المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ظواهر عروضية في شعر محمود درويش



محمدسالم
12-05-2009, 09:33 PM
ظواهر عروضية في شعر محمود درويش:
يا إلهي كيف أنجو من مهارات اللغة؟
بيان الصفدي (شاعر سوري)

شعر محمود درويش حالة نوعية من الالتزام بالضوابط العروضية، ففي الوقت الذي تصل به الكثير من الدعوات إلى حد الاحتقار والسخرية من الإيقاع، فإن التعامل المبدع مع العروض لدى شاعرنا لا يدلل على جماليات شعره فقط، بل يكشف حالات رائعة من التواصل الإبداعي مع ظواهر قديمة، وبعثها على نحو جديد وفي إطار من التركيبات الحديثة.
فهو يبرز المحسنات الإيقاعية بشكل لافت وشديد الإلحاح، وصارت ظواهر الجناس والطباق والتصريع والتقفية المتقاربة والتكرار والتوازي والتلاعب بالتفعيلات والبحور علامات بارزة في شعره.
في إحدى مقابلاته يقول درويش:
'أستمع إلى الموسيقى لكي آخذ منها أفكاراً. لماذا؟ لأن الموسيقى لا تقول لك بالكلمات، ما هي موضوعاتها، وما هي طريقها، وما هي رحلتها، فأنت تؤوِّل وتترجم، من خلال تفاعلك مع الموسيقى هذه الكلمات التجريدية إلى كلمات ملموسة.
إنني كثيراً ما أستفيد من الموسيقى، وأستخدمها ليس فقط لتقوية أو تخفيض النبرة أو الإيقاع، بل من أجل تحويلها إلى كلمات تعينني على أن أترجم الموسيقى إلى لغة.'
وفي أحد الحوارات مع الشاعر يقول:'أنا أسرق من الموسيقى'.
وفي الوقت الذي تخدم هذه النظرة تجربة الشاعر إلا أنها أحياناً قد تتحول لعبة شكلية، فيها حماسة للإيقاع لاحاجة فنية لها، وكأنه يندفع مع هذا الميل أكثر مما ينبغي، وهذا نلحظه في مثل قوله:
أنا من هنا. أنا ههنا. . وأمشط الزيتون في هذا الخريفْ. أنا من هنا . وهنا أنا. دوَّى أبي: أنا من هنا. وأنا هنا. وأنا أنا. وهنا هنا. إني أنا. وأنا هنا. وهنا أنا. وأنا أنا. وأنا هنا. إني هنا. وأنا أنا.
(ديوان محمود درويش 2/394)
أو:
'تكفيه حبة أسبرينَ لكي يلينَ ويستكينَ. كأنه جاري الغريب ولست طوع هوائه ونسائه. فالقلب يصدأ كالحديد، فلا يئنُّ ولا يحنُّ ولا يُجنُّ بأول المطر الإباحي الحنين، ولا يرنُّ كعشب آب من الجفاف. كأن قلبي زاهد أو زائد عني كحرف الكاف في التشبيه'
(جدارية ص78)






إلا أن ما سنتناوله في هذه الدراسة له علاقة بظواهر عروضية لافتة في شعره، وتدل على شدَّة عنايته بالتكوين الموسيقي الأصيل والحديث معاً، ولا شك أنها شكل بارز من أشكال التكوين الإيقاعي لشعره.


الخـَزْم


هناك ظاهرة عروضية نادرة يسميها العروضيون العرب'الخـَزْم'، والخزم في أشهر تعريفاته: 'زيادة على الوزن تقع في أول الشطر أو العجز أو فيهما معاً بحرف أو أكثر' ومن الشواهد على ذلك قول امرىء القيس:
وكأن سراته لدى البيت قائماً
و:
وكأن دماء الهاديات بنحره
أو البيت المنسوب للإمام علي:
اشْدُدْ حيازِيمَكَ، للَموتِ فإنَّ الموتَ لاقِيكا
أو طرفة:
هل تذكرون إذ ْ نقاتلكم إذ لا يضرُّ معدماً عدمهْ
وهذه الظاهرة تكاد تنحصر في الشعر القديم، لهذا فالمعري في 'الفصول والغايات' يقول: 'وهذا شيء قد ذكره المتقدمون من أهل العلم وترك في أشعار المحدثين فلم يستعمل. وإنما تزاد الواو وغيرها للخزم على معنى الضرورة.'
وكذلك موقف المظفر العلوي حيث يقول في 'نضرة الإغريض': ' وأما الخزْمُ بخاءٍ معجمة فما يجوز للشاعر المولدِ استعمالُه ولا يُسَوَّغُ له'
وهناك شواهد طريفة لأنواع منه في 'القوافي' لأبي أعلى التنوخي، يمكن الرجوع إليها .
وإذا انتقلنا إلى تجديد هذه الظاهرة عند محمود درويش فإنها ستصادفنا مع مبرر فني واضح، فهي لا تأتي عشوائية، أو حالة مفصولة عن دور أدائي بارز، وقد بدأت مع قصائد ذات توتر خاص في موضوعها وبنائها، ففي 'قصيدة بيروت' تطالعنا في قوله:
أينما وليت وجهك:
كل شيء قابل للإنفجار ِ
(2/12)
من مبنى بلا معنى إلى معنى بلا مبنى
(الديوان 2/206)
وفي قصيدته 'أحمد الزعتر' يبدأ بالصدمة الإيقاعية التي تمثلها كلمة'نازلاً':
نازلاً من نحلة الجرح القديم إلى تفاصيل
البلاد وكانت السنة انفصال البحر عن مدن الرماد
وكنت وحدي
(1/611)
إننا نلا حظ زيادة في 'نا'، ثم تندفع التفعيلات 'مفاعيلن'، وهذا الأمر سيتكرر ، ولكن مع زيادة حركتين وسكونين متمثلة بـ'لم تأ ْ' في قوله:
وأحمد يفرك الساعات في الخندق
لم تأت أغنيتي لترسم أحمد المحروق بالأزرق
( 1/ 615)
ثم تواجهنا هذه الظاهرة في قوله:
سائراً بين التفاصيل اتكأت على مياه
فانكسرت
( 1/ 616)
ويمكننا أن نقرأ النص قراءة عروضية أخرى، فيكون الخزم في كلمة 'نازلاً' و'سائراً' مثلاً إذا حولنا البناء التفعيلي إلى 'مستفعلن' بدلاً من 'مفاعيلن'وملاحظة هذا التوالد الإيقاعي الذي أشار إليه القدماء، فإن 'عيلن مفا' تقابل 'مستفعلن' وهي من متواليات ' مفاعيلن مفاعيلن' كما هو التوالد في 'فعولن فعولن' 'فاعلن'
ونلاحظ أن الشاعر في كل الأحوال بنى قصيدته على التفعيلتين معاً، لهذا أنهاها بقوله:
أخي أحمد !
وأنت العبد والمعبود والمعبد
متى تشهد
متى تشهد
متى تشهد؟
(1/625)
ففي قصيدة الأرض نكون مع متوالية فاعلن وفعولن، ففي الحالين سنكون مع خزم في قول الشاعر:
في شهر آذار، في سنة الانتفاضة، قالت لنا الأرض أسرارها الدموية. في شهر آذار مرت أمام البنفسج والبندقية خمس بنات
(1/ 637)
فزيادة 'في شهـْ' واضحة، وخارج النظام الإيقاعي المألوف، ثم النهاية يبتدع الشاعر بنجاح خزماً في نهاية التفعيلة الأساسية:
أنا الأرض. يا أيها العابرون على الأرض في صحوها
لن تمروا
لن تمروا
لن تمروا!
(1/ 651)
فإن 'لن تمروا' أي 'فاعلاتن' تؤدي هذه الصدمة الجمالية التي يؤديها الخزم الطريف، الذي لم يرد مثيل له قديماً فيما أعلم إلا شاهد أورده ابن بقي هو:
صبرت والصبر شيمة العاني ولم أقل للمطيل هجراني معذبي كفاني
(دار الطراز ص41)
وستتكرر هذه الظاهرة مراراً كما نجدها في قوله:
عادوا...
من آخر النفق الطويل إلى مراياهم .. وعادوا
2/419
في دار بابلو نيرودا، على شاطىء / الباسفيك / تذكرت يانيس ريتسوس.
(لا تعتذر ص 151)
حين تطيل التأمل في وردة
(كزهر اللوز أو أبعد ص21)
ويكرر ذلك في أربع مقاطع من القصيدة.



التقاء الساكنين والمخالفة الإيقاعية

ومما يتصل بظاهرة الصدم التي يشكلها 'الخزم' ما نجده لدى الشاعر من استخدام ٍ لالتقاء الساكنين في وسط الكلام، وهي ظاهرة أشدُّ ندرة في الشعر العربي، وتنحصر في المتقارب، وقد وردت أمثلة نادرة عليها كقول الشاعر:
فذاك القصاص و كان التقا صُّ فرضاً و حتماً على المسلمينا
لكن الشاعر راح يتعامل مع التقاء الساكنين بتساهل واضح، لا من زاوية التخفيف كأن يحذف أحد الساكنين كما يفعل الجميع عادة، بل هو دائم التكرار لكلمات يلتقي فيها ساكنان، وبهذا يكون قد أدخل في شعره ما يحسب تمرداً على المألوف من قواعد الشعر المتوارثة، مثل:
الفرح الشاذ ّ عنا
(كزهر اللوز ص39)
شابٌّ تفاءل بالنصر
(كزهر اللوز ص129)
بالحاسَّة السادسة
(حالة حصار ص17)
فيكبر طفلاً معافى، ويصبح شابَّاً
ويدرس في معهد واحد مع إحدى بناتك
تاريخ آسْيا القديم
(حالة حصار ص30)
مختلفون على النسبة المئوية، والعامِّ والخاصِّ
(حالة حصار ص48)
عشب الشتاء على الطريق العام ِّ بين حكايتين
(لا تعتذر ص 61)
لي مشهدي الخاصُّ. لي عشبة زائدة
1/ 327
وسرنا إلى ليلنا الخاصِّ
(سرير الغريبة ص41)
على حافـَّة الأرض
(سا 49)
إلهتهم من موادَّ بدائية
(سا ص51)
إن حالة الصدم الإيقاعية هذه، تؤدي إلى وقف التدفق العام للموسيقى لتـُدْخِل فيها نغمة مختلفة، لافتة، تعيد شيئاً من الحَيَوية إلى بنية النص،وهي لا تأتي عند الشاعر من التقاء الساكنين فقط، بل تتعدَّاه إلى فسحة إيقاعية حرة، عندما جمع بينها وبين نثرية كاملة، كما في:
حكيم على حافـَّة البئر
لا غيمة في يدي
ولا أحد عشر كوكباً
(جدارية 86)
أو يقتصر على المزاوجة بين الإيقاع التفعيلي والنثرية الكاملة، كما في:
ويولدون ويولدون ويولدون
فـَسِّرْ ما يلي:
بيروت (بحر- حرب- حبر- ربح)
(2/211)
أو:
ويضيئك القرآنُ:
(فبعث الله غراباً في الأرض ليريه سوءة أخيه. قال: يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب)
ويضيئك القرآن، فابحث عن قيامتنا وحلق يا غرابُ
(حبر الغراب. لماذا... ص56)
أو:
أبتِ هل جنيت على أحد عندما قلت عني: رأيت أحد عشر كوكباً، والشمس والقمر، رأيتهم لي ساجدين.
(2/ 359)
وقد يعمد الشاعر إلى مخالفة عروضية مقصودة، لها المفعول نفسه، كقوله:
وما يفعل العاطلون عن العملْ
نربي الأملْ
(حالة حصار ص9)
فلنا قمر ناقص، ودم لا يغير لون قميصك ياليلُ
***
نعـَزِّي أباً
(حالة حصار ص 43)
وقد تكون المخالفة من خلال بث شيء من الشكل الشطري داخل الشكل التفعيلي، لكن مكتوبة بهندسة لافتة في استفادة واضحة من البحر 'البسيط' و'السريع' ، وهو أمر يتكرر أيضاً، وعلى الأخص معهما، ومن أمثلته:
طفولتي تأخذ في كفها
زينتها من أي يوم،
ولا
تنمو مع الريح سوى الذاكرة
وإنني أذكر مرآتها
في أول الأيام، حين اكتسى
جبينها بالبرق، لكنني
أضطهد الذكرى، لأن المسا
يضطهد القلب على بابه..
أصابعي أهديتها كلها
إلى شعاع ضاع في نومها
وعندما تخرج من حلمها
حبيبتي، أعرف درب النهار
أشق درب النهار
(حبيبتي تنهض من نومها. 1970)
كان الحنين إلى أشياء غامضة
ينأى ويدنو
فلا النسيان يقصيني
ولا التذكر يدنيني
من امرأة إن مسها قمر
صاحت : أنا القمرُ
(لماذا تركت.. ص63 )
في غابة الزيتون في شرق
الينابيع انطوى جدي على ظله
المهجور، لم ينبت على ظله
عشب خرافي
ولا غيمة الليلك
سالت داخل المشهد...
الأرض مثل الثوب منسوجة
بإبرة السماق في حلمه
المكسور.. جدي هبَّ من نومه
كي يجمع الأعشاب من كرمه
المطمور تحت الشارع الأسود
(لماذا... ص73)
الشيء معنى هنا، والشيء يصنعني
ذاتاً تعيد إلى المعنى ملامحه
فكيف أولد من شيء... وأصنعه
أمتد في الشجر العالي فيرفعني
إلى السماء، وأعلو طائراً حذراً
لا شيء يخدعه، لا شيء يصرعه
في كل شيء أرى روحي ويوجعني
ما لا أحس به، أو لا يحسُّ
بروحي حين توجعهُ
(كزهر اللوز ص168)
وقد يكون 'الوافر' كما نجد في:
وماذا بعـد هذي الأرض مــاذا وزندك شــارع وأنا رحيلُ
ثقبت الأرض بحثاً عن سواها فأسندني،لأســندها، الجليلُ
(2/138)
في 'لي حكمة المحكوم بالإعدام' تجربة عروضية طريفة، تستحق دراسة منفصلة، تجمع في وحداتها بين شكل تفعيلي وآخر عمودي، (متفاعلن. مستفعلن. متفاعلن فاعلن مستفعلن فعلن. مفاعيلن) بطريقة مدروسة، تترك أثراً جميلاً بهذا التنوع الإيقاعي، ومثال على ذلك:
وهمت بغيمة بيضاء تأخذني / إلى أعلى/
كأنني هدهد، والريح أجنحتي
...... فعدِّل في وصيتك الأخيرة/ قد تأجل موعد الإعدام ثانية ً.
(لا تعتذر ص 17)
وفي قصيدة 'عزف منفرد' تجربة لافتة أخرى، تتألق فيها 'القافية التعالقية' وتتأرجح بجمال بين البناءين التفعيلي والشطري، بل لأقل في الأصح أنها كتابة جديدة، وتنويع فَذ ٌّ على بحر 'البسيط':
لو عدت يوماً إلى ما كان، لن أجدا
الحبَّ الذي كان والحب الذي سيكونْ.
من ألف زنبقة حاولت أن أعدا
القلب القديم بقلب توأم، وجنونْ
حبيبتي! يا امتثال الروح للجسد ِ
ويا نهاية ما لا ينتهي أبدا
قطعت ِ شريان موجي يا ابنة الزبد ِ
قطعت صوتيَ عن تاريخ أغنيتي.
وددت لو أجد الإيقاع، لو أجدُ.
والعزف منفردُ
...
...وعابر في بلاد الناس، لا ذكرى
تركتُ فيها ولا ذكرى حملت لها
كأنني لم أكن فيها ولم أرها.
خرجت أدخل أسمائي، فبعثرها
النسيان، وانقسمت نفسي لتُشهرها.
أمرُّ بالشيء كاللاشيء.. لا أجد ُ
الشيء الذي يوجدْ
من ألف أغنية حاولت أن ألدا
لو عدت يوماً إلى نفسي فهل أجدُ
النفسَ التي كانت ِ النفس التي كانت؟
يا ليتني ولدٌ، يا ليتني ولدُ،
والعزف منفردُ
(2/ 247)

قافية جديدة 'التعالقية'

سبق لشعرنا العربي أن عرف قافية هي جزء من جملة بقيتها في البيت الذي يليها، وهو ما سمي عروضياً بـ'التضمين' لكن ذلك لم يؤثر على الحيِّز الزمني لحركة القافية، حيث تأتي مشبعة الحركة، ومن أبرز أمثلته قول الأعشى:
ما بكاء الكبير بالأطلال ِ وسؤالي فهل تردُّ سؤالي
دِمنة قفرة تعاورها الصيف بريحين من صبا وشمال ِ
إلا أن الإبداع الجديد لدرويش هو قافية تقوم على حركة قصيرة(فتحة أو ضمة أو كسرة) وحركة مشبعة (أي تحويل هذه الحركات إلى حروف) وهي ظاهرة وجدت إرهاصاً لها في 'مديح الظل العالي':
ليديك كم من موجة سرقت يديك َ
من الإشارة وانتظاري
ضع شكلنا للبحر. ضع كيس العواصف عند أول صخرة ٍ
واحمل فراغك وانكساري
... واستطاع القلب أن يرمي لنافذة تحيته الأخيرة
( 2/7)
في ما تفتح من ربيع الأرض، في ما فجَّر الطيران فينا
من ينابيع. ولا تذهب تماما
في شظايانا لتبحث عن نبيٍّ فيك ناما
(2/13)
يا خالقي في هذه الساعات من عدم تجل َّ!
لعل لي حلماً لأعبده
لعلَّ!
علمتني الأسماء
لولا
هذه الدول اللقيطة لم تكن بيروت رملا
(2/26)
فهذه القافية تضطرك مرة إلى قراءتها منفصلة عمَّا بعدها، لتعود في تكرارها الثاني لتتصل بصورة واجبة مع ما بعدها، إنها خليط من قافية كاملة وأخرى قصيرة ناقصة إن صح التعبير.
ثم ستتحول هذه القافية إلى ظاهرة عروضية أصيلة لدى الشاعر في أعماله اللاحقة، وأعتقد أن الشاعر تقصَّدها، وإنْ صرَّح في أكثر من مرة - بعد كتابتي عن هذه القافية عام 1994- أنها عفوية عنده، ووجه قناعتي بقصديتها، أنها تكررت، وكثر استخدامها، وتأتي استجابة لعمل الشاعر الدائم على المحسنات الإيقاعية التي يعالجها في شعره كله، وهو من هذه الناحية تلميذ كبير لشاعر العرب: المتنبي، والذي لا يكفُّ الشاعر عن الاعتراف بمعلميَّته له.
هذه القافية التي دعوتها 'التعالقية' سنجدها فيما بعد كثيراً كقوله:
ولم القصيدة يا أبي؟ إن الشتاء هو الشتاءُ
سأنام بعدك، بعد هذا المهرجان الهشِّ تسودُّ الدماءُ
على تماثيل المعابد كالنبيذ.. وتكسر العشاق نرجسة وماءُ
(2/397)
لغز هو الميلاد.. يا أبتي سألتك: هل ولدتَ
لتموت؟ كم أرجأت عمرك.. كم تعبت.. وكم وعدتَ
بأن تعيش غداً.
(2/398)
من آخر النفق الطويل إلى مراياهم.. وعادوا
حين استعادوا ملح إخوتهم، فرادى أو جماعات وعادوا
من أساطير الدفاع عن القلاع إلى البسيط من الكلامْ
(2/419)
من أين جئنا؟ يسأل الحكماء عن معنى الحكاية والرحيل ِ
وأمامنا آثارنا، ووراءنا الصفصاف. من أسمائنا تأتي إلى
أسمائنا ونخبىء النسيان من أبنائنا، تثب الوعول من الوعول ِ
على المعابد. والطيور تبيض فوق فكاهة التمثال لم نسأل لماذا
(2/452)
وبهذا يحق لشاعرنا أن يفخر فيما يفخر بأنه أدخل شكلاً جديداً من التقفية لم تعرفه القصيدة العربية.


ختاماً

بقي لي أن أشير إلى أن محمود درويش وهو يتألق في مهاراته الإيقاعية، لم يسلم من العثرات التي تشوِّه هذا التألق الموسيقي عنده، فالسلاسة المتدفقة في بنيانه النغمي يهبط حيناً في بشاعة الثقل الذي يصعب نطقه برشاقة وعذوبة، هذا الأمر الذي نجده قليلاً عنده، ولكنه مناقض لحسِّه الموسيقي المرهف، ولنقرأ قوله:
صباح الورد يا ماجدْ
صباح الورْدْ
قم اقرأ سورة العائدْ
وشدِّ القيْدْ
على بلد حملناهُ
كوشم اليَدْ
(2/141)
وفي مكان آخر:
في أوراق الأشجار وفي أوراق العمْرْ
وأحدق في ذاكرة الماء وفي ذاكرة الرمْلْ
لا أبصر في هذا الليلْ
.........
وأنا اسقط في هذا الظلّْ
(2/375)
إن هذا التسكين المتوالي على حرفين صحيحين صعب النطق أولاً، وظاهرة نادرة جداً في الشعر العربي لقبحها، وانتشارها في الشعر الحديث أحياناً مؤشر على ركاكة الحس الموسيقي لدى من يستخدمها.
لكن مما يزيد الأمر سوءاً أن الإرباك الإيقاعي الذي ظهر لدى الشاعر اكتمل في عدم التناسق بين 'الورد' و'القيد' و'اليد' وكذلك بين 'الرمل' و'الليل' و'الظل'
وما أعظم أن يكون الأخفش قد كتب قبل أكثر من ألف ومئتي سنة و في 'باب ما يجتمع فيه ساكنان في قافية':
'وذلك لا تبنيه العرب إلا أن يجعلوا الأول حرف لين،كذلك قالوه في أشعارهم، وذلك نحو فاعلان في الرمل.... كل هذا لا يكون الحرف الذي يلي آخر حرف منه إلا حرف مد ٍّ لأنه لمَّا اجتمع ساكنان كان ذلك مما يثقل، ولا يكون إلا في الإدراج، والقصيدة عندهم بيوتها مُدْرَجة بعضها إلى بعض، فأدخلوا المدَّ واللين ليكون عوضاً من ذهاب التحريك، وقوة على اجتماع الساكنين. وقد جاء بغير حرف لين وهو شاذ لا يقاس عليه:
أرخين أذيال الحُقـَيِّ وأربعْنْ'
(القوافي ص 97)
إن محمود درويش في هذه الظواهر التي رصدناها في شعره يعيد الثقة بمجموعة من مبادىء الإبداع الكبرى.
أولها أن الإيقاع يمكن له أن يكون مظهراً كبيراً من مظاهر التجربة الشعرية، لا مجرد قشرة خارجية تـُحشى بشتى المفردات حشواً.
ثانيها أن الإبداع مواصلة مجدِّدة لخير ما في التراث الشعري من تقاليد وظواهر.
ثالثها أن الموسيقى لا تموت في الشعر بل تـَغـْنى وتتجدَّد.
وبالتالي فالشعر العظيم بحق، لا بد له من تجربة إيقاعية عظيمة، تشير إلى ما قدمه هذا الشعر من بحث في أدواته التي تصنعه على الدوام.




المصادر

جدارية. رياض الريس للكتب والنشر. ط1. لندن 2000.
حالة حصار. رياض الريس للكتب والنشر. ط1. لندن 2002.
ديوان محمود درويش. المجلد الأول. دار العودة. ط14. بيروت 1994.
ديوان محمود درويش. المجلد الثاني. دار العودة. ط1. بيروت 1994.
سرير الغريبة. رياض الريس للكتب والنشر. ط1. لندن 1999.
القوافي. الأخفش. تحقيق: عزة حسن. وزارة الثقافة. دمشق 1970.
القوافي. أبو أعلى التنوخي. تح: عوني عبد الرؤوف. ط2. مكتبة الخانجي. القاهرة1978.
كزهر اللوز أو أبعد. رياض الريس للكتب والنشر. ط1. لندن 2005.
لا تعتذر عما فعلت. دار رياض نجيب الريس للكتب والنشر. ط2. بيروت 2004.
لماذا تركت الحصان وحيداً. دار رياض نجيب الريس للكتب والنشر. ط2. لندن 2006.
المواضع التي لم نشر فيها إلى المصدر مأخوذة مما كتب عن الخزم في مصادر'موسوعة الشعر العربي' أبو ظبي cd.



المصدر: صحيفة القدس العربي.