المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فوضي الحواس



efyfe
31-05-2006, 11:58 AM
عكس الناس, كان يريد أن يختبر بها الإخلاص. أن يجرب معها متعة الوفاء عن جوع, أن يربي حبًا وسط ألغام الحواس.
هي لا تدري كيف اهتدت أنوثتها إليه.
هو الذي بنظرة, يخلع عنها عقلها, ويلبسها شفتيه. كم كان يلزمها من الإيمان, كي تقاوم نظرته!
كم كان يلزمه من الصمت, كي لا تشي به الحرائق!
هو الذي يعرف كيف يلامس أنثى. تماما, كما يعرف ملامسة الكلمات. بالاشتعال المستتر نفسه.
يحتضنها من الخلف, كما يحتضن جملة هاربة, بشيء من الكسل لكاذب.
شفتاه تعبرانها ببطء متعمّد, على مسافة مدروسة للإثارة.
تمرّان بمحاذاة شفتيها, دون أن تقبلاهما تمامًا. تنزلقان نحو عنقها, دون أن تلامساه حقّاً. ثم تعاودان صعودهما بالبطء المتعمّد نفسه. وكأنّه كان يقبّلها بأنفاسه, لا غير.
هذا لرجل الذي يرسم بشفتيه قدرها, ويكتبها ويمحوها من غير أن يقبلها, كيف لها أن تنسى.. كلّ ما لم يحدث بينه وبينها؟
في ساعة متأخرة من الشوق, يداهمها حبه.
هو, رجل الوقت ليلا, يأتي في ساعة متأخره من الذكرى. يباغتها بين نسيان واخر. يضرم الرغبة في ليلها.. ويرحل.
تمتطي إليه جنونها, وتدري: للرغبة صهيل داخلي لا يعترضه منطق. فتشهق, وخيول الشوق الوحشية تأخذها إليه.
هو رجل الوقت سهوًا. حبه حالة ضوئية. في عتمة الحواس يأتي. يدخل الكهرباء إلى دهاليز نفسها. يوقظ رغباتها المستترة. يشعل كل شيء في داخلها.. ويمضي.
فتجلس, في المقعد المواجه لغيابه, هناك.. حيث جلس يومًا مقابلاً لدهشتها. تستعيد به انبهارها الأوّل.
هو.. رجل الوقت عطرًا. ماذا تراها تفعل بكل تلك الصباحات دونه؟ وثمة هدنة مع الحب, خرقها حبه. ومقعد للذاكرة, ما زال شاغراً بعده. وأبواب مواربة للترقب. وامرأة.. ريثما يأتي, تحبّه كما لو أنه لن يأتي. كي يجيء.
لو يأتي.. هو رجل الوقت شوقًا. تخاف أن يشي به فرحها المباغت, بعدما لم يشِ غير لحبر بغيابه.
أن يأتي, لو يأتي.
كم يلزمها من الأكاذيب, كي تواصل الحياة وكأنه لم يأت! كم يلزمها من الصدق, كي تقنعه أنها انتظرته حقّا!
لو..
كعادته, بمحاذاة الحب يمر, فلن تسأله أيّ طريق سلك للذكرى, ومن دلّه على امرأة, لفرط ما انتظرته, لم تعد تنتظر.
لو..
بين مطار وطائرة, انجرف به الشوق إليها فلن تصدق أنه استدل على النسيان بالذاكرة. ولن تسأله عن أسباب هبوطه الاضطراريّ.
فهي تدري, كنساء البحّارة تدري, أن البحر سيسرقه منها وأنّه رجل الإقلاع.. حتمًا.
ريثما يأتي.
هو سيد الوقت ليلاُ. سيد المستحيلات. والهاتف العابر للقارّات. والحزن العابر للأمسيات. والانبهار الدائم بليل أوّل.
ريثما يعود ثانية حبيبها, ريثما تعود من جديد حبيبته, مازالت في كل ساعة متأخرة من الليل تتساءل.. ماذا تراه الآن يفعل؟

اليوم عاد..
هو الرجل الذي تنطبق عليه دوماً, مقولة أوسكار وايلد "خلق الإنسان الّلغة ليخفي بها مشاعره". مازال كلّما تحدث تكسوه اللغة, ويعريه الصمت بين الجمل.
وهي ما زالت انثى التداعيات. تخلع وترتدي الكلمات عن ضجر جسدي.. على عجل.
هيَذي عارية الصوت. تكسو كلمات اللقاء بالتردد بين سؤالين.
تحاول كعادتها, أن تخفي بالثرثرة بردها أمامه.
كادت تسأله: لماذا لبس ابتسامته معطفًا للصمت, اليوم بالذات, بعد شهرين من القطيعة؟
ثمّ فكرت في سؤال آخر: أينتهي الحب عندما نبدأ بالضحك من الأشياء التي بكينا بسببها يوماً؟
وقبل أن تسأل. بدا لها وكأنه غير مكترث إلا بصمتها أمام ضحكته. لحظتها فقط تنبهت إلى أنه لم يكن يرتدي معطفًا.
الحزن لا يحتاج إلى معطف مضاد للمطر. إنه هطولنا السري الدائم. وبرغم ذلك, ها هي اليوم تقاوم عادتها في الكلام. وتجرب معه الصمت, كما يجرب معها الآن الابتسام.
الابتسامة الغائبة, صمته. أو لغته الأخرى التي يبدو وكأنه يواصل بها الحديث إلى نفسه لا إلى الآخرين. ويسخر بها من أشياء يعرفها وحده.
الذي يخفيه عنها, كثيرا ما أثار حزنها. أما الذي يثير فضولها, فلماذا تخلّى عنها ذات يوم بين جملتين, ورحل؟
تذكر أنّه, يومها أطبق على الحزن ضحكة ومضى. دون أن تعرف تمامًا ماذا كان ينوي أن يقول؟
لا تريد أن تصدق أنه تخلى عنها, لأنها رفضت يوما أن ترافقه إلى مشاهدة ذلك الفيلم الذي كان يستعجل مشاهدته.
سألته أهو فيلم عاطفي.. أجاب "لا".
سألته أهو فيلم ضاحك.. أجاب"لا".
- ولماذا تريد أن نذهب لمشاهدته إذن؟
- لأنني أحب كل ما يثير فيّ البكاء.
ضحكت يومها. استنتجت أنّه رجل غريب الأطوار, لا يعرف كيف يتدبر أمر حب.
وهي لا تصدق أيضا ما قاله مرة, من أن مأساة الحب الكبير, أنه يموت دائما صغيرا. بسبب الأمر الذي نتوقعه الأقل.
أيعقل أن يكون حبها قد مات, فقط لأنها لم تشعر برغبة في أن تبكي معه, في عتمة صالة سينما؟
وإنما كانت تفضل لو دعاها إلى مكان آمن, بعيدا عن فضول الآخرين, يمكنهما فيه أن يعيشا اشتعالاتٍ عالية..
ما تعتقده, هو كونه أراد إذلالها, كي يضمن امتلاكها. وربما ظن أن على الرجل إذا أراد الاحتفاظ بامرأة, أن يوهمها أنّه في أية لحظة يمكنه أن يتخلى عنها.
أما هي, فكانت دائما تعتقد أن على المرأة أن تكون قادرة على التخلي عن أي شيء لتحتفظ بالرجل الذي تحبه.
وهكذا تخلت ذات يوم عن كل شيء وجاءته.
فلم تجده.


أحلام مستغانمي

فارس شنقيط
31-05-2006, 02:52 PM
فوضى الحواس هي الرواية الوحيدة التي قرأتها في يوم واحد
قرأتها منذ خمس سنوات ولا زلت أذكر صفحاتها واحدة واحدة تماما كبطلها ذاك الذي كان يسحر الروائية البطلة بذاكرته القوية التي تنم عن إهتمامه الكبير بها فكثير ما يجيبها عن سؤال :إقرئيه في الصفحة كذا من روايتك كذا...
قرأتها لأن "ذاكرة جســـــــــــــد" أمرتني بذلك كما أمرتني هي تماما بأن أقرأ بعد ذلك "عابر سريـــــــر" وحين يكون الآمر ملاكا لا نستطيع إلا أن نستجيب ففي الإستجابة له متعة ما بعدها متعة...
شكرا لمقتطفاتك التي لو وجدت وقتا لأضفت لها بعضا مما لا زال يسكن خيالي منذ قرأته لأمنح من لم يقرأ فوضى الحواس بعد بعضا من متعتها اللامتناهية....

efyfe
31-05-2006, 03:53 PM
عزيزي أحمد الحسن
ماهو رأيك برواية اكاذيب سمكة فأنا لم أقرأها؟
إقرأ ديوان الكتابة في لحظة عري و علي مرفأ الأيام



تحياتي

أحمد الحسن
06-08-2006, 06:52 PM
عزيزي أحمد الحسن
ماهو رأيك برواية اكاذيب سمكة فأنا لم أقرأها؟
إقرأ ديوان الكتابة في لحظة عري و علي مرفأ الأيام



تحياتي

أختي الكريمه افيفه

أعلم أنك تقصدين فارس شنقيط بكل تأكيد لذلك لا رأي لي في الموضوع وهذا الرد فقط لرفع هذا الموضوع الممتع والجميل عن هذه الكاتبة العبقرية التي كدت أكمل قراءة روايتها ذاكرة الجسد

efyfe
07-08-2006, 10:15 AM
معك حق أخ أحمد الحسن فأنا كنت أقصد فارس شنقيط مع أنه للأسف لن يجيب
ولكن بما أنكم جميعا من محبي أحلام فسأسئلك رأيك في رواية ذاكرة الجسد ؟
مع أن فوضي الحواس هي المفضلة لدي من الحجموعة
ودمت

أحمد الحسن
09-08-2006, 07:32 PM
عزيزتي أفيفه

تودين معرفة رأيي في ذاكرة الجسد -ومن أنا حتي يكون لي رأي-

لما قرأت رأي نزار أرعبتني أحلام فما يصيب نزار بالدوخة كفيل بهواة القراءة وأدعياء الأدب لذلك أجلت قراءة أحلام مرات عديدة ربما بسبب ذلك التقديم..

أخيرا قرأت تلك الرواية أعجبتني لغة الكاتبة وأسلوبها الذي يشكل مصيدة تنصبها أحلام لمن يمر بالقرب منها فهي تتسلل عبر النص وتحل روحها في قارئه وتضرب أطنابها.. ثم لا يستطيع منها خلاصا

أحلام لا تختلف عن كهلاتنا ينصبن شراكهن ويتسللن إلي ذواتنا حتي يتوطن ثم لا نستطيع منهن خلاصا(الكهله الواعر ماه تفاكها الواعر ألا لفصال معاها) سوي أن أحلام تتسلل عبر لغة أقرب إلي الشعر وتتبني قضية الجزائر ماضيها وحاضرها ومستقبلها تثأر لوالدها سي الشريف وتحقق ما لم يستطع تحقيقه وهو الكتابة بالعربية وتنتصر لإبن مدينتها مالك حداد عروبي جزائري آثر الصمت علي الكتابة بغير لغته الأم التي لم يكن أحس حظا فيها من سي الشريف..

استوقفني كثيرا الفصل المخصص لزياد نموذج المناضل الفلسطيني الذي يرفض القهر والبتر ويتخلي عن كل شيئ ولو بدا وطنا ويلبي نداء الوطن

أبو منير
09-08-2006, 11:42 PM
مشكوين ر والله يعطيكم الف عافيه

son-of-sun
10-08-2006, 12:46 AM
لعبت بلغتها كما تلعب هي بأعصابنا في قصصها....
أقف أمام كلماتك بضبابية اللقاء الاول أقراني قبل أن أقرأها ...
أحس بذالك الفارق بين الرغبة و الاشتهاء بين ان نقف علي ذالك الخط الازرق دون ان نعبر لمجرد أن نحفظ العبور حلما بعيدا دون أن يتشوه بواقع لا يعطي ألا القليل و يأخذ فى مقابله الكثير.......
قالت مرة "أن في الحب أكثر من أي شئ اخر يجب أن يكون لك علاقة ثقة بالقدر"بعثرتنا بالكلمات ..لملمتنا من مقاهي الكآبة..نظفت اللغة من شوائبها و صنعت منها حلما في واقع مر...
شكرا efyfe فقد قرأت أحلام أحسن منا لتكتبيها أحسن منا كذالك.......دمت..

efyfe
10-08-2006, 11:08 AM
عزيزي أحمد الحسن
ربما رأيك كقارء هو ما سألت عنه
وما أنك أخذت الجرعة الأولي فقط فأنا أنتظرك بعد فوضي الحواس.

أبو منير مرورك أسعدنا.

son-of-sun بما اننا كلنا قرأنا أحلام فهذه نقطة لنتساوي فيها جميعا
شكرا للتعليق