المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلامة:أحمد فال ولد آدُو



دموع اليراع
20-10-2009, 12:38 PM
السلام عليكم وحمة الله وبركاته
أحب أن أنقل لكم حياة علم من أعلام هذه البلاد الذين نسجت عناكب النسيان على سيرتهم شبكتها فإليكم سيرته منقولة من رسالة تحقيق لشرحه لملحة الاعراب لأخى وشيخى :محمدولد سيد ولد الشيخ:
هو العلامة النحرير ، والكوكب المنير ، أحمد فالْ ويلقب هَدَالْ ابن محمدُّو الملقب آدُّو بن محمذاً بن ألمين بن أحمد ألفغ الجكني ثم الرمضاني .
ولد في منطقة "تكانت" بداية العقد الأخير من القرن الهجري الثالث عشر ، وابتدأ التعلم فى محظرة والده ، لكن والده تُوُفِّي عنه قبل أن يبلغ الحلُم ، فواصل التعلم على يد أخيه الأكبر بابَ خليفة والده في التدريس ، كما أخذ عن خال أبيه آفلواطْ بن محمدُّو ، وابنه عبد الرحمن بن آفلواط ، كل ذلك وهو ما يزال في محيطه الأسري .
أما رحلته فى طلب العلم فكانت إلى محظرة لمرابط أحمدْ بن محمد عينين مؤلف "مغني قرّاء المختصر عن التعب فى تصحيح الطرر" حيث قضّى –فيما يبدو- أطول فتراته فى التعلم .
ولعله لم يغادر هذه المحظرة إلا وهو متخرج ، كما يدل له الإذن الذي خوله عميدها لمرابط أحمدْ في إصلاح ما يقف عليه من خلل في شرحه لمختصر خليل الآنف الذكر .
ــــــــــــــ
* اعتمدت في هذه التراجم على معلومات كنت استقيتها من مصادر متعددة منها من ذكر أثناءها ومن بين من لم يذكر ابن المترجم جدنا محمد السالم بن أحمد فال بن آدو رحمه الله وحفيده باب بن محمد الامين وابن أخيه الشيخ سيد محمد بن الشيخ الحسين وخالنا المصطفى بن أحمد زيدان حفِظ الله الجميع .
هـذا ومن الغريب اللافت للانتباه تناسي المؤرخ الكبير المختار بن حامدٌ –رحمه الله– لهذا العلَم البارز في موسوعته "حياة موريتانيا" !
ففي الجزء السادس من هذه الموسوعة الذي خصصه لقبيلة المترجم ذكر اسمه بين أسماء إخوته عند سرده لها من دون أن يذكر بنت شفة تدل على صلته بالعلم .
وعندما تعرض للتعريف بهم أهمله بالكلية ، حتى أنه لم يذكر أيا من أبنائه ، وهو الذي عودنا على التقصي البالغ في ذكر عقب كل من يذكر اسمه:
"وفي كل حيٍّ قد خبطتَ بنعمة فحق لشاس من نداك ذَنوب"
والأغرب من ذلك ما قام به في الجزء المعنون بـ"الحياة الثقافية" عند ذكره لشيوخ أسرته الذين تعاقبوا على التدريس في محظرتهم حيث سله من بينهم سلَّ الشعرة من العجين .
قد يقول قائل:
تأنَّ ولا تعجل بلومك صاحبا لعـل له عـذرا وأنت تلوم
فقد يكون ذلك راجعا إلى جهله بأخباره ، لبعد دياره من دياره .
وأقول: هذا ما كنت -ولا أزال– أظن وأرجو ، وإن كان استقصاؤه في أخبار إخوته وأخبار غيره من علماء ناحيته الذين يقل فيهم من بلغ مبلغه يأبى إلا استبعاد هذا الاحتمال .
وهو إذن نادر الوقوع إن لم يكن فريدا من نوعه ، يدل على ثقة شيخه الكاملة بعلمه ، وارتضائه المطلق لفهمه .
عن هؤلاء الشيوخ الذين سنعرِّف بهم لاحقا إن شاء الله ، أخذ العلوم التي تدرس فى زمنه وبلده من فقه ونحو ولغة وأصول وقواعد وغيرها وأبرّ (1) فيها على معاصريه ، كما يشهد له تخصيص
تلميذه العلامة محمد الأمين بن محمد المختار "آبَّ" له من بين شيوخه – على جلالة أقدارهم ورسوخ أقدامهم في العلم– بـ"العلامة المتبحر في الفنون" .
وهي شهادة من شيخ دارٍ بمدلولات الألفاظ ليس من شأنه المجازفة في الإطراء ، وما كان مثل هذا الشيخ ليخص بعض شيوخه اعتباطا بوصف كهذا في عِظم مدلوله .
وقد بلغ في معرفة لغة العرب بالخصوص مبلغا لم يبلغه أحد من معاصريه ، كما شهد له بذلك جذيلها المحكك شيخه عبد الرحمن بن آفلواط عندما قال متحدثا عن أسرته أهل أحمد ألفغ إن الله منَّ عليها بأن لا تخلوا من متفوق في خصوص لغة العرب ، وأن ذلك كان من نصيب آدُّو في زمنه ، ثم خلفه هو – يعني نفسه – فى ذلك ، أما هو فإن أحمد فال هو من سيخلفه .
ويقول الشيخ الحسين بن آدُّو راوي هذا القول عن عبد الرحمن إن الخلافة بعد أحمد فال آلت إلى محمد يحيى "يحيانَّ" رحم الله الجميع .

مظـاهر من نبوغـه
برزت مواهب المترجم واستبان نبوغُه وتفوقه على أقرانه في وقت مبكر من حياته ، فقد كان يحدث عن نفسه أنه حفِظ "السفر" من مختصر خليل بالسماع من تلامذة شيخه باب رحمه الله .
وقد بلغ ذلك النبوغ أشده وآتت تلك المواهب أُكلها في محظرة شيخه لمرابط أحمد بن محمد عينين رحمه الله .
ففي أول قدومه على هذه المحظرة كان يجلس بإزاء لمرابط أحمد عندما يبدأ الطلبة يتواردون عليه للتدريس ويلقي كمه على رأسه ، ولا يزال كذلك إلى أن يفرُغ الشيخ من التدريس ، ولم يكن اهتمامه بمراجعة دروسه كثيرا ، ولما لاحظ شيخه ذلك عدة مرات ناداه - وكانت بينه -أعني لمرابط أحمد- وبين آدُّو والد المترجم مخاللةٌ – وقال له: يا ابن أخي إنى لا أرضى لك بهذه الحال أن تذهب إلى التلاميذ في طلب العلم صحبة زملائك ، فيعودون وقد حصلوا ما حصلوا من العلوم وتعود أنت خاويَ الوفاض ، فقال له: إني قد حفِظت وعقلت كلما مر على أذني من الدروس .

ــــــــــــ
(1) غلب .
وفي فترة دراسته باب الفرائض من مختصر خليل كان شيخه لمرابط أحمد مصابا بوجع شديد في عينيه أداه إلى أن يمكث داخل ستر مغلق حذرا من أن تصيبه الرياح ، وباب التركة من صعاب أبواب العلم لذلك يقوم الشيوخ أثناء تدريسه للطلاب ، بتذليل مسائله الصعاب ، من خلال رسم أمثلتها على التراب ، لكن المترجم نظرا لوضع شيخه الصحي ، درس هذا الباب الصعب من وراء ذلك الستر ، واستغنى عن تلك المنهجية التي ما تزال سائدة في نهج التدريس المحظري بثقوب فهمه وتمهر شيخه وتمكنه من إيضاح المسائل العويصة .
وسمعت جدنا الفقيه الأورع محمد محمود بن أحمد زيدان –رحمه الله – يحدث غير مرة ، أنه بينما هو فى محظرة لمرابط أوّاهْ بن الطالب ابراهيم إذ جاء رجل – ذكر نسبه وأُنسيته– وسأل التلاميذ هل ثَم أحد من قبيلة المترجم ، قال: فدلوه عليّ فجاء حتى وقف علي في عريشي ، وقال لي: يا ابن أخي أحقٌّ ما بلغني من وفاة أحمد فال بن آدُّو فقلت له: نعم ، قال فارفضّت دموع ذلك الرجل حتى التقت على لحيته ، ثم التفت إلى التلاميذ قائلا: أيها التلاميذ اعذروني فيما ترون ، فقد كنت مع هذا الرجل في محظرة لمرابط أحمد بن محمد عينين والتلاميذ مقرّون له بالتقدم في كل الميادين من علم وفهم وعَدْوٍ وحِلابة ، حتى في حلاوة وقبول النادرة والدعابة .
أمّا عن سرعة حفظه وكثرة محفوظاته ، فقد منحه الله سرعة حفظ نادرة ، وشفعها له بقوة الضبط ، وتحكى عنه في هذا المجال حكايات قد لا تخلو في مجملها من مبالغات دأب عليها أغلب الرواة في مثل هذا المجال ، خصوصا إذا كان الحديث عمن هو مثله في النبوغ .
وسنكتفى مما يكفي اللبيب بما حدث به عنه تلميذه العلامة محمد الأمين بن محمد المختار "آبَّ" عندما قرئت عليه أبيات من الشعر فلم يحفظها بالسرعة التي ألِف من نفسه ، فقال: سبحان الله ما أصدق شيخي أحمد فال أنشده منشد ذات مرة قصيدة طويلة ، وأنا إذ ذاك معه فترة دراستي عليه ، فلما انتهت التفت الشيخ إلينا معشر التلاميذ وقال: انظروا هل فيكم من حفِظ شيئا من هذه القصيدة ، فطفِق التلاميذ يَمرون أخلاف حفظهم منهم من يحفظ البيت ومنهم من يحفَظ البيتين ، قال: وسردت أنا القصيدة بتمامها وسردها أحمد فال متقطعة ثم التفت إليّ وقال: لست بأسرعَ مني حفظا ولكن يد الكِبَر تعيث فى الحفظ فسادا .
قال الشيخ "آبَّ" وقد استبنتُ أنه أسرع حفظا مني بكثير إذ سني الآن تقارب سنه هو إذ ذاك ، وها أنا ذا لم أحفظ هذه الأبيات على عادتي رغم قلتها بالنسبة لتلك القصيدة .
فما بالك بمن يكون حفظه بالسماع بهذه الدرجة بعد أن ناهز الستين من العمر .
هذا غيض من فيضِ ما منحه الله من موهبة متعددة الجوانب ، وقد وظّف – رحمه الله – تلك الموهبة فى تحصيل العلوم ، فأحلته فى مقدمة من يشار إليه من الشيوخ المدرسين ، والقضاة المفتين .

انتصابه للفتـوى
من المعلوم أن تولي القضاء في هذه البلاد في ذلك الحين لم يكن عن طريق تنصيب الإمام لخلوها منه وإنما كان يحصل بتفوق العالم وتسليم العلماء لأحكامه ، فعند ذلك يعتبره الناس قاضيا ويقصدونه لحل نزاعاتهم .
وقد بدت سمات القاضي المفتي بارزة عليه منذ الصغر ، فقد كان شيخه باب يوصيه بحفظ النصوص ، لما شاهد فيه من مؤهلات الارتقاء إلى صفوف ذوي الفتوى والقضاء ، ويقول له: إن الأسئلة ربما وردت ليلا ، أو أثناء سفر ، أو نحو ذلك من الأوقات التي يتعذر فيها الرجوع إلى المراجع .
وقد امتثل وصية شيخه هذه أحسن امتثال ، فكان لسان حاله يردد:
علمي معي أينمـا يمّمتُ يصحبـني صـدري وعـاء له لا جوفُ صُندوقِ
إن كنتُ في البيت كان العلم فيه معي أو كنت في السُّوق كان العلم في السُّوق
يقول أحد تلامذته (1) إنه صحبه في بعض أسفاره إلى بعض التجمعات العامة ، فكانت الأسئلة ترد عليه تباعا فيجيب عليها دون أن يرجع إلى كتاب .
بل إن إصابة فهمه وحضور جوابه امتدّا إلى أن جعلا المستعمر يعتبره قاضيا معترفا بأحكامه .
وذلك إثر إجابته ذلك "الكابتين" الفرنسي (2) عن سؤاله الذي ألقى على جمع يضم علماء وزعماء اجتمعوا لرأب ثأى بعض التوترات ، وكان ذلك إبّان فترة الاستعمار !.
سألهم الكابتين المذكور (3) قائلا –من غير سابقة-: أين ترك الرجل المرأة ؟ ففهِم المترجم أن المراد موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وزوجه ابنت شعيب عليه السلام ، فقال له: بوادي طوى ! فاندهش الحاضرون –بما فيهم السائل– لهذا الاستحضار اللافت ، ومن ذلك الحين اعتبره الفرنسيون بمثابة القاضي الرسمي ، فكان القاضي المعين من قِبَلهم يُمرُّ كل حكم جاءه من قبله حاكما به أو مسلما له .
وهذه إحدى إجاباته التي سارت بها الركبان .

ـــــــــــــــ
(1) هو ابن عمه الفقيه الصدوق عبد الله بن أحمد مولود ابن بدِّ رحمه الله .
(2) كان من بين ضباط الجيش الفرنسي إذ ذاك أفراد جزائريون تعلموا العلوم الدينية تعلما متقنا ، جلبهم المستعمر -ضمن ما جلب- ليتوصل من خلالهم إلى فهم ثقافة سكان هذا البلد المسلم وسبر أغواره ، تمهيدا لاحتلاله الذي استعصى عليه عدة عقود .
(3) يذكر بعض المصادر أن اسمه الكحاح .

ومن إجاباته المبادهة كذلك ما جرى له عندما جاء ذات مرة إحدى المدن التي تقام فيها فريضة الجمعة فلما كان يومها وافى الجامع فوجده غاصا بالمصلين ، ولم يجد مكان جلوس إلا فيما يلي الإمام وكان من المعهود عندهم تخصيص ما يليه بمن هو أهل للاستخلاف ، فتقدم إلى الأمام وأحرم متنفلا ، فلما سلم قـال له بعض من يليه: بم استأهلتَ لهذا الموضـع؟ فأجابه بقـوله: بإدراك ما قبل الركوع (1) .
ومن إجاباته المتداولة أيضا أنه سئل هل يكره أذان الضيف؟ ، فأجاب بأنه إنما يكره الضيف نفسه لا أذانه (2) .
وقد كان رحمه الله قاضيا ماهرا بالقضاء نافذ البصيرة فيه ، فضّ الله على يديه ما لا يحصى من النزاعات ، وما يزال كثير من أحكامه في حوزة المعنيين به .
أما على المجالين السياسي والاجتماعي ، فقد كان له دور مشهور لدى أهل محيطه ، وحسبنا من الإشارة إليه أن نحيل إلى ما سيأتي من مراثيه .والـده
محمدُّو المشتهر بلقبه "آدُّو" بضم الدال المشددة ابن محمـذاً بن ألمين .
عالم زاهد ولد في منطقة "أَكانْ" (3) حيث كانت تقيم أسرته أهل أحمد ألفغ .
ونشأ في محيط علمي تذهب الروايات إلى أنه بلغ من انتشار العلم بين أفراده ما جعل الطالب لا يحتاج إلى أن يغادر بيته طلبا للعلم .
هذا إلى جانب رخاء من العيش وخفض بحيث إن ذويه قضّوا برهة من الزمن لا يوجد بينهم من هو مَصرِف للزكاة .
ـــــــــــــ
(1) يقصد أهليته للاستخلاف المشترطة عندهم فى استحقاق ذلك المكان ، مشيرا إلى ذلك بقول الشيخ خليل في فصل الاستخلاف من مختصره: "وصحته بإدراك ما قبل الركوع" ، فكأنه يقول: استأهلته بمعرفتي لأحكام الاستخلاف ، كما يستأهل المسبوق للاستخلاف بإدراك ما قبل الركوع .
(2) يقول محمد مولود بن أحمد فال رحمه الله – كما فى "مفاد الطول والقِصَر على نظم المختصر" للعلامة محمد الخضِر بن حبيب الله اليعقوبي-:
الضيف والمضيف في الأذان طلبـه ونهيـه سيــان
وليس في مملكـة الأميـر من كرهه للضيف من نقير .
(3) بفتح الهمزة وسكون النون وكاف تنطق جيما مصرية .
في هذا المحيط نشأ آدُّو وابتدأ طلب العلم على يد والده – فيما نرجح – وبعد وفاته واصل الطلب في المحيط نفسه مدة من الزمن .
ثم إنه آثر التفرغ لتحصيل العلوم والابتعاد عن هموم الأهل ، فأقام صدر ركابه شطرَ منطقة "الكبلة" ومكث زهاء عقد من الزمن تتعاوره المحاظر والشيوخ .
فأخذ عن محنض بابه بن اعبيد ( 1185 – 1277 هـ ) وأهل أحمد بن العاقل الديمانيين وغيرهم ، وأخذ التصوف عن محمذاً فال بن متالي التندغي (لا1287 هـ ) الغني عن التعريف كسابقيه .
ثم عادإلى مسقِط رأسه "أكان" وجلس للتدريس فتوارد عليه طلاب العلم وبدأت محظرته تنمو وتتوسع .
وبعد فترة قضاها في "أكان" ارتحل صحبة تلامذته إلى منطقة "تكانت" حيث مضارب خيام أغلب قبيلته ، وفي أثناء طريقه إليها مر بالشيخ الصوفي الصالح سيد محمد بن امَّنِّ قبل أن يلقي عصاه في "تكانت" مشتغلا بالتدريس مقبلا علي عبادة خالقه جل وعلا .
وقد أخذ عنه في كل من "أكان" و"تكانت" عدد من الأعلام البارزين ، نذكر منهم
ابنه بابَ
ابن خاله عبد الرحمن بن آفلواطْ
ابن أخته محمذاً بن أحمد بن بَيَّ (*)
ــــــــــــــ
(*) محمذاً بن محمد الامين بن أحمد بن بيَّ الجكني ثم اليوسفي عالم متفوق، وشاعر مفلق، ولد ونشأ بين أخواله في "أكان" وأخذ عن خاله آدُّو وغيرِه ، وكان -رحمه الله - معجبا بأخواله كثير التعلق بهم ، كما تترجم عن ذلك أشعاره التي تتدفق إعجابا بهم ، وتطفح نسيبا بذكر مواطنهم .
من ذلك قوله:
يلومـان في حبي بنـي رمضـان مُليمـان في رمضائه رمضاني
وما أنصفـاني إذ يلومان فيهـمُ وما أنزل الرحمـن في رمضان
يقـولان لي ما أنت أم ما هواهمُ ؟ وهـل أنا إلا من بني رمضان ؟
عمومـة آبـائي همُ وخـؤولتي ومسقِط رأسي أرضهمْ ومكاني
وهمْ أدبـوني في صِبـايَ وقوموا لسـاني فشعري منهمُ وبيـاني
ومن علمهم علمي أخذتُ ومنهمُ أخـذتُ بياني مذ رضعت لِباني
معاهـدَ رشـد بيَّنـوا لي فمنهمُ رشـادي ونحـوي منهمُ وبياني
ودرسَ عويصـات العلوم وكتبَها رَضـاعي ثُـدِيَّ الأمهات كفاني
وهمْ - والذي حج الملبون بيته - هـوايَ ومَـرقى عزتي وأمـاني =--


محمد عبد الرحمن بن نوح (*)
سيد محمد "ديدِ" بن محمد الصالح ابن ابَّاهَ
عمارُ بن أحمد مولود "حدْ" بن الشيـخ سيد ألمين
عبد الرحمن الشيخ بن المختـار "ابَّ" بن الشيخ سيد ألمين
ألمين بن بيتَّـارْ (.*)
وغيرهم .

ـــــــــــــ
=-- وهـمْ عُـدّتي للنائبات وجُـنّتي إذا ما زمـاني بالشَّنـار رمـاني
فهمْ – هكذا - فخري فجيئا بمثله وإلا فغضَّـا عن بـني رمضـان .
ومنه أيضا في مدحهم:
لدى عُـدوتيْ واد الجُريف عهـودُ درسن وبـاقي ودّهن جـديد
ودور بحُـزّان المنيـف وأربُــعٌ بميثـاء "جَـوْكٍ" عهدهن بعيد
إلى الملتقَـى فالـرالتين فجنبـتيْ هِيـاد جرت نكب بها ورعـود
عهـدت بهـا لبنى فأضحت بلاقعا تـروج بها أُدْم الظِّبـا وتـرود
ليـاليَ أبغـي وصلها ويصـدني رقيب على باب المـزار عتيـد
لئن حمّ لي منهـا الفـراق وقُطعت مواثيـقُ كـانت بيننا وعهـود
لَمَا طاب لي عيش ولا لـذ بعدها وصـال وربَّات الحجـال شهود
ألا ليت شعري هل لما فات مرجع؟ وهل منقضي عصرِ الشباب يعود؟
وهـل لي إلى تلك المنـازل أوبـة وأيــامِهـا؟ إني إذا لسعيــد
فـدع ما مضى وانشرْ مئاثر سادة لهمْ في مقامات الكمـال صعـود
على طارف المجد احتـووا وتليـدِه وما المجــد إلا طـارف وتليـد .
(*) محمد عبد الرحمن بن أحمدْ بن نوح الجكني ثم الرمضاني عالم جليل ، أخذ عن آدّو وغيره ، ومما جرى له مع آدّو –رحمهما الله– أنه كان يصحبه في بعض أسفاره وهو إذ ذاك يدرس علم النحو ونزلوا أثناء السفر ، فانطلق محمد عبد الرحمن بالرواحل ليقيدها ويرسلها ترعى كما هي العادة ، وفي انطلاقته تلك قذف الله في قلبه علم النحو ، وكشف لشيخه عن ذلك القذف ، ولما عاد التلميذ التفت إليه شيخه قائلا: إن ما معنا من علم النحو هو ما وافاك ولم يزل محمد عبد الرحمن مع شيخه آدو إلى أن دفنه .
(.*) كان من أخص تلامذته وأكثرهم ملازمة له .



وقد بلغ – رحمه الله – مبلغا كبيرا من اتساع المعارف ، خصوصا فيما يتعلق بالقرآن العظيم ، وكان مع ذلك في غاية التباعد عما يؤدي إلى الظهور ، حتى أن الشيخ الشهير محمد الصالح بن ابَّاهَ (*) سأله هل يحفظ القرآن؟ فكانت إجابته أن قال له : إنه لم يبلغ كذا -لمرحلة أوَّلية من السن– إلا ولم تبق آية منه إلا وقد عرف إعرابها وسبب نزولها إن كان فضلا عما سوى ذلك .
وفيما نقل عنه ابنه أحمد فال في شرح ملحة الإعراب الذي بين أيدينا دلالة وأي دلالة على مزيد عنايته بالقرآن العظيم على وجه الخصوص ، فقد ورد في باب المفعول معه من هذا الشرح ما نصه:
تنبيه: لا يجوز النصب على المعية إلا عند ضعف العطف ، ولذلك أخبرني من أثق به أنه أخبره والدنا أنه لا يوجد في القرآن .
وقد أخبرني أحد ثقات العلماء من أحفاده أنه جرى بحث في مسألة علمية بحضرة آدُّو فقال بعض الحاضرين إن تلك المسألة توجد في حاشية بِناني على شرح الزرقاني لمختصر خليل ، فقال آدُّو إنها غير موجودة فيها ، فانطلق الرجل وأحضر الكتاب المذكور ، فقال له آدّو: إن شئت أُمْلِه عليك عن ظهر قلب .
وقد قال الشيخ الحكيم محمد المختار بن أيْدَّ الملقب الوالدَيْنْ المعروف بعباراته الوجيزة في مبناها ، البليغة في معناها ، مشيرا إلى سعة علمه في كل ميدان ، متبعا مهيع نابغة بني ذبيان ، في قوله:
ولا عيب فيهمْ غير أن سيوفهمْ بهنّ فلول من قـراع الكتائب
قال -فيما يذكر عنه-: آدُّو ليس فيه من العيب إلا أنه لا يقول: الله أعلم .
وكان –رحمه الله– نحويا بالسليقة قبل أن يكون نحويا بالقواعد ، وكان لا ينطِق بلحن فإذا مر عليه مكتوبا جرى في نطقه على الصواب .
وقد تبدى تجافيه عن دار الغرور ، وابتعاده عن أسباب الشهرة والظهور في عدة مظاهر .
منها ابتعاده عن وضع أي تأليف في أي فن على سعة معارفه وتنوعها ، وقد سئل عن سبب ذلك فأجاب بأن التآليف كثيرة في كل الفنون ، وأن العلم إنما يحتاج إلى من يتعلمه .
وترك ذلك كلمة باقية في عقبه فقل من ألف منهم .
ومنها تجافيه عن قرض الشعر إلا القليل النادر مع أن خاله آفلواط بن محمدُّو يقول مخبرا عنه وعن نفسه: إن بإمكانهما أن لا ينطقا بمنثور طيلة حياتهما لسهولة النظم عليهما .
ومن شعره قوله يخاطب أشياخه في منطقة "الكبلة" ( الغرب ) (1):
ـــــــــــــــ
(*)هو الشيخ الشهير ذو القدر الكبير محمد الصالح بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بمحمد ابن ابَّاهَ. كان محمد الصالح جدَّ مقرب لآدّو رحمهما الله حتى أنه لم يكن يسمح لأي خيمة أن تنزل بين خيمتيهما ولو خيمة أحد أولاده
(1) تذكر بعض المصادر أنه أنشدها عند مغادرته محظرة أهل أحمد بن العاقل .

سـلام على أشياخنا غـرّة العصر قضاة بـلاد الغرب في أيما مصر
أعيـذكمُ باللـه من آفـة الـريا ومن آفة التسميع والعجب والكبر
ومن آفتـيْ حب السيـاسة والقِلى ومن آفتىْ حب الرئاسـة والفخر
ومن شـر أقـلام دوائب لا تُـرى مدى الدهر إلا وهْي راعفة تجري .
ومنه أيضا قوله عند حلول بعض الأوبئة التي أفنت المواشي فأذهلت الناس ، وكان جل الاعتماد عليها:
ضعف اليقين اعتقاد الرزق في بقر أو إبْل أو غنم أو في يديْ عُمَرِ
أو من مبايعـة أو من مقارضـة فالرازق الله معطِي السمع والبصر .
وقد بحث رحمه الله عن شغل يشغل جميع جوارحه عن غير طاعة الله تعالى ، فهداه الله إلى نسخ الكتب (1) فأكبَّ على نسخها ونسخ كثيرا من المؤلفات النافعة كـ"تفسير الخازن" و"الموطإ" و"شرح عبد الباقي الزرقاني" على مختصر خليل وغيرها من المؤلفات الضخام ، وما يزال بعضها موجودا بخطه.
عاش آدُّو زهاء ثمانين سنة وتُوُفي في مطلع القرن الهجري المنصرم ودفن بـ"تَيَرتْ" من منطقة "تكانت" ، وخلف أبناءه الكرام البررة الذين سلكوا خطاه وتعاقبوا على التدريس في محظرته التي ما تزال – ولله الحمد – وارفة الظلال ، محطا لرحال الطلاب من مختلِف الأصقاع (شعر):
حفِظ اللـه أهلها ثـم لا زا لت محطّـا لأرحُل الطـلاب
تنتحيها الركاب من كل فجٍّ حامـلاتٍ لكل عالي الكعاب
باطِّلاب العلوم حِلْف ولوع ما انثنى عنه باعتراض الصعاب
فيُـوافي الإكرام أو ينثني ريـّ ـان ممّا (2) العلـومِ والآداب .
رحم الله السلف وبارك في الخلف .


ـــــــــــــــ
(1) يذكر بعض المصادر أن شيخه محمذاً فال بن متـالي أشار عليه بذلك بعد أن استرشده إلى ما يحقق له تلك الأمنية .
(2) ما زائدة بين من ومجرورها كما في قوله تعالى: ﴿ مما خطيئاتِهم ﴾ ابن مالك:
وبعد من وعن وباء زيد ما فلم يعق عن عمل تقدما .
ابتداؤه التدريس وسيرته مع الطلبة
لم نتمكن من تحديد زمن ابتداء مزاولته للتدريس ، غير أنه عند انتهائه من الطلب كان شيخه باب قائما بالتدريس في المحظرة وغير بعيد أن يكون أقام بجنبه معينا له على التعليم في تلك الفترة .
ومنذ خروج باب – رحمه الله – مهاجرا استقل هو بأعباء المحظرة فتوسعت على يديه وشدت إليها رحال المطي واحتضنت مئات الطلاب وبلغت أوج ازدهارها .
وقد كان رحب الصدر لتلامذته كثير المؤانسة لهم ، وله معهم مداعبات علمية رائقة ، ومفاكهات أدبية فائقة ومن مباسطته لهم أنه كان يضع لهم ألقابا تنم عن مجالات مواهبهم ، وربما جرت على بعضهم تلك الألقاب حتى تحل محل اسمه العلَم عند من لا تربطه به علاقة قوية .
من تلك الألقاب "الحريري" و"تأبط خيرا" و"الأصمعي" .
وبهذا الأخير كان يلقب خليله محمد محمود بن حمدون الذي يقول لما تغيب عنه فحن إلى ملاقاته ، واشتاق إلى أحاديثه التي تفيض علما وأدبا:
ترامت بـك الأقـدار أي تـرام وقمت بأرض غيـر ذات مقـام
وأصبحت رهنـا لا تؤالف صاحبا يليق لإيـلاف الأنـاس الكـرام
تبيت الليـالي مستهـاما متيمـا كثيـر أذِيّـات قليـل منــام
تحـنُّ إلى لقيـا حميمك دائمـا حنينَ عشـار في الفـلاة سـوام
كأنـك لم تصحب كرامـا أجلة حديثهـمُ شَهـد شفـاء سقـام
يُعاطون للأضيـاف أنبـاء تغلِب وما قيـل في جمـل وقول حـذام
وما قالت الخنسـاء يوما لصخرها وما غنت الذلفـاء بَـرحَ غـرام
وما قـاله غيـلان مـيٍّ صبـابة وما قال حسـان لهـادي الاَنـام
ولم تدخل البيت المسجَّف بالضحى على خُـرَّد غُـرٍّ صعـاب المـرام
يحدثن من يـاتي على غيـر ريبـة ويُخلفـن ظن الفـاحش المتعـامي
ولم تُعمل العنس الذلولة في الفـلا لإدراك أمـر مـن أمـور عظـام
ولا غـرو إن الدهر يفعل هكـذا بأبنـائـه طـرا قبيـل الحِمـام .
ولعل في هذه القصيدة ما يكشف عن سر تلقيبه له بالأصمعي .
وكان تلامذته يعرضون عليه أشعارهم لتصحيحها وتنقيحها ، وقد كان – رحمه الله – شاعرا بالقوة والملكة لا بالفعل ، وكان يشبه وقع الخلل في الوزن على أذنه بوقع الحجر بين ضرسي ماضغ الزرع وهو تشبيه مطابق ، وكـان يقول لمن أراد أن يعرِض عليه شعرا: أنا لا أصوغ الشعر ولكن أنقده .
ومن أمثلة نقده أن بعض الشعراء أنشد بحضرته أبياتا يقول فيها:
حيِّ الديار ديار ميٍّ إذ بعُدوا واذرِ الدموع فلا صبر ولا جلَد
هكذا بإرجاع ضمير الجمع المذكر العاقل إلى المؤنث وكسرِ الراء من اذر ، فقال هو –رحمه الله-: بعدن ، وقال: اذرُ ، بتأنيث الضمير في الأول وضم الراء في الثاني (1) مصوبا في الموضعين ، فغضب ذلك الشاعر وترجم غضبه في أبيات لم نعثر عليها ، فعند ذلك انبرى الشاعر الأديب ماناه بن محمدُّو للإجابة بقوله:
حوت ضمائرنا ما في ضمائرنا وفي ضمائركمْ ما في ضمائركمْ
فما الرياح لنا تَـذروه فهْو لنا وما الرياح لكمْ تُذريه فهْو لكم
وقد يليق بكمْ ما لا يليـق بنا وقد يليـق بنا ما لا يليق بكم .
وبالرغم من توفر أدوات الشعر لديه فإنه لم يشتغل بقرضه ولم يوله من هذا الجانب أي اهتمام ، ولعل ذلك كان اقتداء منه بوالده الذي تجافي عن قرضه إلا ما ندر كما مر ، أما هو فلم يؤثر عنه إنشاء بيت من الشعر ، اللهم إلا ما كان من بعض الأراجيز التي نظم بها بعض المسائل العلمية لتبقى عالقة بالذهن ، من تلك الأراجيز –على قلتها– قوله مبينا ضبط لقب أبي الحسن علي بن محمد الكتامي الأُبَّدِيّ (*):
ــــــــــــــ
(1) ذرت الريح الشيء تَذروه ذروا أطارته وأذهبته ، كأذرته بهمز القطع ، وهذه عن ابن الأعرابي وأنكرها أبو الهيثم وقال: إنما يقال: أذريت الشيء عن الشيء ألقيته ، قال ابن أحمر:
لها مُنخُل تُذري إذا عصفت به أهابيّ سفساف من الترب توأمِ
قال: ومعناه تسقط وتطرح ، والمنخل لا يرفع شيئا إنما يسقط ما دق ويمسك ما جل . انتهى من القاموس وشرحه تاج العروس ، ولم يذكرا ذرته تَذريه ، لكن في مختار الصحاح: ذرت الريح التراب وغيره من باب عدا ورمى أي سفَته، وفي الحديث ... والرياح وما ذرين هـ وهذا كله في ذرو الريح أما ما يتعلق بالدمع ففي تاج العروس ما نصه: الذَّريُّ كغني ما انصبَّ من الدمع وقد أذرت العين الدمع تُذريه إذراءً . ونحوه في مختار الصحاح .
وانظر هل يختص الإذراء بالدمع كما هو ظاهر اقتصارهما عليه ويؤيد هذا الاحتمال ما مر عن أبي الهيثم لأن إذراء الدمع إنما هو إسقاطه وطرحه لا إطارته أم لا يختص به؟ وعلى اختصاصه به فالصواب هنا أَذرِ بهمز القطع وكسر الراء ، مع أن الرواية في القصة هي ما ذكرنا بالأعلى وقد حدثني بها الشيخ الأديب الذي هو لي بمثابة الأب محمد عالي بن سيد المختار ، بوأه الله منازل الأبرار .
(*) من شيوخ أبي حيان ، كان نحويا ذاكرا للخلاف من أهل المعرفة بكتاب سيبويه والواقفين على غوامضه ، قال أبو حيان في "النضار": كان أحفظ من رأيناه بعلم العربية .. إلى أن قال: قلت يوما للفقيه أبي إسحاق إبراهيم بن زهير – والأبدي حاضر -: ما حد النحو؟ فقال: هذا الشيخ هو حد للنحو . توفي سنة 680 هـ . انظر "بغية الوعاة" .

الأبـديّ بـاؤه يشـدُّ وهمـزه يضـم لا يمـد
ذكره التصريح والتصريح غـالب ما ذكره صحيح .
ومنه أيضا قوله:
ومسحـك الجبيـن باليميـن منجـورُ قال: سنـةُ الأمين .
وذيله بعضهم بقوله:
ووقته -كنـون قال- بعـد ما فرغ موضعَ الصـلاة فاعلما (1) .
ومما يعزى له:
العصرَ في الحديث بعد من أحبّْ حبيبتيـه أولَ النهــار هبْ (2) .








ــــــــــــــ
(1) قال العلامة الحافظ محمد يحيى بن الشيخ الحسين -رحمه الله- ناظما ما ذكره الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" في كلامه على قوله صلى الله عليه وسلم: "وإني رأيت كأني أسجد في ماء وطين .." إلخ الحديث:
تَـرْكُ بِدار المسح للغبـار عن جبهة ندبٌ لفتح الباري .
وانظر هل هو مخالف لما ذكره المذيل بالأعلى ، أم لا إذ قد يحمل الفراغ فيه على الفراغ من المعقبات ؟
ثم وجدت في "شكر النعمة بنشر الرحمة" للعلامة محمد مولود بن أحمد فال اليعقوبي ما يعين الاحتمال الأول ونصه: فرع قال عياض: كره السلف مسح الجبهة في الصلاة وقبل خروج من مسجد مما يلصق بها من تراب وغيره .
(2) هذا البيت روي عنه ولم يتبين هل نسبته إليه نسبة إنشاء أو إنشاد فقط ، والحديث المشار إليه هو "من أحب حبيبتيه فلا ينظر إلى البياض بعد العصر" هكذا رويت عن شيخي أحمد سالم بن حين –حفظه الله- ولم أقف عليه بهذا اللفظ، وأورده السخاوي في" المقاصد الحسنة" بلفظ "من أكرم حبيبتيه فلا يكتب بعد العصر" ثم قال: ليس في المرفوع لكن أوصى الإمام أحمد بعض أصحابه أن لا ينظر بعد العصر في كتاب ، أخرجه الخطيب أو غيره ، وقال الشافعي –فيما رواه حرملة بن يحيي كما أخرجه البيهقي في مناقبه-: الورّاق إنما يأكل دية عينيه . انتهى منه ، ولبعضهم:
يا ناظر المساطر إن قارب المسا طِرِ .
وانظر ما في البيت المذكور بالأعلى فإن فيه مخالفة لوصية الإمام أحمد المذكورة ولما في البيت الأخير .
وقد مكثت محظرته ما يقارب ثلاثة عقود وهي مكتظة بطلبة العلم الواردين من مختلف النواحي ، وتفرعت عنها عدة محاظر ما يزال بعضها – ولله الحمد – مستمر العطاء متسع العطن تـآليفه
إذا كان والد المترجم قد نكب عن مجال التأليف ولم يَطُرْ حَجاه ، وتبعه على ذلك جل عقبه فقل من ألف منهم ، فإن المترجَم وإن كان قد طرق مجاله ، وشارك في ميدانه رجاله ، لم يُرخ فيه لقلمه العِنان ولم يزد فيه على ما تطلبته الحاجة .
وينحصر ما ترك في هذا المجال – حسب علمي – في أربعة مؤلفات تقاسمها الحفظ والضياع ، أما نصيب الحفظ – أو ما حَظينا بالوقوف عليه – منها فمؤلفان !
أحدهما "شرح ملحة الإعراب" -الكتاب الذي نقوم بتحقيقه- وقد مال فيه إلى الاختصار ميولا ، كما قال في مقدمته: "فرجوت أن نحصل من هذا المختصر شرحا .." إلخ .
ومن خلال استقراء هذا الشرح تبين أنه اعتمد فيه على المراجع التالية:
"ألفية ابن مالك" ، "طرة" و"احمرار" ابن بونَ عليها ، "شرح الأشمونى" عليها أيضا ، "القاموس المحيط" للفيرز آبادي ، "نظم ابن المرحل لفصيح ثعلب" ، " التوضيح على التصريح" للشيخ خالد الأزهري ، "حاشية الحطاب على مختصر خليل" ، "نظم الغزوات" لأحمد البدوي المجلسي ، "مقامات الحريري" ( الناظم ) .
واعتماده على هذه المراجع – فيما يبدو لنا – هو – في أغلبه – اعتماد عزو لا اعتماد رجوع ، بمعنى أنه يعزو إليها مسائل كان استفادها منها قبلاً ، لذلك تجده تارة ينقل عنها بالمعنى ، وتارة يخلل النص المنقول بكلامه هو تخليلا ينبئ عما ذهبنا إليه ، وأما النقل منها بالحرف فنادر الوقوع في كلامه .
ومما يشهد لما ذهبنا إليه كذلك عدم ذكره لها في مقدمته ومن عادة المؤلفين ذكر مراجعهم ، في بداية تآليفهم .
المـؤلف الثاني كرّاسة في الحيازة يوجد أصلها بخطه (1) ، وقد ابتدأها – بعد المقدمة – بتبيين الأمد الذي تحصل به الحيازة ، ثم بتبيين أنواع الدعوى المتعلقة بها ، مرورا بما في ذلك من تفصيل وخلاف ، قبل أن يتطرق إلى قول الزرقاني – في شرحه لمختصر خليل - : إن الحيازة إنما تفيد في بلد الأحكام ، وأما موضع البادية فلا حيازة فيه ، ليؤكد أن دعوى كون هذه البلاد من القسم الأخير من الدعاوِي التي قال فيها البوصيري:
والدعاوِي ما لم تقيموا عليها بينـاتٍ أبنـاؤُها أدعيـاءُ
إذ المراد ببلد الأحكام بلد يوجد فيه الإنصاف ، ومن يشكو إليه المظلوم فينصره ، والحكام – هنا – المراد بهم القضاة والعلماء ، لا الملوك والأمراء ، مستشهدا على ذلك بنصوص اللغويين والفقهاء ، بعد
ــــــــــــــ
(1) يقع في تسع صفحات من الحجم الصغير .

أن بين أن "هذه البلاد منذ أول الدهر إلى الآن فيها الحكام والقضاة" ممثلا لهم عدة أمثلة و"فيها الجبابرة أهل السطوة على جميع الخلق ، لا يقدر أحد أن يظلم غيره خوفا منهم ، والمراد بالأحكام موقعها ومن ينفذها ، ولا أظن أحدا ينازع في هذا وإن فعل كان كالباحث عن حتفه بظلفه" ، معرجا على تعريف البلاد السائبة بأنها هي التي لا حكام فيها يحكمون بين الخلق ، لا التي لا إمام فيها يقيم الحد ، "فبلد السيبة بالنسبة لما نحن فيه المراد به البلد الذي تعطلت فيه الأحكام".
خاتما كلامه في هذا الموضوع بقوله: "فإذا تمهد هذا فاعلم أن هذه البلاد لم تخل يوما واحدا من قاض بل من قضاةٍ عَدْلٍ يحكمون فيها بالعدل وينفذون الأحكام على الرفيع والوضيع والضعيف والقوي ، فظهر مما تقدم أن هذا القيد الذي ذكر ( ز (1)) خاص بباديتهم ، إذ لا يبدو منهم إلا أهل رعاية المواشي ، فلا تجد رفيعا منهم في البادية –غالبا– إلا لعلة ، ولهذه العلة كرهوا إمامة البدوي للحضري وشهادتُه له استبعدوها لهذا أيضا" .
ثم ختم هذه الرسالة بالكلام على ما إذا نسي الشاهد بعض شهادته "مسألة زائد أو ناقص" وما في ذلك من أقاويل ، متخلصا إلى أن الشاهد إذا شهد على أرض ولم يعرف حدودها تكون شهادته باطلة .
أما المؤلفان اللذان لم نقف عليهما فهما:
شرح على "مدائح ابن مهيب" و"مخمَّسها" للفزازي !
ولدينا ورقة من بداية شرح لهذه المدائح قد تكون من هذا الشرح ، غير أن انطماس أسطرها الأوائل حال دون التأكد من ذلك .
شرح على "نظم ابن المرحل لفصيح ثعلب"
لم نقف على شيء عنه أكثر من عزوه إليه .






ــــــــــــ
(1) رمز دأب الفقهاء على الإشارة به إلى الشيخ عبد الباقي بن يوسف الزرقاني شارح مختصر خليل .


وفـاته ومراثيـه
في سنة 1354 هـ انتقل إلى رحمة الله عن عمر لم يتجاوز ثلاثا وستين سنة ، وقد كوشف بمقدار عمره ، فكان قبيل وفاته يدعو بنيّة له رضيعة باليُتيِّمة ، فإذا قيل له في ذلك يقول: أنا لن أجاوز عمر النبي صلي الله عليه وسلم ، ودفن بـ"تَيَرتْ" إلى جنب والده آدُّو ، والفقيه الورع لمرابط أحمدُ بن مودْ وغيرهم:
" جمالَ ذي الأرض كانوا في الحياة وهمْ بعـد الممات جمـال الكتب والسِّيَرِ "
وكانت وفاته ثلمة كبيرة في الدين ، ومصيبة أليمة على قلوب المسلمين ، أفصح عنها خليله العالم المجاهد ، سيف السنة ، وبدر الدُّجُنّة ، سيد بن حين الجكني المتوفي سنة 1357 هـ بقوله – عندما نُعي له -: "لا خير في العيش بعده" .
وقد أجاد في التعبير عن وقع تلك الفاجعة ابن عمه الشاعر الأديب المختار "مانّاهْ" بن محمدُّو بقوله:
كـلُّ داع إلى التـأسـف داع قـد دعـاني فعـزَّ عنه ارتداعي
سح دمعي وهُدّ ركن اصطباري إذ أتـاني بنَعْـي أحمـدَ نـاع
فاكتئـابي من بعده في اتصـال وابتهاجي من بعده في انقطـاع
وارتفاعي من بعده في انخفـاض وانخفاضي من بعده في ارتفـاع
فامتنـاعي من البكـاء عسيـر مَنْ لقلبـي بسلـوة وامتنـاع ؟
كل دمع بعـد الخضمّ مصـون فجـديـرٌ مصـونه بالضيـاع
إن علمــا يبثـه وحـديثـا لجـديرٌ كـلاهمـا باستمـاع
كل علـم من بعـده كسـراب صبّـه اللـه للظِّمـاء بقـاع
فابكِ ما اسطعتِ يا سمـاءُ فقولي: هل لشمسي من بعده من شعاع ؟
وابكِ ما اسطعتِ يا بقـاعُ فقولي: من يُفَـدّى من بعده في البقاع ؟
وابكِ ما اسطعتِ يا علومُ فقـولي: مَن لدرسي من بعده واتبـاعي ؟
وابـكِ ما اسطعتَ يا قضـاءُ تولى متـولي فصل انقطاع النـزاع
وابك ما اسطعتِ يا خطوبُ فقولي: مَن لحملي من بعده ودفـاعي ؟
وابك ما اسطعتِ يا جموعُ فقولي: هل خطيب من بعده لاجتماع ؟
وابك ما اسطعتِ يا وفـود تـولي متـولي قـراكِ حين المجـاع
وابك ما اسطعتِ يا أرامـل قولي: هل لحقي من بعده من مُـراع ؟
مـن لبـاس ومأكـل وشـراب ومـواش ومسـكن ثـم راع
رحــم الله أعظُـما ولحـوما ضمها اللحد من حميد المساعي

ونفي الله بالأميـن (1) همـومـا دهَِمتني فضـاق عنهـا ذراعي
ونفـي اللـه بعـده إذ تنـاهي كـلُّ داع إلى التـأسف داع
صـلِّ ربي على النبـي وسلِّـمْ عددَ الرمل والحصى والدواعي
صـلِّ ربي على النبـي وسلـمْ في ابتدائي وفي انتهاء ابتـداعي .
كما رثاه زميله محمد محمود بن حمدون الجكني بقصيدة يقول فيها:
رمتك الـدواهي بالعظيم من الأمر فهيِّئْ له ما تستطيـع من الصبـر
رمتك بما لا يستطـاع اصطبـاره ولكنـه سَهْلٌ على مبتغي الأجـر
رمتـك بإِدٍّ في العشيـرة فـاظع يزيد ويربو فوق راغية البَكـر (2)
نعت لك أحمد فالُ يوما فأصبحت بواكيـه بين النـاس ضيقة الصدر
نعت فاضلا حُلْو الفكاهة ماجـدا صبورا على ريب الزمان مدى الدهر
فإن كان أحمـد فـالُ أصبح نائما لقـد كان قوام الليـالي إلى الفجر
وقـد كان صـوام الهـواجر دائما لوجه الذي يمحو العظيم من الوزر
وقد كان مِطعـام الطعام لـجائع وقد كان مِفصال الخصوم بما يدري
فيا ويحنـا من للتلاميـذ بعـده ؟ ومن يحسن الإقـراء للنظم والنثـر ؟
ومن ذا يـلاقي الوفد عنـد نزوله بوجه طليـق في الوجوه وذي بِشر ؟
ومن يحمل الثقل الثقيـلَ احتمالُه ؟ إذا هاب حمل الثقل من كان ذا وَفر
ومن لصغـار المسلمين يقـوتهم ؟ ومن للضعـاف المرملين ذوي الفقر ؟
رحم الله السلف وبارك في الخلف .
ـــــــــــــــ
(1) يعني محمد الامين ابن المرثي الأكبر المتقدم ذكره ضمن تلامذته.
(2) الراغية مصدر بمعنى الرغاء ، كالعافية ، وفي المثل "كان عليه كراغية البَكر" قال أبو العباس المبرد في "الكامل" - في قول الأخطل:
لعمري لقد لاقت سليم وعامر على جانب الثرثار راغية البَكر
-: "أراد أن بَكر ثمود ( يعني سقب ناقة صالح عليه السلام ) رغا فيهم فأهلكوا فضربته العرب مثلا وأكثرت فيه قال علقمة: رغا فوقهم سقب السماء فداحض بشكتـه لم يُستلب وسليـب .
وأشكركم مسبقاعلى ملاحظاتكم التى سآخذهابعين الاعتبارواعذرونى على النقل المختلط،وترقبوا المزيد من أعلامنا.
.

داعي إلى الله
17-12-2009, 06:33 AM
شكرا على الترجمة الوافية لهذا العلامة الكبير
أكثر الله من أمثاله