المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة قصيرة .



chourva
01-06-2009, 03:08 PM
الرحيل

أسرعت من خطوها , الطريق مخيف , و الظلام دامس , الكهرباء لا تصل إلى الأحياء القصديرية , الجوع و الخوف يخيمان على المكان . إنها تراه جيدا ذلك المارد الضخم الذي يتبعها من مدة , لو كان معها عصام لكان كل شيء على ما يرام .. مدة و تصل إليه . لو كان معها عباس – لا , إنه سبب هروبها من المنزل . أما أبوها فلا تريد أن يكون معها البتة ...
العرق يتصبب بغزارة . أو نزل المطر و لم تشعر , الكيس الذي جمعت فيه حاجاتها الخاصة :قلادة أمها و صورتهما ,و رسائل عصام , و ملابس خفيفة . إنه يثقل عليها , تحمله باليمنى و تبدله لليسرى بسرعة , إنها تحس الزمن أسرع منها خطواتها لا تصاحب دقات قلبها . و المارد يتراءى من بعيد . طالما سمعت بما يقع في الأحياء الشعبية , لكنها لم تدخلها أبدا . فلولا عصام و حبهما الكبير , و تضحيتها من أجل ذلك الحب , لما دخلت هذا الحي في مثل هذه الليلة , و ربما لما رأت هذه الأحياء بأم عينها , لكنه الحب و عوالقه .
تذكرت أمها.. إنها تحتاجها الليلة بالذات . تذكرت رحيلها بعد مرض مزمن , تغيرت حياتها بعد ذلك الرحيل , لم تشعر بعدها بحنان ولا عطف , والدها لا يفهم في هذه الأمور . ضابط متقاعد , فشل في عملية , لم تطبق أوامره كما يجب آلى على نفسه أن يطبق أوامره بنفسه , يشرف شخصيا على كل كبيرة و صغيرة في حياته و حياة المحيطين به , عسكر حياة البيت , طابور للأوامر في الصباح و طابور تفقد في المساء , لم يعانقها أبدا , و لكنه أصدر لها الكثير من الأوامر , إكرهي صديقتك سناء فهي ليست من مستواك , توددي إلى هدى فأبوها عسكري ناجح , إنه يحب العسكري الناجح . من أجل ذلك أصدر لها أوامره العليا أن تحب ابن عمها عباس الضابط الشاب , كان يعتبره متممه إذ نجح حيث فشل هو , و كان يريد أن يزوجه منها , بل كان يرى أن كلاهما خلق للآخر , كانت تعتبر عباس أخا لها , حيث نشأ معها في نفس البيت , كان لطيفا جدا و ذكيا , وقد رباه والدها و أشرف على دراسته و أدخله العسكرية دون أن يأخذ رأيه . ترقى بسرعة و أصبح ضابطا لامعا , و كان يعرف أنه مدين لوالدها و يريد أن يسدد دينه بأن يتزوجها . تعرف جيدا أنه لا يحبها بقدر ما يحب الوفاء بدينه , لم يحرك مشاعرها يوما , لا تحسه . بل تقدره و تحترمه . هو من جانبه لم يحاول تحطيم الحاجز بينهما , بل إنه يريدها زوجة فقط . ربما لا يؤمن بالحب , و ربما عاش تجربة فاشلة , الحزن العميق في عينيه يدل على ذلك , لم تره يضحك . في السنة الماضية ابتسم بمناسبة ترقية . غموضه يغريها بالاستكشاف.. لكنها تخشى الانكشاف . كانت تريد شيئا لا تعرفه , ملامحه غير محددة , لكنها تريده بشدة . الحب . قرأت عنه الكثير . يعجبها شعر المتصوفة , و ترى الحب حلولا .
تعرجت الطريق عند البقال , إنه نفسه الذي وصفه لها عصام , صبية يلعبون بأجساد نصف عارية , و عجائز يبعن مأكولات يقتسمها الذباب معهن , أضواء الشموع خافتة . لقد انتصف الطريق , لا بد من الإصرار على المواصلة , الكيس بعرق يديها و الحر يزداد . لماذا لا بد من ثمن للجب ؟ المرأة دائما عليها أن تضحي في سبيل الحب . لو كانت رجلا لما اضطرت للهرب . عصام هو الآخر سيهرب معها , سيضحي بدراسته و أهله .. كل ذلك يهون في سبيل الحب . تحسست المارد لم ترى لها أثرا . اختفى ؟ ربما لم يكن يتبعها – تفكيرها غير منتظم , قالت في نفسها متى أصل إلى عصام ؟
تعرفت عليه في الكلية منذ فترة زمنية تجاوزت السنتين . الزمن , ليتنا نستطيع التحكم فيه . رحلتي في عينيه الداكنتين , ما أقسى الرحيل و ما أعذبه .. ابتسامات متناوبة . تبادل وريقات كتبتها أنامل مرتعشة , حملت شعرا و نثرا و دموعا ..فكان التعارف . الحب يتسلل شيئا فشيئا كالألم لا تشعر به إلا عندما يغمرك . كان محكوما عليهما بالفشل منذ البداية . فوارق اجتماعية تزداد يوما بغد يوم كجذوة الحب المتقدة بينهما . قالت له: المجتمع , قال لها: نهده و نبني مجتمعا جديدا أساسه العدالة و الحب . و مع ذلك نشأت بينهما قصة حب جارف , تقلبت مع المناخ كلما تقلب و لكن لم يجرفها التيار ..كان يغذيها الظلم و الإقصاء و القناعة بأن الإنسان يصنع المستحيل . كان بالنسبة لها الأمل المنتظر , و كانت بالنسبة له شعاع الحياة الذي يعيش عليه . تغيرت حياتها بعد ذلك , لم تكن تلقاه إلا في الكلية . كانت ظله , يقرأ عليها كتاب الحياة , و يمتح من رحيق ابتسامتها العذبة لحنا منفردا يتقوى به على نوائب الدهر و ارتكاساته . . علم والدها بالأمر , السائق المرافق لها أطلعه على الموضوع ..كان بوما له ما بعده . أقسم والدها ألا ترى الجامعة بعد ذلك اليوم , و أصدر لائحة جديدة من الأوامر ..كيف كانت ستتصرف والدتها لو كانت حية ؟ عباس خيل إليه أنه جرح في كبريائه و أقسم أن يذلها بعد مراسم الزواج- الدفن . كانت الأنثى الوحيدة في البيت ربما لو كانت معها خادمة لواستها و لدبرت معها حيلة للقاء عاصم . غافلت سائقها بالأمس و هو يتسوق . ركبت تاكسيا إلى كلية عصام . فكر في الأمر مليا , تصبب عرقا , استعمل منديله أكثر من مرة , عرض عليها عدة أفكار لم تكن تناسب الموقف . لم يكن هناك سوى القرار الكبير. الرحيل . الهرب ...الهجرة , لم يكن يعرف الوجهة و لا الطريقة التي سيتم بها ذلك , لكنه كان مؤمنا أن أي شخصين متحابين يمكن لهما أن يعيشا بسلام في بقعة من هذا العالم الواسع . بعد أخذ و رد .. رسما الخطة واحتاطا لكل شيء , إلا لهذا المارد الذي ظهر من جديد يتبعها , تقلصت المسافة بينهما , ربما دفعه إلى ذلك أن الأحياء بدأت تتباعد مؤذنة ببداية نهاية المدينة .إذا كان عصام قد أجر سيارة فلماذا لا يمر لأخذها – تعرف جيدا السبب : لم تكن تعرف متى بمقدورها الإفلات من الرقابة المنزلية , تحس الإعياء و الخوف . لم تسافر من قبل – و لم يسر أحد خلفها كظلها من قبل . . أظلمت الطريق و أقفرت .لم تعد ترى مساكن , يتراءى لها ضوء خافت على البعد , حثت خطاها ستصله , لا بد أن تصله , و أمسكت أكثر بالكيس لا تريد أن يسرقها هذا اللص الذي يتبعها , كيسها هو كل ما لديها به بقية مما تركت والدتها .. تسمع خطواته تحدث دويا على الأرض , زادت من سرعتها .. جرت . تصميمها يزداد على الوصول , خطواته تقترب أكثر و تدق ناقوس الخطر . ..يده تمسك رقبتها من الخلف , يضغط عليها بشدة فقراتها تقترب من بعضها .. أطلقت صرخة . يده الأخرى تسد فاها , جافة و رائحتها كريهة .
بدأت تتبين معالمه , لم تر بشرا على هذا الشكل , ربما يكون من فصيلة آكلي لحوم البشر - لا تريده أن يأكلها – حملها ببساطة , مقاومتها تضعف , و الأنوار تختفي شيئا فشيئا , أدخلها وكره .. بقايا سيارات و إطارات لم يتم إصلاحها , قطع غيار متناثرة في كل مكان . رماها على الأرض . ارتطم جسمها بقطع حديدية . ضغط على صدرها بشدة , ضلوعها تكاد تنكسر , قلبها يدق بسرعة , كأنه يخرج من صدرها .
ثوبها أين هو ؟ الألم يسري في جسدها كالدم , لم تعد تقوى على الصراخ .. يصدر أصواتا كخوار الثور , ينبسط أكثر عندما يحس تمزقها .. اللذة – الألم .. أين عصام ؟ ماذا سيكون موقفه ؟ تنغرس آلة حادة في ظهرها , و المارد يزيد من ضغطه . من قال إن الإنسان حيوان ؟ تتنفس بصعوبة , خارت قواها , لم تعد ترى شيئا , كل ما حولها يدور بسرعة .. الآلة الحادة في ظهرها تمزق فقراتها , و دمها يروي التراب .. إحساسها يتلاشى شيئا فشيئا , كلماتها متقطعة .. إنها تنزف في كل قطعة من جسدها و مع ذلك تهمس : عصام .. عصا.. ام ..عصا ...نور يظهر في ظلمة دنياها .. الكون يعمه بياض حليبي . ارتعش جسمها ... و رحلت إلى الأبد .


محمد سالم ولد الشيخ


* قصة منشورة في جريدة الإتحاد – ابوظبي 22-08 -1998