المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة : مسافات .



chourva
12-11-2009, 06:54 AM
استيقظت مبكرا في ذلك اليوم على غير عادتي ، كان الجو ملائما ، نسيم بارد يتسلل من النافذة المجاورة لسريري ، لم تكن محكمة الإغلاق ، كانت نصف مفتوحة .ما أحلى الصباحات الربيعية ، و نسماتها المنعشة ، خصوصا إذا كنت على موعد مهم سيحدد مستقبلك ..الماء يحتفظ بدفىء الليلة الماضية و يداعب خصلات شعرك بهدوء و الصابون البلدي يقوم بمهمته على أحسن وجه .كانت أمي قد حضرت الشاي المنعنع و سجادة الصلاة قبل خروجي من الحمام ..وقفة تطهيرية من براثن الذنب البشري ، و تفكير في عودة الروح إلى البدن ، و دعاء بمستقبل زاهر . لا أعرف هل خاطت لي زر الجاكيت الذي كلمتها عنه أم لا ، سأسألها فور عودتها ..أقبلت تحمل البخور ، و تتلو آيات للتبرك و رد عين الحاسدين .. تعودت في باريس على عطورات أزكى رائحة من بخور والدتي ، و مع ذلك كان يذكي حواسي من حيث لا أدري .. ارتشفت كأس الشاي على مهل ، لا أريده أن ينتهي بسرعة ، و لا أريده أن يفقد سخونته المحببة إلي . أستعرض ثيابي قطعة قطعة ، أريد أن أبدو شديد الأناقة أمام عميد الكلية .. إستعنت بملاحظات " ماري " التي كانت تقرض بها هندامي جزافا ، سألبس ربطة العنق التي أهدتني إياها بمناسبة يومهم الوطني . كان من المفروض أن أقدم لها هدية ، لكنها عملت اللازم : قدمت لنفسها هدية بالنيابة عني ، و قدمت لي هدية بالنيابة عن نفسها ، إنها من سان لوران و تليق بالمقام .
أعانتني والدتي على التهندم ملاحظة أن الوقت ما يزال مبكرا . لكني كنت متشوقا إلى السير في دروب هذه المدينة التي أوحشتني كثيرا أريد أن أستعرض وجوه الباعة المتجولين و هم يذرعون الشوارع ينادون على بضاعتهم ..مجموعات العمال التي تجمهرت هنا و هناك منتظرة وسائل النقل الجماعي .. أفراد المتسولين يأخذون مواقعهم الاستراتيجية استعدادا لاستدرار عطف المحسنين ... إنها نفس المدينة التي غادرتها قبل خمس سنوات لم يتغير منها الكثير ، تبتسم ابتسامة متعبة لأبنائها الذين يحبونها .. حذائي تعلوه بعض الأتربة ، لا بد من تلميعه من جديد . ماسحو الأحذية كثيرون .. و لكن عملهم غير متقن – عهدي بهم . لاحظت لوحة إعلانية على شارع رئيسي كتب عليها " مسح الأحذية بجميع أنواعها و مراتبها " أثارت إنتباهي الدعاية و أغراني حب الإستطلاع و الأتربة على حذائي _ بالدخول . دكان نظيف به قهوة ، رصت به الكثير من الأحذية .. به شاب يذرعه جيئة و ذهابا على كرسي متحرك ، يعطي بعض الأوامر لصبي القهوة و يداعب بعض الجالسين ، كان كرسيه المتحرك جميلا : ركبت عليه ماكينة دراجة نارية و واقية حر و زخرف ببعض الزهور البلاستيكية ، الشاب في مقتبل العمر و لا يرى عليه أثر الفقر ، وجهه صبوح و ثيابه أنيقة بعض الشيء _ قميصه جميل . سألت الصبي عن ماسح الأحذية فأجابني
_ أستاذ يزيد هو الذي يقوم بالعمل .
إبتسم الأستاذ على الكرسي المتحرك _ أو كما وصفه الصبي _ أشار إلي بالجلوس على مقعد مرتفع ، و أمر الصبي أن يعمل فنجان قهوة خفيف .. أسلوب لمغازلة جيبي المثقوبة . جلست على الكرسي المريح . بادرني يزيد قائلا :
_ مرحبا أستاذ , أي نوع من التلميع تريد ؟
لم يبدو علي أنني فهمت , و ما كنت لأفهم في أنواع مسح الأحذية و طرائقها , و إنما كنت أريد أن أمسح حذائي و بسرعة , فأضاف :
_ الأحذية ثلاثة أنواع و لكل طريقته في التلميع .
_ و ما هي الأنواع ؟
_ أحذية المديرين , و أحذية المستورين , و أحذية طالبي العمل . و هذه الأخيرة هي أجود الأنواع و تلمع بطريقة خاصة .
_ أريد طريقة سريعة و ما أمكن من الإتقان .
أخرج آلته بعناية . مرتبة ترتيبا جيدا , و جعل واقيتين بين الجوارب و حذائي , ثم استطرد :
_ حذاؤك جميل جدا , و لكنك لا تعتني به كما يجب , سألمعه لك بسرعة كما طلبت , لكني آمل أن تعود إلي مرة أخرى حتى أعطيه ما يستحق من الوقت .
لهجته واثقة و أسلوبه في الكلام .. ربما تكون طريقة لجلب الزبائن أو شغفا منه بمهنته , لكني لم أتعود الهذر مع أصحاب الحرف اليدوية .
_ ماذا تعمل ؟ سألني راسما ابتسامة على وجهه .
_ لا أعمل . أجبته بإقتضاب .
_ من الأحسن لك أن تطلب عملا في القطاع الخاص , إذا كنت طالب عمل .
_ و ما مشكلة القطاع العام ؟
_أعرف الكثيرين من أصحابه يستجدونني قرضهم مصروفهم اليومي يوميا .
لم ترق لي فكرته خصوصا أني لا أعرف ماذا يستفيد القطاع الخاص من الأدب الفرنسي .. و كان قد أوشك على الإنتهاء من التلميع الطقوسي لحذائي و قارب الموعد .أعطيته سعرا حاولت أن يكون مناسبا لخدماته , إلا أنه لم ينتش طربا عندما أعطيته الورقة النقدية , ربما استقلها .ودعني مشددا على زيارته مرة أخرى حتى نتجاذب أطراف الحديث .
لم يكن اللقاء مع العميد مريحا .. أستاذ في الصرف العربي , تخرج من جامعة سيئة السمعة .. عوض عجزه الثقافي بالإنخراط في التطبيل للحكومة و الحزب حتى حاز على كرسيه و يريد أن يدافع عنه بأي طريقة .. إستقبلني بفتور و لم يقرأملفي الذي قدمته له .اكتفى برؤية الشهادة الأخيرة , تفرس جيدا في الطريقة التي كتبت بها , و صفها جنب كأس الشاي أمامه .. عرفت منه أن سياسة الجامعة التعريبية دعته إلى عدم إكتتاب الأساتذة ذوي الثقافات الغربية لأن ذلك يعتبر نوعا من الرجعية الفكرية و مساعدة الإستعمار , و ذلك ما كرست الحكومة برنامجها لمحاربته . و حبذ لو كنت أحمل شهادة في الأدب الجاهلي أو اللغة الصينية التي تدعمها الكلية و تشجع تعلمها ..و تأسف على أن مقالاتي المشهورة لم تكن في دعم التوجه العام للحكومة و الحزب الحاكم ..طارت من رأسي جميع الأفكار التي كنت قد حضرتها مسبقا لمجادلة العميد . أخذت ملفي من فوق مكتبه و ارتشفت من شايه , و خرجت دون أن أودعه . انحصر تفكيري في لقب الأستاذ الذي حصل عليه ماسح الأحذية -لا أعرف كيف – و لم أستطع أنا أن أحصل عليه رغم دراستي و تفوقي . ربما الأستاذ حيث كنت ليس الأستاذ حيث صرت , هناك يكون مهمة تربوية أكثب منها معرفية – مع العميد صارت سياسية .. تباطأت خطواتي و سلكت أقرب طريق للعودة لم أتفرس في وجوه المارة هذه المرة كأنني ما فارقتهم قط .. ماري كانت تدبر تعييني معيدا في الجامعة حتى أبقى جنبها في باريس , كانت فرص العمل كثيرة هناك , و صنعت المستحيل لكي أبقى .. لم يهمها يوما أن نتزوج و لا أن نبني مستقبلا . كانت تريد أن نعيش كل لحظة من حياتنا معا .. و أنا كنت أفكر في بناء وطن , و تغيير مجتمع .
الجلسة مع يزيد مريحة , لجأت إليه لكي نتجاذب أطراف الحديث . لا تربطني به علاقة , كانت مواضيع الحوار عامة . حكى لي قصته و كيف شل في حادث سير . كان في السنة الثانية من قسم الاقتصاد في الكلية . يعيل أسرة . أيام مرضه قرأ الكثير . يعرف من الأدب أكثر من ما يعرف من الاقتصاد , و من الثقافة العامة أكثر من ما يعرف من مسح الأحذية و الإبتسام في وجوه الزبائن .. قصة حب فاشلة , تغلب عليها بفلسفته الغدية , لا يريد أن ينظر إلى الماضي , يريد أن يستشرف الغد في انبلاج صبحه .. يساعد الكثيرين في حل مشاكلهم , بآرائه الصائبة و ببعض دراهمه الفائضة .. لا أريد أن أعلن عن ضعفي أمامه , العودة إلى باريس أهون علي من ذلك .. و مع ذلك لا بوادر لوجود وظيفة في الكلية و لا في الوزارة , الدولة تسيطر عليها جماعات المزمرين و هم يعرفون موقفي جيدا . لا أريد أن أضرب دف الخيبة معهم .. أمي تقول إنه الحسد , و تريد أن تستأجر مشعوذا لإجراء إصلاحات على مستقبلي . طيبة . لا أريد أن أصدمها في معتقداتها , لا أذكر أنها كدرت صفوي يوما . قبل يومين قدمت لي عرضا من أجل الزواج من إحدى قريباتها , لم يسبق لي أن رأيتها , و لا أنوي الزواج قريبا .
خيبة الأمل تزداد , أحس أن لا رابطة هنا .جميع المحاولات لم تجدي . الأصدقاء بدأوا يتنكرون لي , يتحاشون مقابلتي . أصبحت كالمرض المعدي لا يمكن الإقتراب منه , تصريحاتي يحفظها الجميع . أقام لي حزب معارض أمسية تكريمية للتعرف على بعض أصحاب الرأي الآخر . الوجوه كلها واجمة , و يعلوها الصدأ , كلها متشابهة , يقولون إن الوجه أصغر من أن يخفي شيئا , لا أحد يريد أن يعبر عن مكنونه , ويكتفي بالإبتسام عندما تحدثه عن الحالة العامة . أسر إلي صحفي خلال الحفل أنه من الأحسن أن أغادر . تذكرت ماري .
أرقني التفكير تلك الليلة , استعرضت الفكرة من جميع جوانبها , كانت أمي هي العقبة , لن تقوى على غيابي كثيرا , و يحز في نفسي استقبال وطني لأبنائه , و الشرذمة المسيطرة , التي دمرت الأخضر و اليابس , و لكن ما باليد حيلة .. كانت ماري تظهر في الصورة بوضوح , و العمل – الأستاذية . البدر يترائى لي من النافذة , ضوءه ينير نصفي الأعلى , ترتسم في رأسي عبرات متفرقة .
في الصباح لبست ثيابي ببطء شديد , كنت أنظرإلى أمي من حيث لا تشعر , أملؤ ناظري من هذا الوجه الصبوح , كنت قد أعددت حقيبتي على حين غفلة منها , لا أريدها أن تتأثر كثيرا . أكره الوداع . أخبرتها أنني سأقضي اليوم مع صديق , هي الأخرى ستقضيه مع أقارب – فرصة سانحة للهرب من حنانها و دموعها . عرجت على الأستاذ يزيد , لم أخبره بشيء , تسكعت بقية يومي في شوارع المدينة ... بدأت الشمس تميل للغروب , حمرتها اليوم قانية . بدأ الظلام يتسرب و أنا في طريقي إلى المطار .. وحيدا دون مودعين صعدت إلى الطائرة , و وحيدا جلست في المقاعد الخلفية . أخاف ركوب الطائرات رغم أسفاري الكثيرة . أرتل يس . استكملت الطائرة ركابها و بدأت محركاتها في الدوران , أزيزها يصك أذني , لا اسمع الإرشادات , أحفظها عن ظهر قلب , بدأت تتحرك . بسم الله مجريها و مرسيها . فتاة بجنبي تتصبب عرقا , ربما تسافر لأول مرة . إستكملت صعودها , نزعت حزام الأمان , أزيزها يخف , أبتسم رغما عني . أين أنت يا ماري ؟ .

محمد سالم ولد الشيخ













\