المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هموم التجديد والحداثة -رسالة من نزار قباني الى صديقه



أبو حيان
11-08-2009, 12:14 PM
الشباب الغربي إذا سالت الواحد منهم هل عندك اعتقاد بدين معين هل تمارس أي طقوس دينية فإن الجواب حسب دراسة حديثة هو أن نسبة 70% منهم قالت ( لا اهتم ) هذا هو حال أكثر الشعراء العرب إذا سالت الواحد منهم هل تؤمن بالحداثة هل تمارس أي نوع من الحداثة ( لا اهتم ) جدلية ظهرت في القرن الماضي حول الحداثة في الأدب العربي شعرا ونثرا خاض فيها الجميع وماج وأزبد البعض وأرعد الآخر بيد انه في خضم اللا اهتم والتأييد والرفض كانت هناك ايلاجات إلى عالم الحداثة لا شك في ذلك وكانت رائدة ولها روادها المعروفون هذا بالإضافة إلى المحاولات الكثيرة التي لم ترق للمستوى المطلوب فكانت لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كذلك كان هناك من يملك السلطة والحرفية الثقافية ولكنه خاف النشاز والأخيلة الضاغطة التي توهمه عرضا إنك بذا في واد والناس في واد
انقل في هذه الصفحة رسالة بعث بها الراحل نزار قباني إلى احد أصدقائه في منتصف الثمانينات وذلك ليستفيد منها من فيه قابلية فرب مبلغ أوعى من سامع
هذه هي المرة الثانية التي أجرب فيها الاختزال في فن الشعر تجربتي الأولى بداياتها في كتاب الحب عام 1970 حيث جربت فصل الزوائد اللغوية في النص الشعري العربي لاعتقادي أن النص الشعري العربي مرهق ومثقل بحمولات ينوء بها عموده الفقري أردت في السبعينات أن انهي الثرثرة الشعرية في القصيدة العربية وارمي القماش الفائض على جسدها واكتب قصيدة يكون حجم الصوت فيها معادلا لحجم الانفعال وها انذا في الثمانينات ادخل المختبر مرة ثانية لأواصل العمل على تأسيس قصيدة عربية تجمع في نواتها كل الشعر كما تجتمع في الخلية كل أنواع الحياة كنت اشعر أن القصيدة العربية بحاجة اتباع ريجيم لغوي يزيل عنها طبقات الدهن والشحم التي تكدس على جسدها خلال عصور طويلة ويعيد إليها ضمور خصرها ورشاقة حركتها ويجعلها رشيقة القوام دقيقة الساق كالغزال الصحراوي أو كقراصنة الباليه ولماذا لا تكون القصيدة العربية غزالا صحراويا ؟ ومن عندهم تنطلق الغزلان ومن الشعر العربي اكتشف العالم كيف تصالح الضوء و العتمة في ( عيون المهى بين الرصافة والجسر ) لقد كنت ولا أزال مع الرشاقة ضد الترهل ومع عارضات ( ايف سان لوران ) الاختزال – هل هو مطلوب في الشعر أيضا بكل تأكيد فالحياة العربية كلها بحاجة إلى الاختزال عاداتهم الكلامية بحاجة إلى الاختزال ثرثراتهم الثقافية بحاجة إلى الاختزال مكالماتهم الهاتفية بحاجة إلى الاختزال سراويلهم الفلوكلورية بحاجة إلى الاختزال لغتهم السياسية بطولاتهم الكاريكاتورية بياناتهم الوزارية مواقفهم الدنكشوتية خطاباتهم المطاطية أشرطتهم الإيديولوجية قصائدهم الممتدة كخطوط السكة الحديدية كلها بحاجة إلى قصقصة وتضبيط وعملية تجميل ابتداء من أنوفهم الطويلة حتى بناياتهم الشعرية ذات المائة وخمسين طابقا وكما أن السكنى في ( امباير ستريت ) في انيوويورك متعبة فإن السكنى في معلقة عمرو بن كلثوم متعبة أيضا وإذا كان الصعود إلى امباير يفرض عليك أن تستعمل عشرين مصعدا وتقابل خمسين بوابا فان الصعود إلى المعلقات العشر يفرض عليك أن تتسلق الدرج الحجري درجة درجة حتى تصل عمر طويل إلى روف القصيدة هذا إذا وصلت أنا شخصيا لم أتحمس لناطحات السحاب انيوويوركية ولم أتحمس لشلالات انياجرا ولم أتحمس لأهرامات الجيزة عندما رايتها للمرة الأولى وقد تكون هذه الأشياء جميلة بمقاييس التكنولوجيا أو بمقاييس الفن المعماري أو بمقاييس الرقي الرقي والتطور ولكنني بطبيعتي ضد كل جمال يصيبني بالذعر أو بالدوار وموقفي من اللغة ومن أبنية القصيدة العربية ومن الكتابة بشكل عام هو موقف مشابه فمتانة الديباجة والفصاحة والجزالة وقوة البيان و القوافي الهادرة كالمسدس السريع الطلقات والأبيات المرصوصة كحجارة قلعة رومانية قديمة هي الأخرى بنايات هائلة من الكونكريت اللغوي تصيبني بذات الدوخة التي اشعر بها في كاتدرائيات روما البندقية ومرة أخرى أقول إن القصيدة العربية التقليدية فيها شيء من جمالية الذعر لان الأشياء الضخمة مصنوعة أساسا لتترك لدى رائيها شعورا بالرهبة أو بالخوف أو بالإذلال لذلك أنا أفضل القصيدة الشاليه التي افتح بابها وادخل القصيدة القلعة التي لا يفتح بابها بعد غروب الشمس إلا لمن يعرفون كلمة السر إن عالم اليوم بسبب تزايد السكان وتناقص المواد الأولية والأغذية الأرضية يتجه نحو التقشف والاقتصاد في كل شيء فالرغيف أصبح اصغر والسيارات اصبحت اصغر وثياب النساء اصبحت أضيق والعواطف اصبحت أضيق ومنزل الأسرة الكبير تحول إلى ستيديو والكتب الاكلاسيكية المجلدة تجليدا فاخرا اصبحت كتب جيب والحب نفسه ترك شرفته القمرية ليركب دراجة هذه النزعة الاقتصادية لاستعمال الأشياء لا بد أن تنتقل بصورة حتمية إلى أدوات التعبير في شعر وغناء وتأليف موسيقي فالطرب الطولاني والقصائد الطولانية والملاحم والمواويل والتقاسيم والتواشيح لم يعد لها مكان في هذا العصر العصيبي اللاهث وشعرهم العربي بحاجة ماسة إلى شد الحزام على أوتاره الصوتية والاقتصاد في استعمال فمه وشفتيه إن شهية الشعر عند العربي كشهية الجنس لابد من اعتقالها ووضعها تحت الرقابة وإلا افترست في طريقها الأخضر واليابس ولكن هل يقبل الجمهور العربي الذي تعود المازات والصحون الفاتحة للشهية وفرفشة الفستق المملح أن يتخلى عن أمجاد الطعام وأمجاد الكلام م ويخضع ( لريجيم شعري ) لا يحتوي سوى العناصر الضرورية لبقائه على قيد الحياة إن تجربتي الأولى في( كتاب الحب ) أثبتت لي أن للجمهور العربي قدرة خارقة على طرح عاداته القديمة وتشكيل عادات جديدة طبعا هذه الانعطافة في الذائقة العربية لن تحدث بين يوم وليلة فغريزة الاستماع بحاجة إلى تدريب طويل ككل الغرائز إن أجمل تحية تلقيتها على اثر صدور كتاب الحب 1970 كانت من طالب اتصل بي هاتفيا وقال شكرا لك سيدي باسمي وباسم من أحب لأنك وفرت على الوقت فما كنت أقوله لحبيبتي في ثلاث ساعات صرت أقوله بعد صدور كتاب الحب في ثلاث دقائق وهو الذي شجعني على إعادة التجربة
الشعر ليس حمامات نطيرها نحو السماء ولا نايا وريح صبا
لكنه غضب طالت أظافره ما اجبن الشعر إن لم يركب الغضبا

أحمد الحسن
11-08-2009, 01:21 PM
مرحبا أبو حيان،

ربما لا يزال العرب مغرمين بالأبراج ومنها أبراج نيويورك لكن ذلك لم يمنع البعض من التقشف فقد ظهرت القصة القصيرة جدا كنوع من الإختزال ومن يدري فقد تظهر القصيدة القصيرة جدا جدا يوما استجابة لنبوءة نزار!

من يعش يسمع..