المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عبد الله الغذامي..مرآة الفكر السعودي



باكثير
03-06-2009, 11:21 PM
مرآة الفكر السعودي المعاصر
د.عبد الملك مرتاض
(الجزيرة)

ليس لأحد أن يُشكِّك في أنَّ عبد اللَّه محمّداً الغذاميَّ أحدُ أشرقِ الوجوه الفكرية المعاصرة في المملكة العربيّة السعوديّة، وأنصعها؛ فقد شرَّف نفسه، وشرَّف بلده، ومن ثَمَّ شرَّف الفكر العربيَّ المعاصر بما أثار من قضايا، وبما تناول من أفكار جريئة، كثيراً ما سبَّبتْ له بعض الإزعاج وربما الأذاة، شأن كلّ مفكّر مشاكس، وكلّ صاحبِ رأيٍ جريء. من أجل ذلك نرى أنّه قد يكون أبرز المفكّرين السعوديّين المعاصرين على وجه الإطلاق.

وعلى أنّ هذه ليست المرّةَ الأولى التي يُطلب إليَّ فيها أن أكتب عن الصديق الأستاذ الدكتور عبد اللّه الغذاميّ، فقد كان سبق إلى بعض ذلك الصديق عبد الفتاح بومدين، وكنت كتبت مقالة بعنوان: (الدكتور الغذامي كما عرفته) ونُشرت في مجلة (علامات)، فيما أذكر. وكانت تلك المقالة عبارةً عن رسْم لانطباع عن شخصيّة عبد الغذاميّ الثقافيّة والفكريّة، وأوّل عهدي به معرفةً، وكان ذلك ذات صباح في بغداد. كما سبق لي في مناسبة أخرى أن كتبت عن كتاب (النقد الثقافيّ) للصديق الغذاميّ، ونُشر ما كتبت عنه بالمملكة. وجاء اليومَ الإخوةُ في جريدة (الجزيرة) الغرّاء بالرياض فالتمسوا منّي أن أكتب تارة أخرى عن هذا الناقد السعوديّ الفذِّ، والمثقّف الْمُفرَد: فما ذا عسى أن أضيف إلى ما كنت كتبت عنه قَبْلاً؟ ثمّ ما ذا عسى يجوز لمقالة قصيرٍ حجمُها بحيث لا يجاوز ألفاً وخمسَمائةِ كلمةٍ أن تُوفّي هذا الناقد الكبير حقّه من التقدير، وحظّه من الْمَوْقَعَة والتمكين؟

لكنْ لا مناصَ من الرجوع إلى الخوض في بعض فكر الغذاميّ، وقد دُفِعنا إليه دفْعاً، وهو غنيّ خصيب، ومتميّز فريد. ذلك بأنّي كلّما ازددت قرباً من كتابات صديقي الغذامي ازددت اقتناعاً برصانة فكره، وعُمْق معالجته، وجدّة نظرته إلى القضايا، على الرغم من أنّني أختلف معه بعض الاختلاف في اصطناع المصطلح النقديّ، وهو اختلاف لا يسيء إلى الودّ الحميم الذي أَكنّه له، ولا إلى الإعجاب الشديد الذي أنظر من خلاله إلى أعماله الفكريّة والنقديّة التي لا يزال يثري بها المكتبة العربيّة.

ولعلّ العنوان الذي آثرْنا أن تنضوي تحته هذه الكلمة أن يكون موضوعيّاً، فلا يحمل أيّ غلواء لعلاقة الصداقة التي تجمعني بعبد اللّه الغذاميّ، إذْ لا أرى أيّ ناقد ولا مفكّر سعوديّ، في الوقت الراهن، يمكن أن يتعلّق به: رصانة تفكير، ودقّة تأسيس، ووضوح رؤية، وصرامة أدوات، وسلامة منهج. فالرجل منذ أن أخرج كتابه المثير (الخطيئة والتكفير)، وهو عنوان دينيّ في ظاهره، فنّي في عمقه وجوهره، وكُتبُه تتوالى على

القارئ في المملكة العربيّة السعوديّة وخارجها، بحيث لم يعُد هذا الاسم محلّيّاً لا يجاوز جدّة والرياض، ولكنّه اغتدى معروفاً في أكثر الجامعات في العالم العربيّ: مغرباً ومشرقاً. ولو سألت أيّ أستاذ جامعيّ عاديّ عن ناقد سعوديّ معاصر لَمَا تبادر إلى ذهنه، أوّل وهلة، إلاّ عبد اللّه الغذاميّ، قبل أن يذكر بعض الأسماء الأخرى في المملكة، ودون أن نَغُضّ من قدْرها.

ولم يكن ذلك لعبد اللّه الغذاميّ مجرّد حظّ مفروش، ولا جَدّ ممدود؛ ولكنْ كان بفضل الأعمال الكبيرة، والعناوين المثيرة التي نشرها بين أيدي القرّاء فأفادهم وأثارهم: بين مؤيّد ومُشايع، وبين معارض ومُناوئ. ولعلَّ أفضلَ الكتابات وأشدَّها تأثيراً في المجتمع ما أثار ولذع، ولفَتَ وأزعج. ولقد أفلح عبد اللّه الغذّامي في هذا السعي، إذ لا يزال يثير النّاس بأفكاره، ويستفزّهم بآرائه التي يصدع بها بشجاعة أخلاقيّة عجيبة. ولعلّ الذي يذكر بعض تلك العنوانات التي أخرجها الغذامي إلى قرّائه يتّفق معنا في أنّ الرجل لا يُتْلف جهده في كتابة أيّ شيء أثاره الناس من قبلُ وعرَضوا له فيجترّ ما قالوا، ويردّد ما قرّروا، ولكنّه غالباً ما يعمِد إلى موضوعات جديدة فيعالجها، وإلى قضايا طريفة فيتناولها؛ وذلك مثل كتبه: (الخطيئة والتكفير)؛ و(القصيدة والنّصّ المضادّ)؛ و(المشاكلة والاختلاف)؛ و(المرأة واللّغة)؛ و(ثقافة الوهم)؛ و(ثقافة الأسئلة)؛ و(تأنيث القصيدة) و(القارئ المختلف)؛ و(النقد الثقافيّ)... فكلّ عنوان من هذه العناوين يُفضي إلى عالم فسيح من الإشكال والمساءلة المعرفيّة القلقة؛ لأنّ كلّ قضيّة مثارة تثير في طريقها غابة من النظريات، وغِيضَةً من القضايا التي تساورها في مَسارها فلا تزال تتواثب في مجاهل الذهن، وتتجلّى في حنايا العقل، فتزداد تعقّداً وتنافُراً وتشابكاً... غير أنّ القارئ هو الذي يغنَم من ذلك معرفة قلقة ناصعة تحمله على الاستزادة من البحث، وتُغْريه بالتساؤل المتوالي، فلا ينتهي إلى زاوية من المعرفة حتّى تنفتح له معالم فكريّة جديدة للإطلال على زوايا أخرى لا تكاد تنتهي أفضِيتُها، ولا تنغلق آفاقها.

ونودّ اليوم، في هذه المقالة، أن نركّز بعض التركيز على كتاب عبد اللّه الغذامي (ثقافة الأسئلة)، وهو الكتاب الذي لم يسبِق لنا أن تناولناه نحن على الأقلّ، فلعلّنا أن نُفضِيَ منه إلى شيء يجدي على القارئ فيكون له فيه نفْعٌ وخير. ذلك بأنّ الغذاميّ أثار فيه طائفة من القضايا الفكريّة والنقديّة المعاصرة

لعلّ أهمّها بالذكر، وأجدرها بالعَرْض، مقالته الجميلة التي عنوانها: (ثقافة الأسئلة)، التي يردّ فيها على مقالة كان نشرها الدكتور البازعي في جريدة (الرياض)؛ فلقد بنى الغذاميّ من خلالها رُكاماً من القضايا المعرفيّة تنهض كلّها على ضرورة حسن صياغة السؤال المعرفيّ، لأنّ السؤال الفاسد كثيراً ما يُفضي إلى الجواب الفاسد، ومن ثمّ إلى تهديم المعرفة لا إلى بنائها، وتشويهِها لا إلى صقْلها وتنضيرها. ولقد استدلّ على فساد الأسئلة بسؤال سائل كان سأل الفيلسوف الإغريقيّ المثاليّ، أفلاطون، في غابر العصور، فتكلَّفَ سؤالََه عن فائدة الفلسفة، فأجابه أفلاطون: هذا سؤال فاسد! وهو ذاك! ذلك بأنّ الحديث عن فائدة الفلسفة، أو فائدة علم الفقه، أو فائدة علم التفسير، لو تكلّف الإجابة عنها مجيب لشغَل نفسَه في ذلك طول الدهر دون أن يبلغ غايته. فمثل هذه الحقول المعرفيّة لا يُجْزئها جواب واحدٌ ردّاً على سؤال واحد؛ بل ما أولى أن يقع الاشتغال بذلك في إطار من العلم تتكفّل به جماعة من الباحثين والمنظّرين، ولن نراها منتهيةً إلى نتيجة عمليّة تذكر. فشأن المعرفة التراكم والتتابع، والتعليق والتحقيق، وكلّ نتيجة تضاف إلى نتيجة، وكلّ حكم يركم على حكم سابق فتتكوّن للمعرفة خميرة عظيمة يستمدّ منها من شاء بالمساءلة أو والقلق، أو التلقّي الساذج والقَبول المسلِّم.

العربيّ المعاصر، مثلاً، التراث والحداثة، أو الأصالة والمعاصرة. وطرْحُ هذه الإشكالية على هذا النحو المدرسيّ المبسّط يجعل كُلاًّ من طرَفي الإشكاليتين في محلّ تهمة، بحيث إما أن نتعلّق بالتراث تعلّقاً أعمى ونستريح، وإمّا أن نَغْرِضَ إلى الحداثة غرَضَ الْهِيمِ ونستريح. وينشأ عن ذلك أنّ أناساً يتكتّلون من حول التراث حتّى كأنّه هو الحقيقة المطلقة التي إن تنكّب عنها أحد من النّاس ضلّ ضلالاً بعيداً، وتاه تيَهاناً شديداً، فلا يجد سبيله من بعد ذلك أبداً. في حين أنّ آخرين يحرنجمون من حول ما يسمَّى الحداثة فيعتقدون أنّهم هم بذلك يلامسون الحقيقة الكبرى، وأنّ كلّ مَن عداهم متخلّف جاهل، وماضَوِيّ قاصر.

في حين أنَّ النَّاس جميعاً، من غير العرب، لا يميّزون بين التراث والحداثة، لأنّ الحداثة الحقَّ لا تكون إلاّ بالتعويل على تراث الأمّة وثقافتها وفِكر أجدادها. فالحداثة الصحيحة هي أبداً استمرار للثقافة التراثية وامتداد لها وتكملة لِمَسارها، لأنّ الحداثة مجرّد محاولة لتجديد الفكر، أو بعبارة أخرى، هي بناء جديد على بناء قديم. فالبنيان القديم إذا أَبلى بعضَ معالمِه الدهرُ، فليس على الناس جُناح في أن يجدّدوا معالمه، دون أن يُسقطوا آثارها، أو يشوّهوا عمرانها، بل يظل البناء الجديد امتداداً للبناء القديم، يجسّد روحه ومضمونه، إذا تآكل وتداعَى للسقوط.

وإذن، فهل من الحقّ علينا، كما يعرض لذلك الغذامي في مقالته (ثقافة الأسئلة) أن نصوغ السؤال المعرفي عن التراث والحداثة، أو عن العروبة والإسلام، بهذه الكيفيّات الفِجّة المبتسرة التي لا تدلّ إلاّ على نقص في الوعي المعرفي، وقلّة في الزّاد المنهجيّ، فإنّ القضايا التي عولجتْ، عولجتْ وهي مهزوزة الأسس، منهارة الأركان، لأنّها أُقيمت على ازدواجية مغلوطة، ثمّ فُصِل فيما بينها بحرف (أم). إنّا سنجد أنّ الدّاء، كما يكتب عن ذلك الغذاميّ: (جاءها من السؤال وليس من الجواب، مثل قضيّة العروبة والإسلام، وقضيّة الدين والدولة، وقضيّة الأصالة والمعاصرة. وهي قضايا تبدّت في ثقافتنا المعاصرة وكأنّها من المتعارضات المتناقضات، وما هنّ كذلك، ولكن الطريقة السيّئة لصياغة الأسئلة هي التي أوقعتها في بِرْكة التناقض منذ أن سمحنا بدخول (أم) في وسط هذه القضايا، فنقول: الإسلام أم العروبة إلخ...). (الغذامي، ثقافة الأسئلة، ص. 87، نشر النادي الأدبيّ، جدة، 1992).

ذلك بأنّ الذي يثير مثل هذا السؤال

المغالِط: (الإسلام أم العروبة)؟ هو يتقصّد، أو لا يتقصّد، ولكنْ يتبلّد، إفسادَ المساءلة المعرفيّة ببنائها على شِق فاسد، وأساس باطل، وإلاّ فلا إسلام دون عروبة، ولا عروبة دون إسلام. فالإسلام هو الذي بلور فكرة العروبة، والعروبة هي التي انصهر فيها الإسلام، وبفضلها، فصار كلّ من يتحدّث العربيّةَ في العالَم عربيّاً... ولا مسلمَ في العالم إلاّ وهو يتحدّث شيئاً من العربيّة، ولو بإقامة الصلوات، وتَرداد الدّعوات، كما يلاحظ ذلك الذي يشهد موسم الحجّ فيسمع اللهجات العجميّة العجيبة، ولكنّ العربيّة تظل جارية على الألسنة، حاضرة في الأذهان. وإذن، فمحاولة وضْع حاجز بين العروبة وبين الإسلام تدبيرٌ غير سليم. ومن باب أولى وضْع هذا الحاجز في مسألة دنيويّة ثقافيّة خالصة، وهي ثنائيّة التراث والحداثة، فإذا المتعلّقون بالتراث تعلّقاً أعشَى يرون الحداثة كفراً وانحرافاً عن الجادّة، في حين تجد الذين يتشبّثون بالحداثة منهجاً وسلوكاً وفكراً يَعُدّون التراثَ تخلّفاً وظلاميّة وانحطاطاً. وكِلا الفريقين على خِطْءٍ شنيع. فلا الحداثةُ كُفر لأنّها مجرّد منهج دنيويّ علميّ - لتلقّي المعرفة وتلقينها في الجامعة ولا صلة لها بالقضايا الدّينيّة، ولا ينبغي لأحد أن يُقحمها فيها إقحاماً، ولا التراثُ تخلُّفٌ لأنّه الأصل في ثقافتنا، ولأنّه حافرةُ وجودِنا الحضاريّ، ولأنّه مُنطَلَقُ كِياننا الفكريّ؛ ذلك بأنّ الدين من الثوابت المقدّسة المطهّرة التي لا يلحقها التغيير، ولا يصيبها التجديد، لأنّها شريعة اللّه الكاملة، ولكنّ الثقافة شأن دنيويّ، وهي من المتغيّرات التي لا ينبغي لها أن تتقوقع في زاوية فلا تعدوها، وتلزم مَعْزِلاً فلا تجاوزه أبداً.

وإذن، فإنّ سوء طرْح الأسئلة كثيراً ما يُفضي إلى خصومات فكرية عقيمة، ولا ينشأ عنها خِصْبٌ في الفكر والثقافة والعلم، لأنّ أصل الخصومة قائم على مُساءلة فاسدة، وما قام على مساءلة فاسدة كالذي يقوم على مقدّمة فاسدة، لا تكون نتيجتها، هي أيضا، إلاّ فاسدة.

وكلّ هذه الإشكاليات تطرح بإلحاح في كتابات عبد اللّه الغذامي الذي كانت هذه فرصة جديدة أن أعود إلى بعض كتاباته لأعلّق عليها، وأناقش أفكارها، فأستفيد وأفيد.