المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأخرى.. قصة عن الجن والمقاطعة الخامسة بقلمي..



ساخر جدا
01-07-2009, 06:42 PM
إهداء إلى كل من عرف تألق المقاطعة الخامسة..


الأخرى..


عرفتها طفلا صغيرا يركض بين أزقة الحياة بحثا عن الابتسامة الصغيرة.. كانت في أواخر العقد الثالث من عمرها.. نحيلة الجسم يغلب جمالها الروحي على الخلقي.. لا شغل لها إلا لعب الورق مع صديقاتها اللواتي تقاسمن معها هواية السخرية من الزمن.. كانت شواهد الفطنة والذكاء تتراقص بجلاء على محياها الصغير.. وكان أهم ما يميزها -بالنسبة لنا نحن الأطفال- هو عاطفتها الجياشة التي كانت تغدق علينا بسخاء لتجعلها أكبر صديقة لنا..
كنا أيامها نقطن في المقاطعة الخامسة من العاصمة(1).. كان ذلك في ثمانينات القرن الماضي.. وكانت العاصمة تأسيا منها بالكثير من أخواتها تحتفل بالعقد الثالث من عمرها.. وما أدراك ما المقاطعة الخامسة أيامها.. كانت نجمة تتلألأ في رؤوسنا الصغيرة لتملأها بهجة وسعادة.. كانت منازلها وأشجارها المتناثرة بسخرية تلهم إبداعاتنا الصغيرة.. كنا نرسم في شوارعها الفسيحة أجمل لوحة للبراءة.. لوحة تسطع من بين ألوانها الجميلة إشراقة الحياة.. كان صدى ضحكاتنا يسابقنا في أزقتها الضيقة ونحن نجري بعبث طفولي بحثا عن السعادة المختبئة بين جدرانها الصغيرة وخلف أشجارها المنحنية.. كانت البسمة أيامها تسكن شفاهنا وتأبى أن تغادرها.. كانت مرحلة من النور لم نعرف فيها ظلام الحياة..
كانت العاصمة الحبيبة تصارع مسحة البداوة التي تجاورها.. وكانت رغم بساطة تمدنها نقية الأراضي والأجواء.. يغلب على ساكنتها الكرم والوضوح.. كانت صغيرة إلى ابعد الحدود.. ولعل من عاش تلك الحقب السابقة يستغرب اليوم وهو يدخل القرن الواحد والعشرين.. سرعة اتساعها وتضاعف أهلها وتكاثر متاعبها..
كانت صاحبتنا في تلك الأيام تودع شبابها شأنها في ذلك شأن كل امرأة أجبرتها الحياة على التخلي عن أجمل ما يميزها.. كانت كما عرفتها دائما.. محبة للحياة.. لا يكدر صفوها إلا الأمر العظيم.. أما اليوم فهي اقرب إلى الحكمة والرزانة منها إلى الطيش والاندفاع.. ربما استنتجت أخيرا أن دوام الحال من المحال.. وأن من أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا..
ها هي ذي اليوم بعد كل تلك السنين تفجر في أذني قنبلتها الموقوتة.. هاهي ذي تخصني بحكايتها الغريبة التي وددت لو أنها حكتها لي صغيرا ليكون لصداها المرعب ترددا اكبر في عقلي.. كنا وحيدين في غرفة نائية من غرف ذلك المنزل.. تتقاذفنا أمواج الحديث من جزيرة إلى جزيرة ومن نميمة إلى نميمة.. أنا.. ذلك الطفل السعيد الذي أصبح بعد تعاقب الأيام والليالي رجلا حزينا.. وهي.. تلك المرأة المتفجرة حيويةً التي أصبحت عجوزا.. يا لغرابة الحياة التي تجعل الواحد منا مملكة من الأسرار والتجارب التي منها ما يرى النور ومنها ما يرافقه إلى اللحد..
وبعد طول إبحار على بساط الكلمات.. طرحتنا الأمواج على شاطئ "الذين لا نسميهم"(2)..
قلت بعفوية :
- إنهم موجودون لقد أكد القرآن ذلك بل إن لهم سورة خاصة هي سورة الجن.. ورسولنا الكريم أرسل إليهم كما أرسل إلينا..
أجابتني بهدوء:
- ما قولك في من رآهم وكلمهم.. أنا فعلت ذلك..
قلت مستغربا وقد عقدت الدهشة لساني :
- أنت .. رأيتهم ..
قالت وهي تطلق زفرة عميقة استحضرت بها ماضيها السحيق:
- نعم.. كان ذلك في الستينات.. كنت أيامها فتاة يافعة تلهو بعقل طفل.. أتميز عن صويحباتي بدراجتي الصغيرة وكرتي القدمية.. وكانت اللعبتان من احتكار الصبيان كما تعلم ولكنني كنت مهووسة بهما.. وطبعا جعلني ذلك اقرب إلى الصبيان مني إلى البنات بحيث لم تكن لي إلا صديقة واحدة.. كنا أيامها نقطن في الجانب الغربي من حي "المدينة الثالثة(3) وهو الجانب الذي يلي مجموعة المزارع الصغيرة التي تسمى "لحرايث"(4) .. كانت العاصمة أيامها تقف عند تلك الحدود غربا.. وكل ما يسمى اليوم بالمقاطعة الخامسة مجرد فيافي تسكنها الأشباح.. كنا ونحن أطفالا نتجاوز تلك المزارع الصغيرة غربا لنلعب في ذلك الفضاء الصامت الرهيب.. وكانت رحلتنا اليومية تنطلق من الصباح ولا تنتهي إلا بحلول المساء.. وكان بالقرب من المكان الذي اخترنا للعب فيه كومة من الأوساخ كان أهل العاصمة الناشئة يفرغونها فيه.. وتحيط به شجيرات من الفصيلة التي تقطع منها أعواد السواك الخضراء وهي أشجار لا توجد اليوم إلا في عمق الصحراء.. واذكر أني أصبت في ذلك اليوم على غير عادتي بإرهاق دفعني إلى النوم تحت شجرة نائية فلم استيقظ إلا حوالي الساعة الرابعة عصرا.. كان الحر يومها شديدا.. ويبدو أن الأطفال الأغبياء لم يفتقدوني فرجعوا من دوني يجرون أذيال السعادة والبراءة بعد أن تركوني وحيدة في ذلك المكان.. وعندما استيقظت فوجئت بها تجلس عند رأسي وتضع يدي بين يديها الباردتين.. سألتها باستغراب:
- ما الذي أتى بك إلى هنا..
أجابت :
- جئت ابحث عنك..
استغربت.. ولكن براءة الأطفال التي تحتجز عقلي الصغير دفعتني إلى قبول الأمر.. ولعلي اليوم أكثر امتنانا لها إذ لولاها لربما حدث لعقلي ما لا تحمد عقباه..
سألتها مستغربا:
- هل كنتِ تعرفينها..
أجابت بحيرة التمستُ لها مبررا فلم أجده:
- اعتقد أنها تشكلت في صورة صديقتي الآدمية الوحيدة.. كانت لها نفس الابتسامة الجميلة.. ولكن ثبت فيما بعد.. بعد أن توثقت أواصر الصداقة بيننا وتكررت زياراتي لها أنها كانت انصع بياضا وأجمل من الآدمية .. كان شعرها الطويل الحالك السواد يتجاوز ركبتيها.. تصور أنها كانت تغطيني به أحيانا كلما حملتني إغفاءة عاجلة على أجنحة الضياع.. كانت الطفولة الجميلة تترجم لعقلي الأمر وكأنه عادي لا ريبة فيه.. فكنت أتقبله على ذلك الأساس الأوهى من خيط العنكبوت..
وفي ذلك اليوم.. أخبرتني أنها تريدني صديقة أبدية لها وأن بإمكانها أن تعلمني الكثير من الأشياء التي لا أتخيلها.. فإذا شئت مثلا.. يمكنني أن أرى كل ما أرغب في رؤيته.. وان افعل كل ما أريد فعله.. ولكن بشرط أن أعطيها مقابلا.. طلبت إبهام يدي اليمنى فرفضت هلعا.. فطلبت إبهام اليسرى.. فازددت رفضا.. فطلبت إبهام رجلي اليمنى ثم اليسرى كل ذلك و أنا متشبثة بالرفض تشبث الغريق بما ينجيه من العذاب.. وبعد أن يئست من حصولها على مرادها.. طلبت أن أعطيها أول مولود يأتيني.. ويا للغرابة.. أن يوجد من يتخلى عن بكره وأول ابتسامات الحياة في وجه من اجل أي علم شيطاني كان.. واحمد الله كثيرا على أنني رفضت رغم قلة استيعابي لمرادها.. فقالت لي بعد أشرفت على اليأس .. أعطني إذا سورة الفاتحة.. كررت ورائها باستغراب.. سورة الفاتحة.. قالت نعم.. قلت ببراءة وبعد تفكير قصير.. خذيها فانا لا استخدمها.. كان الفضول يدفعني إلى الوصول إلى اتفاق معها لكي أقف على مدى صحة قدراتها المزعومة.. ولعل طفولتي وقلة نضجي كانا سببا في فقدي للفاتحة من يومها.. وهو ما دفعت ثمنه غاليا حتى مرحلة متقدمة من عمري..
قلت مقاطعا :
- الم تلاحظي أنها لم تطلب منك إلا ما يتعلق بفساد دينك.. ذلك بالضبط ما يريده الشيطان من الإنسان.. يعطيه القليل ويسلبه الكثير.. ثم يضره في جسده وماله وولده..
تراقصت في عقلي خواطر كثيرة تمحورت حول أسباب تلك الأذية الأبدية.. تذكرت عداوة الشيطان لنا.. خطر لي أن كل شيطان ينجح في إفشال مشروع إنسان صالح يحصل على شيء في المقابل.. شيء يجعله أكثر حرصا على إغواء الإنسان أكثر من أي شيء آخر.. تذكرت أن الشيطان الأب يقرب من مجلسه أشدهم علينا.. قد تكون تلك الحظوة هي المقابل.. وقد يكون شيئا آخر أعجز عن إدراكه بعقلي..
قاطعتني بلهفة:
- لقد صارحتني في ذلك اليوم بكفرها.. بل حذرتني من ذكر الله وأنا معها.. وأخبرتني أن قراءة البسملة ترغمهم على الانصراف..
أخذني التفكير مجددا في انقسام مجتمعهم العجيب إلى مؤمنين وكفرة.. القرآن الكريم اكبر شاهد على ذلك.. صحيح أن هذا الدين للثقلين.. هم أمم أمثالنا ما منا ومنهم إلا مسئول يوم القيامة..
خطر ببالي أن في مجتمعهم شبها بمجتمعنا.. فهذه تحدثت مع صاحبتنا بلغتها وجاءتها بهيأتها وهو ما يدل على وجود العقل وبالتالي وجود التكليف.. بل طلبت أكثر من ذلك.. طلبت صداقتها.. ربما ببراءة من يريد الصداقة لوجهها ولكن لضرورة أن يحس المقترب من النار بوهجها كان لا بد من وقوع الضرر لأن الشر هو المهيمن على طبعها.. قلت في نفسي.. لماذا أصرت بالخصوص على إفساد دينها.. فتمثل الجواب في عقلي واضحا "لأنها لم تكن إلا شيطانة"..
قلت لها:
- أظنك تعلمين أن الكفرة منهم هم الشياطين.. وهذه مهما بلغت صداقتها لك فإنها كانت احرص على الإضرار بك منها على منفعتك..
قالت:
- نعم.. وهو ما تبين بعد ذلك.. فقد لبثت مدة طويلة ربما حتى منتصف الثمانينات قبل أن أتمكن من قراءة الفاتحة كاملة بعد أن علمتني تلك الكلمات التي رافقتني أغلب عمري.. ولك أن تتصور مدى صحة الصلاة بدون الفاتحة..
مضت لحظات من الصمت حاولت أن استوعب فيها حديثها.. أما هي فأطرقت قليلا قبل أن ترفع رأسها مواصلة:
- في ذلك اليوم أعطتني ثلاثة أعواد زعمت أن فيها من الأسرار ما يكفيني للإطلاع عليه مجرد رميها الواحد تلو الآخر.. واذكر أنني رميت احدها فوجدت في نفسي قدرة هائلة على رؤية الأشياء لم أعهدها.. كما علمتني أيضا "لكزانة"(5) (الكاف معقودة).. حتى أن المقربين مني بعد ذلك أصبحوا يخافونني بعدما رأوه من حركاتي العجيبة..
تملكتني لحظتها رغبة شديدة في سؤالها عن كنه تلك الكلمات وتلك الأسرار ولكنني لاحظت من خلال اختصارها أنها قد لا ترغب في الخوض فيها أكثر من ذلك فتركتها لعالم الغموض الذي يبدو أنها لا زالت تصارع من أجل الخروج منه..
استطردت قائلة وهي تنفث دخان سيجارة حملتها بين أصابعها باحتراف:
- هكذا بدأت صداقتنا .. كنت آتيها كل يوم في الصباح فأجلس معها تحت تلك الشجرة.. نتحدث في أمور شتى.. بل إنها كانت تحدثني أحيانا بأحاديث لم أكن أفهمها وأنا في تلك السن المبكرة.. ولا أنسى ذلك النوع الدافئ من الأغطية الذي كانت تغطيني به كلما غلبني النوم.. كانت صداقة غريبة ولكن الطفولة كانت تهونها عليّ.. وكنت إذا رجعت من عندها بعد الزوال اتجه إلى شجيرتي الثانية.. كانت من نفس فصيلة الأولى.. وكانت تقع على بعد أمتار قليلة من منزلنا ويفصلها عنه شارع ضيق مهجور نادرا ما كان المارة يسلكونه.. والعجيب أن الأوساخ كانت ترمى حولها تماما مثل صاحبتها.. وكنت قد اتخذتها مكانا للعب ومسكنا قد أبيت فيه على أنغام عبث الهواء الساخر بأغصانها الرقيقة.. وكنت قد صنعت في جذعها "مرجحة" كنت أسبح بواسطتها في الفضاء.. كنت أتسلقها يوميا فاردة جناحيّ الصغيرين فأحتضن المزارع الحبيبة التي تحيط بي..
ولكنني لم أكن أبدا وحدي فيها.. أو هكذا خيل إلي.. واذكر جيدا أن بدايتي مع التدخين كانت بسبب عقب سجارة رمى به احد المارة في ليلة مظلمة في ذلك الشارع المهجور.. كنت يومها فوقها فدفعني الفضول إلى النزول والتقاط أنفاسي من بين أنفاسه المؤذية حتى أجبرني الملل على رميه على الأرض وهو على حاله لم يتغير.. لتكون بداية لإلتصاق التدخين بصدري الصغير.. واذكر أنني بعد ذلك بسنين طويلة التقيت برجل صالح في الجزء الجنوبي من سوق العاصمة.. كان أيامها ساحة كبيرة تملأها الأشجار ويلجأ إليها الناس للقيلولة فرارا من حرارة الشمس.. فجئته وهو يصلي تحت غصن شجرة انحنى إجلالا لشخصه موفرا ظلا مريحا كان الهواء المنعش يتلاعب به بخفة.. فجلست بقربه انتظر خروجه من صلاته.. وبعد أن فعل سلمت عليه فرد علي السلام فاستحييت من إخباره بتلك العادة السيئة.. فاطرق برأسه برهة ثم قال: هم السبب.. ولكن خلاصك منها مستحيل فلا تجهدي نفسك في طلبه واطمئني فلن تضرك أبدا.. كنت احمل ملحفة اشتريتها من السوق فدفعتها له على سبيل الشكر والامتنان فرفض أخذها فودعته وذهبت في حالي..
كان حديثها غريبا.. ولعل ما زادني إصرارا على سماعه.. هو ثقتي في وجود أشياء كثيرة تجاورنا في هذا العالم نعجز تماما عن إدراكها بحواسنا القاصرة ومنطقنا المحدود..
سألتها بفضول:
- وماذا عن صديقتك الإنسية التي جاءتك على صورتها..
أجابت ضاحكة:
- كان خوفها مني يثير ضحكي.. فقد أصبح الجميع يعرفون أن لي علاقة مع "الذين لا نسميهم".. فلم يتجرأ على الاقتراب مني إلا شخصين أحدهما والدي الذي كان سببا في شفائي.. والثاني طفل صغير واتته الشجاعة فلم يهجرني.. بل كان أثناء مرضي يؤجر دراجتي الصغيرة للأطفال واستطاع أن يجمع لي مبلغا من المال تمكنت بواسطته من شراء كرة جديدة طالما حلمت بها..
أضحكني ذلك الجزء الصغير من حكايتها.. ربما كان الأهم.. من يدري.. صحيح.. إن في داخل كل واحد منا طفل سجين يتمنى أن يطلق سراحه ولكن كآبة الحياة أضاعت مفتاح البراءة الذي يحرره..
قلت لها:
- وماذا عن مرضك..
أجابت :
- اخبرني والدي -رحمه الله- بعدما شفيت.. انه عندما لاحظ ما اعتراني كان يقرأ الرقية الشافية على الماء ثم يمزجه بما آكل دون أن يخبرني.. ويصب القليل منه في جذع الشجرة التي أمام المنزل.. حتى جاء اليوم الذي كنت فيه عندها فأحسست كأن شيئا اقتلع من صدري.. كان آخر يوم أراها فيه.. فعدت إلى المنزل متكدرة الخاطر ففوجئت بان الشجرة التي أمامه قد اقتلعت من مكانها وحلت محلها أرضية طينية رطبة فرميت بنفسي دون وعي في وسطها.. والغريب أنني أمضيت أسبوعا في ذلك المكان الغريب اقتات على القليل من الطعام وأنام دون أن أحس بما حولي.. ووالدي طوال تلك الفترة يعمل على شفائي.. وفي اليوم الثامن نهضت من مكاني مستغربة تواجدي فيه.. كان أول شيء سألت عنه هو دراجتي الصغيرة.. فاخبروني أنها في أمان عند صديقي الصغير.. ثم اخبرني والدي بعد ذلك انه يجب علي أن احمد الله على أنها كانت من كفرتهم.. فهم يخافون ذكرا لله و ينصرفون بمجرد سماعه أما الآخرون فهم أكثر تعقيدا من ذلك بكثير..
سألتها عن مصير صديقتها فقالت:
- لقد تم حرقها..
قلت مستغربا:
- ماتت..
قالت:
- لا أدري.. أخبروني فقط أنها خرجت من حياتي إلى الأبد.. وبالفعل لم أرها بعد ذلك.. ولكنني التقيت أخاها..
قلت متعجبا:
- أخاها..
أجابت:
- نعم.. كانت قد عرفتني عليه مرة أو مرتين عندما كنت التقي بها تحت الشجرة.. رأيته بعدها مرتين .. الأولى 1974.. مر بجواري فعرفته ولم يكلمني ولم اكلمه.. والثانية 1985 جاءني عيانا في صورة شاب وسيم.. كان ذلك في ليلة مقمرة.. كانت الأبواب موصدة ولم يكن مشرفا على الطريق من الغرفة التي أنام فيها إلا نافذة صغيرة كان ضوء القمر يتسلل من خلالها بإستحياء.. فلم أحس به إلا وهو جالس عند رأسي.. فعقدت الدهشة لساني.. فعرفني على نفسه وذكرني بأخته وطلبني للزواج فرفضت رفضا قاطعا.. فاختفى فجأة كأن الأرض انشقت وابتلعته.. فأمضيت ثلاثة أيام محمومة وفي اليوم الرابع زارنا زائر فأخبرته بالقصة فأكد لي أنني لن التقي بهم بعد ذلك.. وفعل ما فعل ليكون ذلك آخر لقاء لي بهم.. أما نسياني لأجزاء من الفاتحة والذي كان لا يحدث إلا عندما أقوم إلى الصلاة فقد اخبرني أن شفائي منه يتطلب أن اقرأ نفس الكلمات التي علمتني تحت شجرة من نفس فصيلة التي التقيت بها تحتها.. ومرت سنون أخرى قبل أن أتمكن من ذلك فقد كبرت المدينة وانتشر البناء مكتسحا فضاءها وقاضيا على تلك الأشجار.. مما اضطرني إلى الخروج منها سعيا إلى العثور على إحداها بعد أن كانت اقرب إلينا من منازلنا.. وبعد أن قرأت نفس الكلمات تحتها شعرت كأن حملا ثقيلا انزاح من على صدري ولم أخطئ بعدها فيها..
كنت أتأملها والدهشة تكمم أنفاسي.. عجيبة هي قصتها إن صدقت.. ففيها دليل قاطع على تأثير القرآن عليهم وهو دليل صارخ على صحة هذا الدين.. نظرت إلى وجهها الصغير الذي عركته السنون فلم تترك منه إلا شواهد دلت على ماضيه السحيق.. أيعقل أن تستغل عجوز مثلها آذاني الصاغية لتصب فيها قصة من محض الخيال.. استبعد ذلك.. وإن كان كل شيء قريب.. حتى هم..
خطر ببالي أن اسألها عن مدى أسفها على فراق صديقتها.. ولكن الشجاعة لم تواتيني.. فاكتفيت بتدوين ما قالت لتتمكن من الحكم عليه بنفسك.. ولك أن تستنتج جوابها كما يحلو لك.. ولكن مهما يكن لا تنسى ذكر الله أبدا..


النهاية

ملاحظة: هذه القصة سردتها كما حكتها لي صاحبتها فهل تصدقونها.. أرجو إبداء الرأي في ذلك.. ومن كان يعرف قصة مشابهة فليحكيها لنا مشكورا..




(1المقصود نواكشوط

(2) مصطلح يطلق عندهم على الجن

(3) أحد أحياء نواكشوط ويسمى مدينة 3

(4) هي مجموعة من المزارع الصغيرة تقع في الجزء الغربي من العاصمة على مساحة بضع كيلومترات

(5) نوع من ضرب الرمل يستعمل فيه الودع يحاول صاحبه سبر أغوار المستقبل المجهول، وهو مستعمل على نطاق واسع عندهم رغم حرمته فبعضهم يتساهل فيه ويقول "لم نكذبه ولم نصدقه" رغم انه بحث عن الغيب الذي لا يعنيه من خلاله..


خليل سيد محمد

ابو عبد العزيز
03-07-2009, 08:30 PM
الأخ الفاضل ساخر جدا

عندما دخلت إلى القصة انتابني إحساس أنني سأجدها تنضح بالسخرية تأسيا باسمك المستعار :) , والقصة رائعة فعلا لغة وتصويرا وربطا للأحداث .

كثيرة وغريبة هي تلك القصص التي نسمعها في المجالس اليومية من أفواه أصحابها لكنَّ قليلين منا من يحالفهم الحظ فيسعفهم بلغة أنيقة كلغتك التي كتبت بها هذا النص كما أن لك حظا موفورا في الخيال الأديب الذي جنحت معه كثيرا


لقد أمتعتنا فعلا

محفوظ اد
14-08-2009, 03:12 PM
قصة جميله جدا مشكور خليل سيد محمد وتقبل مروري