المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قطتي الصغيرة.. قصة بقلمي..



ساخر جدا
27-04-2009, 01:51 AM
يحضنا ديننا الكريم على رحمة الحيوانات ولكن كثيرا منا يستخف بحياتهم.. فترى البعض لا يهتم إذا كان الذي يعترض طريقه مجرد قط مسكين فيدهسه بسيارته دون أدنى رحمة.. وآخرون لا يقيمون وزنا لحياة الكلاب رغم أنهم يستغلونها في حراسة ممتلكاتهم ومتعهم.. وآخرون يطئون النمل بأرجلهم دون أدنى اكتراث ولو علموا أن الروح التي تحمل بين جنبي تلك المخلوقات معجزة يقف الجنس البشري بأكمله حائرا أمام سطوع برهانها لحسبوا لها ألف حساب كما يفعلون مع أنانيتهم..


قطتي الصغيرة..

استيقظت ذات صباح على نظرات قطتي الوديعة.. كانت تحملق فيّ بطريقة لم أعهدها فيها.. كنت قد بت فوق سطح المنزل رغم البرد الشديد ولعل المسكينة قد باتت بجواري بعد أن تم سد جميع منافذ الدخول في وجهها.. كنت أهوى النوم في البرد وأجد لذة لا توصف في مطابقة الأغطية فوق جسدي النحيل.. أما القطة المسكينة فقد بدا من شعرها المنفوش ومن نظراتها الغاضبة أنها لم تتمتع بالبرد مثلي.. فداخلني شعور غريب بأنها تحسدني على الأغطية الكثيرة التي حميت بها نفسي.. فسألتها مستغربا:

- لماذا تحملقين فيّ كشاحنة مبهورة في ليلة مظلمة؟..

أجابتني بهدوء يسبق العاصفة :

- عفوا.. كنت أفكر في حظوظ المخلوقات في هذه الحياة..

- ألا يمكنك التفكير في ما يحلو لك دون أن تأكليني بعينيك..

ازدادت نبرة صوتها حدة:

- لو كنت أريد أن آكلك لفعلت ذلك منذ زمن بعيد، دون الحاجة إلى الحملقة في وجهك الدميم..

- ألا تلاحظين أنك قد أصبحت كثيرة الشرود والعصبية..

- لا تتدخل فيما لا يعنيك..

- ولكنك صرت كالمجنونة..

صاحت في مكشرة عن أنيابها وهي تنفش شعرها:

- دعني يا أبن آدم أنام الضحى على الأقل بعد أن حرمتني من النوم طيلة الليل..

- ألا يمكنك أن تناديني باسمي الذي تحفظين عن ظهر قلب..

- ولكنك ابن آدم.. أم أن ذلك يخجلك..

سألتها مغيرا دفة الحديث :

- ما سبب كل هذا الغضب..

أجابت وهي تشيح بوجهها عني:

- إنها الأغطية التي تطابق على جسدك دونما حساب للآخرين..

- ولكن الله حباك بشعر ناعم يحميك من البرد وغيره من الشدائد..

- ولكنني أريد غطاء مثلك.. أريد أن أتمتع بالقليل مما تتمتع به دون استحقاق.. أريدكم أيها البشر الأنانيون أن تفكروا فينا نحن الحيوانات قليلا..

- ولكننا نفكر فيكم باستمرار.. ألم تسمعي عن منظمة الرفق بالحيوان..

- مجرد حبر على ورق..

- ألم تسمعي بالطب البيطري..

- مجرد شركة اقتصادية تدر الربح على صاحبها.. ما قولك فيمن لا يملك مالا يداوي به قطته الوديعة هل تموت بين يديه كما يموت فقراءكم المساكين في كل يوم..

- ألم تسمعي عن توريث الكلاب في بريطانيا وأمريكا وغيرهما..

- ألم تسمع أنت عن صيد الثعالب في بريطانيا التي تتشدق بها .. ألم تسمع عن شي الأسماك وهي حية في الصين.. ألم تسمع عن ابتلاع الحشرات وهي ترقص في دويلات آسيا.. ألم تسمع عن شنق القطط والكلاب بواسطة أطفال موريتانيا..

قلت مندهشا من حقدها الدفين:

- يبدو أنك تكرهين البشر..

أجابت في استحياء :

- أنت ليس بيني وبينك سوى مشكلة الأغطية..

- يجب أن تعرفي أن الناس فيهم الصالح وفيهم الطالح.. حتى انتم معشر القطط فيكم الصالح وفيكم العفن.. مثلا قط الجيران.. ألا توافقيني الرأي في أنه ثقيل الظل ولص مطابخ من الدرجة الأولى..

- لا تذكرني بذلك التافه الثقيل الدم..

ثم استدركت بعد أن بصقت بحقد كتعبير عن اشمئزازها من ذكره:

- أما أنتم أيها البشر فلا أظن فيكم خيرا لكثرة أعمالكم الخسيسة..

- لا أوافقك تماما في ذلك..

- إذا ما تبريرك لعمليات القتل الجماعي والتعذيب والاغتصاب وغيرها من رذائل الأمور التي تأنف منها الوحوش.. ألم تسمع بما حصل في يوغسلافيا من إبادة جماعية وفردية.. ما رأيك فيما يحدث من إبادة في فلسطين منذ أكثر من نصف قرن.. ما رأيك في الاعتداء على العراق الآمن.. هل يوجد في العالم كله من هو أكثر شرا من الإنسان..

أحرجتني كلماتها ولكنني واصلت تشبثي بحبل الجدال خوفا من فضيحة الهزيمة أمام قطة صغيرة.. قلت بثقة زائفة:

- أنت تبالغين..

أجابت بغضب :

- بل إنك تكابر كعادة بني جلدتك.. اذهب فقط إلى فلسطين أو العراق وستدرك الأسباب الحقيقية لتواجد الوحوش المحتلة على أرضهما.. إنه الشر يا صديقي.. الشر الذي يغرس رايته في كل مكان من هذا العالم التعيس.. والآن دعني أنام الضحى على الأقل فمحاورتك قد أضاعت علي الكثير من الوقت والراحة..

قلت محمسا:

- لقد بدأت تقنعيني بأن الإنسان شرير..

كان النعاس في آخر خطواته إلى إغلاق عينيها الصغيرتين فاعتدلت جالسة وقد أحست بنشوة الانتصار وقالت:

- إذا قد بدأت تقتنع بأن أخوك شرير.. كنت أعرف بأنك ستفعل لأنك طيب.. سامحني على ما بدر مني في حقك وحقه..

كان لكلماتها البريئة وقع الانفجار في أذني.. المسكينة في منتهى الوضوح.. أما أنا فيجب أن أخجل من عقلي الذي يدفعني إلى تحقيق نزواتي بالحيلة على حساب الآخرين..

قلت لها متأثرا:

- صدقت.. كم هو أناني الإنسان..

قالت باستغراب :

- ولكنه ذكي لماذا لم يوظف عقله فيما ينفعه وينفع من يجاوره في هذا الكوكب..

- عقله هو سبب كل مصائبه..

- كنت أظن أن سبب مصائبه هما فقط بطنه وفرجه..

- عقله هو الميزان وهما الكفتان..

- من حسن الحظ أنني مجرد قطة..

- نعم ذلك أفضل من هذه الناحية..

- والأغطية.. لماذا لا تصنعون لنا نحن القطط أغطية خاصة على غرار الأطعمة المعلبة المتعفنة التي تقتلوننا بها.. على كل حال أنا لا أريد إلا غطاء واحدا من العشرة التي تطابق على جسدك..

قالت ذلك ممازحة ولكن أنانيتي أعمتني عن تلك الحقيقة فقلت بعجالة ودون تفكير:

- أتريدين أن تحرميني من التمتع بهوايتي..

أجابتني متهكمة:

- أرأيت.. ها نحن بعد كل هذا الدوران نعود إلى الأنانية من جديد.. يبدو أنني سأغير رأيي وأضمك إلى إخوتك المقرفين..

صحت بأعلى صوتي:

- لا.. لا تفعلي.. خذي جميع الأغطية.. لكن لا تفعلي.. لا تضميني إلى أولئك الوحوش..

أكملت وهي تغلق عينيها من شدة النعاس:

- اطمئن لن أفعل.. فأنت أولا و أخيرا الوحيد الذي يتكرم علي باللحيمات اللذيذة التي أعشقها.. ولكني أطلب منك فقط أن تتوقف عن الثرثرة قليلا لكي أتمكن من النوم..

نظرت إليها بحنان وهي ترخي ستائر عينيها.. المسكينة ربما كانت على حق.. كان النعاس بدوره يداعب كياني فأغلقت عيني باستسلام وعندما استيقظت في الواحدة زوالا -ككل العاطلين عن العمل- اكتشفت أنني كنت احلم فلم يكن لقطتي الوديعة وجود إلا في دهاليز مخيلتي الصغيرة..

http://farm4.static.flickr.com/3345/3472876465_8031d3b829_m. jpg