح تحت وطأة مشاعر الحزن ، والغم ، والانفعال، فنسيت في غمرة مشاعرك ـ وأنت صاحب العقل ، والتجربة ، طويل الباع ـ أن اعترافك بارتكاب الجريمة هكذا، ما كان ليقبل بتلك البساطة التي كنت تتخيلها و..... فقاطعني
ـ لا . لم أنس ، وإلا لكنت قد اقتحمت المنصة، وصرخت ملأ فمي في الجميع معترفا بأنني أنا القاتل. . لكن ذالك لكي ينجح ، ينبغي أن يبنى على أدلة مقنعة وقرائن . ما لم أفكر فيه ـ حقيقة، وما لم آخذه بعين الاعتبار ـ هو ابنها، وكونه صاحب الحق الوحيد، والإضافة التي يمكن أن يضيفها، وجود محام بارع وذكي. قال هذا ثم سكت ساهما قبل أن يضيف :
لطالما كرهت ابنها هذا ، ولم يشفع له عندي أنه أبنها ، ورغم أنه ـ مثلي ـ بريء ، فنادرا ما أحدث ذالك في نفسي فرقا يذكر. لم نتحدث عنه فيما أذكر أبدا عندما كنا على اتصال ببعضنا، وحين انقطع الاتصال بيننا تناسيته نهائيا. حتى وأنا في غمرة بحثي عن وسيلة لإنقاذها ـ لم يخطر ببالي أبدا أنه هو من قد يكونها. وحين أجل القاضي البت في القضية ، وطالب بحضوره ، لم أعر الأمر أية أهمية . والحقيقة أن ما كان يسيطر على تفكيري، ويحظى مني بكل الاهتمام، هو كيف سأجبر النيابة ـ حين أعترف لها ـ على إعادة فتح ملف القضية من جديد.
ـ لا أريد أن أفرط في التفاؤل، لكن المنطق يقول بأنك لن تحتاج إلى ذالك. سكت طويلا ، وكان يدخن بشراهة ، ثم قال والدموع تملأ عينيه :
ـ اشعر بأنني مجرد جبان يبحث عن سبب ما لتجنب المعركة ؟
ـ تفادي خوض المعركة الخاسرة سلفا تعقلا وليس جبنا .
ـ أخاف من أنك إنما تدفعني نحو التخلي عنها .
ـ بل أدفعك إلى مساعدتها على نحو عقلاني ومفيد
ـ كيف ذالك ؟
ـ ليس لدي إقتراح محدد ، لكن ينبغي أن تصبر إلى أن ترى أين تتجه المحاكمة لتتصرف على ضوء ذالك ومرة أخرى عاد إلى السكوت وإلى التدخين والشرود قبل أن يتمتم :
ـ سأصبر ، و أتمنى أن يصدق توقعك . وانتهزت حالة الليونة في موقف الرجل لأبعده قليلا عن الموضوع ـ فقلت له :
ـ وكيف تركت القرية ؟
ـ بخير الحمد الله . وكيف حال جدتك ؟
ـ صحتها تتحسن . لكن ببطء . سرح لبعض الوقت ثم قال :
ـ كم أتمنى أن أزورها، لكن...؟
ـ لا عليك. فالظروف أحكامها . المهم أن تتريث قليلا ، وتحافظ وعلى هدوء أعصابك وبرودها ، وكنت صممت ـ لولا خوفي من أن أقسو عليك ـ ألا أعود إلى القرية بدونك ، لكني أفهم حقيقة ما تشعر به ، وأفهم ماذا يعني لك هذا الموضوع ، فكن حذرا مهما حدث ، ولا تنسى أن هناك من ينتظر عودتك . فقال وهو يمد إلي يده مودعا:
ـ إنهم أمانة في عنقك .
ـ اطمئن .
ـ شكرا . وهو ينصرف استوقفته، قائلا :
ـ ألم تنسى شيئا ؟
ـ ربما. شيء مثل ماذا ؟
ـ ألا يفترض أننا سنبقى على اتصال ؟
ـ بدون شك . فقلت مبتسما
ـ يبدو أنك لم تتعافى تماما من حالة التشويش، والانفعال. ألم تفكر كيف سنتواصل ؟
ـ أنت على حق . اتفقنا على أنه سيتصل بي على هاتف أحد التجارفي الولاية ، ليطلعني على تطور القضية أولا بأول وهو يودعني قال:
ـ سآمل أن لا يثير غيابي الكثير من الأسئلة .
ـ لا تحمل هم ذالك.
ـ لقد ذهبت من عند "السالمة" بدعوى تحصيل ديون لي عند بعض ألفلان، وقلت لها أن الأمر قد يستغرق بعض الوقت ؟
ـ كان تدبيرا موفقا، سهلت به من مهمتي كثيرا.
ـ أرجو ذالك . الوداع أرجو أن أراك قبل عودتكم إلى القرية.
ووجدت أمي عند عودتي للمستشفى تسعى بين الناس مضطربة ، وهي تبحث عني في خوف وقلق .
ـ خير إنشاء الله ؟
ـ ومن أين سيأتي الخير، هل كنت طرفا في هذا المعمعة ؟ من فعل بك هذا ؟ هل تعاركت ؟ من
ـ اهدئي ـ يا أمي ـ فلا صلة لي بكل ذالك ، ولم يعتدي على أي كان ؟ ، كلما في ألأمر هو أنني حاولت الفصل بين بعض المتعاركين ، فحصل ما ترين . لكن هل هذا هو سبب كل هذا القلق في وجهك ؟
ـ ألا يستحق الأمر ذالك ؟
ـ لكنني لست صبيا، ولا طائشا لكي تقلقوا على كلما خرجت. سكتت للحظة ، ثم قالت :
ـ جدتك أقسمت ألا تبيت الليلة هنا، و رفضت أن تتناول دواءها.
ـ وأين تريد أن تبت إنشاء الله ؟
ـ في الطريق إلى "لخيام".
ـ ذالك محض هراء .
ـ لا تغضبها أكثر مما هي غاضبة، وحاول إقناعها بالتي هي أحسن.
وتفادت العجوز النظر في وجهي عندما دخلت عليها، وعندما سلمت عليها لم ترد ، وتجاهلتني تماما. فقلت أمازحها :
ـ يبدو أن مقامنا في "كيفة " سيطول قليلا ـ يا جدتي ، فأخيرا وجدت ضالتي فيها، وأريدك قبل أن نعود إلى "لخيام " ـ أن تخطبيها لي من أهلها . لم تحرك العجوز ساكنا ، وازدادت صمتا ووجوما . فعدت أقول ـ هل أعتبر هذا سكوت الرضي، والقبول ؟
ـ أعرف أنك بهذا ، إنما تحاول ثنيي عما عزمت عليه ، لكن هيهات .
ـ انك مريضة ـ يا جدتي ـ و... فقاطعتني :
ـ وما الجديد في هذا ؟
ـ فكيف تريديننا أن نغادر المستشفى ، قبل أن يأذن لنا الطبيب ؟
ـ " الطبيب ، طبيب آش " وانفعلت قليلا وأنا أجيبها :
ـ الطبيب الذي أنقذ حياتك ـ يا جدتي ـ والذي لولاه... وقاطعتني بانفعال :
ـ " أصل أيكد اِيريح " .
ـ صلي على النبي ـ يا جدتي ـ ودعك من العناد ...
ـ أهنت عليك ، وضاعت هيبتي إلى حد وصفي بالعناد ، هكذا غمغمت العجوز في حزن ، ثم تنهدت ، وأردفت : صدق من قال " ولد المنت ، مزراق الشاكلة " . شق الأمر على والدتي فقالت ـ اِنه يقصد ـ يا والدتي ـ بأنك مازلت بحاجة إلى المزيد من العلاج،ثم .انك ...
ـ اسكتي أنت ألأخرى، فأنا لم أسألك عما يقصده. وزادت حيرتي إزاء قرار العجوز المفاجئ هذا فقلت لها
ـ ماذا حدث ـ يا جدتي ـ لكي تقرري ترك المستشفى فجأة ؟ لم تجبني وإنما شرعت في جمع أغراضها، ثم قامت متجهة نحو الباب. شعرت بالغيظ ـ وكانت أعصابي لم تهدأ تماما من توترها فسددت أمامها الباب ، وقلت :
ـ إلى أين ؟
ـ ابتعد عن طريقي .
ـ لنتفاهم .
ـ ليس قبل أن نذهب من هنا.
ـ سننتظر إلى الغد، لنسمع رأي الطبيب.
ـ ولماذا لا تنتظرون إلى السنة القادمة ؟ قالت هذا ، ثم صاحت في ابتعد عن طريقي . عندما لم استجب لها ، هاجمتني محاولة زحزحتي بكل قواها . وحين أعجزتها انفجرت باكية، قبل أن تسقط على الأرض من شدة الإعياء. شق علينا الأمر، ووددنا لو كنا خلينا بينها، وبين ما تريد ، لكنها كانت في طور النقاهة،. وخفنا أن يعاودها المرض من جديد. كما حصل معها في المرة السابقة. فقد أصرت بذات الطريقة على مغادرة المستشفى في "النعمة" قبل أن يكتمل شفاؤها. فعاودها المرض مرة أخرى، ولما تمضي في القرية أكثر من أسبوع، وكانت وطأته علي جسمها هذه المرة أشد وأقسى من المرة السابقة. عدنا بها إلى المستشفى في "النعمة" وبالكاد تمكن الأطباء من إنقاذها . قبل أن يحولوها إلى المستشفى هنا لتستكمل علاجها، فقد كانت بحاجة إلى بعض الفحوص، والتي لم يكن المستشفى في "النعمة" يتوفر على الأجهزة أللازمة لإجرائها.
ما أخشاه ـ في حالة ما إذا عدنا بها وقبل أن يكتمل شفاؤها ـ ألا تفلح أجهزة دفاع جسمها ـ المنهكة بالشيخوخة، والهرم ـ في دفع المرض عنها، إذا ما هاجمها من جديد.
بقينا لليل كله نناشد العجوز ـ بلا جدوى ـ بأن تأكل بعض الطعام لكي تستطيع تناول علاجها. وعندما جاء الطبيب ـ في الصباح ـ وأخبرته عن حالتها، وصف لها بعض العلاج ومن ثم سمح لنا بالمغادرة

محمد جواد
05-11-2011, 04:53 AM
صعدت المزن السماء قاتمة فتربد وجهها بهتن الغيوم ، وقصف الرعد بعنف ، فبث صوته الرهبة في النفوس ، لكنه أعاد الحياة في نفس الوقت إلى أطلال أمل كادت تمحوها عواصف صيف جهنمي . هي الطبيعة عندما تقسوا تلبس جلد أب لا يرحم ، لكنها حين تعطي تستعير دفء حنان ألام الرءوم. هكذا قالت وجوه ذوي وعيونهم مشدودة إلى سفح ألأفق البعيد، حيث تكاثفت غيوم رمادية ما لبثت أن تحولت إلى عواصف هبت
ملعلعة مزمجرة ، فتراقصت بقمم اشجاروأرعشت المنازل وأركانها ، فاستطار غثاء الأرض وتطايح ،ثم أغدودقت السماء وهمع الغيث وهمي ، فتولى الناس الهلع فحملهم على الاقباع في البيوت احتماء بها . وتوالى قصف الرعد القوي ووميض البرق المخيف ، وانصباب الماء وتدفقه ، فانغمرت الحقول وفاضت ألأودية ،
وأترعت المستقعات .
كنت و"ازوين" ، و"أسويد" قد قصدنا الوادي ثلاثتنا كل منا على حده ، لكن الصدفة جمعتنا عند السد فقد خافوا ـ كما خفت ـ عليه اندفاع السيول، وغمر المياه . وبعد أن أطمأننا عليه توجهنا إلى وسط الوادي حيث تحاصر المياه والأوحال بعض الحيوانات هناك، ولا نزال نتنقل ذهابا وعودة بين الأوحال والمرتفعات المطلة عليها نجلي الحيوانات ونخلي المياه من جثث النافق منها إلي ما قبل وقت العشاء بقليل . ونحن عائدين في طريقنا إلى القرية سألني "ازوين" قائلا :
ـ كيف حال أبيك بعد لسعة ألأفعى ؟ هذه مقدمة للإساءة لوالدك هكذا همس بي "أسويد" وقبل أن يتنبه إلينا " ازوين" بادرت بالرد على سؤاله فقلت:
ـ انه اليوم أحسن كما قيل لي ، فقد عانى كثيرا من الآلام طوال اليومين الماضيين .
ـ لم يكن به إلا الجبن. الجبن ! رددها "أسويد" ضاحكا ثم قال :
ـ لا أعتقد أنه جبان فقد كان من أكثركم تحمسا للمعركة يوم نفرتم للثأر من الرعاة الذين اعتدوا على الأطفال في ما أذكز.
ـ كل ذالك كان مجرد جعجعة، ولا شيء غيرها. ساءني هذا الوصف لأبي فقلت
ـ لماذا تتكلم عن والدي بهذه الطريقة يا "ازوين" ؟
ـ وبأية طريقة تريدني أن أتحدث عنه ؟
ـ بالطريقة التي يتحدث بها أي صديق عن صديقه.
ـ ومن قال لك أنه صديقي ؟
ـ هذا ماكنت أحسبه طوال حياتي .
ـ وهذا ماكنت اعتقده أنا أيضا ، لكنني أخيرا عرفت من أي معدن من الرجال هو فأسقطت صداقته من حساباتي وأهملته .
ـ ينبغي أن يكون الخطب عظيما حتى تؤول كل تلك الصداقة هذا المآل ؟
ـ لقد صودرت بندقيتي، وفأسي وغرمت، بل وكدت أن أدخل السجن بسبب وشايته.
ـ بل بسبب فعلتك الشنعاء وسوء تقديرك لعواقب الأمور، هكذا قال "أسويد" ردا على "ازوين " ثم أردف : انك تبالغ في إدانة الرجل وتحميله تبعات ما اقترفته يداك ، كانت الحكومة ستعثر عليك عاجلا أو آجلا ، وساعتها كنت ستواجه بدل التهمة الواحدة تهمتين ، الاعتداء على موظف حكومي ، والهروب من العدالة .
ـ أتسمي ما واجهت به غرور ذالك الملعون اعتداء ؟
ـ وماذا تسميه أنت ؟
ـ دفاعا مشروعا عن النفس ، عن الكرامة ، عن رجولتي التي حاول ذالك الملعون إذلالها .
ـ كانت ردة فعلك مبالغا فيها كثيرا، والرجل إنما كان ينفذ القانون.
ـ وهل يعني القانون أو تنفيذه ضرب الناس وأهانتهم ؟
ـ وقد يعني أسوء من ذالك ، لكنني لا أفهم شيئا مما تخوضان فيه هكذا صحت فيهم ثم أضفت ليفهمني أحدكم ما تتكلمان فيه ؟ قال ازوين " أنا أفهمك:
ـ بعد ذهابك بجدتك إلى المستشفى بيومين أوثلاثة فوجئت ـ وكنت أحتطب في طرف الوادي وأتصيد ألإوز ـ برجل ضخم يركب جملا أنيقا وهو يصيح بي :
ـ "هي الدنيا ألا سايبا" ، ثم أضاف متسائلا في غطرسة واستهزاء من أوكل إليك يامعتوه مهمة محو الحياة في هذه البقعة من الأرض؟ فقت ـ والمفاجاة تعقل لساني
ـ أهذا ماتراني أفعله؟
ـ وماذا يكون ما تفعله غير ذالك عندما تقطع الأشجار وتقتل الطيور؟
ـ وهل لي لأمثالي غير الأشجار والطيور لنعيش؟
ـ اللعنة عليك وعلى أمثالك . سلمني البندقية والفأس وأمض أمامي
ـ ومن أنت حتى تأمرني هكذا ؟
ـ لا تتظاهر بأنك لم تعرفني
ـ أنا لا أتظاهر لكن تلك هي الحقيقة
ـ أنا من فرقة حماية البيئة بالولاية، هل عرفتني ألآن ؟
ـ لكنني لم أقطع شجرة ، ولم أشعل الحرائق .
ـ من قال ذالك ؟
ـ ألا ترى
ـ ما أراه أن تسلمني البندقية والفأس ثم تمضي أمامي.
ـ وإذا رفضت ؟ أشتاط الرجل غيظا ، وصاح بي الليونة لا تنفع مع أمثالك ، ثم هوى نحوي بعصاه فأصابت منكبي فخلته قد دق ، وقبل أن يعاودني بها مرة أخرى تراجعت إلى الخلف قليلا ومن ثم ـ وبقوة لا أدري مصدرها قفزت فوق الجمل خلفه تماما وطوقت عنقه الغليظة بذراعي وضغطت بقوة إلى أن نفذت إلى بلعومه ، وما أزال به أخنقه حتى جحظت عيناه وتدلى لسانه ولهث كمن يصارع في النزع ، عندئذ ألقيت به من على ظهر الجمل ثم لحقت به عندما وقع على الأرض . وركلته عدة ركلات حتى اطمأننت على أنه قد فقد الوعي نهائيا، وقبل أن يستقر بي التفكير على الخطوة التالية فوجئت بمقدم والدك وليته لم يفعل . فما إن ألم بطرف من الموضوع حتى أبيضت من الحزن عيناه ، وغرق في الخوف وجهه واصطكت منه ركبتاه وطفق يحوقل ويتويل. ليتك كنت حاضرا ! لقد خيل إلي لشدة فزعه أنه هو الفاعل، لا أنا.
ـ إحساسه العميق بفداحة خطئك وبكبر الورطة التي ورطت فيها نفسك هما السبب فيما ألم به وليس الخوف كما تتخيل .
ـ أعرف أن كل فتاة بأبيها معجبة .
ـ أكنت تريد منه أن يبارك لك فعلتك المتهورة هذه ؟
ـ ما كنت أريده منه لم يكن واضحا في ذهني حقيقة ، علي عكس ما لم أكن أريده منه وهو ما فعل تماما .
ـ وماذا فعل ؟
ـ شوش ذهني بهلعه، وأربك أفكاري بكل ذالك الجزع .
ـ وماذا بعد ؟
ـ احترت فيما أفعله بالرجل بعد أن هدأت نار غيظي ، والواقع أنه كانت في ذهني عدة أفكار لكن أيا منها لم تنضج ، فوجود أبيك وهو في تلك الحال أفسد علي كل شيء .
ـ أفكار مثل ماذا مثلا ؟
ـ مثل أن أستولي على جمل الرجل بما حمل ، ثم أتوارى في الأراضي المالية حتى تمحوألايام هذه الواقعة من أذهان الحكومة .
ـ أتعتقد أن ذاكرة الحكومة ضعيفة إلى هذا الحد ؟
ـ ومن قال بأن لها ذاكرة أصلا؟ إن . .. ، فقاطعته قائلا :
ـ ليكن . لن أتجادل معك حول ذالك . لكن هذه سرقة . سكت "ازوين" طويلا . قبل أن يقول وإحساس بالإهانة يخامر نبرته بأن وصفت ما كان يريده أن يغدو بطولة يفاخر بها طوال حياته بالسرقة ـ
ـ قال : لا أظنني ذكرت الاسم سرقة أم أن أذنك عليلة ؟
ـ لكنك ذكرت الفعل .وعاد للصمت مرة أخرى ومن ثم قال
ـ أليس هذا ما كان يفعله الآخرون ، وبه سموا وسموا أبطالا ؟
ـ ليس تماما . كان ثمة قواعد وأصول.
ـالقواعد والأصول لا تغير حقائق الأمور.
ـ لكنها تغير دلالا تها وهذا هو المهم ، ثم لا تنسى أننا نعيش ألآن في ظل الدولة ويجب أن يخضع سلوكنا لنظامها.
ـ لتهنأ أنت ووالدك وجدك بالدولة وبظلها ، ولتعيشوا وفق نظامها ، أما أنا فلن أرضخ لأي كان ولن أسلب رجولتي تحت أي عنوان . ثم إنني لم أكمل القصة ، وإذا كنت ستقاطعني في كل مرة هكذا فسأصمت .
ـ العفو، واصل .
ـ عدلت عن تلك الفكرة واستبعدتها . لكن لماذا لا أقتله ثم أحفر له في الأرض عميقا وأدفنه ولامن سمع ولامن رأى ؟ أوأقوم بدق عنقه ومن ثم أقف عليه ناعبا وأزعم حين يجتمع علي الناس أنني رأيته يقع من على ظهر جمله حين فقد السيطرة عليه بعد أن أجفل ؟ استحوذت هذه الفكرة على تفكيري واستساغها عقلي ، وبينما كنت أحبك نسجها أقطع من هنا وأوصل من هناك ، جاءني أبوك ، وبعد أن هدأ روعه أقنعني بذالك الرأي ألأخرق .
ـ قال لي : ستبقى هنا بالوادي بينما سآخذ الرجل معي إلى القرية ، ولابد أن الرجال هناك سيجدون طريقة ما لترضيته ،و للتفاهم معه حول تسوية معينة .
بت بحقف أصارع نارالطوى ينهش الباعوض في جسدي اعفر جنبي في التراب ، وبينما كنت في الصبح أستعد لحمد السري ، طوقتني فرقة من الدرك يتقدمها أبوك الهمام. قال"أسويد"
ـ كان ذالك رأي "محفوظ" وقد حاز موافقة الجميع ومباركته .
ـ آه محفوظ ! هكذا قال "ازوين" باضطراب ، ثم أردف ـ وقد انخفضت نبرة التوتر في صوته ـ أردف كدت أحدس ذالك ، لكن ثقتي في حكمته وحصافة عقله غلبت ظنوني ، لكنني أشهدكم ـ ومنذ هذه اللحظة ـ أنني كفرت بهما والى الأبد .فقلت :
ـ لن ينال كفرك بحكمة " محفوظ" وحصافة عقله من عظمتها.
ـ أريني وجه العظمة في هذا ؟
ـ لقد فكر ـ كما أعتقد ـ بأنه لن يكن بوسعك الاختفاء نهائيا، إلا أذا كنت ستتغرب إلى الأبد ، ولذالك فضل أن يتم تسليمك للحكومة أولا ، ومن ثمة التفاوض معها.
ـ ولماذا لم يستطع إقناعها بسلامة موقفي.
ـ لا أظن أن ذلك ما كان يهمه بالدرجة الأولى .
ـ لم يكن لدي أدنى شك في ذالك . فقد كان مهتما أكثر بإثبات زعامته، وبالتقرب من الحكومة، ولن يضع فرصة مواتية كهذا.
ـ ولماذا لا يكون همه الأكبر، وقد تورطت ـ أن يخفف عقوبتك إلى أدنى حد ممكن .
ـ ما كنت لأحسن الظن بأحد من هؤلاء إلى هذا الحد، وحتى لو افترضت ذالك جدلا ، وصدقتك فان صاحبك لم يفلح في مسعاه .
ـ بل أفلح، وإلا لكنت الآن بالسجن.
ـ كان ذالك أفضل عندي من أن تصادر بندقيتي وفأسي ، وأغرم.
ـ ما دام الأمر كذالك فلم قبلت التسوية ؟
ـ ومن قال أن ثمة تسوية ؟
ـ هذا أمر بديهي .
ـ عموما أنا شخصيا لم أتفق مع أي أحد ، ولم أكن طرفا في أية تسوية . فقلت ـ وأنا أتعمد أخافته ليس إلا ـ قلت
ـ ما دام هذا رأيك فقد هان ألأمر، فعندما أذهب إلى الولاية سأخبر السلطات برأيك هذا حول ماتم التفاهم عليه ، وعليك بعد ذالك أن تواجه مصيرك لكنك هذه المرة ستكون منفردا . فقال "ازوين" في تراجع مكشوف :
ـ ماتم قد تم ، ولا داعي لإعادة النظر فيه ، ولا شك أن به الكثير من العناصر الايجابية لكنني حسبت أن تغريمي كان يكفي . أما أن تصادر بندقيتي وفأسي ، وأوضع تحت المراقبة فهذا عين الإجحاف .
ـ لم يكن ثمة أي إجحاف، وما أراهم إلا تساهلوا معك كثيرا، فقد كنت تصطاد بلا إذن، وتحمل سلاحا ناريا بدون ترخيص، وفوق هذا كله قمت بالاعتداء على موظف عام وكدت أن تقتله .كان يفترض بهم وضعك في السجن سنة أو اثنتين ، حتى لا يتأسى بك ألأحداث ، ويظنون أن الاعتداء على موظفي الدولة شيء عادي ، وحتى تظل هيبة القانون واحترام السلطة محفوظين في نفوس الناس .
ـ ما تسميه بموظفي الدولة ، مجرد زمرة من المرتزقة ،يعيشون من امتصاص عرق شقاء الكادحين ، وبخطف اللقمة من أفواه أطفال الجائعين ، ومن السرقة . وبالتالي فان لكل جائع وكادح في أعناقهم ثأرا ، أما صنمك هذا الذي تسميه بالقانون ، فهو سوط مسلط على أجساد الفقراء والمحرومين ، يقتل في أنفسهم كل تطلع إلى غد أفضل ، ويخضع إرادتهم لرغبات جلاديهم ، وكل خرق له هو بمثابة قربى يثاب صاحبها.
ـ ها قد غدوت فيلسوفا !
ـ البركة في المرحوم .وكأنني تلقيت ـ على حين غفلة ـ صفعة قوية في الجبين فلاحقت "ازوين" قائلا من تقصد بالمرحوم ؟ فتهرب من سؤالي ضاحكا وقال: كلنا مراحيم ، ثم أضاف قائلا ـ وهو يمعن في التهرب ـ دعنا من ذلك كله الآن ، قل لي :
ـ هل ستشرب الشاي عندي، أم أنك تفضله عند أهل ألخير؟
ـ فقلت، لا عندك، ولا عند أهل الخير، أنني متعب وأريد ببساطة أن أنام.
ـ أتنام والليل مايزال في أوله ؟ يا للفتور وبرود الهمة . ألا تخاف أن تغضب منك "الصيدة"؟
ـ عن أية صيدة تتكلم ؟
ـ وهل عند أهل الخير غير " محمودة" زينة بنات أهل "أدباي " . فقال "اسويد" :
ـ احترم نفسك يا "ازوين" وكف عن هذا الهذر؟
ـ وهل انفتاحي على هموم من هم في منزلة أبنائي يعد في عرفكم عدم احترام للنفس ؟ ثم أردف موجها كلامه إلي في ما يشبه الهمس قائلا: سأسدي لك معروفا لن تنساه ما حييت ، فعندما نصل القرية سأبدأ في أعداد الشاي ، وسوف أدعو له "الخير" وأم الخير زوجته ، وسأستمكثهم عندي أطول وقت ممكن ، لكن إياك أن تضيع الوقت ، ثم إياك أن تخذلني . أريد عمل رجال .
ـ أنت بهذا الهراء تتهرب من الإجابة عن سؤالي.
ـ آه . لعلك لم تقلع بعد عن ملاحقة تلك " البيظانية" ؟ فقلت وقد بدأت تخاريف الرجل تضايقني بالفعل ـ قلت:
ـ لا أريد التقليل من احترامي لك ، لكن قوى عقلك هذه الليلة لاتعمل كما ينبغي.
ـ هل تلك تهمة خطيرة تجفل منها إلى هذا الحد، أم انك ترى ألأمر شرفا لست أهلا له ؟
ـ لا هذا، ولا ذاك، لكنني ببساطة أكره الشائعات.
ـ لكن غضب أبو البنت منك قد فشا في الناس، وخبر لجوئه إلى جدك شاكيا قد انتشر.
ـ أبوها شيخ هرم تسهل استثارته والتأثير عليه .وألامر برمته مجرد مسرحية سخيفة أعدها في لحظة غيرة وغضب أبن عمها المأفون ذاك ، حين رفضت أن تتزوجه وأصرت ـ رغم كل الضغوط ـ على ذالك ، فقام بترويج تلك الإشاعة ثأرا منه لكبريائه، وليشوه سمعتها.
ـ يشوه سمعتها ؟! هكذا قال "ازوين" ممتعضا في مرارة وتعجب، ثم أردف ـ وقد فترت روح الدعابة لديه فجأة، واختفى المرح من نبرة صوته وسرح ـ أردف: يا للمفارقة نرى فيك زينة الشباب وفخرنا، ويراك هؤلاء مجرد سبب لتشويه السمعة ! ثم ـ وقد انتابته نوبة انفعال نضالي حادة فارقته منذ زمن بفعل الإحباط، والشيخوخة ونتيجة تقلبات الزمن ـ حدق نحو القرية القابعة تحت جنح الظلام في وداعة واسترخاء يلفها الهدوء والسلام، وتساءل قائلا ـ في حيرة وشت بقلق دفين :
ـ ترى ما ذا علينا أن نفعل حتى يقبل بنا هؤلاء ، وفي حالة ما إذا لجوا فكم سيطول بنا المسير معا ؟
فقلت له :
ـ وماذا يعني لك قبولهم لكي تتحسر عليه هكذا ؟
ـ ما يعنيه لهم رفضي حتى يتشبثوا به إلى هذا الحد.
ـ هذه دائرة مغلقة .
ـ وهل قرح أظافرنا ، وأرهق سواعدنا غير محاولة فتحها ؟
ـ ربما لم تكن تحتاج إلى أظافر وسواعد .
ـ هذا ما كنت أقوله دائما. بل إلى فؤوس، ومعاول.
ـ وما رأيك في شيء من الصبر والتفهم، والقليل من ألأنانية وبعض التسامح ؟
ـ وأين سنجد وصفتك السحرية هذه ؟
ـ فتشوا في أنفسكم ، فبداخلها كل أنواع الوصفات . زمجر بغضب ، ثم قال ـ وهو يهوي إلى الأرض بلا مقدمات
ـ لا عجب أن يدر في البول ، أو ربما شيء أكبر ، فبرودتك تجمد الروح ، ولا مبالاتك تحرق الفؤاد

محمد جواد
12-11-2011, 12:47 PM
ـ وما رأيك في شيء من الصبر والتفهم، والقليل من ألأنانية وبعض التسامح ؟
ـ وأين سنجد وصفتك السحرية هذه ؟
ـ فتشوا في أنفسكم ، فبداخلها كل أنواع الوصفات . زمجر بغضب ، ثم قال ـ وهو يهوي إلى الأرض بلا مقدمات
ـ لا عجب أن يدر في البول ، أو ربما شيء أكبر ، فبرودتك تجمد الروح ، ولا مبالاتك تحرق الفؤاد .
هجر حماس النضال نفس "ازوين" منذ أمد طويل ، لكن ماتزال فيه كما يقولون "خزرة" البعض يراها بلا ضرر من قبيل متلازمات الشفاء من الجنون ، والبعض الآخر يحاذرها ويحسبها عدوانية وشواظ تحريض قد يشعل نار فتنة . والواقع أن الحقيقة من كلا الرأيين في منطقة وسط كألمزلة بين المنزلتين ، ففظاعة الرق في الصبي في كنف " عرب" فظ وغليظ ، وقسوة الإهمال والهوان في الشباب، من لدن حكومة عجنت من ذات الطين ، قد لغما وجدان الرجل بالمرارة وبالأسى وبالغضب والدفين .
كان "ازوين" صغيرا عندما فرت أمه ذات فجر حزين، ناجية بنفسها من القهر والبطش، ومن كل نبت ذاك الجحيم ، بمائه الأجاج الثقيل وسدره الخمط القليل ، وتركته وأخته وحيدين يقاسيان غصص غضب " عربيها" المهول .عاش الصغيران خمس سنوات في ذالك الأتون تجرعا خلالها من العذاب والهوان ألوانا تجل عن الوصف. وبعد أن بلغت ألام مأمنها بين " جامبور" في" تمبدغ " واطمأنت على وضعها، بدأت نضالا
لا يعرف الكلل من أجل ضم الولدين إليها ، وبعد لأي وطول معانات والكثير من العثرات تمكنت المسكينة أخيرا من الفوز بصغريها ، إذ وقف أهل "جامبور"إلى جانبها وتبنى كبيره قضيتها .
لا يمل " ازوين" من قص تلك الحكاية ، ونادرا ما انتظر المناسبة ، وكلما أحس بأن التكرار أخذ يفقدها بعض تشويقها ، عمد إلى إعادة إخراجها من جديد فزاد من هنا ، ونقص من هناك ، وبالغ في الوصف وفي إبراز التفاصيل ، وهول المشاهد وضخم من صورها ، ولعل أطرف ما في حكايته ، وأكثر تفاصيلها مأساوية هوان " عربيه" ـ ولكي يضمن حسن رعيه للغنم ـ كان يقوم بطلاء جسده بالسمن فيهاجمه النمل كلما جلس ، أو حاول أن ينام .
تمكن "ازوين" من الالتحاق بالمدرسة وان كان ذالك جاء متأخرا بعض الشيء، إلا انه أبدى قدرة عجيبة على الفهم والاستيعاب أوغرت صدور أعداء الحرية والمساواة كما يسميهم . ممن كانوا يرون أن مكان " الحرطان" المناسب هو المراح بين البهائم ، وليس مقاعد الدراسة بين الكتب ، وقبل أن يحصل على الشهادة الإعدادية التحق بالجيش الوطني، كان ذالك كما يرى هو جزء من مؤامرة حاكها ضده أولائك الأعداء ، عندما أقنعوه بذالك ، وبأنه سيتخرج برتبة ملازم مما سيفتح له أبواب الدنيا على مصراعيه ، لكنه فوجئ بهم ـ لدى تخرجه ـ يقلدونه رتبة رقيب .حاول الاحتجاج فقوبل بالقوانين العسكرية القاسية. عندما اندلعت حرب الصحراء، دفع" باز وين" ـ شأن غيره من أبناء البلد ـ إلى جبهة القتال، فأصيب إصابة بليغة ألزمته سرير المرض لأكثر من عام ، قبل أن تجبره على التقاعد ألمبكر.
كان غائبا عن الوعي ساعة رمي به في المستشفى، وحين أفاق وجد نفسه وحيدا وسط الإهمال وسوء المعاملة والهوان، فأستيقظ مخبوء نفسه، وأختل توازنه العقلي، وخامر سلوكه الاضطراب فخرج ثائرا على ما يعتبره تمييزا في المعاملة ضده ونظراؤه من " الحراطين" لينخرط مناضلا ضمن صفوف حركة الحر، التي أستهوته دعوتها ، ووجدت مقموعات نفسه في مبادئها متنفسا . فجاب أنحاء البلد الشاسعة ، وفي الغالب مشيا على الإقدام ، داعيا إلى الوعي بضرورة العلم والتعلم والانعتاق ، كما يرى مؤيدوه ، و ساعيا إلى بذر الكراهية والتفرقة والعداء كما يزعم المناوؤن له . وبين صعوبة المهمة ، وتواني الكثير من الرفاق ، وضبابية الرؤية وقحط الآفاق ، تولا الرجل اليأس وأستحوذ عليه الإحباط ، فعاوده اضطراب النفس وتسلل إلى عقله الخرف مبكرا ، فطلق الجد وبعل الهزل ، يخرق مألوف الناس حين تتلبسه الحالة ،وحين يصحوا يحافظ إلى حد التزمت ، يسمو إلى مصاف الحكماء ساعة صفاء ذهنه ، وساعة كدره يغوص في درك الجنون .
انتهزت فرصة انشغال الرجل في قضاء حاجته فتركته مبتعدا، لكنه تمكن من اللحاق بي قبل أن أبلغ القرية ، فبادرني بقوله ـ والغضب ـ يكاد يشل لسانه :
ـ أكان من ألائق أن تهرب مني هكذا ، وكأنني وحش مفترس ؟
ـ حاشاك أن تكون كذالك، لكنني لم أجد سببا يجعلني أنتظر شخصا يقضي حاجته.
ـ أعرف انك ـ كجدك ـ تنفر من الحديث في مثل هذه القضية، لكن لو أننا جميعا تعاملنا بذات الطريقة معها لكنتم إلى الآن تحت نير العبودية تساقون بالسياط كالبهائم وتباعون كالخراف في الأسواق.
فقلت ـ وأنا أحاول خفض مستوى توتر الرجل ، فقد بدأت أعصابه تفلت من غير سبب واضح ـ قلت :
ـ تلك إحدى مزايا فرض الكفاية الكثيرة ، عندما يقوم به البعض ، يسقط عن البعض الآخر، وعلى كل حال فلست أنا الذي ينكر فضل نضالكم ، وبذلكم أنفسكم في سبيل هذه القضية .
ـ وهل تفعل غير ذالك، عندما تهرب في فرار صريح منا، ومن نفسك لتذوب في أولائك " اليبظان" الذين يمقتونك في سرهم ، ويحتقرونك في العلن ، وعندما تدير ظهرك ـ في تعال وتكبر ـ لكل بنات عمك ، وتديم الجري واللهاث وراء تلك " البيظانية" التي ترهبها فكرة أن يطلع أحدهم على حقيقة ميلها إليك ، باعتباره معرة وتهمة ، فهل تركت لنضالنا معنى أو أبقيت طعما لبذلنا ؟ كم تراك ستكبر في أنفسهم بتقربك منهم ، وبأي نوع من التقدير ستحظى من اختلاطك بهم ؟ أنني لا أفهم كيف يمكنك أن تتحمل مجالستهم ، فإما أنك من خشب ، أوأنك بليد الإحساس ، ألم تراهم يحطون من شأنك في آخر، أو لم تسمعهم يهينوه ليهنوك من خلاله . أعرف أنك ربما مازلت صغيرا لتدرك كنه ما أقول ، وما أحسبك إلا محظوظا لمجيئك الدنيا متأخرا قليلا، هؤلاء الناس ....، عند هذا الحد ضقت ذرعا بتخاريف الرجل ، فقاطعته ـ لكن بلغة يطبعها المزاح ، فقد أدركت أنه يمر بطور ماقبل الحالة التي تتلبسه عرفت ذالك من نسق كلامه المتصاعد في اتجاه الحدة ، وفي نبرة صوته المتفاقمة ارتفاعا ، ومن تلاحق أنفاسه ورشق رذاذ ريقه لصفحة وجهي ـ قاطعته قائلا :
ـ كنت على وشك أن أغضب منك ، وأقول بأنني لم أعد مدينا لك بأي اعتذار، بعد هذا وابل التهم الذي أمطرت به هامتي مشكورا ، لكنني سأتجاوز عن ذالك ، وأقول لك بأنني آسف ، وأرجو أن تقبل اعتذاري لكن أصدقني القول ـ بعد أن ذهب " أسويد" وبقينا لوحدنا ـ أصدقني :
ـ ألا ترى معي بأن الظفر بتلك " البيظانية" أمر يستحق العناء ؟ صمت للحظة ، قبل أن تفلت منه تلك الضحكة الشبيهة بالزعقة ، ثم أفرك يديه الواحدة بالأخرى ، ودنى مني أكثر وقد عادت روح الدعابة إلى صوته ، وقال جذلا :
ـ أمتأكد ألا أحد يسمعنا ؟
ـ أطمئن، لا أحد .
ـ لأحظى منها بساعة ، وليضعوا بعد ذالك كل أنيار العبودية في عنقي ، وشهق بالضحك عاليا ، قبل أن يعاوده ما يشبه الجد فقال : أتعتقد أنها ستتمكن من الصمود في وجه أهلها ، وربما إجبارهم على قبولك زوجا لها ؟
ـ ومن قال أنني أريد ها زوجة ؟
ـ أنت مجرد عابث فقط ؟!
ـ لم أقل ذالك .
ـ حيرتني، ما ألأمر أذا ؟
ـ ألم أقل لك أن كل ذالك كان مجرد إشاعات. أنا وهذه البنت أصدقاء منذ الطفولة ، وبغض النظر عن أية اعتبارات أخرى ، فنحن أخوة في الرضاعة ، فقد مهجت ثديا أمها حتى أذبلتهما ، ولهجت صدر أمي حتى مغله.
ـ مادمت فاشلا، وخائبا إلى هذا الحد فلم نفورك من بنت الخير "محمودة"
ـ انتهينا من هذا الموضوع . تحدث في غيره
ـ آه تذكرت ، أن "أم البركة" يعني زوجته تعاني من تسلط القمل عليها إلى درجة جعلتها تفكر في حلاقة رأسها ، فهل يجيز الشرع لها ذالك ؟
ـ أنا لست فقيها. فقال :
ـ ياخسارة اثني عشر عاما من عمرك أضعتها بلا مقابل ،ثم أضاف متحسرا يبدو أن الوقت مازال مبكرا لكي نعتمد على أنفسنا ، فنحن لانزال بحاجة إلى غيرنا حتى في أتفه أمورنا. ولما لم أعلق حك رأسه وقال: عموما هذه مشكلتها وعليها أن تجد لها حلا، فأنا لن أشارك مستقبلا في حملات تعقب فلول القمل، وإذا اضطرت أن تحلق رأسها فلن أتردد في الانفصال عنها. لم أعلق أيضا، وإنما تنبهت فإذا بنا قد دخلنا وسط القرية، فألتفت إليه وقلت له: تصبح على خير، لقد أربكت حركة دمي بأحاديثك المملة هذه.
ـ بل أربكها انتظار الموعد ، والحنين إلى الدفء ،
ـ ألا تعود عن ضلالك . ؟
ـ اسمع: إذا لم يكن لديك ما تفعله بكل هذا العنفوان و الشباب ، فلم لا تعيرنيه؟
ـ أخاف أن تسيء استخدامه .
ـ وهل هنالك أسوء من طريقتك في استخدامه ؟ هكذا قال "ازوين" ثم أردف قائلا لدي خبر هام أريد أن أطلعك عليه، لكن بشرط أن تأتي معي إلى الدار.
ـ سأشرب الشاي عند "أهل" محفوظ"، وبعد ذالك سأمر عليك. وخيل لي أن الرجل تفاجأ قليلا أو أنه أنزعج واضطرب ، فقد قال فيما يشبه الجزع ، قال :
ـ لكن "محفوظ" غير موجود . فقلت له :
ـ اعرف أنه مسافر، لكنه ربما قد عاد، فقد آنست في بيته نورا وحركة .
ـ لكنني أؤكد لك بأنه لم يعد .
ـ ليكن ، ومتى كان عدم وجوده سببا يمنعني من زيارة بيته متى شئت ؟
ـ لكن ماذا تريد ، والليل قد تأخر؟
ـ أولا أريد كأسا بالنعناع من يدي " السالمة " تنتظم بها حركة دمي ، وثانيا أريد أن أسمع كلاما غير رجل حماية البيئة ، والبيظانية ، وأهل الخير ، ومحمودة ، إلى آخر قائمة الأبطال التي أفسدت بها صفاء مزاجي طيلة هذا المساء . دنى الرجل مني قليلا وقال ـ في مايشبه الهمس ـ قال:
ـ لا أعتقد أن صاحبك سيسعد ـ إذا ما علم ـ بزيارتك لبيته أثناء غيابه.
ـ إلى م تلمح يا "ازوين " ؟
ـ لا شيء، لكنك تعرف إن السنة البعض هنا أطول من اللازم قليلا.
ـ " ازوين" مالذي لا تريدني أن أعرفه ؟ أطرق لحظة ومن ثم وضع كفه على منكبي ، ودنى مني أكثر ، وقال ـ الحقيقة . دفعته حتى ترنح وكاد أن يسقط ثم صحت فيه قائلا: كم قبضت مقابل تعذيبي هكذا ؟
ـ فقال : أقل كثيرا مما أتلقاه منك الآن .
ـ ألا تفصح، وترحني ؟
ـ طيب، أهدأ أولا وتعالى معي، لأخبرك بما كتموه عنك.
ـ ماذا جرى ؟
ـ لقد مات " محفوظ"
ـ لكني تر. .. من قال ... ؟ ما ذا تقول يا مجنون ! وكاد السر أن يفتضح ، و يفشل المخطط كله ، لولا أنني أداركت نفسي في اللحظات الأخيرة .
" لم نتفق على هذا يا صاحبي، ولم تكن مضطرا إليه ، فقد كان بوسعي معالجة الأمر بطريقة أخرى. قد لا تكون أكثر ذكاء من هذه، لكنها ستكون أخف منها وطئا وأقل قسوة. لكنك غير قادر على نسيان نفسك على ما يبدو ولا تريد أن تترك أمورك للصدفة"
وأفقت من ذهول على "ازوين" وهو يقول :
يئست من إقناعهم بضرورة إخبارك أمس ، وفور وصولك ، وقلت لهم أن أفضل طريقة لتجرع ألمر هي ابتلاعه بسرعة ودفعة واحدة ، لكنك كنت محموما كما زعموا وخافوا عليك من وقع الصدمة ، وفي الليل عدتك ، وفي نيتي أن أخبرك ، فتزاجروني جميعا، واتهموني بأنني مولع بصدم الناس ، وبإذاعة ألأخبار غير السارة ، إنها نفس التهمة التي وجهوها إلي يوم جئتهم أحمل نبأ وفاة المرحوم ، فقد كنت أول من علم ..
هذا ما أردت تحمل سماعه من حديث "ازوين" في تلك اللحظة. وعندما استيقظت في الصباح وجدتني في دار جدي ، وقد تحلق حولي جمع من أهل القرية ، بعضهم جاء يسلم على جدي ، والبعض ألآخر كان يعودني ، وفيهم من كان يدفعه محض الفضول ليرى كيف سأبلي مع الصدمة ، فقد كان الجميع يعرف أنني كنت أحب " محفوظ" إلى درجة الافتتان ، وأنني كنت مولعا به إلى حد الإجلال و التقديس.
كان يتعين علي أن أبدو بمظهر المفجوع المكلوم ، وأن العب دور المصدوم ـ عند تلقي النبأ ـ والواقع أن هذا التدبير ـ القاسي والغير متوقع من طرف "محفوظ" ـ قد وفر علي عناء التمثيل إذ أنه صدمني صدمة حقيقية.
***

زينانا
13-11-2011, 07:52 AM
وما رأيك في شيء من الصبر والتفهم، والقليل من ألأنانية وبعض التسامح ؟
ـ وأين سنجد وصفتك السحرية هذه ؟
ـ فتشوا في أنفسكم ، فبداخلها كل أنواع الوصفات



النفس البشرية زمخ هائل و صارخ من التناقضات
ابدعت و ننتظر المزيد من التشويق في روايتك

محمد جواد
14-11-2011, 03:26 PM
الكتابة كلعبة كرة القدم ، تمسي شيئا مضجرا في غياب جمهور المتابعين ، والكاتب مثل اللاعب لاشيء كالتشجيع يجعله يقدم أفضل ما لديه . اشكرك يا "زينانا" على متابعتك ، وأشكرك على تشجيعك . دمتم قارئة نهمة . ووفقني الله لأن أكون عند حسن ظنك . مبدعا وملها.

محمد جواد
20-11-2011, 01:59 PM
منحت نفسي راحة لمدة يومين وفي اليوم الرابع نهضت مبكرا ، ومن ثم توجهت إلى الحقل فالموسم في بدايته ، وحجم التساقطات يبشر بمحصول وفير إن شاء الله . وودت لو أنني أزور "السالمة" بدعوى تقديم واجب العزاء ، فأطلعها على الحقيقة ـوأخرجها ـ ولو نفسيا على الأقل ـ من حالة الحداد. لكنني وعدت الرجل ، ووثق بي ، وأاتمنني على سره ، ولا أريد أن أخونه رغم ما أشعر به من حرج . لو كان العرف يسمح لي أن أزور المرأة في حدادها ، فلربما تمكنت من مساعدتها على تجاوز محنتها . لكنهم حكموا عليها بالسجن شبه ألإنفرادي مع أحزانها، بدعوى احترام ذكرى الفقيد طيلة فترة الحداد . كانت معرفتي بالحقيقة تثقل كاهلي ، وتغذي شعوري بأنني كنت ضالعا في معانات المرأة . وفكرت في أن أبعث لها رسالة أضمنها ما كنت أود قوله لها وجها لوجه . واستهوتني الفكرة وشرعت في الكتابة :
"إن الحياة لكي تتواصل لا بد لها من تجديد ذاتها باستمرار، وكل تجديد لا بد حتما أن يمر بفعل الموت. وبعبارة أخرى إن الموت هو أحد مظاهر الحياة المزعجة لكن المفيدة في نهاية المطاف، وينبغي أن لا تدعي لحظة حزن كهذه تقضي على ضرورة أن تستثمري كل طاقاتك في سبيل أن تستمري ، لكن على سلم صاعد تندثر كل درجة منه تتجاوزينها لألا يعود ثمة للتقهقر أو التراجع من سبيل " لكن هل ستفهم هذا الكلام ؟ أشك في ذالك . وحتى لو فهمته فأغلب الظن أنه لن يساهم في تخفيف حزنها. فلأصارحها بالحقيقة ، فذالك ربما يخدمها أكثر ، أو لأدعها وشأنها . ثم ما لي وهذا كله ؟ لقد عدت هاربا من ساحل العاج إلى هنا لأبعد نفسي عن القلق ولأريح ذهني من التفكير، فلماذا أنشغل بهذا الرجل ، وقصة حياته الملآ بالمآسي والنكبات ؟
إنني مصمم ـ منذ الآن فصاعدا ـ على أن لا أدع أمور "محفوظ" تستحوذ علي فتشل حياتي، وأن أتعامل معها وكأنها أشياء لا تعنيني. فلن أكون أكثر منه شفقة على زوجته وأولاده، وهو بكل تأكيد كان يعرف ما يفعله.
سارت حياتي بعد ذالك وفق خطة، كنت بمقتضاها، أمضي جل أيامي في المدينة حيث فتحت دكانا هناك ، على أن أزور القرية من وقت لآخر، القرية تقع على مرتفع ، ولا يفصلها عن الطريق العام ـ الذي يربط الولاية بالعديد من الأرياف ، وبالأراضي المالية في الجنوب ـ سوى كلمترين أوربما أكثر قليلا ، وعندما تتوقف السيارة القادمة من المدينة ، أو من إحدى المدن المالية عند" الكاراج" ينزل القادمون من ابناء القرية ، والأحياء المجاورة . وينتظرون قليلا في ظل العريش الذي أقامه الأهالي لهذا الغرض ، ريثما يحضر من يساعدهم في حمل أمتعتهم . لقد ولى زمن كان فيه مجرد رؤية سيارة مارة أو حتى سماع صوتها سببا لإثارة فضول الناس وحذرهم بل وخوفهم أحيانا ، ولم يعد حتى مجيؤها إلى داخل القرية بالحدث المهم كما كان ، فقد نجح الزمن في فك عرى ذالك الارتباط الوثيق في أذهان الناس بين السيارة والحكومة وما ترمز له هذه ألأخيرة من تسلط ، وقهر ، وما عدى بعض البدو الذين جاؤا يستقبلون أحدهم كانوا قد انتدبوه إلى المدينة لجلب بعض المؤن ، أو ناس من أهل القرية ينتظرون أغراضا مرسلة إليهم أو يستقبلون قادما ـ فان الغالبية من أهل القرية لا يكادون يشعرون بمقدم السيارة أو بمغادرتها.
وقدمت اليوم من مدينة "سيجو" المالية ،فوجدت في استقبالي هذه المرة "طالبن" وقد فوجئت ، إذ جاء بحمار " ازوين : جياب الباقي" كما يسميه و"بوزميد" كما يسميه بقية أهل القرية ، وهي تسمية لا تروق "ازوين" كثيرا، بل تثير غضبه وحنقه إلى حد جعله يقسم إلا يدع أحدا من أهل القرية يستخدمه ، ونحن نحمل الأمتعة على الحمار سألت " طالبن" ـ والقلق يساورني :
ـ أرجو ألا يكون قد حصل مكروه ل "ازوين"؟
ـ "ايطيرعنك " وهل خلت حياته يوما من المكاره ؟
ـ هل هو مريض ؟
ـ لا، ليس مريضا، لكنه في سجن الولاية.
ـ فقلت ـ وقد ازددت قلقا ـ قلت: لا تقل لي بأنه اعتدى مجددا على أحد أفراد فرقة حماية البيئة.
ـ جنونه هذه المرة حمله على ما هو أكبر من ذالك ، فقد كاد أن يقتل "سيد ولد المخطار" وفي الولاية ـ وأثناء محاولة رجال القرية إنهاء الموضوع ،اتهم وكيل النيابة بأنه مرتش قبل يقوم بالاعتداء عليه
ـ إنا لله وأنا إليه راجعون، ضاع المسكين، وانتهى أمره
ـ لقد أراد دائما أن يكون بطلا، وهذه نهاية تليق بالإبطال.
ـ هل علي ألا أغيب عن القرية لكي لا يقدم "ازوين" على حماقة ما ؟ هكذا تساءلت ، ثم لاحقت الرجل قائلا
ـ وماذا جرى حتى يحدث كل هذا ؟
ـ ألا هذه السياسة التي يبدو أنها على وشك أن تمزق كيان هؤلاء الناس شر ممزق.
ـ كيف، وقد انتهوا من ترتيب كل شيء، وقبل الجميع بما تم ؟
ـ لعل البعض أكتشف بأن ما تم لم يكن يرضي كل طموحه ؟
ـ هذا أمر طبيعي ، لكنهم حرصوا ـ كما بلغني ـ على أن يلبوا لكل واحد بعض ما كان يطمح إليه .
ـ لست أدري ، لكن هؤلاء " البيظان " سيحتاجون إلى معجزة لتنقذهم من شر فتنة باتت وشيكة . ولا أراهم إلا قد سئموا دعة السلم وهنائه . فقد اتفقوا ـ في اجتماعهم مع منسق الحزب ـ على أن تتقدم القرية والقرى المجاورة لها إلى الانتخابات البلدية القادمة بلائحة واحدة وموحدة ، وقد تقدمت كل قرية بأسماء مرشحيها وفق الحصة الممنوحة لها . لكن اكتشاف "احمدولدأخطورة" بأن وجوده على رأس القائمة ، لن يضمن له أن يحظى بمنصب العمدة ، جعله يصر على إعادة النظر في الحصة الممنوحة لقريتنا ، مدعيا أن مستوى التمثيل الذي منح لها لا يتناسب مع حجمها،ومطالبا في نفس الوقت باستبدال " بون ولد أحمد" و" سيد ولد المخطار" و"سالم ولد بوك"بآخرين .
ـ يبدوا طلبه ألأول مفهوما رغم أنانيته، لكن طلبه الثاني يحتاج إلى تفسير!
ـ أظنه بدأ مؤخرا يشك في ولاء هؤلاء الثلاثة للقبيلة.
ـ للقبيلة أم له هو شخصيا ؟
ـ لا أرى أن ثمة فرقا كبيرا، فهو أبن شيخ القبيلة وزعيمها التقليدي.
ـ ذالك لم يعد كافيا، وكان على صاحبك أن يدرك ذالك . لكن ومادام غير متأكد من ولاء الجماعة، فلم قبل بأن يكونوا ممثلين للقرية إلى جانبه؟
ـ لعله لم يكن واثقا من شكوكه حيالهم !
ـ وماذا حدث لكي تتعزز شكوكه إلى حد المطالبة باستبدالهم ؟
ـ أشياء تافه ،تافهة جدا ، مشادات كلامية بين النساء و مشاجرة وأشياء من هذا القبيل ، حدثت على خلفية رفض " سيدات " ابن أخ "اخطور" أن يزوج ابنته ل" إبراهيم ولد سيد ولد المخطار " فثارت ثائرة أمه ـ تعرف أنها "أشريفة"ـ فسبت وشتمت مما أثار غضب أم البنت فقالت لها " لحمار ماه على لكمش" إذا كنت أنت رضيت بان تصغري نفسك وتحطي من قدر أهلك، بزواجك من أبيه فإننا لن نحذو حذوك ،ونزوج ابنتنا من ابنه ، حتى ولو كنت أنت أمه . هذا الكلام أغضب " المخطار" وابنه " سيد" ، وحين احتجا لدى " أخطورة" صب "أحمد " ابنه برده الزيت على نار غضبهما ، عندما قال لهما:بأن الدنيا لم تتغير إلى ذالك الحد الذي يتصورانه فمنازل الناس مازالت هي منازلهم ، ولا ينبغي القفز على تلك الحقيقة . وقيل أن " المخطار " أقسم ساعتها أن عينه لن تقر حتي يرى " أهل "أخطورة" يستجدون وده فثارت مخاوف الرجل من أن يتحالف الرجال الثلاثة ضده ـ وهم كما تعرف أبناء عمومة ـ فيمكرون به في الانتخابات
ـ أعتقد أن "أحمد" كان قاسيا بعض الشيء في رده هذا ؟
ـ لعله وجد في المناسبة فرصة لتصحيح وضعية طالما بدت له مختلة بعض الشيء .
ـ أية وضعية ؟
ـ الحضور المتزايد ل" أهل المخطار" وأهل " بوك" وغيرهم ممن ليسوا في ألأصل من القبيلة في شؤون القرية ، وشعورهم بالأهمية ، وبأن مكان الظل لم يعد يسعهم .
ـ بل انه يريد إعادة الاختلال إلى وضعية صححها الزمن ، فما ذا تعني ألقرية، بل وماذا تعني القبيلة ذاتها غير هؤلاء ؟ فهم من صنع كل أمجاد القبيلة الحقيقي منها والوهمي، وهم من يحافظ على كيانها ويسهر على تماسكه، وإذا كان أجدادهم قد رضوا في الماضي ـ ولأسباب تتعلق بالظروف ـ البقاء في الصف الثاني والاكتفاء بلعب دور الحاشية، فانه لا شيء يجبرهم على القبول بذالك ، لقد تبدلت أشياء كثيرة من حول القبيلة ، ومن المستحيل أن تظل كما كانت .
ـ لعله لم يجد من يقول له هذا الكلام ؟
ـ كان يجدر به ألا يكون بحاجة إلى ذالك.
ـ المهم أنه بطلبه زيادة نسبة تمثيل القرية في المجلس المنتظر، أثار غضب ألأهالي في القرى المجاورة الأخرى، أما طلبه الثاني فقد كان له في القرية وقع الانفجار، فما كان من " الثلاثة" المعنيين إلا أن انسحبوا من اللائحة موضع الجدل ، ومن ثم قامواـ وبالتحالف مع غاضبين آخرين من القرى المجاورة ـ بالتقدم بلائحة أخرى ، سموها مستقلة ، لكن في إطار الحزب .
ـ هذا يبدو لي غامضا نوعا ما، فما معنى كونها مستقلة، مادامت تحت مظلة الحزب؟
ـ وكذالك يبدو لي أيضا، لكنه ليس كذالك بالنسبة لهم ، فهم هكذا يفهمون الاستقلالية وهكذا يمارسونها .
ـ وماذا كان رد فعل الحزب ؟
ـ المباركة، والتعهد بالدعم، فكل الدلاء ستفرغ في حوضه في النهاية.
ـ وبعد ؟
ـ التقى الجميع عند الولاية ، وهناك حدث بعض الاحتكاك ، أفضى في نهاية الأمر إلى مشادات كلامية ومن ثم إلى شجار ، وما إن وصل ألخبر القرية حتى تحولت إلى ساحة معركة بين أنصار " أهل أخطورة" وشيعتهم من جهة وبين "أهل المخطار" وقرابتهم من جهة أخرى . ولولا وجود دورية من الدرك بالقرب من القرية كانت في مهمة روتينية لحلت بالقرية كارثة
ـ وما الذي أقحم "ازوين" في الموضوع ؟
ـ "أللعك"! (سوء الطالع) فقد جاء الوالي و الحاكم إلى القرية في اليوم التالي على الحادثة، ومعهما منسق الحزب بغية التهدئة، ولإيجاد حل للمشكلة يرضي كافة الأطراف وأثناء بحثهم للموضوع قال منسق الحزب "
ـ نحن في الحزب حريصون أشد الحرص على ضمان وحدة صف مناضلينا ونعتبر ذالك أمرا حيويا لضمان استمرار الحزب ، وتقويته ، وإحدى أهم أولوياتنا، لكننا ـ مع ذالك وإيمانا منا بالديمقراطية ، وبالحرية ، فإننا لا نرغب في أن نفرض على أي كان أمرا لا يريده ، المنافسة في إطار الحزب مقبولة ، وتعدد الرؤى شيء ايجابي في نظرنا ، لكن كل ذالك ينبغي إن يتم في جو من الانضباط ، ووفق النظام . ما حدث أمس ... وما كاد الرجل يلفظ هذه الكلمة حتى أنبرى له "ازوين" قائلا ـ وكأنه كان ينتظره عند هذه الجملة على أحر من الجمر متربصا :
ـ ما حدث بالأمس، أيها المنافق ، كان بمباركتك ،وربما كان بتدبير وبتخطيط منك ومن الحاكم والوالي، ومن يدري لعل أيادي رئيس الدولة نفسه كانت هناك . إنها سياسة فرق تسد التي مزقتم بها وحدة هؤلاء الناس وعبثتم من خلالها بتآلفهم وانسجامهم ، ليخبرني أحدكم ـ وليكن صادقاـ عما جنيناه من أحزابكم وانتخاباتكم وكل هذه المهازل التي شغلتم بها الناس عن مشاكلهم الحقيقية ، غير التشرذم والفتن ، وكثرة الأحقاد . وجعل أعالي حياة الناس أسافلها وأعزتهم أذلة ، و.. وأنشق الصمت الذي أوجده هذا التدخل الناري والغير متوقع من "ازوين" بصوت " سيد ولدالمخطار" يصيح غاضبا فيه :
ـ أخرس " يا زويمل لعبيد أنت شمكلمك " ؟ "ازوين" الهزيل الذي تعرف ،حوله الغضب في تلك اللحظة إلى جني . نعم جني وليس شيئا آخر فوثب ـ من حيث كان يجلس في طرف المجلس ـ برشاقة أذهلت الجميع ليقع ـ كصقر يفترس أرنباـ على الرجل في الطرف ألآخر. حين تمكن الرجال ـ بعد جهد جهيد ـ من افتكاكه منه ، بدا لأول وهلة وكأنه تعرض لهجوم من نمر شرس . مما تطلب نقله فورا إلى المستشفى . كان "ازوين" برفقته على متن نفس السيارة، لكن وجهته كانت مختلفة، فقد قادوه إلى السجن مباشرة ليتم وضعه هناك.
وكاد الأمر ينتهي عند هذا الحد . فقد تدخل كافة رجال القرية في الموضوع، وتمكنوا من إقناع "سيد" ـ بعد أن تماثل للشفاء ـ بضرورة التنازل عن القضية فقبل.لكن نوبة جنون جديدة انتابت "ازوين" أعادت ألأمر إلى المربع ألأول فقد حاول وكيل النيابة ـ وأثناء إتمامه إجراءات إنهاء الموضوع ـ تخويفه قائلا :
ـ تهم كهذه يا "ازوين" كانت كفيلة بإبقائك خلف القضبان لعشر سنوات ، وربما أكثرـ لكن الضحايا أنفسهم وهؤلاء الطيبون تدخلوا لدي فأنقذوك.لكنني أعدك بشرفي انك ستتمنى لو أن أمك لم تلدك إذا ما وقعت بين يدي مرة أخرى بتهمة مشابهة أو أية تهم أخرى .
ـ لا جزاهم الله خيرا، فأنا لم أطلب منهم ذالك، هكذا رد "ازوين" بكل بساطة، ثم ـ وقبل أن يفيق وكيل النيابة من ذهوله لهذا الرد ـ أردف: وكم دفعوا لك ياسيادة القاضي لقاء ذالك ؟
جن جنون وكيل النيابة لهذه الوقاحة ، فصاح بالحراس :
ـ أخرجوا الجميع من مكتبي، وأعيدوا هذا المعتوه اللئيم إلى محبسه، وانسوه نهائيا !
إلا أن جنون "ازوين" أبى ـ وقبل أن تسدل ستارة ألمشهد ـ إلا أن يصل بإثارته إلى أقصى مداها ،فقبل أن يخرج من المكتب ، انقض على وكيل النيابة نفسه ، وانهال عليه بالضرب واللكم وبالشتم . .
ـ لا، هذا جنون محض، لقد عاود المسكين اضطراب النفس. ألم تخبروا وكيل النيابة عن حالته العقلية ؟
ـ لقد كانت جلية بما يكفي .
ـ أرجوا أنه سيأخذها بعين الاعتبار؟
ـ قال "خطورة" أنه وعدهم بإعادة النظر في حبسه ، لكن ليس قبل أن يؤدبه قليلا .
ـ ترى أين وقفتم معشر "أهل" أدباي" من هذا كله ؟
ـ وقفوا حيث تعودوا الوقوف دائما.
ـ في المواقع الخلفية ؟
ـ إنها تناسبهم أكثر من غيرها !
ـ لماذا ؟
ـ ربما لإنها أكثر أمانا !
ـ ألم تقل لهم بأنها ليست كذالك دائما ؟

محمد جواد
26-11-2011, 12:37 PM
حك " طالبن" أرنبة أنفه للحظة ، ثم قام بإخراج قارورة صغيرة مملوءة با " شتوك" وضرب عليها بخنصره ، وصب منها في كفه الدقيق حتى كاد أن يمتلأ، ثم قبض منها قبضة صغيرة ضغطها بين إبهامه وسبابته لبضع ثوان ، ثم ـ وباستنشاقه عنيفةـ أفرغها في منخريه منا صفة وأبتلع ريقه بتلذذ وقال ـ كما لو كان يحدث نفسه ـ قال :
ـ كان " محفوظ" يشحذ عزيمته بقوله ـ كلما داعب الإعياء إرادته ،أو راود اليأس إصراره ، وهو يدفع هؤلاء الناس خارج قاع مألوفهم السحيقية ـ بقوله :
"ما أزدرع في النفوس دهرا، لا يمكن أن يجتث في لحظة " .
ـ أعتبر هذا نوعا من رد الاعتبار للرجل الذي طالما ظلمته ؟ لم يرد علي وإنما أردف ـ وقد حانت منه التفاتة ناحية الحقول ، وشرد بفكره على ما يبدو ـ أردف قائلا: خسارة ، والله خسارة ، ماذا لو أن الموت كان قد أختار له ضحية أخرى غير " محفوظ" ؟ كان بذالك قدم لنا خدمة كبيرة ، لقد توقف العمل في تسليح السد منذ وفاته ، ولا أمل في أن يستأنف ، والبئر توشك أن تنضب ، أما المدرسة فقد تهالكت أركان بنايتها ، وترهل سقفها ، إلى حد جعل معلمها يهرب وسط السنة الدراسية خلال العام الماضي ، أما في هذا العام فهاهو الفصل الدراسي الثاني يوشك على نهايته ، والمعلم لم يحضر بعد ، ولا أظنه سيفعل ، فسمعة المدرسة غدت من السوء بحيث لم يعد ثمة من يرغب بالعمل فيها .
ـ لكن "أخطورة" موجود ، وكذالك ابنه "احمد" والمسؤولية مسؤوليتهما .
ـ موجودان قبل الغيرة، أم بعد الجنون كما يقولون ؟
ـ قبل تلك، وبعد هذا.
ـ لقد كانا من قبل منشغلين في محاربة " محفوظ"، ومن بعده انشغلا بنفسيهما وبالتحدي الجديد.
ـ لكن هذه فرصتهما في مواجهة ما أسميته بالتحدي الجديد، و ليؤكدا في نفس الوقت أنهما جديران بموقعهما، وبأنهما أهلا لتزعم ألقرية.
ـ إنهما يفضلان مواجهة ذالك التحدي بواسطة التقليل من شأنه ، أما جدارتهما بموقعهما ، وأهليتهما لزعامة القرية ، فلا يريدان فعل أي شيء ، يوحي بأنهما أصبحتا بحاجة إلى تأكيد، فهم لم يفعلوا ذالك في الماضي ـ حيث كان الأمر بالنسبة لهما معطى له صفة ألأمر الطبيعي ، وبديهية قوتها في بداهتها ـ ولا أظنهما سيفعلان ذالك مستقبلا إذ ليس من الحكمة كما يتصوران أن يظهرا بمظهر المدافع عما يعتبرانه حقهما المطلق في أن يكونا حيث هما ، وأن يكونا كما هما ألآن .
ـ موقفهما من المسألة الأولى شبيه ـ إلى حد ما ـ بإستراتجية النعامة ، لكنه مع ذالك يبدو أقل غباء من موقفهما من الموضوعين الآخرين .
ـ ليس هنالك غباء أكبر من بقاء أهل "أدباي" مكتوفي الأيدي ، في وانتظار ما ستسفر عنه صراعات الآخرين !
ـ هم جميعا في مركب واحد ، ولن يكون من الحصافة في شيء أن يتركوه يغرق ، وإذا كان من المبكر قليلا الحديث عن أن يتولوا قيادة دفته ، فمن الحكمة أن يبقوا عليه متوازنا .
ـ ولماذا لا يتركوه ببساطة ، ينجوا بأنفسكم ؟
ـ ليس ذالك هو الخيار الأسهل ؟
ـ تهيب الصعاب ، هو ما أوصلهم إلى ما هم فيه .
ـ تتكلم وكأنك غير معني ، فهل فقدت صفة "أهل أدباي " إغرائها بالنسبة لك ؟ لم يجبني . فعدت أقول
قد تكون محقا في ما تقوله إلى حد ما، وقد لا ، إنما أنا لن أتجادل معك في ألأمر من هذه الزاوية ، وعلى كل حال فان السياسية لعبة مصالح ، والخلافات فيها أمر طبيعي جدا بل أن البعض يراها ظاهرة صحية ـ كما يقولون ـ خصوصا في أجواء التنافس ، وأكثر ألأمور فيها مدعاة للاطمئنان ، كون عداواتها تتميز بقصر العمر، وبالتالي فلا يحزنك ما يحصل في القرية ، ولا تبتئس ، فمصير الجميع الوفاق ، وما لم يعرف كل واحد مدى قوته الحقيقية ، ويختبرها فلن يخلو الجو من صراخ هنا ، وزعيق هناك ، وحرائق تشتعل وأعاصير تهب . سيكون هنالك بعض الألم وسيسقط ضحايا في بعض الأحيان لكن ذالك كله سينتهي ، وسيحمد كل واحد موقعه
ـ لا أدري ما مناسبة هذا الكلام ، ولا كيف استنتجت أن صراع "أهل أخطورة" و"أهل المخطار" أو غيرهم حول الزعامة ، أو حول غيرها قد يسبب لي الحزن أو الأسى ؟ فليتفقوا ،أو فليختلفوا ، ولتشتعل الحرائق ، ولتهب الأعاصير ، هذا كله لايهمني .هنالك بئر نشرب من مائها قد تنضب في أي وقت ، وهنالك سد نزرع فيه قوتنا يتهدده الانهيار ، وهنالك مدرسة يتعلم فيها أطفالنا لم تجد معلما بعد ، وبدلا من هذه المحاضرة الطويلة العريضة ـ حول السياسة وكونها لعبة ، والخلافات وكونها ظاهرة صحية أو مرضية ـ كان عليك أن تفكر معي كيف سنتعامل مع هذه المشاكل، وكيف السبيل إلى حلها .
ـ يمكنك أن تطمئن إلى أن كل هذه المشاكل سيتم حلها ، وأعدك بأنني لن أغادر القرية هذه المرة قبل أن تتم أعادة تأهيل البئر، وإجراء الصيانة اللازمة للمدرسة ،أما السد فسيتم استئناف العمل فيه قريبا بإذن الله.
ـ "أل يسمع هذا أيبات ساري" !
ـ ليست الأمور بهذه الصعوبة التي تتخيلها، فغدا سأجمع كل شباب القرية، ورجالها، لمباشرة العمل في إعادة تأهيل البئر، ولن يطول الوقت حتى تعود إلى سابق عهدها، وقبل أن يفتر الحماس في نفوس الجميع، سأوجههم إلى المدرسة ، وهي ـ كما أرى لا تحتاج إلى أكثر من الترميم في بعض أجزائها ، والى الصيانة في بعضها الآخر ،أما مسألة تسليح السد فقد تحتاج إلى وقت أطول وإمكانيات أكثر لانجازها ، وهي على العموم متروكة للحكومة .
ـ تعني أنها متروكة للاشيء .
ـ قلت: الحكومة.
ـ بالله عليك ، لا تعد إلى ذكر هذا ألاسم على مسامعي ، أذكر الموت ، أو الشياطين والأبالسة والعفاريت ، أو ما شئت من شرور الدنيا ، أو أذكرها جميعا , إلا هذ ا منها فلا .
ـ سمعا وطاعة، لكن من واجبي أن أخبرك، بأنني قد رأيت ـ قبل يوم واحد من سفري ـ أسم القرية مدرجا ضمن تجمعات ريفية أخرى، سيشملها برنامج حكومي طموح، يجري الإعداد لتنفيذه عاجلا، ويتضمن بناء سدود، وترميم أخرى، وحفر آبار، وإعادة تأهيل الموجود منها و...
ـ وصدقت الأمر؟
ـ ليس قبل أن يؤكده لي الوالي بنفسه ، ومن بعده الحاكم .
ـ "كيذب الوالي ، وكيذب الحاكم ، وكيذبت" الحكومة كلها ، وقد فعلتها من قبل وستفعلها من بعد ، "أسمعت" ؟هذه مجرد وعود موسمية يطلقونها كلما اقتربت الانتخابات ، ومع أن نتائجها معروفة لديهم سلفا ، إلا أن الأمر غدي بالنسبة لهم عادة لا يستطيعون الإقلاع عنها " كتلك الحمير التي تنهق لا لشيء إلا لتؤكد لذاتها وللآخرين بأنها حمير" ليس إلا . وفكرت في أن أقول ل"طالبن" بأنني علمت من الإذاعة ، ومن جهات حكومية مطلعة، أن الحكومة رصدت في هذه السنة ميزانية ضخمة بهدف تنمية الريف ، وتطويره ، وبأن ثمة دلائل كثيرة ومؤشرات توحي بجديتها في هذا الأمر، لا لكي أقنعه بذالك ، أو لأطمئنه ، وإنما لجعله يتمادى أكثر في سب الحكومة وشتمها .فقد كنت لأسباب أجهلها ـ أجد متعة كبيرة في إيثاره حفيظته ضدها ، وكنت أستمتع بسماعه وهو يجلدها بلسانه ويكيل لها اللعنات تلو اللعنات ويهينها . وعدلت عن ذالك ، إذ كان الرجل كما لا حظت متكدرا وساخطا ومتوترا بشكل غريب ، الشيء الذي لم أفهمه إلا حين سألني فجأة وبدون مقدمات ولا مواربة :
ـ هل تصدق بأن "محفوظ" مات بتلك الطريقة التي يدعونها ؟ واحترت في سؤال الرجل ولم أدر بم أجيبه ، فقد ظننت أن حبكة قصة اختفائه كانت من القوة بما فيه الكفاية ، وبأن عقول الجميع هنا تلقتها بالتصديق وبالقبول . والواقع أن هذا الحضور الطاغي للرجل في ذهن "طالبن" اليوم ، بدا لي غريبا إلى حدما وملغزا وغير مفهوم . فلم يكن "طالبن" لمحفوظ" غالبا إلا القليل من الود والاحترام ، بل ولربما كان في دخيلة نفسه يكرهه ويناصبه العداء . وحارب ما استطاع جهوده في رفع همم "أهل ادباي" وحارب حتى محاولاته الارتقاء بالقرية كلها . كان يصف تأثيره في الناس بالسحر ، و يتهمه باستخدام الشعوذة والدجل للسيطرة على عقولهم . ويوم شاع في الناس أنه قد مات، كبر طالبن ثلاثا وتهلل وجهه. وزعم منتشيا ـ حسب ما يقولون ـ بأن تلك لعنة أجداده وقد لحقت بالرجل أخيرا. إذ طالما شكك في بركاتهم وعرض بهم وطعن عليهم . فلماذا يتباكي عليه الآن .وماذا جد لكي يتساءل عن موته بعد مرور كل هذا الوقت ؟ وكنت لأحسب الأمر من طرفه ـ لولا ما سلف ذكره ـ نوعا من التعبير عن عدم رضي دفين عن الكيفية التي تم بها تقبل موت الرجل. أو هو فيض من إحساس بالذنب ما فتئ يخامره لأن أحدا لم يبذل من الجهد ما يكفي لتقصي حقيقة ما جرى له . لا أتذكر أنني و "طالبن" خضنا في هذا الموضوع من قبل، ومع ذالك فقد أخافني سؤاله وجعلني أشك في نفسي. فربما كنت قد أفلت كلمة ما في حضوره أوحت له ـ بشكل أو بأخرـ بما جعله يشك في صدق القصة فهو ـ إذا ـ يريد أن يستدرجني للخوض فيها ليعرف مني الحقيقة. ومن يدري قد يكون أحدهم رآه أو وجد من رآه في "كيفة" وحدث بذالك "طالبن". ونسيت في غمرة خوفي من انكشاف زيف قصة موت "محفوظ" بأن الرجل لايشك في موته وإنما في الطريقة التي مات بها . والحقيقة أن تيارات الهواجس والقلق التي كانت تجتاح نفسي منذ تواطأت مع " محفوظ" جعلتني أعيش ـ كما يقال ـ على أعصابي في حالة من الترقب الدائم إلى حد أنه كان يخيل إلي كلما تطرق الحديث إليه بحضوري بأن الجميع يعرفون الحقيقة لكنهم يتجنبون إحراجي . لكن هل كان "طالبن" ليخفي أمرا كهذا ، أو يتعامل معه بتلك الطريقة المهذبة ؟ كلا . وأخلدت إلى التفكير بأن الأمر لا يعدو أن يكون محاولة من الرجل لإيجاد سبب ما للثرثرة وللتخلص من بعض أعباء شحنات وساوسه التي لا يحصرها عد . فقد كان " طالبن" ثرثارا. يقتحم ألمواضيع بلا مواربة ويصول فيها ويجول بلا ضوابط. وعندما يتعلق ألأمر بالشائعات خصوصا أو بالحوادث الغامضة عموما، فان مستوى الإثارة عنده يرتفع ليبلغ أقصى مداه. ويكفي أن يأنس منك شكا حول أي موضوع كان ليحوله في لحظة إلى يقين مطلق ، أو يلمس فيك ميلا نحو فكرة ما ليجعل منها واقعا قائما . كما كان مولعا بتمثيل دور البطل، وبالادعاء، فهو ألفطن، اليقظ، والعالم بخفايا الأشياء وخبايا نفوس الناس. العارف ببواطن الأمور، وبمرامي ألأقوال وبما وراء الأفعال، فكل شيء حدث كان هو قد توقع حدوثه، وبضع دقائق بالنسبة له كافية لاستنتاج ما سيقع . كما أنه كان مغرما بفكرة التآمر، وبالعبارات الغامضة الموهمة بتعدد الإيحاءات وان كانت لا توحي بشيء أصلا.
بالنسبة لإنسان يعاني اضطربا مزمنا في السلوك، فان مثل هذه الأشياء تبدو طبيعية جدا إذ تغذي لديه إحساسا بالأهمية يفتقده واقعيا، وتمده بشعور تفوق عقلي هو في أمس الحاجة إليه.
حفظ "طالبن" القرءان في وقت مبكرمن حياته على يد والده ـ قاضي حيه والراقية المشهور في كل أرجاء المنطقة ـ ودرس بعض ألمتون ، ثم ذهب بعد ذالك إلى منطقة "ألقبلة" ليدرس علوم اللغة وليكمل دراسته المحظرية ، إلا أنه غير ـ وبشكل مفاجئ ـ وجهته تسعين درجة ، عندما قرر ألانضمام إلى القوات المسلحة ، ليخدم في صفوف الدرك الوطني ، لكن لفترة قصيرة، عاد بعها إلى أهله في بادية أمرج ، وليخوض مغامرات أخرى في مجال التجارة والسفر وألا عمال، إلا أنها كلها باءت بالفشل، فأعاد الصلة من جديد بميدانه الأصلي دراسة العلوم الشرعية لكن هذه ألمرة في أحد المعاهد الدينية في العاصمة . آنذاك كانت أفكار المذهب الوهابي المتشددة حول ألعقيدة والإسلام الصحيح، قد بدأت تتسرب إلى البلد ، بعد أن حجزتها الجغرافيا طويلا ، وحالت ندرة المطبوعات دون انتشارها، إلى جانب ذالك كانت أفكار ألإخوان المسلمين ورؤيتهم المضادة ـ إلى حدما ـ للإسلام الكاثلوكي ، والمسيسة قد أخذت تتسلل بين طلاب ألمعاهد الدينية ، وقد ترتب على كلا ألأمرين ، حدوث نوع من الصدام ـ كان مسرحه نفوس الطلاب ـ بين إسلام بدا لهم نقيا، ومنسجما في بعده العقدي ، وحيويا متوثبا في بعده ألعملي ، وبين أسلام ورثوه عن أسلافهم تكدر الخرافات والأباطيل نقاءه الروحي ، وتكبل انطلاقته العادات والتقاليد . عاد " طالبن" إلى أهله بعد تخرجه ، وبروق أنواء الثورة تلتمع في وعيه و لم تلبث أن أرعدت فأمطرت ، إلا أن الأرض كانت صلبة بما يكفي فلم تتأثر إلا قليلا. دخل الرجل في جدال عنيف مع والده حول بعض ممارساته التي كانت تبدوا له منافية تماما للشرع ومتعارضة مع العقيدة الصحيحة ، كاحترافه للرقباء (لحجاب) التي هي في نظر "طالبن" نوع من الشعوذة والخرافة ليس إلا ، واعتماده في فتاويه على خلاصات فقهية انتهت صلاحيتها ولم تعد تلائم الواقع ، بالإضافة إلى ممارسته لبعض الطقوس الصوفية التي كان الابن يراها بدعة وضلالا محض ، جوبهت لوثرية "طالبن" هذه من لدن والده برفض جذري تام ، ومن طرف عامة الناس باللا مبالاة . ، لكن ذالك لم يثنيه ، فواصل نهجه غير آبه بتهامس الناس من حوله بأنه يسير في اتجاه الجنون . وفي خطوة تصعيديه مفاجئة ـ ستغير حياته إلى ألأبد ـ عمد "طالبن" إلى حظيرة أبيه المسماة "بالدركة" ـ والتي كان يستخدمها لاحتجاز مجانينه ممن كان أهلهم يعهدون بهم إليه ليرقيهم ـ فأخلاها، قبل أن يقوم بإشعال النار فيها، واصفا إياها بوكر الدجل . وبينما كان "طالبن" يرى انه بتلك ألفعلة قد خطى ـ في سبيل ثورته الخطوة ألعملية ألأولى، رأى أباه بأنه قد أمسى ـ رسميا ـ في عداد المجانين. فأمر به فشد وثاقه ثم ربط إلى جذع الشجرة التي كان يتخذ من ظلها مجلسا ومكانا للتدريس ، وبدأ يرقيه . قاوم المسكين في الأيام ألأولى ، محاولا أثبات انه وعقله بخير ، لكن أسابيع من شد الوثاق والضرب بالسبحة ،و التعرض للكربون ـ الناجم عن احتراق ألورق ألممهور بالطلاسم ـ والذي كان ألمسكين يجبر على استنشاقه على مدار اليوم ـ أوهنت مقاومته ، ولم تمض سوى بضعة أسابيع حتي كان الرجل قد أمسى مجنونا فعليا .اتخذ جنونه في البداية طابعان نشطا تمثل في الهذيان المستمر والعدوانية في بعض الأحيان ، إلا أنه لم يلبث أن فتر ليغرق في صمت مطبق ، خرج منه وهو في الحالة التي هو عليها الآن . بقايا رجل محطم كان يحلم يوما بأن يكون مجدد ألقرن ، وقد أمسى مجرد خرف أخرق ، يبشر بكل شيء كان قد دعى إلى الكفر به ، ويمارس كل شيء ناضل في سبيل أن يزول . غادر "طالبن" أهله في "لفريج" فور أن أطلق والده سراحه ليبدأ حياة تشرد شاقة ومضنية ،فقد كان يمسي في هذا "لفريج" ويصبح في ذاك ، يقيل بالمدينة ويبيت في القرية ، في حركة دائبة لا يعرف الكلل إليها سبيلا وبعد عدة سنوات ألقى المسكين عصى الترحال و أنهى ذالك التشرد في "أدباي" فأقام عند "الشاهرة" وهي امرأة كانت في ما مضى أمة لأبيه ، لكنها فارقته منذ زمن بعد زواجها من أحد رجال "أدباي " حيث وجد عندها الصدر الرحب الذي يسعه والقلب الرحيم الذي يعطف عليه ، فتحسن وضعه الصحي كثيرا، وغدي مجرد "ولد صالحين مجذوب" وليس مجنونا ك"ازوين". ولأنه كان كذالك فقد أطلق عليه أهل "أدباي" اسم "طالبن" فكانوا يعهدون إليه بتعليم أبنائهم ، ويلجئون إليه في ألملمات ويستدرون بركاته وبركات أجداده بالعطايا وبالخضوع ، دفعا للمصائب واستجلابا للمنافع ، لكن مكانته هذه تضررت كثيرا منذ أن جاء "محفوظ" إلى "أدباي" فقد علم الناس أن يذهبوا إلى المستشفى حين يمرضون بدل اللجوء إلى "طالبن" وأقنعهم بأنه بالعمل وحده تجلب المنافع وتدفع المصائب ، وليس ببركات "طالبن" أوبركات أجداده. لم يخف الرجل ضيق صدره "بمحفوظ" يوما ، ولم يحاول قط أن يرى فيه غير عدو صريح، إلى حد جعل البعض يزعم أنه أقسم يوما لإن لم يكف " محفوظ" عن الطعن فيه وفي اجداده ليلحقن به أذى عظيما يكون عبرة لمن أعتبر. مما جعل الكثيرين من أهل "أدباي" ينصحون "محفوظ" بأن يطلب من "طالبن" الصفح قبل أن يحل به غضبه. وزاد الطين بلة بتقري "أدباي" وانضمامه إلى "لفريج" وولادة " النعيم" فقد فقد "طالبن" كل أهمية له تقريبا إذ سلبته المدرسة تلاميذه، وكثرة"أولاد الصالحين" في القرية ماتبقى . وأفقت من أفكاري على الرجل وهو يقول فيما يشبه التمتمة :
ـ ما لك لا تجيبني ؟
ـ أريد أن أعرف ـ أولاـ مالذي أثار هذا السؤال في ذهنك الآن ؟ وعاد الرجل للتمتمة فقال ـ وكأنه يحدث نفسه .
ـ قالوا إن حمى شديدة دهمته بينما كان في إحدى القرى الحدودية ، لتحصيل ديون له عند بعض ألفلان، فقضى نحبه على أثرها. شيء عادي تماما ، لكن مامعنى ، إن يختفي كل أثر للفلاني الذي جاء بجمل " محفوظ" وأمتعته ، واكثرمن ذالك لماذا يزعم أنه توفي في قرية ليس لها وجود أصلا ؟ لقد أمضيت أسبوعا كاملا ، وأنا أتنقل بين القرى الحدودية ، أبحث عن الفلاني المذكور ، وعن قريته المزعومة ، بدون أن أعثر لهما على أي أثر، وحين أبديت استغرابي للأمر أمام أهل القرية، قالوا ربما أخطأت في تهجية اسم الفلاني واسم قريته ، أو لعلنا لم نعطيكهم بشكل صحيح ، لكن يستحيل إلا يتمكن أحد ما من الاستدلال على اسم الفلاني أواسم قريته ، من خلال تهجيتي لهما مهما كان ضعفها ؟ كان يقول هذا وفجأة ألتفت إلي وقال :
ـ ألا ترى بأنني أحمق ؟
ـ هذا ما يراه أهل القرية ، أما أنا ...، فقاطعني بلهجة جادة وحادة .
ـ دعك من ذالك .فأنا لا أمزح، صدقني لدي شعور قوي بأنني فعلا أحمق.
ـ ولا، أنا، هم فعلا يعتقدون بأنك كذالك ، وإلا لما كنت قد هجرت المجد والعز في كنف أبيك لتقيم في "أدباي" يطحنه الفقر والفاقة والعوز.
ـ ليس ذالك هو الدليل الوحيد على حماقتي !
ـ آه لعلك ..
ـ لا تخمن، أنا أقوله لك ببساطة: تصديقي للحكاية السخيفة التي رواها "ازوين" وصدقتها أنت وأهل القرية عن "موت " محفوظ" ، أيطمئن إليها غير البلهاء ؟ امتلأت عيناي بالدهشة ـ أنا أمعن النظر في وجه الرجل لكني سرعان ما استعدت زمام عقلي . فقلت
ـ هل لديك قصة أخرى أفضل من تلك، أو أكثر معقولية ؟
ـ لا أدعي ذالك ، ولكن ...فقاطعته قائلا ـ
ـ قبول تلك القصة على علاتها ، أفضل بكثير من مطاردة الوساوس .
ـ أنت متفق معي في الرأي إذا ؟
ـ أي آرائك ؟
ـ لا تهرب ، في التغابي
ـ و في أين تريدني أن أهرب مادام يحاصرني من كل الجهات ؟. أسر تلك الإساءة في نفسه ، ومضى إلى القول:
ـ أعرف بأن الوقت قد تأخر قليلا، على النبش في هذا الأمر مجددا، لكنني لا أعتقد بأنه قد فات نهائيا. لذت بالصمت، فقال لي :
ـ فيم صمتك ؟
ـ إنني أستمع إليك.
ـ لكنك لا تشاركني .
ـ أريد أن أفهم أولا إلى أين تريد أن تصل ؟
ـ هذا يتوقف على مساعدتك لي، وعلى ما إذا كنت ستصحبني إلى النهاية.
ـ لا تعتمد على في هذا ،
ـ ماذا تعني بذالك ؟
ـ أعني أنني لن أبرح مكاني مالم أكن متأكدا من سلامة وجهتي .
ـ أليس هذا هروبا ؟
ـ ربما.
ـ قالوا لنا في الجيش بان الهروب من المواجهة خيانة ؟
ـ ألم يقولوا لكم بأنه أحيانا يكون صمودا، من نوع آخر.
ـ إذا كنت ستقاتل بمثل هذه العقيدة فهزيمتك مؤكدة.
ـ أرجوأن تسعفك عقيدتك لكي لا تخسر حربك مثلي. صمت الرجل قليلا ، وفكرتان مجنونتان تتنازعان عقله بشأن موت "محفوظ"، فكرة أنه راح ضحية مؤامرة حاكها ضده أولائك اللذين طالما وصفهم بمصاصي الدماء ، المستفيدين من الوضع القائم . وفكرة أن "أخطورة" قد سلط عليه قوى سحرية شريرة فقتلته على ذالك النحو الغامض . ومع أن هذه ألفكرة ألأخيرة كانت أكثر جنونا من سابقتها، فإن الرجل ـ على ما يبدو ـ لم يستطع دفعها والتخلص من إلحاحها، فوجدته يلتفت نحوي فجأة وقال:
ـ لم يكن موت "محفوظ" طبيعيا أليس كذالك ؟
ـ هذا ما قلته أنت الآن .
ـ وماذا تقول أنت ؟
ـ أنا لست طبيبا لكي أقرر ذالك . أبتسم الرجل ابتسامة غريبة ثم واصل الكلام وكأنه لم يسمعني فتساءل قائلا:
ـ لقد تآمروا عليه .
ـ من تقصد ؟
ـ لقد حذرته منهم ، ومن "أخطورة " خاصة وقلت له بأنه ساحر عليم .
ـ كنت تقول الشيء نفسه عنه هو وأيضا.
ـ كان سحره من النوع الأسود ، وهو ضعيف و محدود الفاعلية والتأثير .
ـ كيف وقد استطاع أن يستولي به على زمام "أهل أدباي" على حد زعمك ؟
ـ كان ذالك نتيجة لوهن دفاعات "أهل أدباي" وليس بسبب قوة سحره هو .
ـ وما الذي جعل دفاعات " أهل أدباي" واهنة إلى هذا الحد ؟ سكت قليلا ، ثم قال :
ـ أبقوا فسلطه الله عليهم ، كعقاب لهم . قاومت حالة غيظ ألمت بي إلى أن تخلصت منها ، ثم قلت :
ـ بت لا أفهمك يا "طالبن" ، كنت تتكلم بإيجابية عن جهود الرجل وهو يسحب هؤلاء الناس من قاع مألوفهم السحيقة !
ـ ومن أين جئت بإيجابية هذه ؟
ـ من سياق كلامك ، من نبرة صوتك ...
ـ أنا لست مسؤولا عن سوء فهمك للأمور !
ـ ليكن . لكن هل تريدني أن أصدق بأن "محفوظ" مات بسبب سحر "أخطورة"
ـ ألا تصدق بأنه كان يتمنى موته .
ـ لا أظن أنه الوحيد الذي كان يتمنى ذالك .
ـ لكنه كان الوحيد الذي يمتلك الجرأة والقدرة لتحقيق أمنيته .إن لم يكن بالسحر فبوسائل أخرى .
ـ وسائل أخرى مثل ماذا؟
ـ له عند "الفلان" دالة ، وصلاته بهم وثيقة .
ـ أرى أن خيالك اليوم خصب جدا . ومرة أخرى أخرج صرة "اشتوكة" وعبأ منها أنفه ، ثم قال :
ـ اسمع: أعرف أنني أكون نصف معتوه أحيانا ، وأحيانا أكثر قليلا من ذالك ، لكنني لم أكن بليدا يوم من الأيام .
ـ ربما ، لكنني لم ألمس عدم بلادتك هذه يوم أخبرتني بموت "محفوظ" فقد كنت ـ مثل الآخرين ـ مقتنعا بصحة الخبر، وواثقا منه كل الثقة .
ـ لم يكن الموقف آنئذ يحتمل أكثر من ذالك .
ـ لقد مر وقت طويل ، فكيف لم تحاول ـ طوال هذه المدة كلها ـ أن تزرع في نفسي ـ ولو مرة ـ بذرة شك، أو أن تثير فيها نسمة ريبة .
ـ بذور اليقين هنا أسرع نموا. والتربة أكثر صلابة من أن تثيرها أعاصير الريبة.
ـ وماذا تغير لتحاول ذالك الآن ؟ لم يجبني ، وإنما واصل كلامه فقال :
ـ لقد داس على خطوط حمراء كثيرة، بل وتجاوز بعضها أحيانا. ومع أن الطريق الذي كان يسلكه ، كان خطرا فانه لم يكن حذرا بمافيه الكفاية . ان مثل تلك الدروب لا تحتاج فقط إلى جلد الأنبياء وصبرهم، لكن ـ أيضا ـ إلى خبث الشياطين ودهائهم ، وصاحبك ـرغم ذكائه الكبير ـ لم يكن يحفل بذالك غالبا.
ـ إلى ماذا تشير بالتحديد ؟
ـ إلى شمس تتوهج في قيلولة صيف وسط سماء صافية.
ـ لا أفهم شيئا .
ـ ذاك هو الشيء الايجابي الوحيد ، الذي ورثته عن أبيك .
ثارت أعصابي لهذه السخرية من "طالبن" فقلت محتدا:
ـ لو كنت متهما أحدا ما بما يدور في ذهنك لاتهمتك أنت نفسك.
ـ ولم لا تجزم وتستريح ؟
ـ لأنني ـ أولا ـ لا أؤمن بتلك الخرافات التي تتحدث عنها ، وثانيا لأنني واثق من أن "محفوظ" أعقل وأحزم من أن يذهب ضحية لمؤامرة من ذالك النوع .
ـ اسمع ربما كان وجود صاحبك نافعا على نحو ما ل"أهل أدباي " وللقرية عموما ، لكنه لم يكن ـ عدا ذالك ـ سوى صعلوكا أو متشردا عرف كيف يسرق قلوب وعقول "أهل أدباي" .
ـ فعلتها أنت من قبل ، فهل كنت صعلوكا ومتشردا ؟ . وأحس الرجل بغيظ مباغت ، فقال بصوت غاضب مرتجف :
ـ ربما ، لكنني لم أكن مجهول هوية لا يعرف له اصل ولا فصل ؟
ـ عجبا منك . كنت قبل لحظات تتباكى على الرجل ، والآن تشتمه .
ـ أنا لا أشتمه ، وإنما أقرر حقيقته التي يبدو أنك و "أهل أدباي" تريدون طمسها .
ـ أعرف أنك كنت تكرهه دائما .
ـ من قال بأنني لم أعد كذالك ؟
ـ كنت إذن لتعبر عن شماتتك به على نحو آخر غير التباكي عليه . ضحك الرجل ملأ فمه وقال :
ـ أهلا بك في عالم المجانين ، ها قد ازددنا واحدا آخر . قال هذا ثم أردف في سخرية : لقد كنت على وشك أن أسدي لك نصيحة مشابهة . لكنك سبقتني . ومع ذالك أسمع :أنت لست مضطرا لكي تداري على سعادتك بإختفاء صديقك ـ إلى لعب دور الصديق الحميم والوصي المأتمن .لقد أنهت المرأة عدتها منذ فترة طويلة . أساليب "أهل أدباي" تلك لا تناسبك فأنت إنسان متدين ومتعلم . ادخل البيوت من أبوابها ودعك من التسلل تحت جنح الظلام .
شعرت بالغيظ . والواقع أنني كنت أعاني ضائقة عصبية طارئة جراء أزمة مالية خانقة ألمت بي مؤخرا ، مما سهل مهمة هذا المجنون في أن يشوش على عقلي وفي أن يسحبني إلى عالمه الغامض. فرددت عليه في إنفعال :
ـ لا بد أن رقيا أبيك كانت نوعا من الدجل ،فأنت مازلت على غير ما يرام ، إلا إذا كنت قد خالفت وصاياه ، أو أضعت "قفيرك " دون أن تدري !
تجمهرت كل شياطين الدنيا في رأس الرجل فلم يعد يعي أي شيء، فقد أثارت كلماتي حفيظته إلى حد لا يمكن وصفه. وكنت أعرف أن الموت أحب إليه من شطر كلمة في هذا الموضوع فقد كانت نفسه لا تتحمل الخوض فيه، وتذكيره به يضاعف من مستوى ضغط الدم لديه. عمد إلي حانقا وامسك بتلابيبي في قوة ، ثم جذبني نحوه بعنف حتي كاد رأسه أن يصطدم برأسي ، وصرخ في قائلا :
ـ طريقي إلى عالم المجانين سأعبرها على جثتك.
ـ اترك خناقي أرجوك، فأنت تقيم فيه منذ زمن بعيد. وكأنما سكبت كلماتي ماء باردا على النار المستعرة بداخل الرجل لتتحول ثورته العاتية إلى فتور. فافلتني دون أن ينبس ببنت شفة وسار مبتعدا دون أن ينظر إلي . وشعرت بالخجل ، وتضاءلت أمام نفسي حتى كدت أن أختفي . أنا الآن أخطو ـ بالفعل ـ خطواتي الأولى في دنيا غير دنيا العقلاء، وإلا فما ذا تعني ردة فعلي النشاز تلك ؟ وكيف تسنى لي أن أتحمل ألدوس بكل بساطة على جمر العادات وحر لظاها ، وأشواك التقاليد وحدة أسنتها لأسيء ـ بهذه القسوة ـ على رجل في مثل عمر والدي ، حتى وإن كان نصف معتوه ؟ لا لشيء إلا لأحول بينه وبين الاحتفاء بفكرة ـ بدت لي غريبة ومجنونة وزائفة ـ فكرة نبعت من عجزه وأوهامه ومن حطام أحلامه وآماله . إن تلك الأفكار التي تراوده غريبة ومجنونة وزائفة، لكنها كذالك فقط لأنني أعرف الحقيقة . وكنت لولا ذالك ـ لأصبح مثله فريسة سهلة لنفس الأفكار أو لأفكار أخرى أشد غرابة وأكثر جنونا وغباء.بما فيها فكرة تحول هؤلاء الناس البسطاء والمباشرين غالبا إلى عصابة من الأشرار ومتآمرين وقتلة .

محمد جواد
19-12-2011, 08:53 AM
خطت الشمس خطواتها الأخيرة نحو عز بطشها ، فحولت أرض القرية إلى درب جهنمي ، وسماها إلى سقف جحيم مستعر ، واتشح الأفق بغبار أصفر كئيب ، ما لبث أن ضرب لونه إلى الحمرة ، ثم زمجرت تلك الرياح السموم ، التي عادة ما تهب في مثل هذا الوقت من الصيف . تشبثت بمتكئي وسط البيت ،على أمل أن أتمكن من النوم ولو قليلا ، فقد بت ليلتي البارحة كلها أرقا حزينا ، على إثر الصدمة التي تعرضت لها لدى تلقي نبأ وفاة جدي .فشل الأمر في النهاية ، فخرجت لأجلس كئيبا مهموما أمام الدار الخاوية على عروشها ، بينما كانت أمي وأخواتي وبعض الزائرين يلغطون في العريش .
كنت حزينا ، فقد ماتا أثناء غيابي ، توفي جدي أولا ، ثم لحقت به جدتي بعد ذالك بقليل ، ربما احتجاجا على أخذه منها على ذالك النحو ، أو لعلها كرهت أن تعيش في دنيا ليس فيها . حدث ذالك منذ حوالي سنتين تقريبا ، لا بد أنني وقتها كنت بعيدا ، وربما بعيدا جدا . في "فصالة" أو "ليره" أو "تيمبكتو" أو في مكان آخر في "الحوض" أو في "أزواد" . فقد شاءت الأقدار أن أتورط في عملية شراء أغنام من بعض الأهالي في المنطقة ، وقمت ـ بدوري ـ ببيعها لبعض تجار الماشية . ممن كانوا يشترون الأغنام نهاية فصل الخريف ، ويسوقونها في "السنغال " وفي "جامبيا" . لم تكن هذه المرة الأولى التي أتعامل معهم على هذا النحو لكنها كانت المرة الأسوأ على الإطلاق . فقد كان الموسم سيئا ـ هذه المرة ـ في "داكار" كما في "جامبيا" المجاورة ، مما أضطرهم إلى البيع بطريقة الآجال ـ كما زعموا ـ بل وبالخسارة القاسية . وبدل مواجهتي بتلك الحقيقة المرة ـ عند عودتهم ـ تجنبوا لقائي ، وتفرقوا ـ في ما يشبه الهروب ـ داخل التراب المالي .وكان لزاما ـ وقد بت في مواجهة الدائنين بلا حيل ـ أن أجدهما ، ولو تطلب الأمر مطاردتهم إلى آخر الدنيا بقية العمر. فلربما أجد عندهم ما يساعدني في تهدئة خواطر الدائنين ، إلى أن أتدبر أموري . ومرة أخرى وجدتني مجبرا ، على هجر أهلي لمدة سنتين ونصف تقريبا.
لقد كنت حريصا على أن أبقى على الدوام قريبا من جدي ، مخافة أن يدهمهما الموت في غيابي ، وحين رأيت الشيخوخة تنحت جسديهما النحيلين ، تضاعف قلقي من فكرة أنني على وشك أن أفقدهما . من المؤكد أن ذالك لم يكن ليغير من الأمر شيئا ، لكنه لم يكن من العدل ـ من وجهة نظري ـ أن يموتا في غياب الإنسان الذي أحباه أكثر من أي إنسان آخر طوال حياتهما .
لا شك أنهما أوذوا في كثرا ، خصوصا من طرف المرجفين من أهل القرية ، و أولائك اللذين طالما أزعجهم نجاحي ، والثقة التي كنت أحظى بها من لدن الكثيرين ، وقد وجدوا في ظروف اختفائي ـ رغم طبيعيتها ، ووجاهتها ـ سببا للإثارة ، ولوضع علامات الاستفهام حول مبررات غيابي . فلا بد أنهم عذبوا أرواحهم بكلام من قبيل :
"ما كنا نعتقده نجاحا يحسد عليه ، كان مجرد فقاعة يخفى فيها حقيقته " .
" لقد أخذ أموال الناس ، واختفى لن يعود ".
"لا بد أنه عاد إلى ساحل العاج ، ليستمتع بالأموال التي استولى عليها" .
" كنا نعرف أن حياة "أهل أدباي " لم تعد تلائمه ، وإنما تحملها في انتظار أن تنضج خطته ، وقد تم له ما أراد" .
" أغلب الظن أنه متزوج هناك ولديه أولاد ، وإلا فما سر عزوفه عن الزواج إلى الآن "؟.
لن يعود . لقد اختفى ، لن يعود و...."
ترى هل صدقا هذا الكلام ؟ أشك في ذالك ، لكن من المؤكد أنه اضعف ثقتهم في الحياة ، واقلق أذهانهم وأزهدهم في الدنيا . فمثل هذه الأراجيف ، وضروبها كفيل بهدم اعتي أبراج الثقة وأصلبها ، وهما إنما كانا يقاومان سطوة الأيام بقوة الروح ، والثقة في المستقبل وبصفاء الأذهان. .
لا بد أنني كنت آخر شيء فكرا فيه حين كانا يودعان هذه الدنيا ، ولعلهما كانا يتمنيان أن أكون آخر شيء تكتحل برؤيته عيناهما قبل الرحيل . كم يحزنني أن ذالك لم يحدث ، وأنهما ـ ربما ـ كانا يشعران بالخيبة وبالخذلان ، لكن ما يحزنني أكثر هو أنهما ربما كانا غير راضيين عني ، لأنني لم أحقق لهما إحدى أعز أمانيهما ، بأن أتزوج وأمنحهما فرصة رؤية ذريتي قبل مغادرتهما. لقد قاومت رغبتهما تلك بمزيج من الحيلة ، والتسويف ، لكن في إصرار كثيرا ما أثار استغرابهما وحنقهما . والواقع أن فكرتي عن الموضوع ، رغم بساطتها ، كانت تبدو لهما معقدة وعصية على الفهم والاستيعاب . فأنا لم أكن راغبا ـ وبسبب كل هذه الفوضى ـ بأن أنوع مصادر قلقي أكثر مما هو قائم بالفعل . لم تفلح محاولاتي المتكررة في أن تجعلهما يستوعبان الأمر على هذا النحو ، وأدركت ـ أخيرا ـ بأن ذالك لم يكن هو الشيء الذي كان يجدر بي القيام به ، فقد أفرطت في تحميلهما أكثر مما يطيقان حمله ، وكان علي ـ بدلا من المراهنة على تغير عقليتهما ـ أن أتفهم الصعوبة التي يواجهانها في فهم الموضوع ، وأحقق لهما رغبتهما وحسب.
ورحمتهما، أن ذالك هو أول شيء كنت أنوي فعله فور عودتي إلى القرية ، أعرف بأن لا جدوى من قول ذالك الآن ، لكنه عزائي ، ومهربي الوحيد من إحساسي بالذنب إزاءهما. لقد انتهيت من وضع اللمسات الأخيرة على الطريقة التي أردت بها إخراج الموضوع ، وكنت أريدها أن تكون طريفة مسرحية . وعشت ـ بمتعة ـ الساعات الطوال وأنا أتخيل عينيهما وهما تتألقان بالفرحة عندما أفاجئهما بالأمر.
" اغلب الظن أنني سأصل القرية في وقت متأخر من الليل ، وسيكون أول ما أقوم به عندما استيقظ في الصباح ـ هو استدعاء جدتي إلى البيت ،ثم وضع الصداق و"الكايصة" بين يديها ، ستظن ـ أول الأمرـ أنه شيء أريدها أن تفرقه بين أهل القرية ، لكنه سيبدو لها مختلفا عن ذالك حين تتأمله . (مائتا ألف أوقية . سأحرص أن تكون جديدة ، عشرون ملحفة مختلفة القماش والألوان ، بعدد صويحبات العروسة المفترضة عشرون فستانا ، أو مثلها من التنانير، عشرون زوج من الأحذية ،" دوزن" من صابون المسك ، ومثلها من صابون البار. خمس قارورات عطر صغيرة ، وعشر أخرى أكبر حجما . مسألة النوعية لم تشغل بالي كثيرا ، المهم أن يكون عطرا وكفى .وأشياء أخرى كثيرة فكرت فيها . أردت أن يكون مهرا مختلفا عما يدفعه الآخرون من أترابي ، فلأنني تأخرت كل هذا الوقت ، فينبغي أن أعمل شيئا مميزا) وسأنتظر حتى أرى الحيرة تطل من عينيها لأقول لها :
ـ حسنا ، أظن أن هذا مجز كفاية .ولدك يريد عروسا . ويخولك أن تختاري له من تشائين فلابد أن الخيرـ كله ـ سيكون فيمن تختارينها ، لكنه يريدها الليلة ، بل قبل الليلة إن أمكن! ستتلألأ وجنتاها بالسرور ، وتتألق عيناها بالحبور، لكن المفاجأة ستشل لسانها للحظات ، وستجمد الفرحة في وجنتيها لبعض الوقت ، ومع ذالك فستستمر أناملها في مداعبة حبات سبحتها ، و لن تفتر شفتاها عن تلاوة الأدعية وترديد الأوراد . وبعد أن تعيد كل شيء إلى مكانه ستنهض ، دون أن تنبس ببنت شفة ،تنوء بثقل المسؤولية التي حملتها ، وأغلب الظن أنها ستكون متوترة قليلا وعصبية ، ومرتبكة ، لكنها ستسابق الزمن من أجل إكمال المهمة مخافة أن يفشل الأمر إذا ما فشا ."
كان خطئا مني فادحا أن وثقت في الزمن كل تلك الثقة ، وكان غباء أن أمنته إلى هذا الحد .
رحلا في غيابي ، وهو الأمر الذي حرصت العمر كله على تجنبه . رحلا ، وتركا كل شيء كانا يملكانه لي ، البيت ، والعريش ، والماعز، والبقرات ، والحمير، والدجاج ، والسمعة الطيبة ، لكنهم تركا لي أيضا الفراغ ، والوحدة ، وإحساس بالوحشة يعصرني ، وكآبة هذا اليوم المغبر ، المترب ، الأهوج ، تسكب الزيت على نار أحزاني المضطرمة . أدرت بصري مع استدارة الأفق . إنه أرحب من أي وقت آخر رايته فيه قبل اليوم ، كانت السماء تبدو بعيدة ، بعيدة جدا وقاحلة ومكفهرة ، واستمرت الشمس الملتهبة في صب جام غضبها على القرية شبه المنكوبة المقفرة ، وعلى أهلها المستسلمين بلا حول ولا قوة لمصيرهم وواصلت الرياح الحارة عربدتها بين ألأكواخ المتهالكة ، و بين الدور شبه الخاوية وألأعرشة المهلهلة .
لا ملاذ من هذه الكتلة المشتعلة ، التي تتسلق السماء بخطاها البطيئة ، لتسكب حممها على الأرض ، سوى الصبر والجلد . ولا مهرب من هذه الريح الحارقة غير الاحتساب . لا مستنقعات مائية ، ولا خضرة . ورغم بعض التساقطات المتفرقة فإن الأرض مجهضة بفعل الشمس والرياح العاتية . ثمة مزينات شاحبة انتشرت في السماء لكن للحظات قبل أن تتحول إلى عواصف تهد المنازل ، وتقتلع الأشجار من جذورها . وعدت أردد البصر يمنة ، ويسرة لا شيء يغري العين ، أو يثير في النفس مشاعر الارتياح . حتى الأشجار بالوادي بدت وكأنها نجت لتوها من حريق هائل ومدمر. ومرت لحظة أحسست فيها ، وكأن القرية ـ برمتها ـ قد تعرضت لزلزال عنيف ، فأكثر من نصف دورها غدى مهجورا، ومتهدما ، وملاذا للكلاب من حر الهجير، وثلث أعرشتها أمسى مهملا و شبه عار، ووكرا لهمل الحمير.
هاجرت عائلات "أهل أعوينين" و"أهل سيدين" وأهل "محم" وأهل "دحمان" إلى السعودية ، ثم لحقتها عائلات " أهل أعمر" ، و"أهل سيد محمد" و"أهل سيد المخطار" في ظروف مشابهة . وواصلت "الفاضلة" بنت عم "أهل بوك" المقيمة في "السعودية " منذ أمد بعيد ـ مهمتها إفراغ القرية من بناتها، ومن ثم إفراغها من أهلها . لم يفلح أسلوب تجار الأغنام الذي تبنته أول أمرها ، فانتهجت أسلوبا آخر . لعله أسلوب تجار الإبل ، أو الأبقار ؟ لست أدري !
اختارت اثنتان من بنات " اعوينين" الفقير. وعرضت الذهاب بهن إلى السعودية ، قامت قيامة أمهن بادئ الأمر، واعتبر أبوهن العرض نوعا من الاستفزاز والتحدي السافر لرجولته ، لكن المرأة كانت متمرسة ، وتعرف كيف تصل إلى مرادها . سلطت عليهم الجيران ، أغرتهم بالمال ، ووعدتهم بحج ـ مبرور إنشاء الله ـ إلى بيت الله الحرام و..، وأخيرا نالت مبتغاها ذهبت بهن ، كن صغيرات ، وكن جميلات جدا وبريئات . لكن كان ينقصهن الغذاء الصحي والجو الملائم ، وشيء من الرعاية الخاصة ، وبعض لرفاه . لم تبخل عليهن المرأة بشيء من ذالك ، وهن لم يخبن آمالها . وعندما رأى الجميع كيف وفت المرأة بالوعد الذي قطعته لأهلن وزادت عليه ـ كرما ـ من عند نفسها ، أصبح الطريق أمامها ممهدا ، وانفتحت لها كل الأبواب على مصراعيها . فصالت ، وجالت . و أمسى مقدمها موسما ، ومناسبة يعد لها الجميع عدتها . ذهبت بعد ذالك بأخريات ، ثم بغيرهن ، وأعادت الكرة مرة تلو المرة ، تلو الأخرى ، ولم تتوقف . وتوالى نزيف القرية ، وتسارعت وتيرته ، ليشمل ـ حتى ـ بعض العائلات من "أهل أدباي" البعض بحجة متابعة تعليم أبنائهم في المدينة ، أو المقاطعة ، والبعض الآخر بحجة البحث عن مصدر رزق أفضل . ثم وقعت الواقعة الكبرى ، وحلت الكارثة العظمى ، برحيل "آل المخطار" مع الغالبية العظمى من شيعتهم ، وهجرة " آل أخطورة" إلى المقاطعة ، هم ومعظم الدائرين في فلكهم .
ـ لماذا في كل مرة أغيب عن القرية، تحل بها كارثة ما ؟
"طالبن" قال إنه لا يمكن الجزم بأن ثمة علاقة ما بين الأمرين ، لكنه ـ مع ذالك ـ يبقى متأكدا بأن وجودي ـ ربما ـ كان ذا جدوى . فلحيادي البارد ـ على حد وصفه ـ مفعول من الصعب مقاومته، وللساني حلاوة تغري بمذاقها الطيب .
لم يراع حزني ، ولا وضعيتي النفسية المزرية على العموم ، وحالما انفض من حولي جمع (السلامة)=المستقبلين ـ الليلة البارحةـ لحقني إلى البيت وبدأ الثرثرة . حاولت أن أقاوم رغبته في الاستمرار ، لكن إصراره غلبني ، فوجدتني مرغما على الاستماع له رغم حالة المزاجية السيئة. ومضى يقول :
عندما نجح "أخطورة" في ضم "آبو"، و"تام" ـ زعيما قرى "الفلان" الواقعة ضمن نطاق الدائرة البلدية ـ إلى لائحته ، أعتبر الأمر سبقا تكتيكيا فريدا من نوعه ، وحنكة سياسية ستجبر منافسيه ،على إعادة التفكير مرات ومرات ، قبل أن يضعوا أنفسهم في مواجهته . فلاشك أن طموحات الرجلين ستكون أكثر تواضعا من طموحات الآخرين ،ولا بد أن أصوات ناخبيهم ستحسم الأمر لصالحه منذ الجولة الأولى . ولكي لا يترك المجال مفتوحا ، للصدفة أو لأي نوع من عدم الثقة لديهم ، قام بوضع "آبو" في الترتيب الثاني على اللائحة بعد ولده "أحمد" مباشرة .
كانت المنافسة شرسة ، بل وقاسية في بعض الأحيان وغير شريفة، استخدمت فيها كافة أشكال الدعاية ، حتى الرخيص منها والمبتذل . وهروبا من حالة التوتر والاحتقان ، التي طبعت أجواء الحملة ، وجو الكراهية والعداء الذي كان يسود القرية ـ بشكل عام ـ أضطر "أهل المخطار" وشيعتهم إلى ترك بيوتهم ، والعسكرة خارج القرية في الخيام . ربما كانوا ينوون أن يكون ذالك وضعا مؤقتا ، لكن الأحداث اللاحقة قطعت طريق العودة ، على الغالبية العظمى منهم ـ بمن فيها كل "آل المخطار" ـ وأجبرتها على ترك القرية وعلى هجرها نهائيا .
كانت نتائج الاقتراع مخيبة لآمال "المخطار" ومناصريه ، ولكن ، لآمال "أخطورة" أيضا ، وإن بشكل اقل . فبفارق صوت واحد لصالحه ، كان وضعه يبدو أفضل ، لكنه كان غير كاف على كل حال لمنح منصب العمدة لإبنه . وانتظر الجميع يوم التنصيب ـ وما أدريك ما يوم التنصيب ـ وتحول الانتظار إلى عذاب لا يريد أن ينتهي ، وحرب خنادق ، ومناورات ، ومؤامرات تحاك هنا وهناك .
وجاء اليوم الموعود . كان "أخطورة" واثقا إلى حد كبير من أن الأمور محسومة لصالحه سلفا ، لكن ذالك لم يمنعه ـ من باب الاحتياط ـ من إتباع التدبير المعروف في مثل هذه المناسبات فقام باحتجاز مناصريه بعيدا ، خشية من تعرضهم للإغراء من قبل المنافسين ، وبذل المنافسون ما بوسعهم من أجل كسب أحد أفراد اللائحة الأخرى ، وجندوا لذالك جهود الكثيرين ، ورصدوا له الكثير من المال ، لكن بدون جدوى. ولذالك فعندما دخلوا إلى قاعة التصويت ، كانت معالم الهزيمة بادية على وجوههم ،وكانوا يائسين ، ومحبطين إلى حد أن البعض منهم كان يفكر في الانسحاب . لكنهم فوجئوا ـ وكانت مفاجأة سارة ، ومدوية ، ومن العيار الثقيل ـ ب"آبو" يعلن ترشيح نفسه ، فور فتح أبواب الترشحات . وبينما جمدت المفاجأة عيون "أحمد ولد أخطورة" وانصاره ـ في محاجرها ، واستبدت بهم الدهشة وبهتهم الذهول ، أشرقت وجوه منافسيهم بالفرحة ، وعمتهم السعادة والحبور.
ومضى رئيس اللجنة المكلفة بالإشراف على الانتخاب ، في إتمام إجراءات عمله ، معلنا على بركة الله بداية الاقتراع .
ـ هل تآمر "آبو" سرا مع "المخطار" للإطاحة بعرش "أهل أخطورة" بدون ـ حتى ـ علم البقية من أنصاره ؟
ـ يجوز.
ـ وما الثمن الذي قبضه لقاء هذا التصرف، الخطير.؟
ـ هو أفضل من يجيب على ذالك .
ـ أم تراه تصرف من تلقاء نفسه ، لحاجة ـ ربما ـ في نفس يعقوب لا يعلمها سواه ؟
ـ ربما.
ـ يقولون إن "أبو" يزعم بأنه لم يكن يعي ما يفعله ، حينما أعلن ترشحه ، وبأنه شعر بأن أحد ما هو من تولى رفع أصبعه !
ـ كلام فارغ .
على هذا النحو غير المتوقع ، "الدراماتيكي" والعجيب ، آل منصب العمدة إلى "آبو" في يوم من أيام القرية حزين . فأصيب "أخطورة" من هول الصدمة بالشلل ، وفقد ابنه "احمد" السيطرة على نفسه وتلبسته حالة شبيهة بالخبل ، فقام بإطلاق النار عشوائيا على خصومه فأصاب العمدة المنتخب . نقل "أخطورة" إلى المستشفى ، ليموت فيه بعد عدة أيام ، وألقي القبض على "أحمد" وأودع السجن .
عاد الرجل إلى القرية فيما يشبه التسلل ، بعد أن أطلق صراحه بكفالة ، لكن ليغادرها و إلى الأبد . حيث اشترى ، هو وأخوته دورا في المقاطعة ، وانتقلوا إليها .، بينما تفرقت شيعتهم بين الولاية ، وبين المقاطعة ، عدى عمن بقوا منهم في القرية ـ وهم بالمناسبة قليلون ـ ومن تولت "فضالة" تهجيرهم ـ على طريقتها ـ إلى السعودية .
لم يكن "المخطار" سعيدا بما آلت إليه الأمور، وهو ما كان يفترض أن يحصل ، ولعله كان يريد الانتقام من "أهل أخطورة" ، أو إنهاء هيمنتهم على أمور القرية وحسب ، وليس تشتيتهم على هذا النحو ،أو إجبارهم على هجرها بهذه الطريقة المهينة .
لقد غزاه الندم في وقت مبكر، أبكر كثيرا مما كان متوقعا ، وصدق ذالك تدخله الفوري ، لدى "آبو" والآخرين للتنازل عن "أحمد"، بل . ذهب إلى حد إجبارهم على ذالك كما يزعم ، وحزن لموت "أخطورة" أكثر من أي إنسان آخر ، وكان حزنا صادقا وحقيقيا ، وأصر على تقديم واجب العزاء للعائلة ، وخاطر عندما قام بذالك بنفسه . ووجدها فرصة حاول أن ينتهزها ، لإعادة الدفء إلى علاقة العائلتين . لكن الأمر لم ينجح ، إذ أصطدم برفض "أحمد" ،وباقي الأسرة ، مجرد الحديث في الأمر. حينها أدرك الرجل ـ على ما يبدو ـ جدية الموقف ، ودقته . وبدل أن يعود ، هو ومن معه إلى منازلهم في القرية ، أختار أن يرتحل ، لكن ليس إلى أي مكان ، بل إلى حيث مضارب من يزعمون أنها قبيلتهم الأصلية .
لا أستغرب أن يفسر البعض الأمر ، بكون نفس الرجل قد عافت المقام بالقرية ، بعد رحيل "أخطورة" عنها ، سنده و رفيق دربه . أو بأنه لم يعد يحتمل العيش فيها ، في غياب أي أثر له أو لأسرته ، فكل تلك أسباب واردة ومنطقية ووجيهة . لكن الحقيقة أن "المخطار" لم يحاول ذالك قط ، بل ولربما لم يفكر فيه على الإطلاق . والغالب على الظن أنه إنما ارتحل ، حين أمسى أقل اطمئنانا على نفسه وأمواله . فحالة الاستقطاب التي شهدتها القبيلة على إثر تلك الأحداث ، وحالة الشحن العاطفي الكبير التي صاحبتها وأعقبتها ، كانتا بمثابة إشارة إنذار للرجل ، ولم يسعه ـ وهو الحاذق ـ التعامي ، أو التقاضي عنها .
هل تحامت هذه الأحداث ، وغيابي ـ على ذالك النحوـ روح جدي فعجلت برحيله ؟
خاب أمله في الدولة مبكرا ، سنوات قليلة بعد قيامها . فكرهها سريعا ، وكره كل شيء ذو صلة بها . لعله علق عليها من الأمال أكثر من اللازم ، أو ربما توقع منها أشياء لم تكن لتقدر على الإيفاء بها . كان أميا ، إلا أنه كان ذكيا ليدرك بأنها كانت مجرد "فريج" آخر ، لكنه رجا أن يكون "فريجا" مختلفا عما عرفه وخبره من "الفرجان" . لكنه صدم . وقوة الصدمة غالبا ما تكون بحجم وثوقية التوقع . كانت مجرد مسخ ، فلم تكن ـ من وجهة نظره ـ تشبه دولة النصارى في هيبتها ، وجديتها، وحزمها ، وكانت بعيدة كل البعد عن روح القبيلة ، بطبيعيتها ، ودفئها وسعة صدرها . فدمج ذاته في قبيلته أكثر مما فعل في أي وقت آخر ، معتبرا أنها ـ على علاتها ـ المظلة الأكثر ملائمة لنمو الشعور بالانتماء ، والكيان الأقدر على مد النفس بمشاعر الاستقرار والاطمئنان . فأحب أن تظل قوية ، وسعى في أن تبقى لحمتها متماسكة . و حتى وهو ما يزال يقيم في المدينة ، و كان "أدباي" يعيش منفصلا عن "لفريج". لم يفوت مناسبة تخصها يرى بأن من شأنها أن تصب في ذالك الاتجاه .
عانى ـ ككل أبناء جلدته من الاسترقاق ، لكنه لم يبق في ذاكرته إلا على القليل من الذكريات غير السارة عن ذالك الزمن البائس ، ولم يعلق بقلبه منه إلا بعض الغضب اليسير والذين سرعان ما كانا يتلاشيان، في ثنايا روحه الزاخرة بالرضي والتسامح.
لم يكن ذالك يروق الكثيرين من أصدقائه ، وكان فتحه أبواب بيته أمام كل الوافدين من أبناء القبيلة ، سواء المتبضع منهم والعابر، والدارس والمريض ، سببا في إثارة حفيظة الكثيرين ممن كانوا يرون في ذالك استمرارا للوضع البائس القديم .
مرة كان عندنا "ازوين" في المدينة ولعله تأخر لشأن ما ففوت "طاجين" ، ثارت ثائرته ، وكاد أن يسطو بجدتي . فقالت له مهدئة :
ـ "الطاجين "لم يكن يحتمل القسمة ، فالضيوف كانوا كثر. فازداد ثورة ، على ثورته وصرخ
ـ (أصل ماه ما شاء الله .) وقبل أن يتمادى أكثر ، قام إليه جدي وسحبه إلى الخارج ، وقال له ـ في حزم
ـ هؤلاء ، أهلي وأولادي ، و أكره أن يتعرض لهم أحد بسوء . ازداد غضب "ازوين" وقال حانقا:
ـ بل أعداؤك ، شئت ذالك ، أم أبيت .
ـ لا أريد أن أخوض في هذا الموضوع أكثر من ذالك ، إنهم أصلي ، وفصلي ، ولست مستعدا لأن أرى فيهم غير ذالك .
ـ لا أدري متى ستكف عن هذا الوهم .! كم مرة علي أن أذكرك بأن هؤلاء ، مستعبدوك ومستعبدو آبائك ، وأمهاتك ,... ولن يكون غير ذالك أبدا.
ـ أتعرف شيئا ! لقد بدأت أضيق ذرعا بكل ذالك اللغو.
ـ لطالما ضقت به . فأنت ـ يا أسفا ، (مود كدك راسك) =مسحور.
ـ ها أنت قلتها . إذن ليس لي من الأمر شيء .
ـ بل هو لك كله ، تحرر من سيطرتهم عليك ، توقف عن حبهم ، أكرهم .و...
ـ ذاك شيء ـ أيها الأحمق ـ لا يتم بقرار. .
ـ هل أنا أحمق لأنني أكره أولائك اللذين استرقوني ، واسترقوا أمي وجعلوا...
ـ ليس ذالك فحسب ، لكن لأنك ـ أيضا ـ سمحت لروح الكراهية ، والانتقام أن تسيطر عليك وعلى عقلك وعلى وجدانك .
ـ روح الثأر والانتقام ، ولا روح الرضوخ والاستسلام .
ـ ولماذا لا تجرب خياري أنا .
ـ (آن راص ماه مدكدك ) ضحك جدي عاليا ، وقال :
ـ وما ذا تعرف عن رأسك ؟ فأنت بالكاد تعرف مكانه .
تحمس عندما طرحت فكرة إنشاء القرية ، ككيان مشترك للجميع وباركها ، ورأى فيها فرصة مناسبة لإعادة إحياء قوة القبيلة ، ولجمع شتاتها .
كان ذالك يبدو للكثيرين ، محيرا وملغزا ، وغير مفهوم . "محفوظ" . كان يفسره على أنه نوع من الاحتجاج اللاواعي على الحاضر ، بالهروب النفسي في الماضي . لم يقنعني هذا التعليل ، فليس في ماضي جدي في القبيلة ـ على حد علمي ـ ما يغريه ليهرب فيه ، كما أنه لا يوجد في حاضره ما يجعله يهرب على هذا النحو منه . ضحك "محفوظ" وقال : بأن الأمر يتعلق بالوجدان ، وبتلك البئر العميقة المحفورة في أعماق كل إنسان ،والمسماة باللاشعور. ولا علاقة له بالواقع الفعلي إلا بقدر ما هو مثير أو مستجيب . لم أفهم شيئا ، ولم يكن ذالك لأنني لم أكن قادرا على الفهم ، لقد كونت فكرتي الخاصة ـ بباسطة عن الموضوع ـ ولم أكن مستعدا للتخلي عنها .
يثرثر دعاة التحرر، هؤلاء كثيرا، لكنهم يعملون أقل . هكذا كان الأمر بالنسبة لجدي . ومع أنه أعجب قديما بفكرة "جامبور" ورأى فيها ـ وهو البناء ـ أسسا يمكن البناء عليها لوضع حد لتلك المأساة ، فإنه كان يرى بأن ذالك مشروعا لم يتم ، ويخشي من أن ضرره ـ الآن ـ قد يكون أكثر من نفعه . جربنا كل تلك الأشياء أو بعضها ، على الأقل ، فكيف كانت النتيجة ؟
مسألة درجة العبودية هذه ليست شيئا ذي بال .كنا عبيدا عند ناس نعرفهم ، وتربطنا بهم صلة رحم ، و ذوي قربى ، ودمنا كذالك ، لكن بدون معرفة ، أو صلة رحم أو قربى ، فلم العناء ؟
ازوين" كان يقسم بأن الرجل قد خرف ، وبأنه لم يعد يعي ما يقول . آخرون وصفوا الأمر بأنه رجعية ، بل تواطؤ بحجم الخيانة .
لا أريد أن أدافع عنه ـرحمه الله ـ لكن الرجل إنما كان وفيا لكل لحظات العمر ،الحلو منها والمر. حاور المعترضين ،أغرى المترددين شجع المتحمسين ، أعذر أولائك ، وتفهم هؤلاء ، وهؤلاء فهمهم . لمس وحدة الهدف ، توثق من صدق المقصد . الكل كان ينشد الأفضل . تمكن من إقناع البعض ، دفع بالبعض إلى جادة الحياد ، وفي المحصلة فاز بموافقة الجميع انضم "أدباي" إلى "لفريج". فولدت "النعيم" وحصلوا على مدرسة ، وبئر. و على سد وأشياء أخرى طالما حلموا بها .
أين كان منهم كل هذا ؟ تصلبت ظهورهم لطولما وقفوا بباب كل حاكم جديد ، تقرحت عيونهم لكثرة ما ترقبوا إطلالة من الوالي العتيد . ركضوا وراء كل فاسد رجاء شفاعته ، طرقوا باب كل مرتش عسى أن تصل مطالبهم . ولم يحصدوا سوى الخيبة ، وضياع الجهد والوقت والمال .
دونكم يا من لا تجيدون ، غير لغة المنافع . البئر، والسد ، والمدرسة . يمكنكم الآن أن تبرهنوا على أنكم جديرون ـ حقا ـ بما كنتم تسعون إليه . أما هو فقد كان حسبه حضن عشيرته ودفأه ، وذكريات ، لم يفقدها التقادم إلا القليل من حرارتها ، فكان بمقدوره أن يجد حلاوتها حتى وهو يجتر مرارتها .
مات كمدا ، وحزنا . ربما أحس بأن حياته فقدت مبررات استمرارها ، بعد كلما حصل في القرية من تطورات وأحداث .
ابنه الأثير ، تاج فخره ، برهانه على حسن بلائه . مفقود تلاحقه تهم النصب والاحتيال و الإستلاء على مال الغير. اختياره لي من بين كل أحفاده ، أثار استياء أولاده الآخرين ، واختياره لي من بين إخوتي ، رغم أن ترتيبي كان الثالث بينهم، أثار استغراب والدي ، ووالدتي . فشلي في الحصول على وظيفة ألقى بظلال من الشك حول جدوى أفكاره حول العلم، والتعلم و.. ، فقد جعل من دراستي مثالا سيئا لا يغري بالاحتذاء به . تمردي وهجرتي وضعا جدية ومصداقية جهوده في تربيتي محل تساؤل وريبة . صبر ، كتم غيظه وخيبته . وعندما أهابوا به بأن يلحق بي ليعيدني رفض . قال :دعوه يجرب . فإذا نجح فلن يجد مكانا آخر ليتباهى فيه بنجاحه أفضل من هنا . وإذا فشل فلن يجد انسب من أحضاننا ـ مكانا ـ ليبكي فيه .
وعدت . كان فرحه بي عارما ، بل متطرفا إلى حد أنه بات حديث أهل القرية لسنوات . نحر ثورا ، أهدى ذبيحة لطلاب المحظرة ، تصدق بكل شيء قدمته له كهدية . كان نجاحي أقل شأنا من أن أتباهى به ، وكانت لدي أسباب أخرى لأبكي في أحضانهم غير الفشل . فتحت دكانا برأس المال المتواضع الذي جئت به من غربتي ، لكن حالفني التوفيق . بعت ، اشتريت ، وفي فترة وجيزة أصبحت من أهل السوق كما يقولون ، ربطت أكثر من صلة بالتجار ، وثقوا بي ، أقرضوني وسددت ، وهكذا ، جرت النقود في يدي . حسنت وضعهم المعيشي إلى حد كبير ، مقارنة بغيرهم من "أهل أدباي" ، كما ساهمت في تحسين الوضع المعيشي لكثيرين من قرابتي ، وإن بدرجات متفاوتة . لكنني تعثرت ، بل سقطت وعلى هذا النحو المدوي وغير المتوقع. ذهبت أطارد الديون ، أمل أن أعود سريعا ، لكنني أبطأت . فساورته الوساوس ، وحاصرته الظنون .هز المرجفون ثقته في . حاول مد يد المساعدة . سدد ديون البعض ، وبعضا من ديون آخرين ، لكن المبلغ كان كبيرا . باع الجزء الأكبر من ثروته . ثلث معزه ، وخمس من بقراته ، وقطعة أرض كان يملكها في الولاية . لكن كل ذالك لم يف بالمطلوب . أصيب بالإحباط ، تلبسه اليأس ، صار أقل ثقة في نفسه ، وفي الناس وفي الحياة . وطحنت الفتنة القرية بثفالها فقصمت ظهره المنهك بثقل السنون .
كانت (عربيته) خالة ل"المخطار" ، وكان زوجها عما ل"أخطورة". ولأنهما لم يرزقا بأولاد فقد كانا يعتبران الاثنين بمثابة أولادهما . كانا متقاربين في السن ، وصديقين حميمين لبعضهما البعض منذ الصغر. أرضعتهما زوجته ، ترعرعا بين يديه ، شبا ملأ عينه ، أحبهما معا ، دللهما معا ، حملهما على ظهره ، سقاهما اللبن ، أطعمهما أللباء ، اصطاد لهما العصافير ، وكبرا ، وتزوجا . وحين توفي أبويهما وأخذ كل منهما مكان أبيه ، كان جدي قد أستقر في الولاية منذ وقت طويل .
كان والد "أخطورة" بصفته شيخ القبيلة ، قد قدمه للفرنسيين ـ يوما ـ كمساهمة للقبيلة في (المنكوسة) =شق الطرق . أعجب أداؤه المتميز الفرنسيين فأغروه بالبقاء معهم فوافق . جاب معهم أنحاء متفرقة من الولاية ، تعلم تسليح الآبار، تشييد السدود ، ثم لبناء . البناء الذي اتخذ منه مهنة بعد أن غادر الفرنسيون الولاية. حينها كانت الغالبية العظمى من " أهل أدباي " قد انفصلت عن أهلها في "لفريج" واستقلت بنفسها . جهد المستعمر الخجول ، وطأة الجفاف المهول .تذمر البعض ، وتململ البعض الآخر. ساهم كل هذا في جعل قبضة أهل "لفريج" على أهل "ادباي" ترتخي ، و شيئا فشيئا تلاشت . حدث ذالك بشكل سلس وتلقائي وبدون صخب أو أية تشنجات .كان الأمر بالنسبة لهؤلاء رفضا هادئا للنسخة القديمة من الاسترقاق أكثر مما هو رغبة حقيقية في الانشقاق ، وكان بالنسبة لأولئك أشبه باستجابة عقلانية لنداء الزمن منه إلى إذعان لثورة أو تمرد . ولذالك فإن أرضية الحجج الكثيرة التي كان يسوقها الرافضون للانضمام ، كانت أضعف صلابة من تلك القليلة التي كانت تستند عليها حجج المتحمسين له. لكن الهزات الارتدادية التي أحدثها زلزال الديمقراطية المفاجئ ، أوجدت من التصدعات في تلك الأرضية ، ما لم يكن في الحسبان . لم يفاجأ الأمر جدي تفاجأ الآخرين به لكنه لم يملك إلا بعض الوسائل القليلة لكي يتصدي له بفاعلية .
لم تكن ثنائية "أدباي" ، "لفريج" هي وحدها ما يهدد وحدة القبيلة وانسجامها ، بقدر ما كانت تهددها ثنائيات أخرى ، وهو الشيء الذي لم يعره الكثيرون أدنى نوع من الاهتمام ـ لعل أخطرها كانت ـ من وجهة نظر جدي ـ ثنائية الأصيل والدخيل ، التي كانت تشقها عموديا وأفقيا والتي كانت تعبر عن نفسها بشكل صارخ ، ومزعج في حالة شبه التمايز والانفصال النسبي بين مختلف مكوناتها .
ربما أفرط جدي في الاعتناء بمثل تلك الأشياء التي لم يكن ـ باعتبار مكانته ـ مخولا لأن يهتم بها . كانت جدتي تشك في جدوا ، وجدية مخاوفه ، وأحيانا كانت تعدها نوعا من الحشرية ، والمبالغة في تقدير الذات . صحيح أن هذا لم يكن رأيها دائما ، وإنما كان يأتي كردة فعل على بعض المواقف التي كان يتعرض لها زوجها أحيانا من قبل البعض ، أو كتنبيه له، أو عتاب . والواقع أن الرجل وجد نفسه بعد انضمام "ادباي" "لفريج" ـ ولاعتبارات عدة ، بمثابة الأب للجميع . فرأسا القبيلة كانا يعتبرانه بمثابة أبيهما وكانا نادرا ما يبرمان أمرا من دون الأخذ برأيه . نعم كانا يعتبرانه أبا حقيقة ، وليس مجازا ولم يعاملاه قط إلا باعتباره كذالك . وهو الأسن في القرية على الإطلاق ، وكان وفاؤه ، وحكمته ، أمانته محل إجماع من الكل واتفاق .
"اللعنة"! إنه غرور وهم الاصطفاء الذي ملأ نفس "أم زينب" بالغباء ، فحولت "محفوظ" إلى وباء بالكاد تمت السيطرة عليه. وها هو يضرب مرة أخرى بكل قوة وعنف" .
عندما أبدى "إبراهيم ولد سيد ولد المخطار"، رغبته في الزواج من إحدى بنات "سيدات أبن أخ أخطورة" اعتبر الكثيرون أن ذالك تحد سافر للثوابت ، وخروجا على المألوف غير مناسب ، فهذه هي المرة الأولى التي يتجرأ فيها أحد من "آل المحطار" أن يعلن هكذا رغبة على الملأ ، كان "المخطار"ذكيا بما يكفي ليشعر بجسارة تلك الخطوة من طرف حفيده ، بل وبخطورتها ، لكنه لم يفلح في مقاومتها ، ولا في دفع إغراء ما عنته من أشياء . وأختار جدي ليتولى إبلاغ رغبة حفيده لوالد البنت .
تردد في القبول ، ناور محاولا التخلص ، ماطل رجاء إيجاد مخرج . وكانت جدتي له بالمرصاد ، تدفعه دفعا في اتجاه الرفض ، والامتناع .
ـ دعه يقوم بذالك بنفسه .
ـ ولماذا لجأ إلي لو أن ذالك كان في مقدوره.؟
ـ وما ذا لديك لتفعله أكثر منه ؟
ـ لست أدري . لكن لا بد أنه يظن أن بإستطاعتي فعل شيء ما.
ـ وما الذي يجبرك على أن تكون عند حسن ظنه ؟
ـ أليس ابني ؟
ـ هذه فرصتك لتثبت له ذالك ، عندما تنجح في إعادته إلى رشده .
ـ ماذا تقصدين ؟
ـ جنبه وجنب نفسك الإحراج . فهذه المهمة فاشلة سلفا.
ـ ولم أنت واثقة هكذا ؟
ـ لأن ذالك ما ينبغي أن يحدث .
ـ هل يضايقك الأمر؟
ـ ويضايقني كونه لا يضايقك !
ـ إنه شاب صالح ، ومتعلم ، وموظف في الحكومة .
ـ لكنه ، ولد "المخطار" ، وهي منت "اخطورة" .
ـ تزوج أبوه بمن هي أفضل منها محتدا.
ـ كانت "اشريفه مجذوبه ، وليس لها من يردعها !
ـ لكنها "اشريفه" على كل حال .
ـ حسنا . إذا كان ذالك كافيا ، فمم يخاف أذا ؟ ليحمل رغبة حفيده بنفسه إلى "أهل اخطورة" وليذكرهم بذالك .
لم يرتدع ، وقام بحمل الرسالة إلى "اهل "أخطورة" . قصد "أخطورة" أولا بصفته كبير العائلة ، أمطره بوابل من النصائح الصادقة ، حاصره بالحجج المقنعة الواضحة . صمت الرجل طويلا ، وحين تكلم ، لم يجد بدا من الاعتراف له بقوة منطقه ، ومع ذالك فقد بقي في نفسه من الأمر شيء ، وأحاله في أدب إلى جد البنت. لم يكن مستعدا للتراجع ، ولذالك لم يعبأ إلا قليلا بدلالة ذالك التصرف . جد البنت كان أقل دبلوماسية ، عندما أحاله إلى أبيها .
كان ذالك إطنابا ليس له ما يبرره ، ومع ذالك فالعجوز ماض في مهمته حتى النهاية .
استمع إليه أبوها بأدب من دون أن يقاطعه ، وحين أنهى حديثه قال له في صراحة قاسية . ـ ـ وددت لو أنك كنت تريد ها لأحد أحفادك ، فذاك لعمري مصاب أهون .
شعر بالحرج ، ساوره الغضب من فكرة أنهم إنما كانوا يوزعونه . هل أنا أقل شأنا في نظرهم من أن يهينوني بأنفسهم حتى . ليتركوا أمر ذالك لأحد أصغر ابنائهم . ألست من أجلهم ومن أجل حمايتهم من أنانيتهم وغرورها ، أقوم بهذا كله ؟! . ابتلع الإهانة بمضض . عاد كسير الخاطر، خائبا ومهموما . لكنه حاول التقليل من شأن الموضوع عند "المخطار". و اكتفى بالقول ـ عندما أستفسر منه ـ :
بأنه يعتقد بأن الظروف لم تنضج بعد ، إلا أنه لا داعي لسوء الفهم .
وتسربت تفاصيل أسباب فشل السفارة فحدث الشرخ العميق .
لامته جدتي ، شمتت فيه . رأت في الموضوع دعوة له ـ صريحة ـ بأن يعتزل مثل تلك الأنشطة . "إنك تبالغ في تقدير هيبتك في أنفسهم ، ومن شأنك عندهم ومن قدرك . وعندما تقحم نفسك في حياتهم على هذا النحو فأنت بذالك تتجاوز قدرتهم على تحملك" .
أمحى أثر تلك اللطمة المضاعفة من وجهه بسرعة ، لكن آلامها تطلبت المزيد من الوقت لكي تمحي من قلبه ، ومع ذالك فلم يعتزل شؤون القرية نهائيا ، و إن أصبح أقل تحمسا لها .
لم يتدخل في أزمة اللوائح تلك ، وكانت من وجهة نظره النتيجة الطبيعية لتلك السفارة وإحدى تبعاتها . وعندما انتهى الإقتراع ، رأى بأن الوقت قد حان لوضع حد لكل ذالك الجنون . قال
ل"للمخطار" بعد إعلان النتائج . وكان يجلس بين لفيف من عائلته ، وانصاره .
ـ أتمنى أنك استمتعت بحرب لي الذراع هذه !
ـ وماذا كنت تريدني أن افعل ، لقد فرضت علي ، ولم أسع لها .
ـ حسنا ، أرجو أن كل ذالك أنتهى الآن ؟ فقال أحد أبنائه في انفعال .
ـ لا . لم ينته ، ولن ينتهي . والحرب بيننا سجال ...فزجره أبوه قائلا :
ـ أسكت .إنه يخاطبني . ثم أردف ـ مخاطبا جدي ـ لم أكن أنا من بدأ هذا ، ومع ذالك فأنا رهن إشارتك ، فشر علي .
ـ اذهب إلى أخيك ، وبارك له ، وافرغ في أحضانه كل مآخذك عليه .
ـ أفعل إنشاء الله . وهو يغادره سمع أحد أبناء الرجل يقول في غضب :
ـ هذه تخاريف عبد عجوز أخرق ، وليست جديرة حتى بالاستماع إليها . خسرنا في انتخابات لكننا لم نخسر كرامتنا . لن تذهب إليه ، وسنعرف كيف ندرك ثأرنا.
اسر الإساءة في نفسه ، ثم ذهب إلى "أخطورة" وقال له :
ـ أظنك لن تجهز عليه ، ويكفي أنك صرعته ؟ فرد عليه إبنه أحمد :
ـ "لعدو ما يرباو"
ـ أصمت إنه يكلمني ، هكذا رد "أخطورة على أبنه واردف :وماذا تقترح "يا الوالد" ؟
ـ أجلس مع أخيك ، طيب خاطره ، أعرض عليه منصب نائب العمدة الأول ، أو الثاني . أو، المهم : أعرف ماذا يريد !
ـ لا يمكنني أن أعدك بشيء ، وسأرى ما يمكنني فعله .وذهب ، لكنه كان لا يزال قريبا عندما سمع أحدهم يقول حانقا :
ـ من يظن نفسه هذا العجوز الخرف ؟! لن نجلس معه ، ولن نستمع إلى ما يريده أيا كان. كان سباقا ، وقد خسره ، هكذا الأمر ببساطة . ونحن لسنا بحاجة إليه لكي نسترضيه. فضحك "أحمد ولد أخطورة" واضحك معه الحضور عندما قال ساخرا :
ـ "هاذ شيبان لعبيد راس ادكدك حق مسكين " .
قضي الأمر . لا بد أن جلبة الشيطان كانت الأعلى في آذانهم ، وكانت صاخبة بما يكفي لكي تحجب عنها نداء ذالك الملاك . عاد ـ كما في المرة السابقة ـ خائبا ، لكن إحساسه بالخيبة هذه المرة كان أفظع ، وسرعان ما تحول إلى هم ثم إلى غم ، وحزن وقلق . جدتي لم تؤنبه هذه المرة ولم تشمت به . أحست بعمق شعوره . قالت له في حنو:
ـ إنهم ناضجون بما فيه الكفاية ليفعلوا الشيء الصحيح . لقد قمت بما ينبغي عليك القيام به . فأدعو لهما بالتوفيق . لا شك أنه دعا لهما ، دعا لهما من كل قلبه . لكن الدعاء في مثل هذه المواقف غالبا ما يكون مجرد نوع من بكاء الكبار.
انتهى يوم التنصيب المشئوم ذاك ، على ذالك النحو المأساوي ، وانتهت معه ـ وعلى نحو مشابه ـ أحلام جدي في استمرار الوحدة ، والألفة بين أبناء قبيلته ، والانسجام . بقي ليومين لا يكلم أحدا ، وفي اليوم الثالث ، نام ولم يستيقظ أبدا .
ترى أيهم قتله أكثر ، حسرته على مآل قومه ، أم خيبة أمله في ؟
وهربت مني دمعة كثيفة ، تدحرجت هائمة على وجهها ، لتقف على أرنبة أنفي حائرة ، قبل أن تخطفها الرياح ، وترشق بها وجه أمي . لعلها كانت هنا منذ بعض الوقت ، وربما جاءت لتوها لست أدري ؟ فقد كنت شارد الذهن مستغرقا في خيالاتي ، وأفكاري . ربتت على منكبي ، دلكت بأصابعها خفيفا فروة رأسي ، ثم قالت هامسة والتأثر يخنق صوتها .
ـ ماذا تركت لنا نحن النساء ؟! أفزعتني حركتها قليلا ، أربكني صوتها ، إذ جاء يشق هدير العواصف من حولي ، وحين أفقت من شرودي ، قلت ـ وأنا أداري آثار الدموع في عيني ـ قلت :
ـ أمي ؟
ـ "أمك ؟! . وراودت ابتسامة صغيرة شفتاها ، لكنها وأدتها بسرعة ، وعاد الحزن يظلل وجنتاها .هل أخطأت التعبير؟ ليس تماما .لكنني لم أناجيها هكذا قط ، فلم أفعلها الآن؟ لا بد أنها حسبت الأمر بمثابة تعد على شيء يخص أمها .وتأكيدا ـ لم تكن تحتاجه ـ بأنها قد فقدت نهائيا من حياتها . حلاوة الكلمة باغتتها ، لكنها سرعان تداركت نفسها وهي تقول ـ في لغة وشت بحزن عميق ـ
ـ أمك .أمك ، الله يرحمها ، ويحسن إليها. أدركت مدى الحرج الذي تلبسها .قبلت رأسها ، لثمت يدها ، و قلت :
ـ البركة فيك . "ايخليك لي انشاء الله". قلت هذا ، وعادت عيناي تدمعان . من جديد . ابتسمت في مواساة ، وقالت ـ فيما يشبه الهمس :
ـ هل كنت تتوقع أن يعيشا إلى الأبد ؟
ـ هذا ما كنت أتمناه .
ـ الأماني من الشيطان . أدعو لهما بالرحمة.، فذالك ما يحتاجانه الآن أكثر .
ـ رحمهما الله ، وددت لو أنهما أخرا رحيلهما لبعض الوقت ، فقط لبعض الوقت ؟
أدركت قصدي ، فعلت الابتسامة وجهها ، وتحرر صوتها أكثر من قبضة مشاعر تأثرها . فقالت :
ـ ألن يكون فرحي كافيا ؟
ـ ولماذا لم ينتظرا ، حتى تفرحوا معا ؟!
ـ لقد عاشا راضيين ، وماتا كما أرادا . لم يهرما ولم يعجزا ، ولم يثقلا على أحد .
ـ لقد حرماني من حقي في مكافأتهما.
ـ لم ينتظرا منك ذالك ، وما كنت لتقدر ، حتى لو أردت . وهاجت الريح بشدة ، فاحتميت من لهيبها في كمي ، فقالت أمي ، وهي تتأفف :
ـ لم يعد هذا يطاق ، لندخل إلى العريش .
ـ سأعود للبيت . ؟
ـ لكن هناك في العريش من يريد السلام عليك .
ـ من ؟
ـ "السالمة منت محمد العبد " و"زينب منت أعل " أخت "محفوظ" و...، وصوبت الشمس ـ بشكل هائل ومركزـ فوهات لهيبها لكن هذه المرة نحو قعر جمجمتي ، وزمجرت الريح السموم بعنف أشد ، لكن لتعصف في أعماق أحشائي . ماذا أبقت جهنم من قرى لضيوفها من العصاة يوم الدينونة العظيم ، بعد أن وهبت شمسنا كل مدخراتها ، واستدانت لرياحنا من سقر ومن الجحيم ؟ .
ـ زين...، قلت من ؟ ... زينب! ؟ لكن ليس ل"محفوظ"..."
هذا أكثر من كونه لم يعدة مسليا ؟! ماذا تخطط له أيضا يا قدري ، وأية لعبة أخرى تعد هذه المرة لتلعبها معي ؟ ألن تتوقف أبدا عن مضايقتي ، وعن عبثك القديم بي ؟

محمد جواد
07-01-2012, 12:28 PM
ـ لكن هناك في العريش من يريد السلام عليك .
ـ من ؟
ـ "السالمة منت محمد العبد " و"زينب منت أعل " أخت "محفوظ" و...، وصوبت الشمس ـ بشكل هائل ومركزـ فوهات لهيبها لكن هذه المرة نحو قعر جمجمتي ، وزمجرت الريح السموم بعنف أشد ، لكن لتعصف في أعماق أحشائي . ماذا أبقت جهنم من قرى لضيوفها من العصاة يوم الدينونة العظيم ، بعد أن وهبت شمسنا كل مدخراتها ، واستدانت لرياحنا من سقر ومن الجحيم ؟ .
ـ زين، قلت ، من ؟ لكن ليس ل"محفوظ"..."
هذا أكثر من كونه لم يعدة مسليا ؟! ماذا تخطط له أيضا يا قدري ، وأية لعبة أخرى تعد هذه المرة لتلعبها معي ؟ ألن تتوقف أبدا عن مضايقتي ، وعن عبثك القديم بي ؟
أمات الرجل نفسه وهو حي ، وبسبب ، خداعه ، وغبائي جعلني شاهدا ، برتبة شاهد زور. تذوقت مشاعر الألم في دمعه ، لمست صدق المشاعر في نبرات صوته ، ورأيت الحيرة تفترسه . كنت غارقا في بحر انفعالاتي ، أمواج عواطفي الصاخبة تتلاعب بي ، فتمكن بذالك بسهولة من ابتزازي ، وتوريطي . تواطأت معه ضد الحقيقة ، كتمت أمره عن كل الخليقة ويعلم الله كم امقت العنصرية ، ومع ذالك قلت هي كذبة بيضاء . دون أن اشعر بالخجل ، أو بأدنى نوع من تأنيب الضمير .
بقيت لسنة انتظر منه اتصالا ، كما وعدني ـ وحين يئست ، ألقيت بكل ذالك وراء ظهري بإرادة التوبة والنسيان ، ونية ألا أعود . فلم الآن ؟ والشمس قد قررت أخيرا ـ على ما يبدوـ أن تشوي أهل القرية في مساكنهم ، وكأن ما فعلته إلى الآن ، هي والريح وحده لا يكفي
ـ لا بد أن أمرا جللا قد حصل ، لكي تأتي "زينب" إلى هنا ! هل نفذ الرجل تهديده ، وحكم بالإعدام ؟ ومن يدري لعله أعدم بالفعل ؟ . أنت أيها الفضول مرة أخرى !
كانت مقلتاي قد اندفعتا ـ بفعل المفاجأة ـ خارج محجريهما ، وكان حلقي يبسا ، وفكاي في شبه انفصال تام . عالجت الحالة بسرعة ، خشية أن تلفت انتباه والدتي أكثر ، وعدت أقول :
ـ قلت بأنها أخت "محفوظ" وأن اسمها "زينب منت أعل " !
ـ كأنك تستغرب ذالك ؟
ـ لا، لا ، إنما ... ، ما أستغربه هو كيف أن "طالبن" لم يخبرني . ! ضحكت وقالت :
ـ "طالبن" ! مسكين . أظن أنه لن يفعل فهو يتشاءم منها ، ومن مقدمها .
ـ إياك أل الخير؟ .
ـ (ألا الصلاح وقلت الصحة ) كان قبل وصولها يزعم بأنه يعد العدة للزواج من "السالمة" ومنهمكا في جمع صداقها . وبعد قدومها (أدخل شي فشي ) وغير رأيه ، تخلى عن "السالمة" وتقدم لها هي ، فرفضته . شق عليه الأمر (نعكر عكر متينه قام منها ، وهي طايرال ، وطيرتل السالمه ، وبزز منهم الاثنتين ) و أصبح مجرد ذكر اسم إحداهن يجلب عليه الضيق وتعكر المزاج . محوت آثار مفاجأتي ، قهرت مشاعر ارتباكي ، أو هكذا خيل لي ، وتبعت والدتي .
لا بد أن نظرات الحاضرين كلها تعلقت بي ، عندما كنت ادخل العريش ، لكنني لم أشعر بغير نظراتها تداعب وجهي في خفر وحياء . وهدأت عاصفة السلام التي استقبلني بها الجميع وخفتت أصواتهم ، لكن أشياء من بقايا صوتها استمرت تتردد في مسامعي ، وأعدت السلام عليها المرة تلو المرة ، تلو الأخرى ، إلى أن خفت ألا أتوقف .نعم إنها "زينب" ، "زينب" الوديعة الودود ، طلق المحيى البشوش . هي بشحمها ، ولحمها ، وجمالها الآسر الفتاك . إنها تبدو مختلفة الآن عنها يوم رأيتها في قفص الاتهام ، كانت على بعد خطوات من حبل المشنقة يومها ، لكنها كانت تتدفق حيوية ،رابطة الجأش وواثقة . ورغم أنها كانت نصف منقبة ، وتجلس بعيدة في أقصى المجلس ـ فإنه كان بمقدوري أن أرى الأسى في عينيها النجلاوين الواسعتين بوضوح . وبين الحين والآخر كانت تلقي علي تلك النظرة الخاطفة لكن المبهمة والعميقة . والتي سرعان ما كانت تهرب أو تتكسر حين تلتقي بنظراتي هل كانت تريد من خلال ملامحي أن تطمئن إلى أن سرها في أمان ؟ إنها هنا . تبتسم في هدوء ، وتتكلم بأدب ، إلا أنها كانت تبدو بعيدة ووحيدة ، ومنفصلة عمن حولها . ترى ما الذي جاء بهذه الحسناء أيضا إلى هنا ، وأي سر تطوي عليه هي الأخرى أضلعها ؟ وقادني تطلعي المتواصل إليها ، إلى رجلها نصف المندسة في الرمل فقلت :
ـ إنك تجلسين مفترشة الأرض ؟
ـ إنها نظيفة . فقالت أمي مازحة :
ـ هي هكذا . إنها تريد أن تشعرنا دائما بأنها برانية ؟
ـ لعلكم تعاملونها على أنها كذالك ؟ فضحكت وهي تقول :
ـ إنهم يفعلون ، لكنني أقاوم ، وسأستمر. قالت هذا ، ولم تلبث أن استأذنت في الانصراف كم هي عجيبة طريقة القدر هذه في نسج خيوط الأحداث وتأليفها .! تابعتها نظراتي وهي تقف . وحين مشت تبعتها . لا بد أنني كنت سارحا ، في نفسي ، و في كل ما حدث ، وما يمكن أن يحدث. لكن أيضا في عينيها ، هي ، وفي مشيتها ، وفي أشياء أخرى . لم أكن الوحيد على ما يبدو، وهو ما لم أدركه إلا حين مزقت آهة من "ازوين" إطباقة الشرود على ذهني .
ـ( يا الله لك يا "ازوين" " ! أصل صابلك يا أوليدي إلا أسهيت !)= "لا غرو إن سهيت" أتيع كلامه بتلك الصرخة ، ثم أردف :
(يا أخليهم أل أخلين ، بين زمالات لخدم ، لمسخات ) استحيت ، كتمت ضحكتي ، فقد كان المجلس يضم شبابا أصغر مني ، و رجالا كبارا في السن . ضحك البعض وغضب البعض وأحتج آخرون . لكن "ازوين" سيفرغ سلة مكبوتاته ، شاء من شاء ، وأبى من أبى . وأفضل طريقة لقطع الطريق أمام تماديه ، هي عدم الاعتراض عليه بشكل قد يثيره أكثر. لكن أمي لم تستطع صبرا على فحشه هذه المرة فقالت له .
ـ (آح . أل حن ، والدكديك الراص وأجنينات ، أشكم لك على زمالات لخدم ، اشويبان مدكدك راصك ، ومجنون ) فقالت إحدى النساء .
ـ (ذاك أص ماه مشكيلة ، جابرال آن بيظانية اسقيرة ، ألا يعود هو قاد له على شي) فقال "ازوين" في حماس : وقد شعر بالإثارة :
ـ ( امنين ؟ إياك ماه من ابيظانيات نحن هون ، لمكيشبات ؟ الناقصه ، آن أندور.. ) فقاطعته أخرى "
ـ( ذاك أل الدور نعرفوه . يغير ماه خالك ، وألا جن يذيك الروح ) قهقه وقال :
ـ (ذاك أص ألا حانين أنسول صاحب ـ يقصد "طالبن" ـ يكان أجنون ينفع فذاك) كان "طالبن" طول الوقت صامتا ربما بسبب وجود "زينب" ـ لكن سخرية "ازوين" أوجعته ، وجعلته يخرج من صمته ، وبدل أن يرد عليه مباشرة ،فضل أن ينتقم منه بطريقة أخرى . وبينما كان "ازوين" غارقا في مجونه ، يناوش في أكثر من اتجاه ، ويفحش في القول كيفما اتفق . تفاجأ "بطالبن" وهو يقول :
ـ أهلا . "أم البركة " اشحالك ؟ وجم المسكين . ومرة واحدة ، كأنما أصيب بخرس مفاجئي كان شبه مذعور ، يتلفت يمينا وشمالا ، و في حالة من الخوف والترقب الشديدين . فأخيرا أحكمت "أم البركة" قبضتها على "ازوين" حين أضعفه الكبر ، وغلب عليه الخرف . فكانت تحتجزه في المنزل بدعوى المحافظة عليه ، ولا تتركه يبارحه إلا في حالات نادرة . وفي المرات القليلة التي كانت تسمح له فيها بذالك . و بالجلوس مع الناس وبمخالطتهم ، كانت تشترط عليه في المقابل ، الكف عن الخوض في مثل هذا الكلام . كان الأمر مجرد مقلب أعده "طالبن" من باب الانتقام على عجل ، ومع ذالك فبينما تعالت أصوات الحضور وعلا ضجيجهم بالضحك . غرق "ازوين" في الصمت ، والكدر والفتور.
كان هدير العاصفة في الخارج ، قد بدأ يخفت .ورويدا ، رويدا بدأت درجة الحرارة تنخفض ، ثمة قوافل من السحب الرمادية كانت تتشكل ببطء ،وتزحف بتؤدة لتطوق الشمس ، ويبدو أنها كانت كثيفة بما يكفي لحجب أشعتها وللحد من بطشها . وفجأة صدح الآذان في زاوية ما من القرية ، جاء يحرك هدوء الظهيرة ويبدد صمتها . فتمتم "طالبن" قائلا .
ـ (كصارت عمرك ، يلمنكود ) فقلت :
ـ من هذا ؟
ـ "امعيط" .
ـ جاء ؟
ـ جاء .(لا يجيب ، ولا يسهل أطريق ) فقال أحد الحضور:
ـ وماذا تنقم على (مخلوق مولانا ) ؟ فرد "ازوين" : وكان قد تجاوز محنته ـ
ـ (ألا الحسد وبيه أن حرطاني ، يعرف شيء ، ويصل بالناس ) فقال "طالبن" بعصبية :
ـ (ايطير، هو منه إل يعرف شي ؟ ولاه يكون الحيه ، ولعميمه ، وكليمتين استرواهم من أبناد ولد سيد يحيى) فرد "ازوين"
ـ ( أسو. ذوك لكلميتين ،فادن بيهم أكثر مما أفادنا علمك انت وأقرايتك )
ـ (أطيرك انعم . باش فادوكم ؟ )
ـ ( نعرف : بنا لنا مسجدا وقوم به الآذان ، ويصل بالناس الأوقات الخمسة ، وعندما يشتد الصيف يصلي لنا صلاة الاستسقاء و... ) فرد "طالبن" متمتما :
ـ (ذاك هو إل أخلان ، و طول علين هذه الصيفة ، أذنات هو ، واصلات . واستسقاء إل ماجاب لن ماهو الحر، و آروايف ) . قال هذا ، وهو ينتعل حذاءه تأهبا للانصراف ،هروبا من رد من "ازوين" توقع أن يكون قاسيا ، كما هي العادة . وقبل أن يبرح دوى صوت الرعد يهز أرجاء السماء ، فقال "أزوين" مستبشرا :
ـ يبدو لي ذالك ردا مناسبا على افترائك .
ـ لا تفرح كثيرا إنه رعد خلب .
ـ لو كنت أنت من أستسقى أو أذن ، لاعتبرت الأمر كرامة لك ، ودليل حظوة أجدادك عند الله ـ
ـ (اقصر عمرك أل أنت ,أجداد يان زاد) . ومرة أخرى تعالت أصوات الحضور بالضحك .
. فزجرها "ازوين" قائلا.
ـ ( يخت خليه عنك ، لحمار إلا ب عن الماء ألا أثر كرش أملان ) فرد "طالبن" بغضب .
ـ (أنت أخبر، فلا يعرف لحمار إلا الحمار. ) قال هذا ، ثم غادر . فقالت أمي مخاطبة"ازوين"
ـ (هذا مخلوق مولان ما حرمه من لغد ماه ألسانك أنت ) . فرد "ازوين"
ـ (حرم من حك إلا نكدت . ) فقال أحدهم :
ـ ( يخوي أرع انتقام مولان ألذ ولد الصالحين ؟)
ـ ( ما يرع هو انتقام مولان اليان ) !
ـ ( أنت وهو أثركم واحدا )
ـ (أما لن ) ؟
ـ (مولان ما عدلكم واحد) ؟
ـ (ذاك ألا عندك أنت . إل شاك أن مولان بيظاني).
ـ ( آه أستغفر الله ...)
وكنت لأضحك ملأ قلبي لهذه المناقرات الطريفة ، كما هو شأني في الأيام الخوالي . بل ، وكنت لأستزيد منها . لكنني كنت منشغل البال ، تنوء أعماقي بالأسئلة الحائرة .
ما خطبها "زينب" ؟
و عاد الرعد يدوي من جديد . وهدر وتواصل هديره . وبدت السماء وكأن تقترب ـ شيئا فشيئا ـ من الأرض . وازداد تكاثف الغيوم حول الشمس المنحدرة نحو لجة الغروب ، وأرهجت السماء واشتعل بالبروق سفحها . فأشرقت العيون بالاستبشار، وطفحت الوجوه بالأمل . وما هي إلا لحظات حتى أنطلق صوت البشير وسط العصف والخرير، ينعي الصيف الكئيب غير مأسوف عليه .
كانت اللحظة أجمل و أجل من أن ألا أتأثر بها على نحو ما ، لكنني كنت بحاجة إلى مزاج أفضل لأعيشها كما ينبغي . والواقع أنني ، وبعد كلما حصل ، لم أعد أنا الشخص الذي كنته من قبل . كان ذالك فوريا إلى حد كبير، ومفاجئا وغير سار، لكني وجدت أنه من المستحيل وقفه على كل حال .
غدا ستتبدل معالم الحياة من حولي ، وكل تلك الأشياء التي رأيتها اليوم ، لن تكون هي نفسها . وجوه الناس ، نظراتهم . ضجيج الضفادع المتواصل يوحي بأن الأرض أرتوت كفاية من الماء .ستخلع هذه الربوع رداء الصيف الكئيب ، وتكتسي بحلل الخريف البهيج ، وستغدو الطير من وكناتها خماصا وستروح إليها جذلانة شباعا. من المحبط أن ذالك لن يعمر طويلا .فكم عدد المرات التي رأيت فيها ذالك يحدث أمامي . وكر الصيف من جديد و الشمس وريح السموم . أليس ذالك عبثيا قليلا . ما دام ليس ضروريا ، ولا حتميا ـ ولعبة لا تقل قسوة حتى عن عدم القدرة على إدانتها .
توقف المطر ، ومع أن وقع ارتطام بعض حباته بالأرض كان مايزال مسموعا بوضوح ، فإن الحياة قد عادت تدب في القرية من جديد ، حيث خرج الناس من مخابئهم زرافات ووحدانا . وتعالت أصواتهم وهم يتنسمون الهواء ، و يتفقدون آثار المطر على منازلهم و على أشيائهم .
انهمكت أختي الكبرى في تجهيز العشاء ، أختي الصغرى كانت تخوض معركة مستميتة مع الوالدة للإفلات من مهمة تولي إعداد الشاي .
ـ أنت ما تقومي ؟
ـ هذا مزال المغرب .
ـ وإلذاك ؟
ـ أنا تعبانة .
ـ (يعدل فيك . شمتعبك ، ظال انهار كامل راقدة، وما أرفدت عود من بل مطرح !) فتمتمت :
ـ ( أح .أيدور يحصر ذوك "اشوابين" المستفرقين ظرك ، وان ما عند شي لمجلسهم ذاك أل ما يوف ) .
هؤلاء كائنات منسية هنا ، متروكة لاعتباط الصدف و لسخاءها ، ولغوائل الطبيعة وجورها ،مهملون ، منبوذون . وما لم تكن هنالك مهزلة من نوع ما على الأبواب ، أو كذبة تبحث لها عن شهود أو عراب ، فإن قليلين فقط ، يشعرون بأنهم موجودون . فماذا لديهم ليقارعوا به قسوة الظروف وحيفها ، ومرارة الحياة ، والزمن وروتينه الفتاك غير الشاي ، ومجلسه ؟ السبب هنا لا أهمية له . مرض أحدهم ، عودة غائب . مهما كانت غيبته قصيرة وعادية ، قدوم أحدهم من المدينة . مبادرة إحدى العائلات لإعداد الشاي نفسه قبل غيرها يعد دعوة مفتوحة للآخرين. هنا مناسبة لبحث كل الأمور الشخصية منها ،وتلك المتعلقة بشؤون القرية . تبادل الأخبار، الإطلاع على المستجدات ، الشكوى من الزمان وضيق الحال ، وأيضا ، مناسبة لقص القصص ، لحكي الحكايات ، للثرثرة ، والتسلية ، وتقوية روح الجماعة ... ارتواء الأرض ، صمود السد . لا بد أن كثيرين ذهبوا إلى هناك بعد توقف المطر. وإذا فمخاوف أختي في محلها ، وحق لها أن تتوقع جلسة طويلة ، ومملة بالنسبة لها ومثيرة للضجر. وقالت أمي :
ـ (أنت ذل التيمتم بيه شنه ) .
ـ ( الدحس ! ماه شي ) ضحكت أختي الكبرى وقالت :
ـ (هي ما بيه يكون الخوف من أن تحصر عن الشن) .
ـ (أكصرعمره .الشن فهذا من الظلمة ، ورشراش ! فانبرت البنت قائلة بحماس مشبع بالثقة :
ـ أمال القمر أدور يطلع ظرك ...
لا أدري كيف سينتهي هذا السجال ، ولم أفكر في ذالك . ربما ستيئس أمي ، وتستسلم ، وربما ستنتصر، وتذعن البنت . لا يهم . المهم أنه أضحكني . أمتعني . وأسعدني . شعرت بتجذري في المكان . تصالحت مع نفسي ، ومع الزمان . وبدأت روحي تتحرر من قلقها ، وتحرز بعض النصر على وساوسها وتشاؤمها . أليس هذا بسيطا بدرجة مؤثر ؟ سيطلع القمر بعد حين . ويتبدد كل هذا لظلام . وستذهب البنت إلى "الشن" إلى صويحباتها ، و ربما لديها أشياء أخرى ، لست أدري ، فأنا ـ وبالمناسبة ورغم تزمتي ـ لا أهتم كثيرا بأمور أخواتي الخاصة إلى ذالك الحد . وأكتفي من حين لآخرـ إذا تطلب الأمر ـ بتمرير بعض الرسائل إليهن عبر أمي . كان الظلام كثيفا وحالكا في الخارج ، لكنه لم يكن كذالك في داخلها ، فقد بددته من روحها بالتفكير في إشراقة القمر الوشيكة . وحينها ستغرق كليا في لحظتها ، وستعيشها حتى آخر نفس منها . إنها ليست غبية لكي تحسب أن الظلام لن يحل مرة أخرى ، لكنها ليست قلقة ، فلا بد أن القمر سيبزغ من جديد . أنا أيضا كنت أعرف بأن القمر سيطلع بعد حين ، لكنني كنت أقل إيجابية مما كان يجب ، وبدل الأمل ، والعيش على وقع ذالك الإحساس الجميل ، علقت في الظلمة ، ولم أفلح في في تجاوزها .
كنت أفكر في هذا ، وأنا أتنسم الهواء ، واقفا أمام العريش أعبث بمذياع صغير كان بحوزتي ، عندما جاء أحد الأطفال ووقف بجانبي . مسح المكان بنظراته الصغيرة للحظة ، وحين اطمأن ـ كما خمنت ـ أخرج ورقة صغيرة من جيبه ، وقام بدسها في يدي .
" أرجو أنك بخير الآن ، وإذا لم يكن لديك مانع فإنني أود أن أراك الليلة . " زينب" .
لم أشعر بشيء غير عاد . رقص القلب رقصا خفيفا ، على وقع انفجار صغير حدث في داخلي . وارتفعت السماء قليلا قليلا ، واتسعت دائرة الرؤية من حولي . أشياء من زمن مراهقتي الغابرة أيقظها ، الطفل وقصاصة الورق في ذاكرتي . فوجدت ذالك مسليا بعض الشيء ، وتركته يداعب للحظات خيالي ، شعور بالتمادي راودني ، حلاوة اللحظة فتنتني ، وكدت انجرف . ولسبب ما ركزت على عناصر الشبه ، مع أن عناصر الاختلاف كانت أوضح بكثير. ولم ألبث أن أدركت بأن الوقت غير مناسب الآن لمثل هكذا خيالات .
حاصرتني عيون "زينب " طوال اليوم ، وسكن كل لحظة من لحظاتي وجهها . كان وجودها يحيرني ، ويثير دهشتي وقلقي ، إلى حد أنني بالكاد كنت أضبط أعصابي ، ورغم ذالك فإنني لم أكن ـ على عكس ما هو متوقع ـ متلهفا للقائها . ربما بسبب حزني على جدي ، أو بسبب كل تلك الأشياء التي استقبلتني بها القرية فور عودتي . لقد نلت من المفاجآت الصادمة ما يكفي ، وليس في قلبي متسع للمزيد . هكذا كنت أعضد صمودي . وربما بسبب شيء آخر ! ... حسنا أعرف أن "طالبن" مجنون قليلا ، لكن روحه شفافة ، ولا ينقصه الذوق السليم ، ولعلي .... ! يبدو لي ذالك سريعا بشكل مذهل ، لكن لا جدوى من إنكاره .
كان لا بد من لقائها على أية حال ، لكن لا داعي ـ كما كنت أحسبت ـ للاستعجال . وعدت أضغط قصاصة الورق في يدي ، و سرعان ما أستبد بنفسي الفضول .
طلبت إلى أمي ألا ينتظروني على العشاء ، فوافقت دون أن تضطرني إلى إبداء الأسباب . لعلها فكرت في أن الخروج قد يساعدني على تجاوز حالتي وعلى النسيان . لكن الأمر ضايقني قليلا ، وأزعجني إلى حد ما ، فقد وجدت بأنه ينم عن شيء من عدم الاهتمام . وفكرت في لو أنها كانت جدتي لحوصرت بالأسئلة ولعلقت فيها . ذالك أيضا كان يزعجني ، ورغم اختلاف الأسباب فإنه كان يحدث في نفسي ذات الأعراض . يبدو أن الطفل الصغير في داخلي لا يريد أن يكبر ، فأنا ما أزال ـ رغم كل تجاربي ـ أجد صعوبة في الرضي .
قصدت بيت "محفوظ" وفي سماء مخيلتي تتدافع سحب من الذكريات كثيفة ، ولم تلبث حين وصلت أن أبرقت ثم أرعدت ، وأمطرت شجونا وأحزانا غمرت كل المكان . . كانت "السالمة" تجلس في الهواء الطلق ، على "أغرق" أمام العريش ، وسط هالة ضوء مصباح يدوي صغير فصلت مقدمته لينتشر ضوءه أكثر، وعندما رأتني أدلف عبر الحوش ، هبت واقفة من مكانها وهي تكرر ـ في حفاوة ـ عبارة "يا مرحب ، يا مرحب.." ثم أعدت لي مجلسا بسرعة ، وأقبلت نحوي ورافقتني إلى أن جلست . وجاءت طفلتاها "زينب" ، و"مريم" وسلمتا علي ، بينما كان "أعل" ولدها الأكبر قد خرج لللعب . وحاولت المسكينة أن تظل متماسكة وأن تداري على حالة تأثرها . و أمرت الطفلتان أن تذهبا إلى بيت "الشاهرة" لتحضرا من عندها النار . لكنها لم تلبث إلا قليلا حتى انفجرت باكية . وفهمت لماذا لم تمكث معي اليوم سوى بعض اللحظات القليلة ، فلا بد من أنها خافت من أن تفشل في السيطرة على حزنها . تجاهلتها ، شاغلت عنها نفسي .فما يزال لدي بعض الأمل . ثم جاءت "زينب" قادمة من ناحية ما من الحوش ، لعلها كانت تستحم فقد كانت تضع على رأسها شيئا مثل فوطة الاستحمام ، وكانت تفوح منها رائحة عطرية مثل أريج الشامبو . حاولت أن تظهر أكثر تماسكا ، إلا أنها لم تنجح ،و انخرطت هي الأخرى في البكاء والنحيب .
كان مأتما متأخرا بعض الشيء ، لكن ذالك لم يفقده سوى القليل من حرارته وصد قه . انهارت كل الآمال التي بها داريت طوال اليوم قلقي . لم تكن آمالا في الحقيقة ، بل مجرد تعلات ، أو أماني كنت أهرب فيها من مواجهة الحقيقة . (هرب "زينب" إلى هنا ، وهرب " . "ربما حكموا عليه بالمؤبد لكنه سوف يتمكن من الهرب كما في المرة السابقة" . "لعلهم حكموا عليه بالإعدام لكنه لن ينفذ فيه على كل حال ....")
لم تبق سوى الحقيقة المرة تصرخ في وجهي عارية . لا بد أن يكون الرجل قد مات لكي تبكي "زينب" بكل هذه الحرقة .
قررت بأن لا أكون طرفا في هذه المناحة ، وبذلت ما بوسعي لأتفادى الاشتراك فيها . فهاتان المسكينتان تحتاجان إلى مشاعر من نوع آخر مختلف عن ذالك .استدعيت قسوة الرجال في ، قمعت مشاعري ، ازدرت أدمعي . وكدت أنجح . لكن وخزات تأنيب ضمير حادة أوهنت إ رادتي فوجدتني انهار تحت وطأتها . كم كنت قاسيا حين تواطأت لإخفاء الحقيقة عن "السالمة" وهؤلاء الصغار. فلربما ...ماذا ؟
لا شيء . لا شيء البتة .
وعدت أحرض قسوتي . الضعف علامة سلبية في الرجال . وهو ليس جائزا في حقي ـ لم أسعد يوما بهذا الامتياز، بل كنت أمقته ، وأمقت كل ضروبه من امتيازات الرجال الأخرى ـ ومع ذالك فقد انتفضت مخلصا نفسي من براثنه . وقمعت مشاعر حزني وأساي . لكني لن أتدخل في مشاعركن أيتها البائستان و سأدعكن تعبرن عنها بالطريقة التي تعجبكن . مخلوقتان غريبتان عن بعضهما ، ربط القدر بينهما على هذا النحو الغريب . تبكيان شخصين مختلفين ، وتحسبان أنهما تبكيان ذات الشخص . ماذا تعرف "السالمة" عن "محفوظ" غير الزوج ، والأب الحنون ؟ "زينب" تعرف عنه أكثر ، لكن لا شك أن ما خفي عنها من أمره كان أعظم .
كنت أريد أن أتركهما تغسلان في الدموع أحزانهما لأطول فترة ممكنة ، لكني رأيت الطفلتين مقبلتين ، فأشفقت عليهن .
ـ أيتها السيدتان ، ما تحتاجه هاتان الوردتان هو قوتكم وليس ضعفكم ! تمالكت "زينب" نفسها قليلا ، وكبحت جماح انفعالها ، لكن "السالمة" أخفقت في ذالك ، و واصلت نحيبها . كانت الطفلتان تقتربان أكثر ، فقلت ـ في حزم هذه المرة :
ـ إذا كان وجودي هو سبب كل هذا فسأرحل ؟ قلت هذا ، وقمت واقفا . تشبثت "السالمة" بثيابي وهي تقول :
ـ إنها دموع ، مجرد دموع . ولا أحسب أنها بالشيء الكثير ، لكي نبخل بها عليه !
ـ حقا ! طيب : إذا كنت تعتقدين بأن ذالك يجدي ، فلم لا نشرك معنا كل أهل القرية ؟
ـ لا شيء يجدي . لاشيء . لكنني أتخيل كم كان سيسعد بوجودكم حوله . وسكتت قبل أن تردف ـ بصوت متقطع ، متهدج :
كان كأنه لم يعرف في دنياه أشخاصا آخرين غيركما ! ولطالما أثار حفيظتي ، خوضه الدائم في سيرتكما . حديثه الدائم عن "زينب" كان يغيظني ، ويملأني غيرة وحسدا . كانت تنتابه حالة غريبة عندما ينطق اسمها حالة مثل الشرود أو السهو. لا أعرف. كان كأن ما يريد أن يتشبث بكل حرف من اسمها ينطقه ، ولا يريد أن يفلته . كأنه يمضغه ويلوكه ، وربما رغب في اجتراره .إيثاره ل "زينب" على "أعل " ـ المبالغ فيه كما كنت أحسب ـ كان يحيرني . فهو الأول ، وهو الذكر و... وعندما أبديت له هذه الملاحظة مرة ، ضحك وقال :
ـ إن اسمها "زينب" !
ـ وهل هذا كافيا لكي تؤثرها على هذا النحو ؟
ـ لا بد أنه كذالك ، إذا كنت بالفعل أؤثرها كما تزعمين ! قالت هذا ، ثم ضحكت ضحكة تعجب بهلوانية ورخوة ، وهي تقول : فقلت له :
ـ علاقتك ب"زينب" هذه تبدو لي غير طبيعية !
ـ لا أفهمك ؟
ـ اشك في أنها أختك ! ضحك من سذاجتي ، ولم يتكلم .
أما أنت فثناؤه المستمر عليك كان يضايقني ، وكنت أضجر كلما ذكرك . مرة قال لي : أتعرفين أمرا ؟ لا يصادف المرء في حياته غالبا أناسا كثيرين بمثل أخلاق هذا الشاب . لا أدري ما المناسبة ، لكنه لم يكن يحتاج إلى مناسبة حين يريد أن يثني عليك . ومرة أخرى قال لي : ـ كان ذالك قبل سفره بقليل على ما أذكر ، وكنت أحاول ثنيه عن نيته السفر بكل الوسائل ـ :
ـ لن أقلق عليكم لحظة واحدة ، في وجود "فلان" . و لو مت الآن ، فسأموت مرتاحا فأنت والأولاد في أيد أمينة . وأشهد بأنك ـ حقا ـ كنت عند حسن ظنه بك .
أعتذر لك عن إحساس روادني حيالك بعد وفاته . بأنك لم تكن كما كان يحسبك ، عندما لم تزرنا بعد عودتك من "كيفه" إلا متأخرا .نعم كنت مقلا كثيرا في زيارتنا ، وهو ما لم أجد له تفسيرا ، خصوصا بعد انتهاء فترة الحداد . وفي المرات القليلة التي كنت تزورنا فيها ، كنت بالكاد تقبل أن تجلس . لم أكن أقدر حجم انشغالاتك الكثيرة ، ولم أكن على علم بالمشاكل التي كنت تواجهها ، ولذالك أسأت بك الظن .
أعلم أنك تفضل عدم ذكر ذالك ، لكنها كلمة في حقك وقد وجب قولها . كل تلك الأشياء التي أوصيت لي بها كانت تصلني بانتظام . الدقيق ، والأرز، والسكر، والشاي، وحتى ثيابي ، وثياب الأطفال . حاول صاحبك (تاجر) أول الأمر أن يوهمني بأنه شيء كان عنده للمرحوم . لم أقتنع ، لكنني سكت في المرة الأولى وتظاهرت بتصديقه . لكن في المرة الثانية رفضت . وقلت له صراحة : إما أن يصدقني الحقيقة ، أو فليحتفظ بأغراضه لنفسه . ماطل ، وجادل ، وفي الأخير أذعن وقال لي الحقيقة . عند هذا الحد تدخلت "زينب" قائلة في لغة ملؤها التأثر والامتنان : ـ
ـ (ألا انشا الله لا انقال ذاك أوراه ، وايبطيه عن أجره )
لا أعرف لماذا كان لهذا الثناء في نفسي وقع استثنائي ؟ على الرغم من كونه كان عاديا ، ومتوقعا . حاولت أن أقول شيئا . أخفف به من وطأة مشاعر حرجي ، لكنني تراجعت . ربما استسلاما لحلاوة تغلغل الإطراء في نفسي ، وربما عجزا عن وقف تمدد مشاعر الزهو في داخلي . أو لعلي خفت على صدى صوتها من أن يضيع مني . لا أدري ! فثمة الكثير من التشويش كان يكتنف مشاعري ، وعاصفة فوضى كانت تجتاح كل حواسي . كان ذالك يوترني يضايقني ، ويحرجني . كم اتوق الآن لوضع حد لكل هذا .
ـ لم أفعل ذالك من باب الصدقة والإحسان . كان حقا . وشيئا يجب أن أقوم به وحسب . ولم أقل بقية ما خطر لي " واعتذارا عما بدر مني ، أرى أنني مدين لك ، ولأولادك به " فقد تعالت أصوات الطفلتان بالضحك ، وهما تمرجحان الفرن بينهما ، سعيدتان بنجاحهما فإشعاله في نهاية المطاف . فعدت أقول :
ـ أظنها دعوة صريحة لكما إلى التركيز في الحاضر، والتطلع نحو المستقبل ؟ ثم أقبلت "مريم " الصغيرة نحو "زينب" وهي تقول ـ في براءة طفولية خالصة ـ
ـ ( هو طالبن أمسك شعري ، وجذبني نحوه .) فقالت ـ وهي تأخذها في حضنها بحنان :
ـ ( يا ربي ، لا وسيتها لنا من طالبهم هذا . يعطيه أضرس إنشاء الله ) فقالت أختها "زينب"
ـ ( هو كان ألا يحجلبه = يداعبها ، وكان يريد إبعادها عن النار أتوف )
ـ( يخت إيكد أريح ، أقصر عمر إنشاء الله) فقالت البنت ردا على أختها :
ـ( والله ماه حق ، وأل قال لي مزينك ، وكان يريد أن يحبني = يقبلني )
ـ ( يا ربي يعطيه لعم .) فقالت "السالمة" باسمة ، وصوتها يناضل للتخلص من قبضة حزنها :
ـ (ما قلتي له أن المرأة ما تخلط هي وعمتها ) فقالت "زينب" ضاحكة :
ـ (آح أص يذاك من الفقه ظرك . ما تقول باط أنها ما تخلط هي أمها ) فردت "السالمه" :
ـ ( أمه أما له أوف منها القايلة الكتلة ) !
ـ (من وفاه منه ) ؟
ـ ( تعرفيه )
ـ ( هاذو اص عادو آسواغ ، و أمراد الحميات أقبال )
ـ ( أمراد الحميات ألا ذاك أل وسيت أنت . طيرت من الراجل ، واحسدتيل عرس مشعشع ) !
ـ ( طير منك حق الا راص ، وأهل ابيهدات الحمر) هكذا قالت "زينب" ضاحكة ، وقد أمسى صوتها أكثر طلاقة و دفئا .
وانتهزت حالة الانفراج ، والمناخ الذي أوجدته دعاوي البنت ، لأدفع في اتجاه إشاعة المزيد من روح الدعابة والمزاح . فقلت :
ـ (لخبار شنه ، آن أران لكم ما كنت هون ؟ ) فقالت "زينب"
ـ ( أحمد ربك ، ماه خالك ) ؟ فعادت "السالمة" تقول وقد أوشك صوتها أن يتخلص من قبضة حزنها :
ـ ( والله أل خالك . لا تفه الموضوع .)
ـ ( يا رب آن تايبالك ، الموضوع شنه يختي إل انتفه ، ول ما نتفه ؟ )
ـ (موضوع العرس ال حرمتين من . )
ـ (أطوالت !)
ـ ( أصل لاه تطوال ) ضحكت "زينب" بأريحية وقالت :
ـ (أنت باط اياك مانك منفكع ؟)
ـ (أصل صابل ! آن اثرما ما كنت مودورك عندي . ينسقاول امعيز ، وأعجول ، واتجين أرواي كل انهار،و أوكلعت القايله من انهار) فقالت "زينب" وهي تضحك :
ـ ( آه ما اشكيت أعلي . هو ظرك الخير السحت ما تل فيه شيء )
ـ (ماه السحت .أسداقي كان ينجمع لاه نتعرص الصبح ، ول النهار الثاني ) فتدخلت قائلا :
ـ إذا كان الامر كما تصفين ، فمن حقك أن (تنفكع) . فردت علي "زينب" قائلة والضحك يغلب على صوتها ـ ( أنت تصنت لاش ) ؟ فقالت "السالمة"
ـ (يصنت للحقيقة )
ـ (هاذ تعرف عنه ماه هي الحقيقة ) . فقلت ـ وأنا أحاول جاهدا الابتعاد بهن أطول مسافة ممكنة عن الذكرى الأليمة وجو الحزن الذي أشاعته في المكان ـ قلت:
ـ وأين الحقيقة ؟ اخبروني بما حدث ، وكيف حدث ، إن كنتم تقبلوني حكما ؟ فقالت "السالمة"
ــ (الحقيقة يا قريبي ، ألا ذل قلت لك . تميت نصصرط ، نصبح ونمس ، ومبحور شتوسالي ، إلين إل جات هي . نحبظ عليه . وانتسيت آن أمسيكين نهائيا . وذ أمل فشطرلك من شي . هي جاتن في الليل ، وإلين عاد أظحا جان هو كالعادة ، وإلا إلين أل شافها بيسه ذا مخلوق مولانا . وابقى التبسام أكلز ، وابقى يصرر، واكز لكمام ويرخيه . ويقلب العينين ...) فقاطعتها "زينب" ضاحكة
ـ ( هاذ ألا هو حال حد مجنون ، وهو يويل مجنون ، يغير أنت هامك اتعدل من الرجال )
ـ (ما ن وحدي )
ـ ( والله يكون وحدك ، أعلي بجام ... )
ـ (لا تخصر أمردت ـ المهم . أن ادفع ذاك الوقت ، وجاب عتروس اسمي...) فعادت "زينب"لمقاطعتها من جديد فقالت :
ـ( يا ربك ما شكيت أعلين م كذبك ، عتروس جابو أينته ) .
ـ (أران يان نعرف أينته )
ـ (هاذ اص التالية أجحدتيه عني . يارب يعد ل فيه أل وكلتن لحرام ) فضحكت "السالمة" ضحكة مسترسلة عذبة ، وصافية ، وقالت :
ـ ( هو زاد أل لحم قبظك ، ذاك الجوف المانع ).
ـ (ذاك الحق يويل . آن لحرام ما يبرد في مجبنت ) وضحكنا مليا . قبل أن أقول مخاطبا "السالمة":
ـ وهل كان جادا فعلا ، أقصد هل أبدا لك رغبته في الزواج منك ؟
ـ ( حته . وكلم الوالده ، والوالد .)
ـ وماذا قالوا له ؟
ـ ( آش لاه ايقولول .قالوا له بينك امعاه ، إلا قبلتك )
ـ وأنت هل كنت تقولين له أنك تقبلينه زوجا ؟ فقالت "زينب"
ـ (اصل حق . هي أنقولك الخير لاه تجن) . فواصلت "السالمة" كلامها دون أن تعلق على ما قالته "زينب" فقالت :
ـ ( حته ، يغير كنت شارط أعليه يعطين مائتي ألف ، وعشر بقرات ، وإديرن من اذهب ) فقلت:
ـ (هاذ خير من اقبيل تباي . ) وهل وافق ؟
ـ (ولاهي ) فقالت "زينب"
ـ ( هو أثر الخير ماه مجنون ) .
ـ( يخت ما اعد بيه واقع هاذ كامل ) قلت هذا ، ثم أردفت مخاطبا "السالمه"
ـ وبماذا برر لك تخليه المفاجئ عنك ؟
ـ (آه صرتك اص يكون الظحك . بعد يومين أعل امجيه هي ، سولن يكانه مزوجه ، قلتل ماه ظاهرا لي . سكت ، وذهب . بعد ذالك بيوم سألني ، يكانه لاه تسكن معان ، ول ألا زيارة وماشه قلتل ظاهرل أعلنه إلا متأنية . تبسم وفرح . فقلتل أنت إيبان مهتم بخاطرت هاذ ،اهتمام ماه على بابو. ابتسم أيضا ، ولم يقل لي شيء . عاقب ذاك جاني ، وامش مجابدن ، وقال لي آن ذاك أل قلتلك كان ألا هو البين ايدي ، يغير ، والدتك قالت أنها ماه متأكد بأن "اخطورة " حرك . و الأمة والحر ما يتجوز كذاش ، والعنت ...ويخاف ...وكذا .. .وسرتيح أطويل بعدن ما وفاه . وأل أفهمت آن بعد منها ألا أعلن يواجع اتباريت . وفي ذ يك الليل أقبال تميت بعد ألين اتكين إلين ذا هوال قاعد عند راص الصيده ، ومجلسهم طايب ، وأل أعاقب ذاك أص تقولولك هي ..)
ـ ( مان الله صرت بوي ، يل يعدل فيك م كذبك ما شكيت أعلي ) فقلت لها "السالمة"
ـ ( حق الله لا تواسيلن ذاك )
ـ ( آحاح .ألا لوديلك لمرد ثاني ماه ذي ) فعادت "السالمة" إلى القول :
ـ ( شفت . اعرفت عن ذل قلتلك آن بعد هو الحق ) فوجهت خطابي إلى "زينب" وقلت :
ـ (آن قاع ألا من زرك يغير تمابيك هاذ مان فاهم ) فقالت :
ـ ( آه أرانك لاه تستبيظ )
ـ (ذاك ماه في من زين الميمون) . هبت "السالمه" واقفة وهي تقول ـ في لهجة مسرحية ساخرة
ـ ( آه .هاذ أص ما تل التحت الخير. رحم الله طالبن ما...) فردت عليها "زينب" بنفس اللهجة :
ـ (ألا لمريج ) فردت "السالمة" وهي تبحث عن نعلها .
ـ ( ولاه . أتكد يم أقبال تمرج ) . فلاحقتها "زينب"
ـ ( يغير أنتي آشكايسه .)
ـ ( ماه أص خالك ، ألا لاه أنجيب أمنيات ، لا يرقد عند الشن ) .
كنت أعرف أن وصلة المرح تلك لن تستمر إلى ما لانهاية ، لكنني كنت حريصا على أن يمتد بها العمر لأطول فترة ممكنة . لم يكن ذالك ليجدي على كل حال . صحيح أنها بددت أجواء المأتم ، وعدى ذالك فإنها لم تفعل سوى تأجيل مواجهة لحظة الحقيقة . كانت السحب ما تزل تحاصرا لقمر وتقمع إشراقه نوره ، وكانت الأنواء تثقل السماء وتبطئ حركة النسائم في الأجواء ، ورغم ذالك فقد كان هناك بعض ضوء القمر ، وكانت هنالك بعض النسائم العليلة . ذهبت "السالمة" وتركتنا وحدنا للصمت وللأسئلة الحائرة . يئست من أن تقول شيئا ، فقررت أن أتخذ زمام المبادرة :
ـ أرجو أنك تستمتعين بوجودك في القرية !
ـ الحمد الله . إنها مكان وادع ومريح .
ـ وكيف وجدت أهلها ؟
ـ إنهم أناس طيبون ، ويفعلون ما بوسعهم ليجعلوا إقامتي بينهم سعيدة . لكن ... وغصت بدموعها فسكتت للحظات قبل أن تتغلب على حالتها . وعادت تقول : لكن فكرة أن هؤلاء المساكين لا يعرفون حقيقتي . تعذبني كثيرا !
ـ وبماذا سيفيدهم ذالك .دعيها تتشكل لديهم بناء على معرفتهم الشخصية لك . تنهدت بحرقة ، وقالت :
ـ أخشى أن يعرفوا يوما بأنني لست الشخص الذي عرفوه ، وأحبوه !
ـ دعينا نأمل أن تسير الأمور كما نريد .
ـ أن يعيش المرء حياته كلها بالكذب والزيف ، أمر لا يمكن تحمله . فقلت لها :
ـ لا أريد التهوين من صعوبة ذالك ، لكن لا بد من أنه كان الخيار الأفضل .
عادت العبرات تخنق صوتها من جديد وهي تقول :
ـ عدت وفي نيتي أن أنتهي من كل ذالك ، لكنه رحمه الله أبى علي إلا هذا " وصمتت قبل أن يرتفع نشيجها بالبكاء .
ـ لا أريد تذكيرك بأشياء ربما تريدين نسيانها ، لكنني ظننت أنك لن تسمحي له بأن يفعل ذالك !
ـ وماذا كان بوسعي أن افعل أكثر مما فعلت ؟ لقد خضت معركة ـ صعبة وقاسية ـ مع قلبي ومع عقلي ، لكي أخرجه من حياتي وإلى الأبد . لم تقنعني تلك الحجج التي بها برر إحجامه عن المجيء معي . ومع ذالك فقد كنت أمني النفس بأنه لا محالة ـ سيلحق بي . وبعد عام من التسويف ، والمماطلة ، قررت أن أقطع كل صلة لي به . فلا بد أن لديه أسباب لا يريد أن يبوح لي بها ، هي ما يحول بينه وبين ذالك ، لكنني كنت واثقة على كل حال من أنها أسباب قاهرة وجدية . ورغم قسوة الوحشة ، وفظاعة البين ، ومرارة الخيبة والضياع ، فقد مضيت في طريق مقاطعته ، بتصميم وعزيمة لا تلين . وآخر شيء دار بخلدي حينما قررت العودة ، هو أننا سنلتقي وفي مثل تلك الظروف .
فاجأ قرار عودتي الوالدة فعارضته بشدة ، وبذلت ما بوسعها للحيلولة دونها . وحين فشلت ، أرادتها أن تكون مجرد زيارة قصيرة وسرية وعابرة ، لكنني كنت أريدها أن تكون إقامة دائمة ولو في قعر زنزانة أو في جوف قبر. ووجدت الحالة الصحية لأبي ـ حين وصلت ـ حرجة ومتأخرة ، فكنت ـ بحق ـ محظوظة لأني أدركته على قيد الحياة . وتأخر القبض علي إلى أن شيعته إلى مثواه الأخير، فاعتبرت تلك هدية من القدر لم أكن انتظرها .
لم أعبأ ـ إلا قليلا ـ برهان الوالدة على عفو ولدي ، وكنت منشغلة أكثر بكيفية جعله يفهم لماذا تعين على القيام بما قمت به . ولأنه لم يتسن لي الالتقاء به منفردا قبل دخولي السجن ، فإنه لم يكن لدي تصور واضح عن شخصيته ، وكيف كان يراني . لكن حين زارني في السجن برفقة الوالدة بدا ودودا إلى حد ما ، وأقل نفورا مما كنت أتوقعه . قالت لي الوالدة أنه سعيد بعودتي ، وبأنه لا يريد أن يفقدني ، لكنه لا يستطيع التعبير عن ذالك بسبب الضغوط التي تمارس عليه من قبل أعمامه.
في الجلسة الثانية ، من جلسات محاكمتي ، دفع المحامي ببراءتي مدعيا بأن من أرتكب الجريمة هو شخص آخر وأشار بالاسم إلى "محفوظ" . صعقت . وأردت أن أعترض ، فلا بد أنها أمي هي من لقنه هذه الحجة ، إلا أنني تراجعت ظنا مني بأنه بعيد وفي مكان آمن .
وصدمت صدمة كادت أن تودي بي ، عندما تفاجأت به يزورني في اليوم التالي في السجن . جن جنوني ، صرخت في وجهه ، لمته وبخته ، ثم تركته وعدت إلى زنزانتي . حاول مرة ثانية ، وثالثة . وفي الرابعة وافقت على مقابلته . لم أمهله لحظة واحدة وبادرت إلى مهاجمته فورا وبكل شراسة وقسوة .
ـ وافقت على لقائك لأقول لك ـ فقط ـ بأنني لست بحاجة إلى تضحياتك ، ولأرجو منك ـ رجاءا حارا ـ إن كان لي عندك رجاء ـ أن تخرج من حياتي ، وتنسى أنك كنت تعرفني . البطولات التي من هذا النوع هي مجرد حماقات في عرف هؤلاء الناس . الأمر بالنسبة لي مختلف قليلا ، لكنه لا يروقني أبدا أن تكون بطلا على حسابي . من حقك أن تبحث لنفسك عن إنجاز ما يمكن أن يضفي بعض القيمة على حياتك . ويمد نفسك بمشاعر الرضي عن الذات ، ويغذي لديها الإحساس بالزهو . قد يحالفك التوفيق . أو على الأقل هذا ما أتمناه لك . لكن ليكن ذالك بعيدا عني وعن حياتي لو سمحت . أنا في هذا الموقف بسبب تضحياتك ، وأخلاقياتك ، ونبلك ! لقد شبعت من كل ذالك الهراء ، وارتويت إلى حد القرف . ولولا نبلك الزائف ، وأخلاقك المزعومة لكنت الآن ميتة منذ زمن بعيد ، أو كنت قد انهيت عقوبتي وخرجت . .. " كنت أقول هذا وقلبي يتقطع ، من فظاعة كلماتي وبذاءتها وقسوتها ، لكنني كنت آمل أنها ستجعله يتراجع عما ظننت أنه ناو عليه . قالت هذا ثم أرتفع نشيجها بالبكاء أكثر ، وأردفت :
ولا حظت حين أنهيت كلامي ، وكأنني كنت أكلم شخصا آخر غيره . كان يستمع إلي ، لكنه لم يكن يسمعني . كان ساهما ، في حالة من الشرود . نظراته تجوبان وجهي ، تذرعانه طولا وعرضا ، وكأنه يراه للمرة الأولى . وبعد طول صمت ، جذب نفسا عميقا من صدره ، وزفره بلوعة وقال :
ـ الآن يمكنني القول بأن حياتي قد أكتملت . لقد خفت من أن أموت قبل أن أراك ! كنت أريد أن أنهي الموقف فورا ، وبمزيد من الفظاظة و القسوة. لكن مشهد عينيه الغائرتين الغارقتين في الدموع روعني . وأثار شفقتي وجهه الشاحب الممتقع المتشح بالحزن . صمت للحظات ، ثم عدت اتفرس في وجهه من جديد . وقلت
ـ أتعتقد بأنك تحسن صنعا ، عندما تظلم نفسك لكي تنقذني ؟
ـ أفعل أي شيء يمكن أن ينقذك . لكنني لا أعرف عم تتحدثين ! ثرت غاضبة ، ظنا مني بأنه يكذبني ، فقلت له صارخة :
ـ ماذا تريد مني أن أفعل لكي تقتنع بأنني ناضجة بما يكفي !
ـ صدقيني وحسب . لا أعرف ذالك المحامي ولم ألتق به قط ، لكنني لم أكن لأجد حجة أذكى من تلك لأدفع بها ببراءتك .
ـ إنها حجة مختلقة وكاذبة .
ـ لكنها وجيهة ومنطقية . فكرت مليا ثم قلت :
ـ لنفترض بأنهم برؤني ، وحكموا عليك ؟
ـ سيكون ذالك اسعد أيام حياتي .
ـ هل ستسلمهم نفسك ؟
ـ لا ، لكنني لن أقاومهم إذا ما جاؤا ليقبضوا علي .
ـ أسقط في أيدي ، ولم أعد أدري ما ذا أقول ، لكن الشحوب في وجهه عاد يشدي بصري ، وأقلقت روحي عيناه الغائرتين .
ـ لا تبدو بخير ، هل أنت مريض ؟
ـ لم أكن بخير قط ، أكثر مما أنا الآن ، لكنها الكهولة ، وآثار السنون .
اتفقنا على أن يتوارى عن الأنظار إلى أن نرى كيف ستتجه الأمر. و كان يزورني في السجن من وقت لآخر.
لم أعد نفسي لمثل هذا السيناريو العجيب ، ولذالك فإنني لم أشعر إزاءه بالكثير من الرضا . وأغلب الظن أني كنت سأرفضه ، لولا السعادة الغامرة التي أستقبله بها ولدي .
فقد وجد المسكين في تلك الفرضية سببا ، للتحرر من حرجه وصعوبة موقفه ، ودليل براءة لأم لم يعد ـ بعد أن وجدها ـ مستعدا للتخلي عنها أو لخسارتها . كان مغتبطا بها وسعيدا ، وكان متحمسا ومستعجلا لإثباتها
ـ أرجوك يا أمي ، تعاوني معهم أكثر . أخبريهم عن أي شيء تعرفينه عنه ، فقد يمكنهم ذالك من إلقاء القبض عليه بسرعة .
ـ لقد مر زمن طويل على ذالك يا ولدي ، ولذالك فإن كل معلوماتي عنه قديمة .
ـ لا باس . أطلعيهم عليها ،على كل تفاصيلها ، وحاولي ألا تنسي أي شيء. أخبريهم مثلا ـ عن أصدقائه ، عن معارفه ، خصوصا أولائك اللذين كانوا قرب إليه من غيرهم ، وعن تفاصيل هروبك . فربما يعثرون على شيء ما يصلح كخيط يمكن أن يرشدهم إليه ، أو يقودهم إلى أحد أولائك اللذين تولوا أمر تهريبك .
كم كنت أود أن أصارحه بالحقيقة ، وكم مرة أوشكت على أن أفعل . إنه بريء من دم أبيك ـ يا ولدي ـ براءة الذئب من دم يوسف . لكنني كنت ، أتخاذل ، و أتراجع في آخر لحظة . كان تلألأ السعادة في عينه ببراءتي يخرسني ، ويلجمني تألق الغبطة في وجنتيه . عاشني كمسبة في حياته ، كوصمة عار في جبينه . وكهم حمله في قلبه منذ الصغر . لم يراعوا صغره ، ولم يرحموا يتمه . غمزوه لمزوه ، وعيروه . وعندما عدت ، وجد نفسه في أتون الجحيم ، بين سندان جدة منحته بسخاء كل ما ادخرته لأمه من عطف وحنان ، ومطرقة أعمام لم يبخلوا عليه بشيء حتى بحقدهم ونقمتهم عليها . لم يحضر الجلسة الأولى ، وعندما حضر الجلسة الثانية كان المحامي قد أعد هذا السيناريو العجيب . كان اختياره لهذا السيناريو موفقا ومدهشا ، وبرع في تصوير كيفية تنفيذه إلى أبعد الحدود . لم يدع منفذا لأي شك . أمعن في إيراد التفاصيل ، أوغل في استثمار كل ما قيل . فكك الأحداث بحذق ، وربط بينها وأجاد الحبك . وصاح الولد بطريقة هستيرية فور انتهاء المحامي من مرافعته :
ـ الآن حصحص الحق . ألم اقل لكم بأنها لم تفعل ذالك ؟ ثم ركض نحوي واحتواني في أحضانه وهو يصيح : ـ أمي ـ و كنت أسمعها منه للمرة الأولى ـ أنت لم تقتلي أبي . أليس كذالك ؟ قولي لهم ذالك أرجوك ! من المستحيل أن تكوني أنت . لا بد أنه هو من فعل . "محفوظ" هو من قتل . وكما قال المحامي : كنت صغيرة فتلاعب بمشاعرك ، وعقلك ، فأقنعك بأن تعترفي بأنك أنت القاتلة ، ثم قام بتهريبك بعد ذالك خشية أن تعترفي عليه ! أمي ...." أخذته في حضني ، تمنيت أن أفتح له صدري وأدخله في قلبي ، ثم أموت من حيني .
كانت فرضية ، لكنه تشبث بها ، تشبث الغريق بطوق النجاة ، وحسبها هدية وفرح بها ، فرح طفل يستعيد أحضان أمه بعد طول عناء . وعز علي ـ وأنا أراه على تلك الحال ـ أن تنطفئ جذوة السعادة في قلبه بسببي . فلقد حرمته من أشياء كثيرة ، ولا أريد أن أحرمه المزيد . "
ـ حسنا ـ يا ولدي ـ لماذا علي أن أنتظر إلقاء القبض عليه ، مادامت بريئة كما يزعمون ؟
ـ من قال إنك ستنتظرين . لكن المحامي يقول أن من شأن إلقاء القبض عليه أن يجعل الإفراج عنك أكثر يسرا .
ـ وإذا لم يجدوه ؟
ـ سيجيدونه ، لا تقلقلي .
ـ قد يكون ميتا ؟
ـ حتى ولو كان ميتا .
هذه اللهجة الواثقة من طرف الولد أزمتني ، و كانت تثير قلقي ومخاوفي . فكنت استجوبه كلما جاء يزورني لأطمئن إلى أنها لا تستند إلى شيء ملموس . وفي غمرة مخاوفي تلك وقلقي رجوته هو أن يتوقف عن زيارتي ، بل وأن يغادر المدينة ويختفي . لكنه تجاهل ـ كما هي عادته دائما ـ طلبي ، وسخر من مخاوفي وأعتبرها بلا مبرر.
قبل ثلاثة أيام من إلقاء القبض عليه كان يزورني ، ويومها بدالي أن وضعه الصحي لم يكن على ما يرام ، وأن ما كنت أحسبه مجرد شحوب في سحنته قد أمسى ضعفا صريحا وهزالا . ومرة أخرى سألته :
ـ هل أنت متأكد بأن صحتك بخير؟ ضحك وقال :
ـ لماذا تقولين ذالك ؟ هل... وقبل أن يكمل دهمته موجة سعال حادة ، أوشكت على تمزيق صدره النحيل . فقلت له مذعورة ، والجزع يعقد لساني :
ـ أقسم ـ إن لم تخبرني الحقيقة ـ أني سأقوم وأتركك ! سكت قليلا إلى أن أخذ نفسه ، ثم قال بلغة يغلفها حزن خبيء :
ـ أظنني أفرطت في التدخين قليلا خلال الأسابيع الماضية .
ـ أريد كلاما صريحا !
ـ حسنا . ربما سيتعين علي إجراء بعض الفحوص .
ـ أي نوع من الفحوص ، ومم تعاني بالضبط ؟
ـ يريد الطبيب أن يطمئن على صدري ، فلديه بعض المخاوف من أن تكون السيجارة قد نالت من رئتي .
ـ وماذا تنتظر؟
ـ لا داعي للاستعجال .
ـ من قال ذالك .
ـ لا يتوفر مستشفى المدينة هنا على الأجهزة اللازمة لإجراء تلك الفحوص .
ـ إذا لتسافر إلى "نواكشوط" واليوم . وجم منكسا رأسه قبل أن يقول فيما يشبه التمتمة :
ـ أخشى أن الوقت قد فات ! فصرخت :
ـ ما ذا تقول ؟ ابتسم في هدوء ، وهو يبحلق في وجهي ، ثم قال :
ـ مازلت تحبينني أليس كذالك ! أربكني سؤاله قليلا ، قبل أن استعيد لهجتي الصاخبة ، فقلت :
ـ هل هذا وقت المزاح ؟ نحن في الحب أم في المرض . اتسعت ابتسامته أكثر، وقال :
ـ اللهم إن الحب أحب إلي . تأوهت في ثورة ، وقلت :
ـ "محفوظ" ... ! فقاطعني بلهجة أكثر هدوءا قائلا :
ـ هل تتزوجيني !
ـ كف عن المزاح . رجاءا . احتقن صوته كما خيل إلي وهو يقول :
ـ أنا لا أمزح .
ـ صحيح ! إذا ، أعتقد أنه من المناسب أن تستعيد صحتك أولا .
ـ تزوجيني "يا ز"زينب" . أخترق صوته هذه المرة مسامعي أسرع مما فعل في أي وقت مضى لينفجر كالقنبلة في أعماقي ويمزقها . ارتجفت لبرهة ، بهت للحظة ، ثم ابتسمت في حسرة بينما أخذت أتطلع في وجهه الشاحب بذهول وحيرة . لا شبهة مزاح في صوته الآن . لا ، ولا ومضة مرح بين شفتيه ـ . فقد كان صوته جادا وعميقا ، وكان وجهه متجهما . فقلت ساخرة :
ـ ألن ننتظر موافقة أمي ؟! دمعت عيناه ، احتقنت وجنتاه ، وغرق وجهه في سحابة من الغم كثيفة . لكنه لم يتفوه بأية كلمة ، واستمر يبحلق في وجهي على ذالك النحو الغريب .
ـ ما الخطب ؟ نزع نظراته من وجهي للمرة الأولى ، وقال كأنه يحدث نفسه :
ـ إنها الأمنية التي وقفت حياتي في سبيلها ، وأرجو أنك لن تحرميني منها .
فشلت في لعبة ضبط الأعصاب هذه ، فانفجرت باكية ، ثم أقبلت عليه وأنا أقول ـ ومنظره الحزين يمزق روحي :
ـ أكان من الضروري أن تنتظر كل هذا الوقت لتدرك أخيرا بأن لا سبيل آخر غير هذا ؟ ألم أقل لك بأننا ...
ـ خطى كتبت علينا و... !
ـ بل خطى مشيناها ، وكان بمقدورنا ألا نفعل .
سكت . كان نادما ، أو ربما لم تكن لديه الرغبة في نبش الماضي . ولما لم يتكلم أردفت في نبرة أقل انفعالا : عموما لا أعتقد أن الوقت ملائم الآن للتفكير في هذا الأمر، فأنت مريض ومطارد ، وأنا حبيسة هذه الجدران .
ـ لن يكون هنالك وقت آخر أكثر ملائمة !
ـ أعرف !
ـ فلنفعل ذالك وحسب .
ـ و ما نفع ذالك .
ـ دعينا نكتشفه سويا .
كانت رغبة غامضة نوعا ما ، وإلى حد ما عبثية ، إلا أنني فضلت مجاراته إنهاء للجدال ، وكنت أريد ـ في نفس الوقت أن أستغلها ـ في دفعه إلى إجراء الفحوص . فقلت :
ـ كما تشاء ، لكن ليس قبل أن تجري الفحوص و تتعالج .
ـ أعدك أن أفعل . لكن لننهي هذا أولا .
ـ لا . العلاج أولا . اتسم صوته بالجدية أكثر ، وقال :
ـ لا أظنني بحاجة إلى مزيد من الإغراء أو التشجيع ، فحسبيي وجودك دافعا .
اضطربت الأفكار في رأسي وتدافعت . عشرات الأسئلة نبعت في داخلي . ألم نتأخر كثيرا ؟ أليس هذا أسوء توقيت لنقرر ذالك ؟ و كيف سنتم ذالك..." من المرجح أنه لن يكون شيئا ذي بال لكننا سنعلق في هذه التساؤلات طويلا . بينما يواصل المرض نهشه لجسده المتهالك .
ـ أخشى من أنها دعوة صريحة لهم أن تعالوا واقبضوا علي !
ـ لا تقلقي .
ـ صحتك لم تعد تحتمل المزيد من التأخير؟
ـ اطمئني .
لم يطلعني على الخطة التي أعدها لتنفيذ الأمر ، ولم أهتم ـ من جهتي كثيرا ـ بتفاصيلها . فقد كنت واثقة بأنه سيكون حذرا ، وبأن لديه خطة ما .
حاولت أن أتملق الطمأنينة عندما لم يأت في اليوم التالي ، فلا بد أنه تأخر لمقتضيات الحذر.
لكنه حين لم يأت في اليوم الموالي ، بدأت الشكوك تساورني . وفي الليل حاصرتني الوساوس بلا رحمة وتناهشتني الهواجس بلا شفقة ، فبقيت مستيقظة إلى ساعة متأخرة من الليل .وكنت كلما داعب الكرى عيني ، واسلمت له وأسبلت جفني . تكالبت الكوابيس علي ، فأهب في مرقدي أتصبب عرقا .
استيقظت صباحا في زنزانتي على الصخب واللجية والزغاريد . وقبل أن أفهم ماذا يجري ، جاء أحد الحراس يطلبني لمقابلة أمي وولدي . تملكني الفزع ، عصف بي القلق ، فهذه هي المرة الأسرع التي يزورانني فيها . وبينما ارتفعت عقيرة أمي بالزغردة ـ فور ظهوري ـ أندفع الولد نحوي ، وأخذني بقوة في أحضانه . وفي لغة متعثرة ، قلقة ، مبعثرة سألته
ـ ماذا يحدث ؟
ـ لقد قبضوا على "محفوظ" يا أمي . قبضوا على قاتل أبي . هكذا أجابني ثم أجهش بالبكاء . وشعرت وكأن حجرا ثقيلا ألقي به من السماء ليقع مباشرة على هامتي ، فترنحت متشبثة بأحضان الولد للحظات ، قبل أن تغرق الدنيا من حولي في العتمة والظلام .
لم يتطلب الأمر كثيرا من الجهد ليفصلوا التهمة على مقاسه ، فقد تعاون معهم إلى أقصى الحدود وكان متلهفا للبسها بكل سرور.
قررت بأنه قد خذلني وكذبني ، عندما سلم نفسه دون أن يخبرني . فحملته مسؤولية ما جرى ، معتزمة التخلي عنه إلى الأبد . والواقع أن ذالك لم يكن سوى هروب من حالة الإحباط التي كانت تفترسني . وتغطية على عجزي عن الإفلات من رقابة أمي وولدي . إلا أن ذالك لم يدم طويلا ، فبعد أسبوع من مغالبة النفس والعناد أذعنت لمشاعري ، وقمت بزيارته .
اكتوت بمثل النار روحي لمنظره ، شعرت بمثل الحرقة في قلبي من حالته ، إلا أنني كنت ما أزال غاضبة من فعلته ، ومصرة على معاتبته . لابد أنه لاحظ حالة الاستياء في وجهي ، وقد كانت جلية وواضحة في ملامحي . فابتدرني قائلا فيما يشبه الاعتذار.
ـ أعرف بأنني خذلتك مرات ، ومرات أخرى خيبت أملك ، لكنني لم أكذبك في يوم من الأيام .
ـ لكنك وعدتني ألا تسلمهم نفسك !
ـ لم افعل . ولم يكن في نيتي أن أفعل .
ـ لا تقل لي بأن ذالك حدث صدفة ؟
ـ لا فكرة لدي عن كيفية حدوثه . بعد يوم واحد من آخر لقاء جرى بيننا ، ساءت حالتي الصحية بشكل مفاجئ ، قبل أن أسقط في الشارع مغشيا علي ، وحين أفقت في اليوم الموالي وجدتني في المستشفى ومحاطا بالشرطة .
ـ لكنك لم تكن مجبرا لكي تعترف على نفسك بجريمة لم ترتكبها .
ـ لن أسمح بأن تعاقبي ، عن نفس التهمة مرتين .
ـ وأنا لن اسمح بأن تتعاقب على تهمة أرتكبها غيرك . ؟
ـ قضي الأمر يا حبيبتي .
ـ ليس بعد . و سأوقف هذه التمثيلية بأي ثمن .
ـ في المرة الأولى ـ عندما رفضت الخروج من السجن اتهموك بالجنون ، و أخشى في المرة القادمة بأنهم لن يكتفوا بمجرد اتهامك .
ـ لكني أنا من ارتكب الجريمة !
ـ هيا يا حبيبتي ، لنتوقف عن الخوض في هذا الموضوع . أنت أ و أنا ما الفرق ؟
ـ إنك تظلم زوجتك وأولادك .
ـ ليس أكثر مما ظلمتك ؟
ـ أكره بأن تنصفني بهذه الطريقة . ضحك ، وقال مازحا :
ـ لا تشغلي بالك بهم ، لقد استوفوا نصيبهم في حياتي . ولم يبق غير نصيبك .
ـ ليس لي ـ مع وجودهم ـ في حياتك من نصيب .
ـ آه كفي عن قول ذالك رجاءا .
ـ أتدرك كم تقسو عليهم بتصرفك هذا !
ـ أرجو أن الله سيعوضهم عن فقدي .
تلاشى الغضب ، نسيت العتب ، لكن هول الخطب كان يجثم على قلبي . وتساءلت في مرارة بصوت تخنقه الحسرة ، بينما كانت الدنيا تتلاشى أمام ناظري :
ـ هل يمكن أن ينتهي كل ذالك هذه النهاية . ابتسم وسط دموعه بهدوء وقال :
ـ بإمكاننا أن نجعله ينتهي بشكل آخر. فقلت في حماس :
ـ أنا جاهزة . لم أره فرح ـ قط ـ كما رأيته في تلك اللحظة . اشتعلت عيناه ببروق السرور ، انغمرت وجنتاه في أمواج الحبور . ثم تركني وغاب ، قبل أن يعود برفقة ثلاثة من الحراس . عندما أنهى الرجال مراسيم عقد قراننا غرقنا كلينا في البكاء والنحيب . فجاء أحد هم ـ أظنه ـ أكبرهم رتبة ، ووقف إلى جانبي ، وكان هو الآخر يبكي ـ وقال في تأثر:
ـ هذا شيء لا يحدث ـ عادة ـ إلا على شاشات السينما ، ثم أردف وهو يكفكف دموعه :
لا أحسبني بحاجة إلى تذكيركم بصعوبة ، وحرج موقفنا . ، ومع ذالك فيمكنكم الاعتماد علينا أثناء نوبة حراستنا . وكلما كنتم كتومين أكثر ، وحذرين ومتنبهين ، كلما سهلتم مهمتنا في مساعدتكما في ظروف أحسن .
تغيرت نظرته إلى الحياة بشكل جذري ، من يومها ، فتشبث بها أكثر مما فعل في أي وقت مضى . نسي المحكمة ، تناسى المحاكمة ، وتجاهل الحكم الذي ينتظره . اقلع عن التدخين ، صار أكثر اهتماما بغذائه ، انتظم في زيارة الطبيب ، واظب على تناول الدواء ، سعى بكل جد واجتهاد لوقف تغلغل المرض في جسده . لكنه للأسف ـ كان قد تأخر كثيرا .
كان قد بقي يومان على موعد أولى جلسات محاكمته ، عندما حملوه إلى المستشفى وهو بين الحياة والموت . فوجدتني ـ حين علمت ـ مجبرة على زيارته علنا ، ولتقع السماء ـ إن شاءت ـ على الأرض .
ذهلت الوالدة من جرأة القرار، فسفهته .أثار حفيظة الولد ، فاعترض عليه وشجبه . لم يكن ذالك شيئا غير متوقع على العموم . لكن ليس بمثل تلك القسوة ، وفي مثل هذه الظروف .
ـ آه ، ألن نتخلص من هذا المجرم ؟ هكذا قال الولد بنفاذ صبر ثم أردف في شماتة : ليته كان قد مات قبل أن يصل إلى المستشفى ! شعرت بالاستفزاز ، هممت بالصراخ ، لكنني آثرت الاحتجاج بشكل آخر.
ـ يموت قبل ، أو بعد ، أن يصل ! أشك في أن ذالك يشكل فرقا بالنسبة للقضية ؟
ـ لكنه يشكله بالنسبة لي ، فلن اضطر ـ على الأقل ـ لرؤيته في المحكمة ! اختنقت بعبراتي وأنا أقول :
ـ أتمنى أن تسمو بأمانيك فوق أدران الأحقاد ، وأوحال الانتقام .
ـ لقد حرمني منك ـ طوال كل هذه السنين ـ ومن أبي إلى الأبد ! ومرة أخرى هاج بي الشعور بالاستفزاز وثار في الغضب ، وفكرت في أن أتخلص من إحساسي الثقيل بالذنب ، بإلقاء الحقيقة في وجهه لكنني جبنت فتراجعت شفقة عليه .
ـ افهم مشاعرك ، يا ولدي ، لكنه مريض ، وليس له سوانا .
لم يدع لي الطبيب أي أمل عندما طلبت منه أن يقترح عليهم نقله إلى "نواكشوط " .قال لي في صراحة قاسية . إنه يموت ، ولا داعي لتعذيبه .
لم يجزع في وجه الموت ، ولم يكن مضطربا ولا خائفا وهو يواجه أهواله . شيئان فقط كانا يثقلان عليه : شعوره بالذنب إزاء "السالمة" ، وإحساسه بالمرارة لأنه أخلفك .
لقد بقي طوال الليل يحدثني عن "أدباي" ، عن القرية وأهلها، وعنك وعن "السالمة" . و رغم تدهور حالته المستمر ، فإنه كان ـ في كل مرة تفلته الغيبوبة ـ يقبل علي مبتسما ، ويعود إلى الحديث معي .
قال بأنه كان في ساحل العاج ، عندما ألم به إحساس غامض يدعوه للعودة إلى الوطن . لم يكن متأكدا مما كان يريد أن يفعله ، لكنه كان يتوق إلى القيام بشيء إيجابي . لم تكن لديه فكرة محددة ولذالك فقد ترك الأمر للأقدار ، إلا أنه ـ مع ذالك ـ كان واثقا من أن ثمة دورا كان ينتظره في مكان ما ويجب أن يعثر عليه . وظن حين قادته الصدف إلى "أدباي" بأنه ظفر ببغيته . فقد وجد أن هنالك الكثير من الطاقات التي لم يحسن استغلالها ، وأن هنالك الكثير من الجهود التي تحتاج إلى بعض التنظيم . ووجد أيضا ـ إضافة إلى ذالك البساطة والتلقائية والانسجام . لم يكن يحتاج إلى أكثر من ذالك ، لكي يعرف ماذا ينبغي عليه القيام به ، لكنه كان قد أنجز القليل فقط حين قرر "أدباي" الانضمام إلى "لفريج" . قال إنه شعر ببعض الخيبة ساعتها ، وتوقع المزيد من العقبات في طريقه ، لكنه لم يفقد حماسه وواصل ما بدأه على كل حال .
لم يتحقق إلا القليل مما كان يصبو إليه ، ومع ذالك فقد كان فخورا بما تحقق .
حدثني عنك كثيرا ، وعن جدك وجدتك . حكي لي قصة تعرفك عليه المثيرة ، كان مأخوذا بقوة ذاكرتك ، عندما استطعت التعرف عليه بتلك السرعة بعد مرور كل ذالك الوقت . بينما تطلب الأمر منه الكثير من التفكير لكي يتمكن من أن يتذكرك . قال لي إنه أحبك كثيرا ، وأنه كان يثق بك ، وبأنك الشخص الوحيد الذي تعرف كل شيء عن حياته ، عن البقع السوداء فيها ، عن لوثة العقل وطفح الجنون . لم أفهم عما كان يتحدث بالضبط ، ولم أحاول أن افهم ، لكنه أخبرني بأنني سأجد عندك ـ إن رغبت ـ بعض التفاصيل . كان يدرك بعمق صعوبة الموقف الذي وضعك فيه ، لكنه كان يراهن على أن ذكائك ، سيسهل عليك مهمة تجاوزه . وتأثر كثيرا وهو يتذكر آخر ما دار بينكم من نقاشات ، مستغربا كيف أن حدسك كان في محله ، عندما توقعت بأنني لن أقبل أن تحمل عني وزر التهمة . قال لي بأن المرض وسرعة تطور الأحداث ، حالا بينه وبين الاتصال بك ، ثم أنه كان يخاف ـ فيما لو أضطر إلى فدائي بنفسه ـ من أنك قد تسعى للحيلولة بينه وبين ذالك .
حدثني عن الأطفال كثيرا ، لكن من دون أن يطلب مني فعل أي شيء حيالهم . لعله لم يكن واثقا من عواطفي نحوهم . و ربما كان يشك ـ وبسبب كلما حدث ـ في أنني سأرغب في التعرف عليهم .
و بكى عندما بدأ يحدثني عن "السالمة" كان يعتبر نفسه محظوظا لأن التوفيق حالفه في العثور على واحدة مثلها . حدثني عن حبها الجنوني له ، عن إخلاصها العجيب له عن تشبثها به ، وصبرها عليه رغم أذى والدتها وأخواتها . وعما كانت تبذله من جهد لكي تكون عند حسن ظنه بها. سبق وأن حدثني عنها ، لكن على استحياء ، وليس بمثل هذه المشاعر والأحاسيس الجياشة . كان حزينا لأنه أخفق في أن يصارحها بحقيقته ، ولانه خدعها عندما لم يستطع أن يطلعها على حقيقة نواياه ، وبدلا من ذالك عمد إلى تضليلها على ذالك النحو المشين . لم يكن يعدم مبررا فاعتقالي المفاجئ أربك حساباته ، وشوش أفكاره وبلبلها .
لقد تعود أن يزور "كيفه" في كل سنة مرة أو مرتين . لكن لفترة قصيرة دائما وفي منتهى السرية و الكتمان . فيطمئن على خاله وعياله من بعيد ، ويتسقط ما تيسر من أخباري . وتشاء الأقدار أن تتصادف زيارته هذه المرة مع مرض خاله ووصولي غير المتوقع . حاول بكل الطرق أن يتصل بي ، لكن الحظ عانده . ولأنه كان قد تأخر كثيرا ، فقد أضطر للعودة إلى القرية وحين رجع بعد أسبوع كان خاله قد توفي ، وكنت أنا قد اعتقلت . عاد إلى القرية من جديد ، لكن ليغادرها في هذه المرة نهائيا .
قاوم طويلا وصمد ، رغم الألم و وطأة المرض . وعند ساعات الفجر الأولى اسلم الروح لبارئها . وكانت آخر أمانيه ـ وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ـ أن أحظى في يوم من الأيام بالتعرف عليكما .
كانت ماتزال تنشج بالبكاء عندما أنهت حديثها ، لكن التوتر في نبرتها كان قد انخفض كثيرا . وكددت ذهني بلا توقف ، وبحثت استحث قريحتي . على أمل أن أجد كلمة ما تصلح لمواساتها . لم أصل إلى شيء يطمئنني ، فتمتمت قائلا في عجز وفي استحياء .
ـ رحمه الله وغفر له ، وجعلنا عند حسن ظنه وظنك بنا .
لم يسعفني الذهن بشيء آخر أقوله . ومع أنه لم يكن كاف ـ من وجهة نظري ـ للتعبير عن مدى تعاطفي معها ، إلا أنه لم يكن شيئا سيئا على كل حال . والواقع أن ذهني لم يكن ساعتها في أحسن أوضاعه صفاء ، ولا غرو إن لم أهتدي إلى ردة الفعل التي تناسب المقام . كنت عالقا وسط خيالاتي . بعيدا في عالم آخر غير عالمها . هي كانت تندب حظها العاثر، قدرها الخائن . تبكي حبيبها ، زوجها ، عمرها الضائع وحياتها . وكنت تفترسني الأوهام ، تجتاحني الأحلام ، مشغولا عنها ، لكن بها وبأشياء أخرى .
الله وحده يعلم كم خفقة خفقها قلبي عند كل تنهيدة أطلقتها ، وكم سكرة سكرتها روحي مع كل كلمة تفوهت بها . وكم لونا من المشاعر فاض في داخلي ، مع كل دفقة دمع ذرفتها . وكم طيفا من الخواطر تلون به خيالي ، كلما انزلق نور القمر على وجنتيها . كانت تبكي لكن بكاءها كان كالترنيمة الخفيضة القادمة من الأعماق . وكانت حزينة ، إلا أن حزنها كان من النوع الشاعري منزوع التوتر قليل الانفعال .
وسطع القمر كما لم يفعل في أية ليلة أخرى ، ليريني من آيات الجمال الكبرى في وجهها . وهفت النسائم تثرثر في الأجواء فثملت بأريج عطرها .
كنت في حالة بين السكرة واليقظة ، يعركني الارتباك ، تطحنني الحيرة ، عندما دخلت "السالمة " الحوش من الجهة الأخرى . لم أرها أواشعر بها إلا حين جاء صوتها المرح يبدد الصمت من حولنا :
ـ ( انتم ساكتين مالكم ، منسجمين ، وال مدايكين ؟ ) = متشاجرين .
فردت عليها "زينب" بصوت أخن غضيض ، لكنه مفعم بروح الدعابة منشرح :
ـ (احقا . أنت مهتمة بأمرنا يا لسائبة ) !
ـ ( ولله أل مهتمة ، لكن سحرتني الشن)
ـ ( الشن أنتهت مذالها ؟ )
ـ ( أنتهت لكن شغلوني الصيدات بلمراد ، وسهيت فيهم )
ـ ( أتتعتقدين أن هذا عذرا ؟ نأتيك عند بيتك فتتركينا وتهربين ! )
ـ ( يارب لا وسيتهال . يخت شكيت أنكم تختيرون نمش عنكم )
ـ أسمع الخبيثة !
ـ ( والله أل حق ، ربما كان عندكم شي خاص )
ـ (شيء خاص ، ونحن ماقط أشاوفن ) !
ـ ( ذاك من قالو ! )
(ألا دوريلك على عذر ماه هذا )
ـ ( عنك بعد اعذرين ، أنتوم اصل بعد مانكم خطار )
ـ ( وإل ذاك ، تسيب أنت عن خيمتك ) فضحكت وقالت :
(يخت ما ندور ما سبت . أنت لستفاد أمعاك ماه كاد اتصح ، ولا أحد يمشي اطالب أرزاق بعيد عنك ) قالت هذا ثم أردفت موجهة إلي كلامها : (ذ أمال حك ياقريبي ) ؟ باغتني سؤالها حين انتزعني عنوة من أحلام يقظتي ، فقلت ـ في ارتباك فضح حالتي ، وما أنا فيه من شرود وغياب
ـ( آء ، ماذا قلت ؟ والله إل حق) . اقتربت مني أكثر، وكانت تنظر إلي بشكل مسرحي هازل ، ثم قالت في سخرية :
ـ ( يا الطب والطلب عند ، هو أمال . هو شنه ـ يخوي ـ إل ما ذا قلت ، وال والله أل حق ) فقلت ـ وقد شعرت ببعض الحرج ـ
ـ (ذاك أل قلت ) !
ـ ( أهيه ، يغير ذاك شنه حاجل ) فقالت "زينب" :
ـ ( عنك ظرك بيظ الحم ذا الراجل ) .
ـ (سعدك أص .اويبياظ من شيء قاع ) هكذا قالت "السالمة" بطريقة مسرحية ـ وقد انطبع الجو بخفة دمها وعبق برقة روحها وانتشى ثم أردفت : (ذاك لا يعود لك شرويط ، هو لاه يتم إلا ذنبت . وألا حد يقبل ، ول أمل يخليه عن )
ـ ( اخليه ماه فذ قاع )
ـ (اقلك أص ، يذاك من الرغبة !) فقلت :
ـ قولي ما شاء الله .
ـ (ا كرين )؟ فقلت :
ـ كم تريدين ؟ . وقبل أن تتكلم سبقتها ؟زينب" بقولها
ـ ( لن تكريها ) . دعك منها . فهذا شيء أقوى من عينها ومن حسدها .
التمعت بروق سعادة ظافرة في صدري ، بالكاد تمكنت من كتم رعودها ، لكن العاصفة كانت قد هبت ولا سبيل إلى إيقافها . أتراها تعني ما تقول ؟
وواصل القمر سفح نوره الفضي على الخد الطافح بالرقة وبالبهاء ، واستمر النسيم العليل يهفو و يبعثر شذى عطرها في الأجواء . فهامت النفس في مكنونها وتمادى الخيال وشطح .
لكن رويدك يا قلبي المسكين ، فمن المزاح ما قتل .
لكن المرأة سارت بعيدا، واقتربت إليك مسافة كافية، وأنت لن تخسر الكثير لو تشجعت ومشيت الخطوة الباقية !
لن أخاطر فإنها خطوة شائكة وموحلة .
لم أحسن التعامل مع اللحظة ، وافتقدت المهارة اللازمة لأفعل . فبدأ الإحساس بالعجز يستولي علي ، وغشيتني نذر المعاناة .
وعادت آهة "ازوين" الحارقة تلفح آذاني من جديد . ( أصل صابلك ، يا أوليد ...) "طالبن" ذهب إلى أبعد من ذالك ، وقرر أن يصرخ بدل التوجع والأنين . هنالك ، ـ ولا شك آخرين إلا أنهم ـ مثلي ـ كانت تنقصهم جسارة المجانين . إنما أنا لست بحاجة إلى تبرير لما حل بي ، ولا إلى من يعذرني أو يواسني . بل إلى من يغوص في أعماقي السحيقة ليشرح لي ما يحدث بداخلها ، إلى عالم أرصاد حذق ينبئني عن وجهة هذه العواصف التي تجتاحني .
أعرف بأن هذين المسكينين كانا مخرفين بعض الشيء ، وعابثين يهوون الهزل والطرائف . لكن سجلات حياتهم كانت حافلة بالتجارب ، وفي ساعات صفوهم كان ذوا رأي سديد .
"طالبن " لم يكن يحب أن يقحم نفسه في خصوصيات الآخرين ، على نحو ما كان يحلو ل"ازوين" أن يفعل . لكنه غضب عندما جاء أبو تلك البنت يشكوني إلى جدي .
قال لي :
ليس تلك خطيئة لكي تستغفر منها . أو شيئا خطيرا يستوجب أن تتهرب منه . الأمر شبيه باقتحام عش مليء الدبابير ، لكنها دبابير لا تجيد سوى الإزعاج والطنين . ليس دائما ، لكن مع الإيمان وشيء من الثقة والتصميم ، يمكن تجاوز ما قد تحدثه من أذى بسيط .
لم أكن اشعر بأنني معني بما يقوله ، ووضعته ببساطة في خانة الهراء ، وكم أود ـ الآن ـ لو أنه كان قد أخبرني عن أين ، وكيف يمكنني الحصول على تلك الأشياء .
لطالما حذرني "ازوين" من إقامة في الشقاء طويلة الأمد ، وبشرني ـ ساخرا ـ بمصير كمصير "محمود مسومة" معتم ـ إن لم أضع حدا لشغفي ـ المزمن حسب زعمه ـ بمن كان يسميها تلك "البيظانية ". لم أعبأ بكلامه غالبا وفي المرات القليلة التي أوليت فيها لقوله بعض الاهتمام ، كنت أرد عليه ساخرا :
ـ لكنها ليست "عربيتي"
ـ إنها "بيظانية" على كل حال .
ـ ليكن ، إن مصير "محمود مسومة " لم يكن على تلك الدرجة من السوء . ؟
ـ ألأنهم لم يصلبوه ؟!
ـ بل ، ولأنهم أكثر من ذالك خلدوا اسمه .
ـ فعلوا ذالك من باب التندر، ليس إلا .
ـ كيف وقد سارت بأشعاره ركبانهم ، وطافت بها كل الآفاق .
ـ كانت عذابات ، وكانوا يتلذذون بها ، كما فعلوا دائما بعذاباته الأخرى .
ـ بل أشعارا وقد أودعها معاناته . وكانوا يستمتعون بها ، شأنهم مع غيره من الشعراء .
ـ كابر كما يحلو لك ، لكنك لست بشاعر، ولن تجد غير روحك لتودعها معاناتك وسينتزعونها منك بلا رحمة "
ذالك من سوء طالعي . فليتني كنت شاعرا ، أو ساحرا، أو كنت ...
وبينما واصلت المرأتان سجالهما ـ تضحكان وتمزحان ـ انكمشت أنا على نفسي بشكل بائس وحزين . لا بد أنهما فطنتا إلى حالتي ، وكانت أكثر وضوحا من أن تخطئها العين ، فأرادتا انتشالي منها . بجري إلى نقارهما مرة أخرى ، بجعلي أنخرط معهما في مزاحهما ، وأشاطرهما هزلهما . نجحتا إلى حد ما ، فتجاوبت معهن ، لكن بشكل خجول غالبا ، وأقل مما كانتا تتوقان إليه . أحبطتا وسرعان ما يئستا وبدتا راغبتين في إنهاء الجلسة .
كنت أود أن أندمج معهن بشكل أكثر وهممت بأن أفعل . إلا أن الحالة عندي كانت أعقد وأكثر جدية مما كانتا تظنانه .
وتمنيت لو أنني كنت أكثر شجاعة مما كنت ، أو أكثر جسارة من ذالك قليلا ، فإذا لاستثمرت حالة المرأة وربما نجحت في استغلالها . وعزيت النفس بأن المناسبة لم تكن ملائمة لمثل تلك المشاعر وألا فكار. وبأن الوقت ما زال مبكرا لكي اشعر باليأس هكذا.
ومع ذالك فقد كان يحز في نفسي ـ حقا ـ أن انتهت تلك الجلسة على ذالك النحو ، ودون إنجاز يذكر . فلربما كان يتعين علي أن أبعث بإشارة إليها ، أن أخطو ـ ولوـ نصف خطوة نحوها ، أن أقول لها كلمة ، لكن ليست كأي كلمة أخرى . كلمة ذات مغزى معد ، ذات مرمى محدد . تجلو ما غمض ، تقرب ما بعد . أو أن افعل أي شيء آخر. المهم أن أقترب منها أكثر، و.... لكنني لم أفعل شيئا ، وتركتهن وذهبت .
وشب في أعماقي إحساس بالفراغ عميق ، عندما غادرتهن ، استمر يتغلغل في نفسي وسرعان ما اكتسحها ، وتملك روحي شعور بالخذلان رهيب ما انفك يقضمها قبل أن تستسلم له على نحو يدعو للشفقة . و بلغت وضعيتي أوجها تعقيدا ، حين وصلت إلى البيت قبل أن تتضخم وتمسي حرجة وشبه ميئوس منها
تجنبت المرور بالعريش ، وتوجهت أسترق الخطى فيما يشبه التسلل إلى البيت . فعلت ذالك بشكل لا شعوري ، مدفوعا بحرج قديم كان يستوطنني من تحقيقات طالما أخضعتني لها جدتي كلما عدت إلى البيت متأخرا . لكنها ليست هنا ! لا بد أن ذهني كان في أشد حالته اضطرابا لكي أنسى أنها ليست هنا ، وبأنها لن تكون هنا أبدا . رباه ماذا يحل بي ؟ وتفاقم إحساسي بفقدها أكثر من أي وقت مضى ، وقرعني شعور بالذنب لأني نسيتها بهذه السرعة . تأججت نار الحنين بين جوانحي ، كم أشتاق إليها ألآن . إلى أحضانها ولهفتها ، إلى تأنيبها واحتجاجاتها . ذرعتني الدموع . قاومتها لكن بلا طائل فأرسلتها . ومع ذالك فلم أتراجع ، وفتحت الباب .اندفعت من الداخل دفقة هواء في اتجاهي . كانت حارة و رطبة ، لكنها كانت مشبعة بالذكريات ، ذكريات ظلت متوهجة رغم عتمة الجدران ، قابعة في الوجدان رغم أنف الزمن . وبعبق من روائح أشياء جدتي بقيت ثاوية وسطها ، تقاوم الاندثار في شموخ وخيلاء . لا أدر لم كان إصراري ، رغم أنه لم يكن لدي ـ في الحقيقة ـ هدف محدد ، لعلي كنت محرجا من حالتي ، فلأقوم بأي شيء ، ولأقنع نفسي بأن لدي هنا ما أفعله . كنت أتلمس الجدران عندما اصطدمت يدي ب"للمبة" العتيقة . إنها ماتزال هنا ، معلقة في نفس المكان ، كما كانت دائما . حركتها ، وعندما لاحظت أنها معبأة قمت بإشعالها . كان واضحا من منظرها الكئيب بأنها لم تستعمل منذ فترة طويلة ، ربما منذ ذهابي . بقيت أتأمل انعكاس ضوئها الشاحب على الجدران برهة ، ثم خطر لي أن ألهو لبعض الوقت مع أشياء الخاصة ، ومع ذكرياتي . فتحت خزانتي ـ لم تكن خزانة في الواقع ـ بل صندوقا خشبيا كنت أستودعه أغراضي ـ ابتهجت للفكرة ـ فها أنا أخيرا وجدت ما أفعله ـ وبسرعة وضعتها حيز التنفيذ . تصفحت العديد من الكتب ، ألقيت نظرة على العشرات من الرسائل ، وتفرجت على ألبومات كاملة من الصور. ابتسمت حينا ، وكشرت آخر. داعبني الشوق ، هزني الأسى وعابثني الحنين . لكن يبدو ألا جدوى من هذا كله ، فقد غرقت في العرق وما عدى ذالك فإن الأمور لم تتحسن قيد أنملة .
تبلل قميصي فخلعته ، وقمت بتعليقه على مسمار صغير كنت قد زرعته ـ كمشجب ـ في زاوية البيت ، ثم خرجت .
وطوقتني لدى الباب نفحة نسيم باردة ، ضاعف العرق من وقعها على جسدي ، انتشى لها قلبي انتعشت لها روحي . ولبثت واقفا ، حيث أنا أمام الباب الموارب ، وضوء القمر الواني يضمحل أمام ناظري . وتطلعت بفضول إلى السماء وقد بدأ يربد بالغيوم وجهها ، إلى أسراب من السحب البيضاء كانت تتهادى على صفحتها . إلى بروق تتراقص على أنغام الرعود في سفحها . وأزداد تدفق النسائم ، وتسارع هبوبها . أتراها تمطر من جديد ؟
كان تلاثغ الموج في البرك حول البيت يداعب مسامعي كأنه لحن شجي ، ناي سحري يشدو في حشاشتي ، يئن بين أضلعي . وكان ضجيج الضفادع المتواصل يخلب لبي ، يشنف آذاني بأنشودة الأبدية . وودت لو أتلاشى وسط أحاسيسي ، لو أذوب في لحظتي . لو أغرق في لجة نشوتي وإلى الأبد . لكن هيهات .
كانت أمي وأخواتي قد سبقنني إلى العريش . ووجدت أنهن قد أعددن لي متكئا إلى جانبهن . توقعت ذالك، فقد بت موضع شفقة خاص من لدن الكل، وكان الجميع يحرص على سد الفجوة التي خلفها غياب جدي في نفسي.
ألقيت بنفسي في الفراش بدون كبير أمل في النوم. ومع ذالك فقد أغمضت عيني بإحكام وفرضت على كافة أجزاء جسدي السكون .
وبينما كان سيل من المشاعر المتناقضة يتربص بي ، اكتسح إعصار من الذكريات مخيلتي .
جبت بخيالي التخوم البعيدة لكل تلك الأحداث وجلت مطولا في رحابها ، قبل أن أعلق بلا مقدمات وسط مشاعري لأتوه طويلا في شعاب أعماقها . ولم ألبث أن بدأت أشعر بالاختناق و بضغط هائل على سطح مخي ، وبمثل الطنين المزعج يدب في أذني وبمثل القبضة تعتصر قلبي . فداهمني الأرق . وفي محاولة مني لمعالجة الموقف ولتطويق حالة الانقباض التي كانت تقض مضجعي ، بدأت معركة يائسة للبحث عن وضعية أكثر راحة عسى أن تساهم في تسهيل المهمة . كنت مستلق ووجهي إلى الأعلى ، فتحولت إلى جنبي الأيمن للحظات قليلة ، فالأيسر لأخرى أقل ، ثم انكفأت على بطني دافنا وجهي بالوسادة كله . لم يتحسن الوضع . فعدت ـ كما كنت ـ للإضجاع على ظهري . كانت القبضة على قلبي تزداد شدة وقوة مع كل لحظة تمر ، وكان الطنين في أذني يصبح مع مرور الوقت أكثر صخبا وإزعاجا . ولم يطل الأمر بعد ذلك كثيرا حتى بدأ يقرصني الألم . هذا ليس اليأس . هكذا هتفت أعماقي الرازحة تحت وطأة الانقباض ـ اليأس حالة من العدم التي ينتفي فيها الألم .إنه الأمل ، بقرصاته المستفزة للأعماق ، المحرضة على ارتياد الآفاق ، ذاك الشعور الطاغي بالإمكان رغم سيادة أجواء المحال الذي جعل "محفوظ" يضحي بالأمان ليخوض خضم تلك الأوحال . أوحال كانت "زينب" تصفها بأنها أوحال من أهام وخيال ـ ربما ـ لكن ذالك لا يفقدها الشيء الكثير من خصائصها وستبقى قادرة ـ في كل الأحوال ـ على إعاقة أعتا الخطوات واوسعها ، وستظل فعالة في عرقلتها أكثر من أية أوحال أخرى .
مسكين "محفوظ" . كم كان إحساسي بمعاناته ضعيفا ، وكم كان تقديري لجهده أقل مما يجب ، وكم قللت من شأن جرأته كثيرا ، واستهنت بما عناه خوضه خضم تلك الأوحال .
ليس بطوليا الاعتراف بذالك ، عدى عن كونه غير مبهج ولا سار ، لكن على القول بأنني ـ قط ـ لم أعتقد بأن الأمر صعب هكذا .



انتهت

زينانا
03-02-2012, 06:22 PM
محمد جواد،
مجهود رائع و تزامن مثير للاحداث و الشخصيات و الاماكن،
صحيح انني اقطعت منذ زمن عن قراءة الرواية لكن بقرائتي الليلة وجدتني اغوص بين السطور حتى النهاية،
ابدعت و اجدت
شكرا لك و في انظار روايتك الجديدة