المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشيخ سيديا و اولاده



mohamed ismail
17-04-2009, 02:24 PM
بحث

تقديم لكتاب الندوة الثقافية الأولى
بقلم : الشيخ محمد الحسن ولد الدَّدَوْ

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على نبيه الكريم
الحمد لله رب العالمين.. أما بعد،
فقد كانت قراءتي لهذا الكتاب الذي جمع مشاركات العلماء والأدباء والباحثين في ندوة "الموروث الثقافي والأدبي للشيخ سيدي" تعزية لي عن عدم حضوري لهذه الندوة المباركة، وقد كنت أنشدت متمثلا في غيابي عنها: (كامل)



بغدادُ نحن بَنوكِ لا نَرضَى
بـِأَنْ نُدْعَى لديكِ مع الضيوف ضيوفَا
ولقد تنوعت مقاصد المشاركين نظرا لتنوع المادة, وكل قد اغترف غرفة بيده من معين الشيخ سيديَّ أو أحد أبنائه الأعلام: الشيخ سيدي محمد وابنيه: الشيخ سيديَّ باب والشيخ سيدي المختار، وقد تفاوتت غرفاتهم بتفاوتِ مستوياتهم وما كان لهم أن يغطوا إلا شيئا يسيرا من هذا الموروث الذي هو مضرب المثل, وأنى لهم نزح هذه الأبحر وقد قيل: (طويل)
يميد إذا مـادت إليه دلاؤهم
فيصدر كـلٌّ ناهِـلاً يـتـعـجَّــبُ
ولم ينقصــوا إلا كنقصٍ بمخيطٍ
ترامت بـه أمـواجُ دجلـةَ تلعبُ
وذلك فضل الله ما كان ينتهي
إذا ما انتهى هذا الكلام المركَّبُ
إن الذين عاصروا هؤلاء الأطواد من فطاحلة البلغاء قد جهدوا في تنويع العبارات ليعرِّفوا من لم يعاصرهم بشموليتهم واجتماع الكمال الممكن فيهم, ومع ذلك أقروا بالقصور, ولنستمع إلى الشاعر المجيد محمد بن محمدي إذ يقول في تنوع فضائل الشيخ سيدي الكبير: (طويل)
هذي محاسن من غدا بصفاته
مستوجب الإجــــــــــلال والتعظيمِ
مَنْ بالسيادة والمحامد وَسْمُه
وَفْقُ اسمِه فالإسمُ كالموسومِ
نالت من الرُّتب العَوَالي كفُّه
ما لـم تكن لتنالَ كفُّ أَرِيمِ
ألفى المكارم قد تهدَّمَ رُكنُها
فأقام ساقطَ رُكْنها المهْدومِ
خلق الإله بنانَــــــــــه للبحث عن
صعبِ العلومِ وكَسْبِ كلِّ عديمِ
ولسانَـه للكــــــــــــــفِّ إلاَّ مُدْمِنا
لتعلُّمٍ أو مدمنَ التعليمِ
وجَنانَه الماضي المنيرَ لِفهمِ ما
عَــنْـــــهُ قد اكْدَى فهْمُ كلِّ فهيمِ
وقصـائد وَدَّ العَذارَى جعْلَها
حَـلْيًا مكانَ اللُّـؤلؤ المنظومِ
يا راكبًا يُدنيه ساحةَ بابه
تَقْرِيبُ دامِـيةِ الأظَلِّ رَسُومِ
أبْشِرْ فقدْ يَمَّمْتَ مَنْ مَنْ يَنْحُهُ
يَظْفَرْ بنيلِ مُـؤَمَّلٍ ومَرُومِ
إنْ سائلاً يمََّمْتَ بحْرَ مواهبٍ أو
جاهلاً يمَّمْتَ بحرَ عُلومِ
أو مشتكٍ مِنْ ذي عداءٍ مَظْلمًا
يمَّمتَ رفْعَ شِكايةِ المظلومِ

أو إلى الشاعر المجيد: سيدي عبد الله ولد أحمد دامْ إذ يقول: (بسيط)
وإنْ ألَمَّ به ضـيـفٌ فَمُـرْتحِـلٌ
يُـثـْنِي وكان جميلَ الظَّنِّ إذْ رَغِبَهْ
ولَّى يُفَرِّقُ حَمْدَ الشيخِ في فِرَقٍ
شتَّى ويُكْثِرُ ممَّا قد رأى عَجَبَهْ
رأى هنالك أخلاقَ الكِرامِ إلى
زِيِّ الملوكِ وزيَّ السَّادَةِ النُّخَبَهْ
رأى مُصَرَّعَةَ الأنعام قد قُسِمَتْ
بين الصَّفيفِ وبين الجَوْنَـةِ الرّحَبَهْ
رأى الوفودَ على باب الكمالِ كما
يَرى الدُّثورَ على عِـــدٍّ حَمَتْ قُـلُبَهْ
مِنْ مُــعْتَـفٍ وأخي فَتْوَى ومُلْتَمِسٍ
فَصْلَ القَضَا ومُريدٍ كَشْفَ ما حُـجِـبَهْ
أو كَشْفَ مسألةٍ والكلَّ قد وسِعَتْ
جِـفَانُـهُ ولِكُلٍّ منـه ما طَـلَـبَهْ
فاللهُ باركَ في نفسِ الكمالِ وفي
ما اللهُ مُوليهِ مِنْ قُصْوَى ومُقْـتَـرِبَهْ
إنْ تَسْتَبِقْ حَلباتُ المجدِ راكضةً
خَيْلَ المَْعالي تَراهُ سابقَ الْحَلَبَهْ
لا يُضْمِرُ الضَّجْرَ مِنْ جارٍ أساءَ ولا
مِنَ المُْرافِقِ يُوهِي صَبْرَ مَنْ صَحِبَهْ
ولا يَضيقُ ذِراعًا بالذي صَنَعَتْ
أيدي الحوادثِ تَـبْـتَـزُّ الفَتَى سَلَبَهْ
وكَمْ ثَــئًا بيْنَ ما حَيَّيْنِ أَصْلَحَهُ
خَــــرْزَ الصَّنَاعِ لِمُسْنِي أُجْرَةٍ قِــرَبَهْ
أمَّا الرِّقَــاعُ فَأَعْــــــــلاقٌ يَجودُ بها
والسيرُ نُصْحُ بليغٍ يَـبْتَغي القُرُبَهْ
رَآهُ ذو العرشِ عَلاَّمُ الغيوبِ لِــذَا
أَهْلاً فَساقَ لَهُ مِنْ قبلهِ سَبَبَهْ
عِلْمًا وفهمًا يَصـيــــدُ المُشْكِلاتِ به
دَرْكَ الطِِّمِرَّةِ مِنْ سِرْبِ المَْهَى عَطِـبَهْ

أما الشيخ سيدي محمد فيكفي في وصفه أنه لم يكن أحد يقارَنُ بالشيخ سيديَّ في حياته سواه، وبعد وفاته تفرد بخلافته, فإذا قرأنا شهادة معاصريه في وصفه وجدناه مطابقا لوصف أبيه تماما، وسآخذ مثالا على ذلك شهادة جدي محمد مولود بن أحمد بن عبد الله الحاج بن المبارك، إذ يخاطبه في قصيدة فيقول: (كامل)
فذر الصبا وزر الكريم محمدًا
بتحية تــستَوجب الإفضالاَ
أكرمه إجلالاً بذاك فإنــه
يستوجب الإكـرام والإجلالاَ
قَدِّمْ له ما تستطيع من الثنا
واصدع به واضرب به الأمثالاَ
صِفْه بما تصف الكرامَ وفوقَـه
إذ فاقهم أدبًا وفاق نَوالاَ
وشمائلاً تزري بنفحة روضـةٍ
مُلئتْ تناويـرًا زهتْ وزُلاَلاَ
أخطأتَ إنْ شبَّهتَــــه في جُـوده
مَعـــنًا وكَـعْـــبًا حاتِمًا وبـِلاَلاَ
أو كنتَ قـد شبَّهتَـه في علمه
مُتَمَوِّجًا يَرمي السَّفـينَ تِلالاَ
فانزلْ إلى ذاك الفناءِ تَجِدْ فتًى
جمَّ الرماد على الـرُّبَى مِحلالاَ
سَهلَ الجَنابِ لمن أوَى لِجَنَابـه
حُوش الجَنان نَـدِي البَنانِ أُثــَالاَ
يَـلْـقَى العُــفَـاةَ بواضحٍ مُـتَـبَـلِّـج
متبسمٍ يَـسْـتـبشِـــــرُ اسْــتِـهْــلالاَ
يَهَبُ الألوفَ على الألوفِ وضِعفَها
للمجتدين قَناطِــرًا وريَـالاَ
ونَــجائِبًا شـمَّ الذرَى مشدودةً
برحالها والعـوذَ والأشْوالاَ
فاللهُ إذْ قسَمَ المكارمَ في الوَرَى
أوْفَى لـه منْ حظِّـه المِكْيالاَ
لو واجهَ البدرَ المنـيـــرَ بوجههِ
لَـغَـدَا بـــهِ البـدرُ المنيرُ هِلالاَ
أو قابلَ الشمسَ المضيئةَ بالضُّحَى
صَحْوًا لأَلْبَسَ وجهها أجْلالاَ
قسمًا بربِّ الرَّاقصاتِ إلى مِنًى
عُوجًا عَوَابرَ في الهجيرِ الآلاَ
خوصًا تبارى في الأزِمَّةِ جُنحًا
يطوين منشور الفلاةِ شِلالاَ
يحملن شُـعْـثا عامدين لحجِّهِمْ
كيما يحطُّـوا عنهمُ الأَثقالاَ
مـا أمَّتِ الْوَجْـنََـاءُ في راحُولِهَا
منهُ أَبَـرَّ مَوَاثِـقًا ومَــقَـالاَ
وأعزَّ جـيـرانًا وأغـزر نائِـلاً
والمحْلُ يَعْرِقُ بالسُّعارِ مَحَالاَ
وأتمَّ أخلاقًـا وأحسنَ خِـلْــقَةً
منه وأطْــيَـبَ شيـمَةً وخِـلالاَ
آلَ الكمـالِ وُقِـيتُـمُ شَرَّ العِدَى
ووُقيتمُ البَأْسـاءَ والأَنْكالاَ
وكفيتمُ شرَّ الحَســودِ وكيْدَهُ
وكفيتمُ المـغْــتالَ والمُحْـتالاَ

فالقارئ إذا لم ير الاسم يجزم بأن المخاطَب هو الشيخ سيديَّ.
وأما المجدد الشيخ سيديَّ باب فلا يختلف واصفوه من معاصريه أنه قد زاد في الفضل والكمال على أبيه وجده، وآخذ مثالا على ذلك قول جدي محمذ فال ابن محمد مولود المشهور بالدَّدَوْ: (وافر)
سـلام كالمدامـةِ بالزُّلالِ
وكالمِسْكِ الذَّكِـيَّ وكاللَّآلي
يشق به السَّــفـين بحـورَ ماءٍ
وطـورًا في القـفـار بحـورَ آلِ
إلى المحمودِ قطْـــبِ رَحَـى الزَّوايَا
ومأمنِ كلِّ ذي داء عُـضـالِ
ترى معه الوفـودَ أُولِي المَوالـي
وأربابَ المراتبِ كالمَْـوالي
فَـعَــفَّ عَنِ التَّــصَـنُّعِ والدَّعاوي
وكَفَّ عنِ الضَّـلال والاعتزالِ
على أبويـه زادَ وأيُّ مَـــــــــرْءٍ
يُطاوِلُ غيــرَه قُـنَنَ الجبالِ
فَـــدَعْ خيرَ الـقرونِ وفَــضِّــلَـنْهُ
على مَنْ بَـعْـدَ ذاك مِن الرجالِ


وفي البيت الأخير تصويب لقولِ الشاعر المبدع: محمذن بن السالم: (وافر)
حَـوَتْ ما دون مرتبة التـنـبي
يداك مـن المـكارم والمعالي
فأنت إذا من الثقلـيـن طُــرًّا
بمنزلة اليميـن مـــن الشـمـال
وقد اتفق معاصرو الشيخ سيديَّ باب أنهُ بلغ رتبةَ الاجتهاد وأصبح إمامًا عامًّا للمسلمين في غرب إفريقيا عنه يصدرون في أمور دينهم وأمور دنياهم.
وأما الشيخ سيدي المختار فيكفي في وصفه أن معاصريه مجمعون عَلى أنه كان من الشيخ سيديَّ باب بمنزلةِ هـرون من موسى فلم يحجبْه بَـابَ عن أية فضيلة من ميراث أبويه وكانا في كلِّ المكارم كفرسي الرِّهان يُعدُّ السبق بينهما بتقدُّم الوجه أو الأذن. وكان الشيخ بابَ شديد الإعجاب بأخيه، وقد جعله مُعاصروه مضرب المثل في الكرم والصدق والإخلاص والعبادة والسيادة... وآخذ مثالا من شهادة معاصريه قولَ ابن عمي: محمد المصطفى بن محمد ولد الطالب: (طويل)
فبالسيدِ المختار حسبي
فإنه لأجْدَى وأنْـدَى مِنْ عَـدِيٍّ وحاتِمِ
إمامٌ يرى الحق الذي ليس لازمًا
أحقَّ عليه من حقـوقٍ لَـوَازِمِ
هو الذائدُ الحامي الذمارَ عن الورَى
هو القائدُ الكافي هجومَ العظائمِ
هو السلسلُ العذب المذاقِ لدَى الرِّضَا
وأَهْيَبُ مِن لَيْـثٍ عَــبَـنٍّ لُـــبَارِمِ
وقولَه فيه أيضا: (بسيط)

يا من بأخمصه هام العلا يطأ
يا من هو الملجأ اللاجي له الملأ
يا من يسح إذا شح الكرام يدا
يا من يصح إذا يعزى له النبأ

وعموما فإن هذا الشمول في جميع المكارم والمعالي هو ميراث الشيخ سيديَّ «وجعلها كلمة باقية في عقبه». فمن عاصرناهم من أحفاده يتجلَّى في صفاتهم هذا الشمول واضحا فيتواطأُ وصف معاصريهم لهم مع وصف معاصري أوَّلِيَتهم، وآخذ مثالا على ذلك قولَ جدي الشيخ محمد علي بن عدود في إسماعيل بن باب: (طويل)
إلى الشيخ إِسماعيـلَ أَوَّلَ أَوَّلِ
سلامي بـِـنَصٍّ بَـيِّــنٍ لَمْ يُؤَوَّلِ
إلى بحر عِـلمٍ للأنامِ مُسَـبَّـلٍ
وقبلةِ حاجٍ للورَى لمْ تحوَّلِ
ولم يستند يومًا إلى غيـرِ مُنزلٍ
فليس بخَطِّيٍّ وليس بجَدوَلِي
إلى عمدتي إمَّا خذلتُ وناصري
ومَن هو بعدَ اللهِ أَوْلَى معوَّلـي
ومَن هو صوبي ما حييتُ وإنْ أَكن
صرفتُ إلَى مَنْ دونه عــيـــن أحْوَلِ
فلي فيهِ أستاذٌ ولي فيه مونِسٌ
ولي فيه شيخٌ في الطريقِ ولِي ولِي

ما شاهدناه من صفات المعاصرين هو أدَلُّ دليل على صفات السابقين كما قال الشاعر: (بسيط)
إن غاب عنك أبُو ابنٍ لم يغب فلمن
يبدو لنا إنمـا يبدو لنـا غَـيَـبُـهْ
وقديما قال زهير بن أبي سُلمى: (طويل)
وما يَكُ مِنْ خيرٍ أَتوْهُ فإنَّـمَا
تَـوارَثهُ آباءُ آبائِهِـمْ قَـبْـلُ
وَهَلْ يُـنبـِتُ الخَطِّـيَّ إِلاَّ وَشيجُهُ
وتُـغْرَسُ إلاَّ في مَـنابــِــتِـهَا النَّخْلُ
وفي هذا الكتاب وهذه الندوة حث للأجيال الآتية على الاتصاف بصفات الماضين.
هذا ويأبى القلم أن يتوقف قبل إسداء الشكر الجزيل لمؤسسة الشيخ سيدي الإسلامية الثقافية ــ التي هذا الكتاب باكورة عملها ونرجو أن تستمر في مشروعها ــ، ولفضيلة رئيسها الدكتور الشيخ: إبراهيم بن إسماعيل بن محمد بن الشيخ سيدي، وقد كنت قلت فيه قديما بأمر خالي أحمد محمود ابن عدود رحمه الله: (طويل)
والشكر موصول واصل كذلك للأخ الكريم: أحمد بن هارون بن أحمد بن الشيخ سيدي منسق هذا العمل، ولجميع من شارك في الندوة أو ساهم في هذا الكتاب في طباعته أو نشره أو توزيعه، ولجميع أفراد الأسرة الكريمة وعلائقها, وأختم هذا التقديم بقول خالي الشيخ محمد سالم ابن عَدُّودْ حفِظه الله: (بسيط)
يا صادق الوعد عهدًا بالوفاء إلى
يوم اللقاء لحقٍّ خابَ مَنْ جحدهْ
مُدُّوا إلينا بأيدٍ طالمَا رفدتْ
حتى نُبايــِعَ منها سادة مَجَدَهْ
لسنا نُـقـيـلُ ولسنا نَـسْـتَقيلُ ولَـنْ
يُـــقـيـمَ غيرُكُمُ مِــــنْ دَرْءِنـــا أَوَدَهْ
أبقاكم الله ذخـرا للعبـاد ولا
حل الزمان لكم ما كان قد عقده
ودام نهجُ هـداكم يستبينُ بهِ
مَنْ جارَ أو حارَ في ظَـلْمائِهِ رَشَدَهْ
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
كتبه وقاله محمد الحسن بن الدَّدَوْ كان الله له وليا ونصيرا، يوم ٢٣/٧/١٤٢٧هـ الموافق: ١٧/٨/٢٠٠٦م




[رجوع]
علماء و أعيان
من أسرة الشيخ سيديّ

علماء و أعيان
موريتانيون

موريتانيا
تاريخ وثقافة
أبو تلميت
المدينة و الدور الثقافي
صور تاريخية
جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة الشيخ سيدي للثقافة والإنلام - ص.ب: 2101-انواكشوط - موريتانيا هاتف: 0022205290875 / 002226432258

mohamed ismail
17-04-2009, 02:45 PM
بحث

الشيخ سيديّ ...التأثير والابداع
العلامة الشيخ محمد سالم ولد عدود

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
صلى الله وسلم على محمد خاتم النبيين
وعـلى آله ومن هدى بهديه إلى يوم الدين

أشرفتُ على هذه النـِّجاد الغربية فذكرتُ قول الشيخ سـيديّ رحمه الله تعالى: (كامل)
ظَهرَتْمَََعالِمُ أَرْضِنـا مِثْلَ الغُرَرْ
يا حَبَّذَا نُجُدٌ تـَبَدَّتْ لِلبَصَـرْ
أَرْضٌ تُحبُّ نُزُولَـــــنــــا وَنـُحِـبُّهــا
فيها أبو تلميتَ ثـُمَّتَ ذوعُشَــرْ
وبهَا أَحِـبَّتـُنا الذِيـــــنَ تـَـنـَعّمُوا
بجوارِ رَبٍّ قَدْ رَضِي عَـنهُمْ وَبَـرْ

وقولَ الشيْـخِ سيديَّ الثاني: (وافر)
أَبُـــوتِــلِـمِـيـــتَ واســطــــةُ الـبلادِ
هَــدَى أَهْــــلِـيـه إِذْ نـَـزَلـُوهُ هَــــادِ
تـَــوَسَّــطَ بيْنها شَــــرْقـًـا وَغـرْبًا
وَبَــيْـنَ الـرِّيــفِ مِنهَا وَالــبَـــوَادِي
هَـــــوَاءٌ طـَـيِّبٌ وَنـَمِيرُ مَـــــاءٍ
إِلَى الشُّمِّ الحِـسَانِ مِـنَ النِّـجَـادِ
سَــقَى أَرْجاءَهُ صوْبُ السَّـــوَارِي
مُبَـارَكَـةَ الْمَغَــبَّــةِ وَالـغـَـوَادِي
وَصاحَبَـهُ مِـنَ الـرَّحْمَـنِ لـُـطـْــفٌ
وَإِرْشَـــادٌ إِلى سُــبُـــــلِ الــرَّشَــــادِ
وَأُعْـطِــيَ كُــلَّ عَــافِــيَةٍ وَأَمْـــــنٍ
مَـدَى الــدُّنـيَا وَفي يَــوْمِ الـتَّـنادِي
وأنا مع ذلك كـلـِّهِ أذكر قول الشاعر: (كامل أَحَذُّ مُضْمَر)
إنـِّي وَما نحَـرُوا غَدَاةَ مِنًـى
يَــوْمَ الجـِمَارِ تـَـــــؤُودُهَا العُـقـْـلُ
لـوْ بُـدِّلَــتْ أَعْـلَـى مَــعَــالِــمِــهَـــا
سُــفْــلاً وَأَصْـبَـحَ سُـفــلُهَا يَـعـْلو
فَـيَكَادُ يَعْرِفُهَـا الـبَــصِـيـرُ بـهَـا
فَـــيَرُدُّهُ الإِقـْـــــــوَاءُ وَالـْـــــمَــحْـــلُ
لـَعَـرَفـتُ مَـغْـناها لِمَـا ضَـمِــــنَـتْ
مِــنِّــي الضُّـــلـُـوعُ لِأَهْـلِـهَــا قَــبْــلُ

وأنا أذكر قولي: (كامل)
ماذَا أَقولُ وَقدْ تـَــنَاهَتْ شِرَّتي
وَتـَــناوَلتْ ذِهْــنِي يَـدُ الـْحَدَثـَانِ

بأي ناحية أبدأ من حياة الشيخ سيديَّ؟ عُـيِّـن لي: "الشيخ سيديَّ.. مكانته العلمية ــ مكانته الإصلاحية". هذه جوانب متعددة.. وربما أسطو من غير قصد على المحاور التي سيتناولها المحاضرون بعدي.
أذكر بعض المدائح وأذكر بعض المراثي فينفسح أمامي المجال..
من هذه المدائح قصيدة الشيخ محمذن ولد السالم الحسني التي يقول فيها: (وافر)
وعَـرْجَــلَــــةٍ مــِنَ الغُـرَبَاءِ شُعْثٍ
مِنَ اللأْوَاءِ تـَجْـأَرُ كَالسَّعَالِي
جَمَعْتَ عَـلـى مُكَـــلَّـلَـةٍ رَدَاحٍ
كَجَابيَةِ الْمُخَوَّلِ وَفـْـرَ مَالِ
وَمَلْهُـوفٍ أََغَـثـــْــتَ وَذِي عِـــــيَـالٍ
جَعَــلتَ عِـيَالَـــهُ أَحْـــظَــى عِـيـَالِ
وَعانٍ قَدْ فَكَكْتَ وَمُسْتضيفٍ
حَضَأْتَ لهُ الـزَّخِيخَ على التِّلاَلِ
لقدْ أَرْخَصْتَ في طـَلـَبِ الغَوالي
وَفي كَسْبِ الْمَثـُوبَةِ كُلَّ غالِ[أ‌]

وأذكُرُ قول الشاعر بالحسانية: (امْرَيْميدَ)
يـشـّـيْـخْ شـفـْـــتـَكْ من كـرْمَكْ
لـُــلـُــــوفْ بَـعْـــدْ اتعَـــزْرِيـــــــــهَ
أُلاَ كَـــطْ مَـعْــطـَـاهَ حـــزْمَـــــكْ
مَــعْـرُوفْ تــــسْــــتـَـــلـْـــز َمْ بـِـــيـــهَ
واتْــلـُـوحْ لَلْــفْ اعْــــلَ كـَــوْمَـــكْ
وامْـــنـَــــيْـــنْ تـَـــابَ تـعْـــطِـــيـهَ
واتْـــــجِــــيكْ قَــرْيَ منـْــــكَـــــــبَّ
يَــشَّـــــيـخْ مَــــا تـــمْــــلـــكْ ســــبَّ
واتْـــــعُــــودْ فـَـــوكـَـــكْ تـتـْــنَــبَّ
واشْـــوَايْــــلـَـــكْ بَـيْـــنْ أَيْــــــدِيــــــه
وارْحَــاكْ مَـا تـَــكْــــصَــــرْ حَـبَّ
َمَــا كــامْ لــعْــيَــــاطْ اعْـــلِـــــيــــهَ
أُفِـدِّيـــنْ تـَـــوْطَ واتـْـــــــشَـــــــــر َّمْ
وبْــــلِـــيـــسْ تـَــــحْــتـَـــــكْ يـزَّرَّمْ
مَـا كـَــطْ فَــفْــــــعَــالـَــــ كْ طـَـرَّمْ
أُلاَ كَــطْ صَــدَّيْـــــتْ الْْــجــيـهَ
مَــا صَـدْ عَـــنـْــــــهَ مـتـْــبَــــــــرَّمْ
واتـْـــبَــــــرَّمْ الـْـخـــيــــرْ اعْــــلِـــيــهَ

والعلاقة الإيحائية بين "الوافر" وبين "امْرَيْمِيدَ" معروفةٌ عند الفنانين وإن كنت لست من حقلهم,,! وأذكر قول الآخر: (لــبَّــيْـــرْ)
الْبلْ عَـــنـْـدْ الـشَّـــيْـــخْ ارّْغَ
عادَ فيهَ مَـــطـْـــبُـوبَ
أَلَّ تــــــرْغِ مُـــــفـَـــــــــــــر ّْغَ
وَلَّ ترْغِ مَـــصْــيُـوبَ
يذكِّرني قول الشاعر الحساني:
وارْحاكْ ما تَكْصَرْحَـبَّ
مَــا كـَــــامْ لــعْــيَـــاطْ اعْـــلِـــــيــهَ
بقول الراثي الشيخ الهادي بن محمدي رحمهما الله تعالى: (كامل)
قُطْبَ الرَّحَى مَأْوَى الوَرى منْ جَاءَهُ
يَجِدِ الرَّحَى أَبدًا تـَحُكُّ ثِفالهَا
ويَجدْ كَرِيمَـةَ شَـوْلِـهِ مَعْــقـُـــولـَـةً
بالبَابِ قدْ خَضَبَ النّجيعُ عِقالَها

أتجاوز هذا كله لأتكلم عن مكانة الشيخ سيديَّ العلمية. ويمكن أن أقسم هذا الكلام إلى عدة مراحل:
المرحلة الأولى: المرحلة البيتية، المرحلة الثانية: مرحلة خروجه خارج إطار البيت والبيئة الأصلية لإتقان القرآن والمتيسر حينذاك من علومه، ثم مرحلة الخروج لإتقان علوم العربية وعلى رأسها علم النحو، ثم مرحلة خروجه لإتقان علم الفقه، ثم مرحلة خروجه للاطلاع على المكتبات والتفرغ لاستكناهـها واستنطاقها، ثم مرحلة التأليف، ثم مرحلة الإرادة، مرحلة الاستزادة من علم الإحسان في أزوادْ، ثم مرحلة تكوين المكتبات: نسخها واستنساخها واستيرادها واستقطابها، ثم مرحلة الاستقرار في هذه البلاد والتكوين والإنشاء لما يمكن أن يكون نواة لدولة إسلامية تخلف الدولة المرابطية القديمة في هذه البلاد.
المرحلة الأولى مرحلة البيت: الشيخ سيديّ بين بيتين كريمين من أهل هذه البلاد، بيْـتـَـيْ علم وصلاح وسيادة.
أما أبوه فهو الشيخ المختار بن الهَيْبَه بن أحمد دَوْلَه، هذا الشيخ الصالح الزاهد في الدنيا العازف عن ملذاتها وشهواتها المعتزل للفتن، الذي قال فيه الشيخ سيديَّ عندما قال له بعض العرب من مريديه وأنصاره بالحسانية، من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم: ״الـشَّـيْـخْ سـيديَّ انْـتَ عـَارِفْ عَـنَّكـْ أَخـيرْ مـنـَّـكْ الشيخْ سيدِي محمد؟״، قال: بَـاشْ؟ (بأي شيء هو خير مني؟) فقال القائل: "لأن أباه الشيخ سيديَّ وأنت ليس الشيخ سيديَّ بأبيك״ قال الشيخ سيديّ: ״ آنَ زَدَانَ بُـويَ أَلَّ امْـرَابطْ مـتـْـعَـدَّلْ״. هذا الشيخ المختار بن الهيبه.
أما الهَيبه نفسه فهو ذلك الرجل الوجيه الشريف ذو المكانة العظيمة: في الوفادات، في محاولة الإصلاح والقضاء على الفتنة في مَكمنها. هذا الشيخ وابنه لم يكونا ليصلا إلى هذه الرتبة الاجتماعية العالية في مجتمع الزوايا في ذلك الوقت إلا برتبة عظيمة من العلم.
ثم نأتي إلى جهة الخؤولة، مَن أخوال الشيخ سيديّ؟ مَن أمه؟ أمه التي أشار إليها في قوله، عندما ذكر ذا عُشَر. ذو عُشَر الذي عرَّب به الشيخ سيديّ "انتورْجَاتْ" مدفِـنَ والدته أم المومنين بنت أشفَقَ عُبَيْدْ ابن الفاضل بن أبَابَكْ:
أَرْضٌ تُحبُّ نُزُولَـــــنــــا وَنـُحِـبُّهــا
فيها أبو تلميتَ ثـُمَّتَ ذوعُشَــرْ
هذه المرأة المُـنجـِـبة كان لها إخوة جمعوا بين السيادة والعلم. من هؤلاء سيديا ولد أشفق عُبيدْ، من أعلام العلماء في هذه البلاد، خصوصا علم النحو.. سمَّت ابنها باسم أخيها فقيل لها: ״ ثَقَّـــلْتِ عَـلَيهِ״ فقالت كلمتها المشهورة: ״رَبْـهُـمْ وَاحـدْ״ فتجاوزت التوقـُّعات ما كـانـت هي تتوقع.. فجاء الشيخ سيديّ.. والآن، ما من أحـد ــ إلا من كان مثلي ــ يعرف اسم سيديا بنَ أشـفـَقَ عُـبـَيْـدْ. هذا البيت الذي ذكرتُ جانبيه: جانب العمومة وجانب الخؤولة، جانب الأبوة وجانب الأمومة هو المدرسة الأولى للشيخ سيديَّ.
ثم بعد ذلك سمَت به همَّته إلى أن يخرج عن محيطه الأُسْـري لإتقان القرآن والمتاح من علومه في ذلك العصر، فذهب إلى مدرسة قرآنية في قبيلة مشهورة شريفة ساهمت في التاريخ القديم لهذا البلد تسمى "تِــيـمْـرِكِّـيـوِنْ"، فأتقن عندهم القرآن تجويداً ورسما وضبطا. وجاء من عندهم مزودا بكل ما يحتاج إليه الشاب مثله من علوم القرآن. وظن الظَّانّ ــ وربما يكون الشيخ سيديَّ نفسه أول من يظن هذا ــ أنه قد حصل على الكفاية، فليبق في أهله مكرما محترما ولكن الهمة كانت أسمى من ذلك.
خرج الشيخ سيديّ، وهي المرحلة الثالثة، إلى مدرسة الشيخ حُرمةَ بن عبد الجليل العلوي فأتقن في هذه المحظرة علوم العربية وخصوصا علمَ النحو. ولا أعلم أحدا في عصره غيره يحفظ تسهيل ابن مالك عن ظهر قلب إلا ما كان من امْحمَّدْ ابن الطّـلـْـبَه المشهور، هذان اللذان كانا يحفظان تسهيل ابن مالك في هذه البلاد.
فإذا قيل إن المَكوديَّ كان آخرَ من يحفظ "كتاب سيبويه"، فآخِرُ من كان يحفظ "التـسـهـيل" في هـذه الـبـلاد اثنان فقط: الشيخ سيديَّ وامْحمَّدْ ابن الطـلـْـبَه.
بعد ذلك استعلت به همته لإتقان علم الفقه فرحل إلى مدرسة الشيخ حبيب الله بن القاضي (الـصَّـفْـرَ والْـكَـحْـلَ) فأقام هناك حتى حصَّـل ما كان يسمو إليه ويصبو إليه من علم الفقه.
ثم سمَت به همَّته في مرحلة أخرى إلى الاطلاع على المكتبات والتفرغ لدراستها والاستفادة منها، فجاء إلى مدينة تـِـشِــيـتْ وهي حافلة بالعلم والمكتبات فأقام بها ردحا من الزمن لا يبحث عن أهله.
سمع به رجل من أهله، من أولا أَبْـيـيـرِ (بيت إِدَبْ أَعْمَـرْ). هذا البيت شديد الالتصاق ببيته هو.. سمع به الرجل فجاء يبحث عنه ليفيده بآخر المعلومات عن أهله، فرفع وجهه فيه وهو واقف في البيت،جاءه ظله، فعرف الرجل فأراد أن يستثيره (أراد أن يغضبه) حتى لايخبره، فقال له الشيخ سيديَّ بالحسانية: ״ أَخْـبَـارَكـْ يَـبُـكَـوْمْ عَـنْ ابْكَـيرَاتَكْ؟״ فغضب الرجل وذاك أراد الشيخ، قال له: "أنا جئت من بعيد لأخبرك بأخبار أهلك وأنت تستقبلني بمثل هذا الكلام؟ بقيتَ بدون مُخبـِـر عن أهلك" وانصرف الرجل وذلك أراد الشيخ. بقي الشيخ في هذه المدينة حتى حصّل ما يمكن أن يحصّله من علمها ومن الاستفادة من مكتباتها.. وكان فيها إذ ذاك شيخان معروفان بالعلم والصلاح، فاستشار أحدهما، قصَّ عليه قصته ومراحل طلبه للعلم، قال له: "هل ترى أن أذهب إلى أهلي لعلَّ الله ينفعهم بي أو أذهب إلى هذا الشيخ (الشيخ سيدِي المختار الكُـنتي)، فقال له: ״لا أرى لك حاجة إلى الاستزادة.. الآنَ أرى أن تعود إلى أهلك فتبث فيهم ما حصّلت من العلم والله ينفع بك هناك״. واستشار الشيخَ الثاني فقال: ״البحر لا يَمَـلُّ الزيادة، أرى أن تذهب إلى هذا الشيخ لعلك تدرك منه (من حياته) ما ينفعك الله به״.
فصمم الشيخ سيديّ العزم على أن يلتحق بالشيخ سيدِي المختار الكُـنتي. وفي طريقه صادف الفرسان يبشرون الحِلل بأن الشيخ بابَ اليوم جاء إلى المسجد (لأن الشيخ سيدِي المختار يلقـّـب الشيخ بابَ)، ففرح بذلك ورأى فيه فألا حسنا للمهمة التي جاء من أجلها. فجاء إلى الشيخ سيدِي المختار وكان قد أسـنَّ وصار في سمعه ثقل، فسأله: ما اسمك؟ قال: سيديَّ، فقال: هُــديَ؟ قال: سيديَّ، قال: هُـديَ؟ فتفاءل بذلك. وبقي مع الشيخ سيدِي المختار بقية حياته، ثم ساهم في ترشيح ابنه الشيخ سيدِي محمدْ لخلافته وبقي معه أربعَ عشرة سنة.
أذن له الشيخ سيدِي محمّدْ بالرجوع إلى بلاده ثم أرسل إليه، استقدمه من جديد وهو في أول الطريق ليصحح له مكتبة كان يستنسخها من المغرب فجاءه وقام معه في المهمة التي انتدبه من أجلها حتى توفي الشيخ سيدِي محمّدْ، فاستخلف الشيخُ سيديَّ نفسُـه ابنـَـه الشيخ سيدِي المختار الثاني ابنَ الشيخ سيدِي محمّدْ الخليفة ابنِ الشيخ سيدِي المختار الكُـنتي.
ورحل الشيخُ سيديَّ إلى هذه البلاد، فجاء مجيء المطر الذي ليس فيه رعدٌ يزعج ولا برقٌ يكاد سَناهُ يذهب بالأبصار فبدأ حياته التي أدركها الناس: المدرسة العلمية والزاوية الإرادية، التي يصورها بقوله ــ هنا في بُـوتِـلِـمِـيـتْ ــ في استسقائيته: (طويل)
وَلاَ بَرِحَتْ أَرْجاكَ مَأْوَى ذَوِي التقى
يُقيمــون فـيـــها قُــرْبــةً وقُــنُـــوتا
وَمَـخْلًى بِِهِ حِـزْبُ الْإٍرَادَةِ يَـخْـتَـلِـي
نَجِـيًّـا وَيَـدعُـو جَــاهِـرًا وَخَــفُـــوتا
مَتى ما أَثارَ الذِّكْرُ حَالاً صحيحَةً
ببَعْضِـهِــــم ابْدَى زَفْــــرَةً وَنـــهِـيـتا
وَمَـنْحًى لِأَرْبَـابِ الـمَـئارِبِ تَـنْـتَحِـي
إلـيْهِ عِـــزُوهُـــمْ ناطِـــقََا وَصَمُوتا
وَلاَ زِلتَ مَحْمِـيًـا حِمَاكَ وَمُـرْتـَضًى
جـوَارُكَ بَـيْنَ الخلقِ بيـرًا بَخيتا
سَقى اللهُ قُطرًا كنتَ مَحْشَاهُ حَاشيًا
شَـئَـابـيــــبَ تـُـرْوِي نُجْــدَهُ وَالخُبوتا
وَتُكْسَى العَوَارِي مِنْ زَرَابيِّ حَوْكِهَا
صُــنُوفًا تَضَاهَــــتْ حِيكــــةً لاَ نُعُوتا
مَرَاحمَ تَنفِي البُوسَ عَـنَّا فَلاَ نَرَى
لِـسَـوْرَةِ بُــوسٍ بَـعْـدَهُـنَّ ثـبُـوتـَا
وَيَسْـرِي بهَانورُالتقى وَاليَقِينِ في
نـُفُوسٍ هَـــوَاها لاَ يَـرِيـمُ حَمِيـتَا
وَيَـغـدُو بهَا مِـرْوَاعُـنا بَعْـدَ رَوْعِـنَـا
وَرَوْعِ مُـرِيدِيــنَـا مَـرُوعًـا هَبِيتـا
وَيُصْبحُ مَفقُودُ المَعِـيشَةِ قَبلَها
منََ الخَلقِ مَــرْزُوقًــا بها ومَقُوتا
وتُـصبحُ لـُسْـنُ الحال والقَالِ كـلُّها
شَوَاكِرَ مَنْ لـَمْ يَفـْـــتَ قـَـطُّ مُقِـيتا
إلَهًــا كـريــمًــا ماجدًا مُتفـَضِّـلاً
بَـرَا بيديْه المُْــلْكَ وَالمَلـَكُـوتا
وكان علىالعرشِ المجيدِ اسْتِوَاؤُهُ
وَمَا ذاك إلاَّ الـقـهْــرُ والجَبَرُوتـَى
هُوَ اللَّـهُ ربُّ العرش جَلَّ جلالُهُ
هُـوَ الأحدُ الحَيُّ الذِي لنْ يـَمُوتـَا
هوَ الصَّمَدُ المَصْمُودُ في كلِّ حاجةٍ
هو الخالِـقُ الرَّزَّاقُ عِلْمًـا وَقـُوتــَا
تـَبـَاركَ ربًّـــا دَبَّـرَ الأمر َوَحْدَهُ
مُعِزًّا مُذِلاًّ مُحْـيِـيًا و مُمِيتـَا
تـَحَلـَّى تَــعَـالَى بالكمالِ جَمِـيعِهِ
ولمْ يَحلَ مِنْ وصْفٍٍٍٍ لذاك مُفِـيـتـَا
لهُ الرَّحمة المِيـسَـاعُ والنـِّعْـمةُالتي
مُــرَاوِدُ إِحْـصَـاهَـا يُعَـدُّ مَــفُوتــَا
تـفـَضَّلَ بـالإيـجَـادِ والمَــدَدِ الـَّذي
يُـناطُ بـِه مَـبْقـَى الحياةِِ وُقُـوتـَا
فـَمَنَّ بلاَ مَنٍّ وَجَادَ بـٍلاَ أَذًى
وَعَـمَّ بجَدْوَاهُ الـذُّرَى وَالـتـُّحُوتـَا

ويقول في هذه القصيدة:
وسِـرْ بالْمَبَانِي فيكَ أحْسَنَ سِـيرَةٍ
وَآتٍ الـْمَعَانِي خَـيْرَ مَا هِيَ تـُوتَى
بأسْمائِكَ الحُسْنَى وأوْصَافِكَ الْعُلَى
وآيَاتِكَ اللاَّئِي قـَمَعْنَ الْـبُــــهـُــوتـَا
بالاســم الـذي ما إن دعَـاكَ بـِحَـقـّهِ
أخُـو ضَـرَّةٍ إِلاَّ أجَـبْــتَ وَجـِـــيــتـَا
أغِثْ يَا غِياثَ المُْسْـتَغِـيثِينَ اسْتجِـبْ
ولا تَـثــْنِ عَـنَّــا مـــنْ حَنـَانِكَ لِيتـَا

تفجرت ينابيع الحكمة من الشيخ سيديَّ وكان ينصح مريديه. فقدوه ذات يوم وخافوا أن تكون الجن اختطفته، فإذا هوجاءٍ من زيارة أمه حاسرَ الرأس حافِـيَ الرجل في نحر الظهيرة والناس يستقبلونه أفواجا من كل صوب فيقول لهم: (كامل)
مَا ابْيَضَّ وَجْهٌ باكْـتِسَابِ كَرِيمَةٍ
حَـتَّى يُسَــوِّدَهُ شُحُوبُ الـْمَطـْلـَبِ

ويقول لهم بلهجة الحسانية: ״ يَـتـْلاَمِـيـدْ حَـدْ هَــامُّ يَـجْـبَـرْ شِ مَا كَـطْ جَـبْـرُ حَـدْ إوَاِسِ شِ مَا كَطْ وَسَـاهْ حَـدْ״، الحكمة المعروفة: ״من أراد أن تـُـخرق له العوائد فليخرق العادة بنفسه״.
كاد يكون الشيخ سيديَّ أسس دولة هنا: وحَّد بين الناس وأصلح ذوات البين التي كانت فاسدة وراسل الملوك والأمراء وذهب هو بنفسه في هذه المهام وأوفد ابنه الشيخ سيدِي محمَّدْ إلى منطقة لكْرَارَ (وادي الساقية الحمراء).
وألف المؤلفات المهمة التي منها في الفقه: ״شرح مختصر الشيخ خليل״، عمَّمَه وسَرْولـَــه، ورسالته التي عنوانها: ״بُـغْـيَـة الخَائِـضْ في حكم التـَّمَتـُّـع بالحائِـضْ״. وغيرها من الرسائل الفقهية.. وألف في علم العربية: ״تـُحفة الأطفال في شرح لامية الأفعال״ الكتاب الذي نوَّه به الحسن ولد زََيْـنْ بقوله:
فيه اقْـتَـفَـيْتُ أبَا الأنْوَارِ سَيِّدَنـَـــــــا
سِيدِيَّ قُطبَ الرَّحَى بَدْرَ الدُّجَى المَثَلاَ
وألف كتابه المسمى: ״الـنَّـفْحَة القيومية بتقرير الآجرومية״، مزج متن الآجَرُّومية بما لا يثقل كاهل الطالب من أحكام التسهيل لابــن مالك، وشرح ״تحفة المودودْ في المقصور والممدودْ״ لابن مالك شرحًا شوهدت فيه كرامة عجيبة: احترقت المكتبة فانتُشل هذا الشرح من رمادها بخط الشيخ سيديَّ لم يصب بأذى. ألف الكثير من المؤلفات التي قد لا تحضرني أسماؤها وموضوعاتها الآن.
وعلَّم بالإضافة إلى ذلك علم التصوف وإصلاح القلوب أو ما يمكن أن نسميه الآن ب: "علم الإحسان".. هذا بالإضافة إلى اشتغاله بمصالح الناس العامة والخاصة. هذه الازدواجية النفسية عنده التي يصورها الشيخ محمذن ولد السالم بقوله: (وافر)
تُـخَــالِــقُ بِالْجَمِيـلِ الخَـلـْـقَ طُرًّا
وَأنْـتَ مَعَ الْــجَـلِـيلِ الْــفَــرْدِ خَال

ويقول فيها:
ولَــــمْ أَرَ قَــبْــلَ مَـسْـجـِــدِهِ مُصَـلًّى
تَـضَـمَّـنَ وَابــِلاً سَـــرِبَ الـْعَـزَالي
يَــــدَاهُ غَمَـــامَــتـــــانِ عَــلَى الْبَرَايَا
عَــلـَى الـتـَّدْءَابِ دَائِــمَــتـَـا انـْـهِمَـال
فـَـــذِي عَـمَّــتْ بِـصَــيِّـبـِــهَـا وَهَـذِي
تـَخُصُّ بهَا ذَوِي الـْهِمَمِ الـْعَـوَالِـي

عاش الشيخ سيديَّ هكذا مكرما تؤمه وجوه الناس من مختلف الأجناس من مختلف الأغراض مما ورد في المدح الحساني:
واتـْـجِـيكْ قَـرْيَ منـْكَــبَّ
يَــشَّــيْـخْ مَـا تـــمْــلكْ سـبَّ
واتْـعُـودْ فـَـوكـَكْ تـتْـنـَـبَّ
واشْـوَايْـلـَكْ بَـيْـنْ أَيْــــــدِيـــهَ
يشير الشاعر إلى أن حِـلـَّة من حِلـَـلِ العرب أُغير عليها وهي غارَّة ولم يبق عندها إلا حصان ورمَكة فدفـَّت إلى الشيخ سيديَّ وهو في انتجاع. فكان أول ما فعل أن جمع بين البيوت التي أهلها متناسبو الأعمار، جمعها في بيت واحد ثم في المرحلة الموالية أفرد كل أسرة ببيت. وفي المرحلة الثالثة قالوا له: هذا "الربيع" ــ كما يقولون ــ هذه البقول.. نحن لا نساهم فيها بشيء، لا بد أن نحوط على نصيبنا منها لأننا لسنا نملك راعية ترعى فيها، فعين لكل أسرة حلائب وركائب في ذلك المنزل حتى كان لكل بيت من المواشي ما يفي بحاجته.
ومن أبدع وأروع وأصدق ما أعرف مما قيل فيه أرجوزة ابنه الشيخ سيدي محمد البائية الطويلة المشهورة التي يُـفَدِّيه فيها ويمدحه بما عرف منه وهو أعلم مادحيه وأصدقهم عاطفة.. ويدعو الله له فيها دعاء منه قوله: (رجز)
وأنْ يُــبَـاركَ لكُمْ في الــعَـقِبِ
منكـم فـيحْـظى بـثـبات الــعَـقِـب

وأنا أدعو بذلك وأدعوكم أن تدعوا معي بذلك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أ ـ هذه الأبيات التي أنشدها العلامة وغيره من المحاضرين، من قصيدة طويلة للشيخ محمذن ولد السالم الحسني تزيد على ثمانين بيتا، مطلعها:
قفا نستنطق الدمـن البوالي ونـبـكي أعصُر اللهـو الـخـوالـي
لكنها لم تبلغ من الشهرة في الأوساط العريضة ما بلغ البيتان التاليان منها:
حَوَتْ مَا دُونَ مَـرْتَبةِ الـتَّـنـَبـِي يَــدَاكَ مِنَ الْـمَـكارِمِ والْـمَـعـَالِي
فَأَنْتَ إِذَنْ مِنَ الـثَّقـلـَيْنِ طـرًّا بمنْزِلَةِ اليـمِـينِ منَ الشـمَالِ


[رجوع]
علماء و أعيان
من أسرة الشيخ سيديّ

علماء و أعيان
موريتانيون

موريتانيا
تاريخ وثقافة
أبو تلميت
المدينة و الدور الثقافي
صور تاريخية
جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة الشيخ سيدي للثقافة والإنلام - ص.ب: 2101-انواكشوط - موريتانيا هاتف: 0022205290875 / 002226432258

mohamed ismail
17-04-2009, 02:53 PM
بحث

قراءة في شعر الشيخ سيدي محمد ولد الشيخ سيديَّ
الدكتور أحمد محمود ولد الدَّنَبْجَه
بسم الله الرحمن الرحيم
إن قراءة في شعر الشيخ سيدي محمد تتطلب قراءة في عصر الشيخ سيدي الكبير وما كان مطروحا آنذاك من وقائع وأحداث في أيام السيبة الفوضى والخلافات الأميرية والقبلية واستشراء غلبة اللصوص وعمليات السلب والنهب وما يستتبع ذلك من إيواء الطريد وفداء العاني والصلح والمداراة. إذ كان بيت الشيخ سيدي مأوى للطريد وكعبة القاصدين من هؤلاء وأولئك.
ولكن قبل ذلك ينبغي أن نعرف بشاعرنا المدروس شعره: هو الشيخ سيدِي محمَّدْ بن الشيخ سيديَّ الكبير، ابن سيد دهره وبدر قطره. ولد سنة 1246هـ وعاش نحو أربعين سنة وتوفي 1286هـ. من أبزر إنتاجه ديوانه الشعري الذي هو بمثابة "دائرة معارف إسلامية". وقد ترجم له المختار بن حامدٌ في "حياة موريتانيا" فقال عنه: "كان عالما بكل معنى الكلمة". ومما قاله صاحب الوسيط عنه إثر ترجمة والده الشيخ سيدي: "هو العلامة الأديب اللغوي الأريب.. وكان الناس يظنون أن الشيخ سيدي إذا مات لا يسد أحد مسده فلما مات وخلفه ابنه لم يتغير شيء مما كان يجريه".
خلَف الشيخ سيدِي محمد أباه بسنتين لم تكتملا فكان على منهاج أبيه سياسة وسيادة، إذ كانت سياسته امتدادا لسياسة أبيه في سلوكه الوسَطي بين الإمارات وانتهاجه سياسة العلاقات الودّية مع أمراء الترارزة والبراكنة وغيرهما من الأمراء على حد سواء.
فلذلك كانت دراسة شعره وحياته الأدبية وموضوعات شعره تعكس واقع الحياة أيام الشيخ سيدي. ومن الصعب أن نعزل حياته عن حياة أبيه، وبمعنى آخر أن نقرأ شعره معزولا عن ذلك الواقع المعيش، بل إن قراءة في شعر الشيخ سيدي محمد تضع أيدينا على ملامح تلك الحياة السياسية والاجتماعية أيام الشيخ سيدي الكبير. فهذا الشعر بحق هو المجلة الرسمية لتلك الحقبة التاريخية، لذلك نرى القضايا المطروحة هي نقطة الارتكاز في الموضوعات الشعرية لدى الشيخ سيدي محمد مثل اللصوص وقضايا السيبة ونزع السلاح لدى الزوايا المرفوض من طرف الشاعر وما يمكن أن ينجرَّ على الإسلام من احتلال النصارى أرض موريتانيا. لذلك هب الشاعر لعلاج كل هذه القضايا فبادر بالدعوة لمقاومة الاحتلال فجاءت قصيدته الرائية إرهاصا لشعر المقاومة الإسلامي في الشعر الموريتاني بل نواة للشعر الملتزم بقضايا الأمة في الشعر العربي الحديث، بل صورت هذه القصيدة الرافضة للاحتلال الداعية إلى الجهاد الحالة التي كان عليها المجتمع الموريتاني من تشرذم وخلافات بين الأمراء مما جعل البلاد عرضة للاحتلال بحكم ضعفها وتخاذل أهلها، كما تنبئ عن يقظة الشيخ سيدي محمد وتمثـله وحدة هذه البلاد من خلال أمره بتوحيد صف المسلمين. فهي بحق دعوة تستحق أن تـُـدرج ضمن الشعر الملتزم بقضايا الأمة الكبرى وتُـقام عليها دراسات كالتي قامت على الشعر الحديث، إذ أن هذه الدعوة الملتزمة كانت أسبق من نظيراتها في المشرق العربي. (انظر آراء الدكتور/ أحمدُّ بن الحسن). وهي كذلك تمثل أصداء لمؤتمر تنـْدَوْجَـه وإن كنا نرجِّج أنها لاحقة عليه وهي تُجلي لنا اهتمام الشيخ سيدي محمد بواقع مجتمعه وقضاياه الكبرى.
وهذا ينسجم مع واقع الشيخ سيدي الكبير الذي أرسل في تلك الحقبة رسالة إلى المولى محمد عبد الرحمن بن هشام سلطان المغرب يطلب فيها إمداده بالسلاح لمقاومة النصارى الذين بلغوا السنغال واحتلوا الجزائر. وقد اعترف له بذلك الفرنسيون أنفسهم.
ولاشك أن للشيخ سيدِي محمد فهما ثاقبا استطاع أن يستبق به الأحداث وعقلا بعيد الغور استشعر من خلاله ما يمكن أن ينْجرَّ عن احتلال المستعمر لموريتانيا، كما تنبئ عن يقظته من خلال أمره بتوحيد الصف للمقاومة على الرغم من أن الإمارات آنذاك مشبرقة الأوصال منهكة القوى بسبب انعزالها وانشغالها بالفتنة فيما بينها، وكأن هذا العامل أوحى إلى الشاعر بأن الأرض مرشحة للاحتلال بحكم ضعفها وتقوقع الإمارات على نفسها واستشراء ظاهرة اللصوص وتفشي الفوضى.
ولذلك اعترف الشيخ سيديَّ نفسه لابنه في هذه القصيدة برسوخ القدم في الشعر بقوله للتلاميذ: "صاحبكم قال الشعر". وهو من هو في النقد والأدب! ولم يكن هذا الاعتراف نابعا من فراغ وإنما جاء ذلك للتأكيد على أن شاعرنا أصبح شاعرا فحلا جديرا بالتقدير والاحترام، بل يحمل ذلك إشارة إلى أن الشيخ سيدي محمد مؤهل أن يكون خليفة لأبيه. وتوالت هذه الشهادات فضلا عن شهادة الشيخ سيدي لابنه من كل الدارسين لشعر الشيخ سيدِي محمد.
يقول يوسف مُقْلِد: "سيدي محمد هذا أكبر شاعر في موريتانيا بين القدماء والمحدثين إطلاقا". وتقول عنه دراسة في مجلة الوسيط الصادرة عن المعهد الموريتاني للبحث العلمي: "هو العلامة الأديب والشاعر الأريب غرة عصره وابن سيد دهره. إبن الشيخ سيدي ابن المختار ابن الهيبة الأبيري ثم الانتشائي... إلى أن يقول في الترجمة، وهو محل الاستشهاد هنا: ... وترك قصائد تدل على طول باعه في الأدب وله في النكت الأدبية أشياء كثيرة وكان عالي الكعب في النحو والتاريخ وغير ذلك".
فلقد أظهر في النونية البراعة التاريخية والمعرفة الموسوعية في كل الفنون من أيام العرب والسيرة وتاريخ الفرق وعلم النجوم والنحو وغيرها. ولكن أهم نموذج لشعر المقاومة والالتزام ومحاربة اللصوص والفوضى الاجتماعية والسياسة قصيدته الرائية التي نقرأ الآن فصولا منها، يقول: (وافر)
رُوَيْــــــــــدَكَ إِننِـي شـبَّـــــهْتُ دَارَا
تَأَمَّـلْ صَـــاحِ هَـاتـيــكَ الرَّوَابي
وَتَـانِ الـرَّمْـلَـــتَانِ هُــمَا دَوَاتَــا
وَإِنْ تُــنْجِــدْ رَأَيْــتَ بـِــلاَ مِثـَالٍ
هُنَالِكَ لاَ تَدَعْ مِـنْهُــنَّ رَسْمًـــا
وَلاَ تَـقْـبَـلْ لِعَــيْــنٍ في رُبـَـاهـَــا
وَدُرْ بـيْنَ الْمَـيامِـيـنِ الْـعَـوَالِي
إِذَا كُـنْتَ الْوَفِيَ فَعَـلْتَ هَذا
وَإِلاَّ خَــلِــّــــــــنِــي وَخَــلاَكَ ذَمٌّ
وَقَدْنِـي مِنْ إِعَانَــتِـــــكَ انْتِظاري
وَإِنْ كُنْتَ الْـخـَـلِــيَّ وَلاَ وَفَاءٌ
فَـبَـلْهَ اللَّـوْمَ ثـُــمَّ إِلَـيْـكَ عَــنّـي
وَلاَ عَارٌ عَـلَيْـكَ فـَأَنْــتَ مَــرْءٌ
وَلَكِـنَّـا رِجـَالَ الـْحـُـبِّ قَوْمٌ
سَقَانَا الْحُبَّ سَاقِـي الْحُبِّ صِرْفًا
نَرَى كُـلَّ الهَـوَى حَسَنًا عَـلَيْنا
وَأَحْرَارُ النُّفُوسِ نَذُوبُ شَوْقًا
وَمَنْ يَاتِي الأُمُورَ عَلَى اضْطِرَارٍ
تَرَانَا عَاكِـفِـينَ علَى المغَانِي
أُسَـارَى لـَــــوْعَــةٍ وَأَسًــى نُـنَادِي


عـلَى أمْثـالهَا تَـقِــفُ الْمَهارَى
فَـذاك الـتَّـلُّ أَحْـسِبُهُ أَنَـــــارَا
عـُلَـيَّـانٍ وَذا خَـطُّ الـشـُّــقَـارَى
جمَاهِـيرَ الْكَناوِينِ الْكِبَارَا
بـَدَا إِلاَّ مـَـرَرْتَ بـِـــــهِ مِــرَارَا
تَـصُونُ دُمُـوعَـهَـا إِلاَّ انْـهِمَـارَا
فَإِنَّ عَـلى مَعَاهِدِهَــا الْمَدَارَا
فَرَاعَـيْتَ الـذِّمَامَـةَ وَالْجـِوَارَا
فَـإِنَّ لَدَيَّ أَحْــــــدَاقًـا غـِـزَارَا
أُنَـيًّـا رَيْثـمَا أَبْـكِـي الـدِّيَــارا
لَدَيْكَ فَتَسْتَطِـيعَ لِـيَ انْتِظارَا
فَلاَ ضَـرَرًا أُرِيـــدُ وَلاَ ضِرَارَا
تَرَدَّيْــتَ السَّكِـينةَ وَالْـوَقَـارَا
تُهيجُ رُبَى الدِّيَارِ لَنَا ادِّكَارا
فَـنَحْنُ كَمَـا تَرَى قَـوْمٌ سُكَارى
إِذَا مَـا الْجَـاهِـلُونَ رَأَوْهُ عَــارَا
فَـنَاتِي كُلَّـمَا نَاتِـي اضْطِرَارَا
فَلَيْسَ كَمِـثـْلِ آتِـيـهَـا اخْــتِـيَارَا
لِفَرْطِ الـشَّوْقِ نَـنْدُبُهَا حَيَارَى
وَمَا يُغْـنِي الـنِّـدَاءُ عن الأُسارَى


عشرون بيتا في النسيب وذكر الديار والحنين إلى هذه المرابع التي يرى الشاعر بكاءها وفاء بالعهد والذِّمامة والعزوفَ عنها هجرا وغدرا. وعلل ذلك بفرط الحب الذي يذيب أهله شوقا ونشوة فيأتون ما يأتونه اضطرارا على عكس الخليين والجاهلين الذين لا يقيمون للمعاهد معنى ولا يرون لها إلاًّ ولا ذمة ويرون البكاء عليها عارا وشَـنَارًا. ثم خلص إلى موضوعه الأساس بمقارنة بين حالتي أسارى الحب لهذه المغاني وحالة هذا الدين الأسير تحت اللصوص والنصارى لانعدام المخلص لهما مـعـا ثـم أتبع ذلك دعوة صارخة للجهاد.. يقول:
وَلَـوْ في الْـمُـسْــلِـمِــيـنَ الْـيَوْمَ حُرٌّ
لَفَكُّـوا دِيـنَـهُـم وَحَـمَـوْهُ لَـمَّـا
حُمَاةَ الدِّينِ إنَّ الدِّيـنَ صَـارَا
فـَــإِنْ بَـادَرْتُـــــمُــوهُ تُـــدَارِكُـوهُ


يَـفُكُّ الأَسْـرَ أَوْ يَحْمِــي الذِّمَارَا
أرَادَ الْكَافِـرُونَ بـِـــهِ الـصَّـغَارا
أَسِــيرًَا لِلُّصُـوصِ وَلِلـنَّــصَـــارَى
وَإِلاَّ يَــسْـبـِــقِ السَّـيْــفُ الـْـــبـدَارَا


ثم بدأ يعدد الآليات الضرورية لهذا الجهاد المفترض والشروط الأساسية له:
بـِـأَنْ تَـسْتَـنْصِـرُوا مَـوْلًى نَصِـيرًا
مُجِـيـبًـا دَعْوَةَ الدَّاعِـي مُـجـِـيرًا
وَأَنْ تَسْـتَـنْـفِـرُوا جَـمْـعًا لُـهَامًا
تَـنِى رُبُدُ النَّـعَــامِ بـِــحَـافَـتَــيْهِ
يَلُوحُ زُهَاؤُهُ لَـكَ مِــنْ بَــعِــيـــــد
تَخَالُ سِلاَحَـهُ شُـهْــبًـا تَــهَــاوَى
وَلَـوْلاَ الـنَّـــقْــعُ إِنْ يـلْـمَعْ بـِلَـيـْـلٍ


لِمَنْ وَالَى وَمـَنْ طَـلَبَ انْـتِـصَارَا
مِـنَ الأَسْـوَاءِ كُلَّ مَنِ اسْتَجَـارَا
تَغَصُّ بـِهِ السَّبَاسِبُ وَالصَّحَارى
وَتَعْـيَا دُونَ مُـعْظَمِـهِ الْـحُــبَـارى
كَمَا رَفَـعَ الْـعَـسَاقِــيلُ الْحِرَارَا
وَتَحْسِـبُ لَـيْـلَـهُ الـنَّـقْـعَ المُـثـــارا
لَـصَـيَّـرَ ضَــوْءُهُ اللـَّــيْـــلَ الـنَّهَـارا


وهكذا يتمادى في وصف الجيش المدجج بالسلاح والعتاد تخفق فوقه راي النصر بفتيان يرون الظلم سما ويتوقون إلى الشهادة كأنما يشربون خمرا غيارى على الملة البيضاء، أشداء في الحروب لا ميل ولا معازيل، يركبون الجرد العتاق ويحملون البيض المرهفات والرماح الطوال، بل إنهم مدججون بالسلاح الناري الموشح بالتصاوير وأنواع التوشية المختلفة يبرق كالجوزاء، إذا انطلق الشرار منه خلى الغرض هشيما.. بمثل هذه الجموع الواثقة بالنصر تمتلئ الأرض عدلا لتبقى كلمة الله هي العليا وترجع فلول الكفار القهقرى.
ثم بعد هذا الوصف المتمثل رأى الشاعر أن يقارن بين هذا الهدف المنشود والمفارقة القائمة بين الواقع المر المعيش. فبدأ يصف الواقع المزري والاقتتال الدامي بين القبائل والإمارات والفرقاء فيما يعرف باللصوص التي لا تخاف البأس ولا العقبى ولا ينجو منها حالٌّ ولا مرتحل.
ثم يمضي في نقده اللاذع للمجتمع والزوايا الذين تخلوا عن الأسلحة والدفاع ويناقش هذا الموضوع من وجهة نظر دينيه ودنيوية ويؤصل تركهم السلاح أنه مرفوض دينيا ولا يقبله الشرع ولا المصلحة السياسية والاجتماعية. وقد خلد الشاعر أروع قصيدة خاصة بهذا الموضوع ومطلعها: (كامل)
مَزَجَ الدُّمُوعَ بـمُسْـبِلاَتِ دِمَــــاءِ


مُـتَـلَـهِّــفًا مُـتَـنَـفِّسَ الـصُّـعَـــدَاءِ


ثم بعد هذه الصراحة ندب المسلمين لمحاربة اللصوص قبل محاربة النصارى، هؤلاء الذين يقتلونكم عكفى في المساجد ويسبون النساء والذراري، فكيف يتسنى قبل ذلك جهاد؟ ثم شرط هذه المقاومة وهذا النصر بالسعي الدؤوب والوحدة والقوة:
فَإِنْ أَنْتُمْ سَـعَــيْـتُـمْ وَانـتدبْــــتُــم
وإنْ أنــتـمْ تكَاسَلْـتُمْ وخِـمْــتُـــمْ
فَألْفَوْكُمْ كَمَا يَبْـغُونَ فَوْضَى


برغْمٍ منــــهُمُ ازدَجَــرُوا ازدِجَارا
برغْـمٍ منـكُمُ ابْتَدَرُوا ابْــتِــدَارَا
حَـيَارَى لا انْـتِدَابَ وَلا ائْتِـمَـارَا


ثم بدأ يستحث العواطف ويستدرها عن طريق إثارة الصور البشعة من آثار السلب والنهب من سبي المهفهفات الحسان المنعمات تلطمها علوج النصارى على الخدود.
فـلا هم يَـرْحَـمون لها بُكـاءً


ولا يخشَــون أن تجدَ اقْـتِدَارَا


ويجعلون مكان الخلاخل قيودا ومكان القلائد أغلالا ويسترسل فيقول:
وكانت كلَّما مـشـتِ الهُوَيْـــنا
فـيَـشْدُدْنَ الحِـبَـال بكلِّ خَصْرٍ
ويَحْـمِــلْن الجُذوعَ عـلــى رُؤوسٍ
وتـكْـرَهُ للــــــذي كانت تَـرَاهُ


لِكِـسْرِ البيت تَـنْـبَـهِـرُ انْبـِهَارَا
رقِـيـقُ الرَّيْـطِ كان لــــهُ إزَارَا
غَدَائرُها تَضلُّ بــها الـمَدَارى
حَـــلاَلاً وهْـيَ طَائِعَـةٌ شَــنَـــــارَا


وقد أجاد في استدرار العواطف استنهاضا للهمم وتعزيزا لدعوته للجهاد وليجلى العقبى الوخيمة للاستعمار وما يستتبع ذلك من عار وشنار على نحو ما كان النابغة يحذر قومه من السبي (بسيط):
لقدْ نهـيْتُ بنِـي ذبْـيَانَ عـنْ أُقَرٍ


وعن ترَبـُّـعِـهِمْ ما بـيــن أصْفَار


إلى أن يقول:
لا أَعْرِفَنْ رَبْربًا حُــــــورًا مدامُعُها
يَنظُرْنَ شِزْرًا إلى مَنْ جاء عنْ عُرُضٍ
خَلْفَ العَـضَـاريطِ لا يوقَيْنَ فاحِشَةً


كأن أبْــــكارَهــــــــــــ ا نِـعَــــــــاجُ دُوَارِ
بأوجُهٍ مُــنكِـرَاتِ الـــــــــــــرِّقِّ أحْرارِ
مُـسْـتَمْـسِكَاتٍ بـأقْــــــتـــابٍ وأكْـوَار


ثم خلص الشاعر في نهاية القصيدة إلى أمر الجميع بإجابة الداعي إلى الجهاد وأن لا عذر لهم لأن: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون" وأن لهم إحدى الحسنيين وإلا فإن الشاعر قد أعذر قومه حين أنذرهم، فلا ينبغي لهم التغاضي عن هذه المصالح كما تمادى قوم نوح في جهالتهم فبادوا بالعذاب.
والقصيدة تزيد على مائة بيت وتعتبر من مطولاته هي والنونية. وإذا كنا قرأنا هذه القصيدة مثالا على شعر المقاومة ووصف الحالة المزرية للواقع الموريتاني في أيام اللصوص والتنافس القبلي الذي ينذر باجتثاث البيضة، فإن شعر الشيخ سيدي محمد أوسع نفاذا وأبعد غورا إذ جمع كل الأغراض والأجناس الأدبية. وقد تطرق لهذه الموضوعات في قصائد أخرى، غير أننا أخذنا هذه القصيدة مثالا للدراسات، إذ رأيناها أشمل وأكثر تعرضا للواقع وأجمع للقضايا المطروحة. ولا يعني ذلك أن تكون هذه الدراسة على حساب بعض الأغراض الأدبية من فكاهة طرافة وغزل وحنين إلى الوطن ووصف وعتاب وغـيرها مما جعله بحق رائد المدرسة الحرة.
وإذا كان هذا التصنيف على أساس الأغلب في الموضوعات فإن النونية لم تكن بعيدة عن التأثر بالمدرسة البديعية، مع أن التصنيف الذي استقر عليه النقاد لا يجافي الصواب إذا وضعنا شعره تحت الدراسة ولاحظنا أنهم اعتبروا في هذا التنصيف جميع الأغراض كَمًّا وكيفا، من فكاهة وغزل وحنين ووصف وتاريخ ونسيب، مما جعله بحق رائد هذه المدرسة الحرة وذلك لتشعب أغراضه وتفنن ألوانه ومذاهبه وغزارة مادته الشعرية واختلاف ضروبه وفنونه فجاء شعره في كل ذلك منتقى الألفاظ سهل المعنى بليغ العبارة عميق الأثر في النفس لا تمله الأسماع ولا تمجه الطباع وكان في كل ذلك سلس اللفظ عميق التجربة، إن عبر عنها جاء شعره مرتبطا بواقعه المعيش.
وإذا انتقلنا إلى الفكاهة والطرف والملح فقد احتلت حيزا كبيرا من هذا الشعر إلى جانب التنكيت.. يقول في زميل له عظيم اللهى يُسمَّى نَحْن: (بسيط)
ما هَزَّ عِطْفَيْ كَمِيٍّ يومَ هَيْجاءِ
فَرْدٌ يقوم مقامَ الجَمْع فـَـهْـوَ لِـذَا
يسْطـُــو بأسلحةٍ للأكْـلِ أرْبَعَـةٍ
تخال لُـقْماتِـهِ العُــظْمَى بـِـرَاحَتـِهِ
ما بـيْـنَ طَــلْعَـتِـهَـا فيها وغَـيْـبَـتِــهَا
فَـتَـنْـهَـوِي كـَدُلـِيٍّ خَـانَ مَاتِـحَـها
فـبَـانَ أنَّ الذي يَحْـويهِ من شَـرَفٍ


بينَ الأوَاني كَذِي النّونيْنِ والْحَاءِ
يُدْعَى بمُضْمَرِ جَمْـعٍ بَـيْـنَ أسْمَاءِ
يَدٍ وفَــمٍ وبُـلـْــعُــومٍ وَأمْــــعَــــــــاءِ
كَرَاكِرَ الإبلِ أوْ جَماجِمَ الشّاءِ
في فيهِ إلاَّ كَلَمْحِ الطَّرْفِ مِنْ رائي
أشْـطَانُهَا فَتَهَاوَتْ بـيـن أرْجَـــــاءِ
قـدْ صحَّ لـكـنَّـهُ بـالهَـاءِ لاَ الْـفَـاءِ


ويقول أيضا:
لا تُنْكِرُوا ما ادَّعَاهُ نَحْنٌ من شَرَفٍ
هوَ الشَّـــريفُ بلا شكٍّ ولا رِيَـبٍ


بهِ اسْـتَبَـدَّ عـَــــــنَ ابَـــــــاءٍ وأجْـدادِ
لكنه حـلَّ فـي مِسْــلاَخِ حَدَّادِ


ومن ذلك وصفه للعجائز اللائي جئنه معترضات على تزوجه ممن لا يرضين عنها: (طويل)
أَمِنْ فِـعْلِ أمْــرٍ في الشَّريعَةِ جَـائِـزِ
وَكَانَ بكُـمْ جُـنْدُ الْـبُغـَاةِ يَهَابُنِي
فَجئْتُ كَأنِّي قَدْ أتيْتُ ببدْعَـةٍ
فَـلَوْ أنَّ أرْضِي ذاتُ مُعْـزٍ رَجَمْـنَـنِي


أَبَاحَ اهْتِضَامِي بينكم كُلُّ عَاجِزِ
فَصَالَ عَـلَيَّ الــيـومَ جُـنْدُ الْعَجَائِزِ
وفـاحِـشَـةٍ مِـنْ نـَــحْـوِ فعْـلَــةِ مَـاعِــزِ
ولكنـَّهَا ليستْ بـذاتِ أمَــاعِــــزِ


ولم يتوقف جانب الطرف والملح والفكاهة إلى هذا الحد، بل تجاوز ذلك ليشمل "نظم طرف وملح بني ديمان في قصص معروفة عندهم تمثل مدرسة الكَيْس والرَّوِية وما يسمى بـ "الديمين". يقول: (رجز)
يـَا رَائِمًـا هَـــزْلَ بَــنِـي دَيْــمَــانـَــا
واعلمْ بأنَّ مـنـهـمُ فـُــــرْسَـانَــــــا
وقَصَـبُ السَّــبْــقِ بـِـذَا الـمَـجَــالِ
دُونَـكَ مـنه جُـــــمَـــلاً حِـسَـــانَــا قدْ سَلكُوا مِـنْ قبْلُ ذا المَيْدَانَا
مُـسَـلـَّــــمٌ قَطْعًا لِــبَـابَ فَــــــــالِ


إلى أن يقول معددا ظرفاءهم ويتعرض لبعض القصص السائرة، يقول:
ومــنـْــهُـمْ مُحَــمَّــذٌ مَـيْـلُـــــــودُ
وهْوَ الَّذِي قدْ سَقَطَ العِجلُ عليْهْ
*** *** *** ***
ومنهُـمُ نـَــجْـــلُ الْــفُــظـَـيْـلِ بَـابَـــا
*** *** *** ***
وقـالَ إذْ جـِـيءَ بـِـلَحْـمِ الْحُـوتِ


مِــنْ ظـُــرَفَـاءِ عَــصْـرِهِ مَـعْـــدُودُ
فَـضَمَّــهُ بَـعْـدَ إِبَـائِــهِ إلَــيْـــــهْ
*** *** *** ***
فَتَحَ مِـــنْ سُـبْــلِ الـذَّكَـاءِ بَـــابَـا
*** *** *** ***
دَيْمَانُ لا تعْرِفُ أَكْـلَ الْكُوتِ


وبلغ هذا النظم خمسة وثمانين (85) بيتا يزيد على خمسين قصة وأظروفة وقد ختمه بقوله:
وقدْ أذِنـْـــتُ لِــظـَـرِيـفٍ وَاجـِـدِ
أنْ يُـثـْـبـِتَ الزَّيْـدَ بِسِلْـكِ النَّظْــمِ


غـَــيْـرَ الـذي ذكَـرْتُـهُ مِـنْ زَائِـدِ
واللهُ يَحْـبُونَـا بـِـحُـسْـنِ الْخـَـتْمِ


ولاشك أن هذا النظم كان أشمل نظم في الطرف والملح إذ جمع قصصا شتى وظرفاء مختلفين، لاسيما إذا قورن بغيره من الأنظام، كنظم المختار بن جنك اليدالي المسمى ب (مجمع البحرين)، فإن هذا ركز على شيم بني ديمان وأخلاقهم كما نظم باب بن محمود بن محنض بابه مقطوعات شعرية من هذا القبيل غير أن نظم الشيخ سيدي محمد قد جمع هذه الأشياء كلهــا مختلفة ومؤتلفة.
ولم يتوقف شاعرنا عند هذا الحد، فقد كان يصف الشرهاء والمغنين ووصف التبغ والشاي وأجاد في وصف التبغ والدفاع عنها، إذ كانت محل نزاع بين الفقهاء يقول: (وافر)
وإنَّ لـَـهَا فـوائِـــــدَ وَاضِــحـَـاتٍ
إزَالَـةَ حِــقْدِ ذِي الحِقْدِ المُـنَاوِى
وجَـبْـرَ خَــوَاطِـرٍ وَقــضاءَ حَــاجٍ
وفوزا إن تعاطاها النَّـدَامَى
وإيـقـاظَ النَّـواظِـرِ مِـنْ كَــرَاهَا
وزادَ مُسَـافـرٍ ومتاعَ مُـــــــــــــــقـْـوٍ
وتـُحْـفَـةَ قادمٍ وسُـــــــــــــرورَ آوٍ
وفـــاكِــهَةَ الـشتــاء إذا تَأذَّى
وتُـطْرِبُ مَـنْ يُـدَرِّسُ كُلَّ فَنٍّ
وتـُــسْــلِــي كُـلَّ صَـبٍّ مُـسْـتَهَامٍ
وتَدْفعُ ذا التَّـلصُّصِ فهْـي أغْنَى


يَـرَاهَـا كُـلُّ ذِي نَظَـرٍ أَصِـــيـلِ
وتَحْـبـيـبَ الـخـلِـيـلِ إلى الْخَـلِـيل
ومَعْرفـةَ السَّــخِـيِّ مِــنَ البَخِـيل
بتمييز الظريف مــن الثـَّـــقـيــل
وَإبْــرَاءَ المُــتـيَّـمِ والـعَــلِــيـل
وأُنـْــــسًا في الإقامة والرَّحـيـل
أَوَى حِـيـنَ المَـبـِــــيـتِ أوِ المَـقِـيـل
وجوهُ الناس بالــشَّــمَـل الـبَـلِــيـل
وتُفْرِجُ كَرْبَ ذِي الهَمِّ الـدَّخِـيلِ
عنِ الخَدَّيْنِ والطَّرْفِ الْكَحِـيلِ
إذا دُفِعَتْ منَ الـسَّـيْفِ الصَّقِيلِ


يقول يوسف مُقْلِدْ: "وهي تدل على عقلية متحررة ولم يكتف الشاعر بالرد على من حرم التدخين، بل عمد إلى تعداد فوائده".
وإذا أردنا التوسع في الأغراض فإن الشيخ سيدي محمد أبرز في قصيدته النونية حشدا من الأعلام وأسماء الأمكنة والتاريخ وأسماء الفرق وأيام العرب والوقائع وأسماء النجوم والشعراء ما يمكن أن تكون ببليوغرافيا إسلامية.
لعل الشاعر قصد منها عرض عضلاته العلمية لاسيما وأن شاعريته كانت محل شك عند أبيه الشيخ سيدي الكبير، لذلك لابد للشاعر أن يلجأ إلى بعض الوسائل الأخرى البديلة لينال التقدير والإعجاب. وهو ما حصل عليه في الرائية لذلك نرجح أن تكون النونية بعد الرائية. وفي هذه القصيدة يرى النقاد أن الشيخ سيدِي محمد خرج فيها عن مذهبه المألوف في التحرر، فبدأ أقرب إلى المدرسة الأندلسية أو البديعية حسب ما يحلو للبعض أن يقول. ومطلع هذه القصيدة: (وافر)
أدَمْــعًا تـُـبْـقِــيَانِ بـِـغـَرْب عــَيْـنِ
أليس مِنَ الوفاء لساكِـنِــيــها


وقـدْ عايَــنْــتُــما دَارَ الـكُـنـَـيْــنِ
إذالةُ مَـا يُــصَــــان بكلِّ عَـيْــنِ


ويذهب في النسيب هنا مذهب الرائية، إلا أنه في الغزل لا ينكسر للعذارى ولا يضعف أمامهن فهو الأقوى لأنه يملك زمامهن ويغلبهن كما غلب مهلهل أعداءه يوم الشعثمين يقول:
وَكَمْ يَــوْمٍ وَتَرْتُ بـِـهِ الْعَذارَى
يُجـِبْنَ إذا دَعَا الدَّاعُونَ باسْمِي
تُلاحِظُـنِي العَبُورُ مَعَ الْغُمَيْصَا
وإنْ أبْدتْ لِي الجَـــوْزَا وِشَـاحًا
وإنْ تـُـشِــرِ الـثـُــرَيَّـا لِــي بـِـكَفٍّ


كَــيَــوْمِ مُهَـلْهـِـلٍ بـالـشَّـعْـثمَـيْـنِ
كأنـِّي عِـنْدَهُـنَّ ابـْنُ الْحُصَـيْنِ
فـَـآنـَـفُ عَـنـْـهُــمَــا لِلْمِرْزَمَـيْــنِ
سَلَكْتُ بهَا سَبيلَ الـشِّـعْـرَيَـيْـنِ
خَضِـيبٍ قـُـلـْــتُ عَــنـِّي لِلْبُطَـيْنِ


فهو يستخدم أسماء النجوم ليكني عن العذارى ويظهر من خلال ذلك معرفته بالتنجيم هذه المعرفة الدقيقة إلى حد التخصص. فالشِّعْرَيان هما العَبور والغُمَيْصاء. والمِرْزَمان نجمان حولهما، فكأنه رمز للشعريين بالنساء وبالمرزمين للرجال، فهو يأنف أن يكون له شريك في محبتها. وقل الشيء نفسه في الثريا التي تشير له بالكف فإنه يتخلى عنها للبطين المجاور لها. وفي الكف إشارة إلى وصف نجوم الثريا.
ولا شك أن الشاعر جمع في هذه القصيدة ألوانا وفنونا من التاريخ والعلوم والأيام وأسماء الفرق والأمكنة وعلماء النحو والصرف والتاريخ ما خوله بحق أن يكون شاعرا فحلا ومؤرخا يقول:
وكمْ سامرتُ سُــمَّارًا فُـتُـوًا
حَـوَوْا أدَبًا عَـلَى حَـسَبٍ فَدَاسُوا
أُذَاكِرُ جَمْعَـــهُــمْ وَيُذَاكِـرُونِي
كَخُلْفِ اللَّيْثِ والنُّعْمَانِ طَوْرًا
وأورادِ الجُــنـيْـدِ وفِــرْقــتَـيْـهِ
وأقوالِ الْخـلــيـلِ وسِـيبَوَيْـهِ
نُوَضِّـحُ حيث تـَـلـتـبـسُ المَـعَـانِــي
وأطـْــوَارًا نـَــميلُ لـذكْــرِ دَارَا
ونحوَ السِّـتَّـةِ الشُّـعـراءِ نَــنْـحـُو
وشِـعْـرَ الأَعْـمَـيَـيْـنِ إذا أرَدْنَـــا


إلى المجْد انْـتَمَـوْا منْ مَحْـتِدَيْـنِ
أدِيـمَ الـفَرْقَــدَيْـنِ بـِـأَخْــمَـصَـيْــنِ
بكُـلِّ تَـخَـالُفٍ في مَذهَـبـَيْـنِ
وخُلْفِ الأشْعَرِيِّ مَعَ الْجُـوَيْـنِي
إذا وَرَدُوا شَـرَابَ الـْــمَـشْــرَبَـيْـنِ
وَأهْـلـي كُـوفَــةٍ وَالأَخْـفـَـشَــيْــنِ
دَقِــيقَ الـفـَرْقِ بيْن المَــعْــنـَــيَــيْنِ
وَكِـسْرَى الفارسِيِّ وَذِي رُعَيْـنِ
ونـَـحْـوَ مُـهَــلـْـهـِــلٍ وَمُرَقـِّـشَـيْـــنِ
وإن شِــئْـنـَا فَشِـعْـرَ الأَعْـشَـيَـيْـنِ


فهي بحق دائرة معارف إسلامية تستحق دراسة متأنية لا يمكن أن يفي بها مقال عابر. وبالجملة فإن الشاعر طرق كل الأغراض والألوان، فأبدع وأجاد وأتحف فأفـاد.. وقد تصدر بحق المدرسة الحرة التي التزم أهلها بموضوعات الجاهليين ومعارضتهم كما هو عند محمد بن الطلبة اليعقوبي. وعدل شاعرنا عن ذلك إلى أغراض وألوان أملتها ظروف الشاعر المتحررة.
ولعل خلافة الشيخ سيدي أباه كفلت له تلك الحرية فلاح شعره منساقا مع واقعه كما كان ابن المعتز أمير الشعراء! وكما ظهرت المناحي الدينية إلى جانب تلك المناحي المختلفة المتحررة، يضاف إلى ذلك طرحه أزمة الشعر في النقد في عينيته وتعرضه للسرقات يقول: (كامل)
يا مَعْـشَرَ البُلَغَاءِ هلْ مِن لَوْذَعِي


يُـهْــدَى حِجَاهُ لِمَطْـلِــعٍ لـَمْ يُـبْـدَعِ


فهو يطرح في هذه القصيدة أزمة الشعر قبل أن تطرح في المشرق العربي!
توفي الشيخ سيدِي محمد ـ رحمه الله تعالى ـ سنة 1286 هــ عن عمر يناهز 40 سنة.


[رجوع]
علماء و أعيان
من أسرة الشيخ سيديّ

علماء و أعيان
موريتانيون

موريتانيا
تاريخ وثقافة
أبو تلميت
المدينة و الدور الثقافي
صور تاريخية
جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة الشيخ سيدي للثقافة والإنلام - ص.ب: 2101-انواكشوط - موريتانيا هاتف: 0022205290875 / 002226432258

mohamed ismail
17-04-2009, 03:00 PM
بحث

التجديد الديني لدى الشيخ بابَ بن الشيخ سيديَّ من خلال شعره التوجيهي
الشيخ محمد الحافظ بن أحمدُّو
الشيخ بابَ بن الشيخ سيدي من الأفراد القلائل، على مدار التاريخ، الذين جمعوا كل خصال
الكمال وولجوا ساحة الخير من كل أبوابها . فهو بحق من الرواحل الذين يشير إليهم الحديث الذي أخرجه البخاري: ""تجدون الناس كإبل مئة لا تكاد تجد فيها راحلة". ويصدق فيه ما قاله النسائي في الإمام عبد الله بن المبارك: "ما نعلم في عصر ابن المبارك أجل منه ولا أعلم ولا أجمع لكل خصلة محمودة".
وشخصية هذه طبيعتها يقف المرء حين يريد الكتابة عنها حائرا مترددا لا يدري من أي جانب يتناول الحديث عنها ولا من أين يبدأ ولا إلى أين ينتهي.. على أن ما يظهر لي من خلال ما تعرفت عليه من تراث الشيخ باب وما اطلعت عليه مما كتب عنه، أنَّ أخَصَّ سمات الشيخ أنه: "مجدد في الدين في القرن الرابع عشر الهجري ورائد في الإصلاح".
من هنا رأيت أن تنصب مساهمتي هذه المتواضعة ضمن ندوتكم المباركة، في تسليط الضوء قدر المستطاع على منحى التجديد الديني لدى الشيخ باب، مستلهما المعاني الإصلاحية عنده من بعض مقطوعاته الشعرية التوجيهية. تلك المقطوعات التي لم تُعطَ من الباحثين ـ حسب علمي ـ ما تستحق من الدراسة والتحليل والاستنباط والتي كان لطبيعتها الشعرية وسلاسة عبارتها الأدبية وجمالها الفني ما مكنها من التأثير في المجتمع وعامة الناس بما يعجز عن التأثير به الكتبُ المتخصصة والأنظام العلمية! وقد كانت معالجة الموضوع وفق الخطة الآتية: أولا مفهوم التجديد الديني، ثانيا: التجديد الديني لدى الشيخ باب، ثالثا: تجديده في أصول الدين من خلال شعره، رابعا: تجديده في مجال السلوك من خلال شعره، خاتمة. أولا مفهوم التجديد الديني: يقول ابن منظور: "الجدة نقيض البِلى وأجدَّه وجدَّده واستجدَّه أي صيَّره جديدا. ويقال: كَبُرَ فلان ثم أصاب فرحة وسرورا فجد جده. كأنه صار جديدا". واضح من كلام ابن منظور أن التجديد لا يعني الاستعاضة عن القديم بشيء مستحدث كما لا يعني التغيير في طبيعته، بل إن التجديد للشيء هو محاولة العودة به إلى ما كان عليه يوم نشأ وظهر، بحيث يبدو مع قدمه كأنه جديد. وبهذا نفهم معنى التجديد الديني الذي جاء التنويه به، والبشارة باستمراره في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ""إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"" بأنه إنما هو استعادة ما أهمل من شرائعه، وإحياء ما اندرس من معالمه. وهذا ما بينه المناوي ـ رحمه الله ـ في شرحه للحديث الآنف الذكر، حيث فسر المجدد، من يجدد الدين: "بأنه يجدد ما اندرس من أحكام الشريعة وما ذهب من معالم السنن وما خفي من العلوم الظاهرة والباطنة وهذا التجديد ذو شقين: تجديد علمي يظهر في إحياء العلم الشرعي المستمد من الكتاب والسنة الصافي من البدع والآراء المذمومة. وتجديد عملي يظهر في العمل على تجسيد أحكام هذا الدين وشعائره في واقع الأمة." وإذا كان بعض العلماء قد فهموا من الحديث السابق، كون المجدد فردا، حتى حَدَا ذلك بالسيوطي إلى أن يحدد بالأسماء قائمة المجددين على مدى كل قرن وصولا إلى القرن الذي عاش فيه (القرن التاسع) مدعيا لنفسه أنه المجدد فيه، فإن الظاهر من كلمة "مَـــنْ" ـ التي هي اسم موصول مشترك يصدق على المفرد والجمع ـ عدم انحصار المجدد في واحد، بل قد يكون جماعة. وهذا ما ذهب إليه الحافظ الذهبي، مقررا أن "مَـــنْ" هنا للجمع لا للمفرد، فتقول مثلا إن المجددين على رأس الثلاثمائة هم: ابن سريج في الفقه والأشعري في الأصول (أصول الدين) والنسائي في الحديث... وهكذا وعلى هذا يصح أن نصف بالمجدد، كل من دعا إلى الإصلاح وقام به في جانب من جوانب الدين، كما لا يشترط أن يعم جهده الأمة كلها ولا أن يؤثر فيها جميعا. وبذلك يكون الشيخ باب مجددا من مجددي القرن الرابع عشر الهجري.

لقراءة البقية


[رجوع]
علماء و أعيان
من أسرة الشيخ سيديّ

علماء و أعيان
موريتانيون

موريتانيا
تاريخ وثقافة
أبو تلميت
المدينة و الدور الثقافي
صور تاريخية
جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة الشيخ سيدي للثقافة والإنلام - ص.ب: 2101-انواكشوط - موريتانيا هاتف: 0022205290875 / 002226432258

mohamed ismail
17-04-2009, 03:06 PM
بحث

الشيخ سيدي المختار ولد الشيخ سيديَّ.. الأبعادُ الشـخصية
الأستاذ الباحث/ الحسين ولد محنض
بسم الله الرحمن الرحيم
أشكر مؤسسة الشيخ سيدي الإسلامية والثقافية ومؤسسها الدكتور إبراهيم بن إسماعيل بن الشيخ سيديَّ على تمكيني من القيام ببعض واجبي تُجاه هذا الفرع الكريم من أسرة آل الشيخ سيديَّ المحترمة، ألا وهو فرع الشيخ سيدي المختار بن الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيديَّ (أبَّاهْ علما). ذلك أنني درست وتعلمت لسنوات عديدة في محضرتهم ـ محضرة الشيخ يحيى بن أباه، بقيةِ العلماء الأعلام والأولياء الزهاد. فأنا هنا الآن في الحقيقة إنما أرد إليهم بعض بضاعتهم.
غير أني أعتب على أني لم أشرك في الحديث عن الشيخ سيدي الكبير، وأنا الذي نَجَلَـتْـني أسرة ما أعلم أسرة تعلم من تاريخ الشيخ سيدي وأسرته ما تعلم. وأنا الذي غَذَاني طرفاي ــ الأَبوي والأَموي ــ بما لا أظنه غذي به أحد غيري من أمجاد هذه الأسرة الكريمة.. أنا الذي كثيرا ما سمعت شيخي محنض بابه بن أمين يقول إنه ما دخل القطر الموريتاني بعد الشيخ سيدي المختار الكنتي كالشيخ سيدي.. أنا الذي كنت أسمع في بيتنا أن الزوايا ما كافئوا إخوانهم من العرب إلا بعد ظهور علماء أجلاء من أمثال محمد اليدالي الديماني والمختار بن بونه الجكني وولد رازكه وحرمة بن عبد الجليل وبابه بن أحمد بيبه العلويَيْن والشيخ محمد المامي ومحنض بابه بن أعبيد ولمرابط محمذن فال ولد متالي وغيرهم، غير أنه بظهور الشيخ سيدي زادت رتبة الزوايا عند إخوانهم من العرب درجة... الشيخ سيدي الذي وجد الأُسَر مفكّكة فجمعها والأفخاذ متناحرة فوحدها والقبائل متحاربة فصالحها والإمارات متعادية فصادقها.. الشيخ سيدي الذي لم يجمع الأمراء المتناحرين علي مائدة واحدة سواه، كما فعل في تندوجه.. الشيخ سيدي الذي لم يجرؤ أحد على الجمع بين الرجل وقاتل أبيه سواه.. الشيخ سيدي الذي لم يَــغِــض هذا الجمع من معِـيـنه إلا كما يغيض المغترف بيده من البحر. وأعتب كذلك لأني لم أشرك في الحديث عن نجله الشيخ سيدِي محمد الذي حجب الناسَ شعرُه عن مقامه في العلم والذوق، مع أنه هو نفسه عبر عن حاله لوالده الشيخ بقوله: (رجز) أمي فِداكم بعدَ أنْ يُبدأَ بـي وبأبي لو أنَّ غيرَكم أبـــــي الشيخ سيدِي محمد الذي كثيرا ما كنت أسمع أنه، وإن كان ولد الطلبة اليعقوبي ـ كولد رازكه العلوي ــ قد نقلا الشعر وعرباه وولد محمدي كشعراء الحسنيين قد روضه وهذبه، فإن الشيخ سيدِي محمد ولد الشيخ سيدي قد طوعه وقربه وأُلين له الشعر كما ألين الحديد لداود. الشيخ سيدي محمد الذي كثيرا ما قيل فيه إن الإبل لا تستجيب في هذه الأرض لحاد لا يحدو بشعر الشيخ سيدي محمد. وأعتب وأظن أني حقيق بأن أعتب لأني لم أشرك في الحديث عن الشيخ سيدي باب، محيي السنة وقامع البدعة ومجدد العلم، وكيف لا أشرك في التحدث عنه وله الفضل في كل ما دخل بيتي من هدي وسمت وعلم؟ باب الذي يقول فيه جدي محنض الفغ الذي ما سمحت له نفسه أن يزور والدته إلا لماما، من فرط تعلقه به.


تحميل المشاركة كاملة


[رجوع]
علماء و أعيان
من أسرة الشيخ سيديّ

علماء و أعيان
موريتانيون

موريتانيا
تاريخ وثقافة
أبو تلميت
المدينة و الدور الثقافي
صور تاريخية
جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة الشيخ سيدي للثقافة والإنلام - ص.ب: 2101-انواكشوط - موريتانيا هاتف: 0022205290875 / 002226432258

mohamed ismail
19-04-2009, 09:17 PM
النشيد الوطني الموريتاني

كتب الشيخ سيديّ بابَ بن الشيخ سيديّ في القرن التاسع عشر الميلادي، النشيد الوطني الموريتاني الذي يردّده الموريتانيون منذ الاستقلال الوطني ونشوء الدولة الموريتانية عام 1960 م، وهذا نصه:


كًََُـــنْ لِـلإلــَــهِ نـَاصِـــرَا
وأنْكِـرِ المَـنـاكِــــــــــرَا

وكُــنْ مَـعَ الحـَــقِّ الـذِّيِ
يَرْضاهُ مِنكَ دَائِـــــــــرَا

وَلاَ تََــعـُـــدَّ نـــافِــــعـــاً
سِوَاءَهُ أو ضـائِــــــــــرا

واسلُك سبيلَ المُصطفَى
ومُتْ عليْهِ سائِـــــــــــرَا

فــمَـا كَـفَــــــى أَوَّلـَـنَـــا
أليسَ يَكْفِي الآخِـــــــــرَا

وكـُــنْ لِقَـــومٍ أحْــدَثُــوا
فــي أمْرهِ مُهـاجِــــــــرَا

قَـدْ مَوَّهُـــــوا بِــشُــبَّّــهٍ
وَاعْتذَرُوا مَعـَـــــــــاذِرَا

وزَعـَمُــوا مَــزاعـِـمــا
وسَوَّّدُوا دفاتـِـــــــــــــرَا

واحْتَـنَكوا أهلَ الفـَــــلا
واحتنـكوا الحَواضِـــــرَا

وأوْرَثَـتْ أكـابِـــــــــــرٌ
بِدْعَـتِها أصاغِـــــــــــرَا

وَإنْ دعَــا مُجـــــــــادِلٌ
فِي أمْرِهمْ إلى مِــــــــــرَا

فلا تُمـارِ فــيهِـــــــــــمُ
إلاَّ مـــــِراءً ظاهــــــــــرَا

mohamed ismail
19-04-2009, 09:26 PM
قصيدة "يامن يجيب دعوة المضطر"

يقول الشيخ سِيدِي محمد بن الشيخ سيديّ الكبير رحمهما الله تعالى ، ضارعا إلى الله عز وجل مبتهلا إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى :



يَا مـَن يُجـيـبُ دَعْـوَة المُضطــرِّ
وَيكْـشِفُ السُّوءَ, وَكُـلَّ ضُـــرِّ

أجـبْ دُعَـانا إنــَّنَـا اضطُــرِرْنـَا
إلَـيْكَ , فـَاكْـشِفْ مَا بِـه ضُرِرْنَـا

قـــدْ مَسَّـنَـا الضُّـرُّ, وَأنتَ أرْحَـمُ
الـرَّاحِمِـينَ, وَالكـريمُ الْأكْــرَمُ

بِـكَ تَـحَـصَّــنـَّا مِـنَ الْأسْــوَاءِ
جَـمِـيعِهَا , وَجُـمْـــلَةِ الْأدْوَاءِ

وَمِـن صُـنوفِ الْمَكْـرِ, وَالْـبَــلَاءِ
وَمِـن صُـرُوفِ الدَّهْــرِ, وَالْـوَبَاءِ

فَـسَـكِّنَــنَّ صَـدَمَاتِ الْقـهْـــرِ
بِاللُّــطْفِ فِي السِّـرِّ مَعًا, وَالْجَـهْــرِ

وَأغْـنِــنَـا عَـن نَـيْلِ أجْــرِ الصَّــبْرِ
عَلَى الْبَـلَا بِـنَـيْلِ أجْـرِ الشُّـــكْرِ

وَأنـْزِلِ الْفضْلَ مَـكَـانَ الْعَـــدْلِ
فـَأنـْتَ ذو العدلِ الْعَـظِيمُ الْفضْــلِ

وَاغـْـفـِرْ لِمـَوْتانـَا,وَأكْـرِمْ ,وَارْضَــا
وَنـَـجِّ أحْيَانـَا , وَعَافِ الْمَــرْضَـى

وَطَيـِّبِ الْهَـوَاءَ,وَاعْـمُـرْ أرْضَــا
بــهَا أقـَمْنـَا سُنـَّةً , وَفـَـــرْضَا

وَرِزْقـَــهَا ابـْسُطْ قـُوتـَهُ ,وَالْعَـرْضَـا
حَـتـَّى يَـعُمـَّا طُـولَـهَا,وَالْعَــرْضَ ا

نـَـحْنُ عِــيَالُكَ ,وَإن جَـــنـيْـنـَا
فــلَا تـُــؤَاخِـذْنـَا بـِـمَا أتـَـيْـنَا

وَاغـْـفِرْ لَـنـَا فـَـضْلًا,وَتـُــبْ عَلَــيْنـَا
وَلَا تـَكِـــلْنـَا طَـــرْفـَةً إلَــيْـنـَا

بـِكَ اسْــتـَعَـذنـَا,وَبـِكَ احْـــتـَمَـيْنـَا
وَمَا لِـــغيْرِ دِيــنِـكَ انـْــتـَمَيْـنـَا


بـِكَ اعْـتـَصَمْنـَا,وَبـِـكَ اكْــتـَفـَيْــنـَا

فِي كُـلِّ مَا نـُبْدِي ,وَمَا أخـْفــَيْـــنـَا

نـَـحْـنُ الضعَافُ , وَالضَّـعِـيـفُ أَوْلَـى
بـِأنْ يُــــوَلـَّى رَأفَـــةً ,وَطَــوْلَا

وَقـَدْ نَــبَـذْنـَا قُــوَّةً , وَحَــوْلَا
إِلاَّ بـِـمَـوْلَانـَا فــَـنِـعْـمَ الْمَـــوْلَى

إيَّـاكَ نـَـعْـبُـدُ , وَنـَـسْـتــَعِـيــنُ
وَحَـبَّــذَا الْـمَـعْــبُــودُ , وَالْمُـعِـيـنُ

نـَدْعُـوكَ رَبِّ بـِالْأسَـامِي الْحُــسْـنـَى
وَمَا لَـهـَا مِنَ الْكَــمَـالِ الْأسْــنـَى

وَمَا حَــوَتــْهُ مِن جَـمَالِ الْمَــبْـنـَى
وَصِـحَّةِ الْفــَحْـوَى , وَحُــسْنِ الْمَعْنـَى

وَبـِاسْـمِـكَ اللَهِ الْعَـظِيـمِ الْأعْـظـمِ
تـُـنْـمَى لَهُ الْأسْـمَى, وَلَـيْس يَـنـتــمِي

عَلـَى سِــوَاكَ مَا لَهُ إطْـلَاقُ
وَغـــَيْـرُهُ مِنـهَا لَهُ اشْــتِـقـَاقُ

وَكُــلِّ مَا دَلَّ مِـنَ الْكـَمَالِ
عَلَــيْهِ , وَالْجَـلَالِ , وَالْجَـمَالِ

أن تـَسْـتـَجـِيبَ كَـرَمًا دُعَـاءَنـَا
وَأن تـُحَــقـِّـقَ لَنـَا رَجَــاءَنـَا

وَأنْ تـَكُـونَ غـَافِـرًا ذُنـُوبـَنـَا
وَأنْ تـَـكُـونَ سَـاتِــرًا عُــيُـوبَـنـَا

وَأنْ تـَكُــونَ فـَـارِجًا كُـرُوبَــنـَا
وَأن تـَكُـــــونَ هَـادِيًا قُــلُــوبَـنـَا

وَأنْ تـَكُـــونَ شَارِحًا صُــدُورَنـَا
وَأنْ تـَكُـونَ مُصْـلِـحًا أمُـــورَنـَا

وَكُــن لَـنـَا يَا رَبَّـنـَا وَلِــيَّا
وَاجْـعَـلْ حُـلَـى التَّـــقـْوَى لَـنـَا حُـلِـيَّا

وَكُــن لَـنـَا يَا رَبَّـنـَا نـَصِـيرَا
فـَـلَمْ تــَزَلْ بـِـحَالِـنـَا بَــصِـيرَا

وَكُــن لَـنـَا مُــوَفـِّـقـًا مُسَــدِّدَا
وَمُـوثِــرًا مُـظـفِّـرًا مُـــؤَيـِّـدَا

وَافــْتـَحْ لَـنـَا أبْـــوَابَ كُـــلِّ خَـيْرِ
وَاسْـــدُدْ بـِـنـَا أبْــوَابَ كُـــلِّ ضَـيْرِ

وَافـْـتـَحْ لَـنـَا بَابَ الْعـُلُومِ النــَّافِـعَهْ
وَاطْــوِ مَـسَاوِفَ السُّـلُوكِ الشـَّاسِـعَهْ

وَامْـلَأ قـُلـُوبَنـَا بـِـنـُورِ الْمَــعْـرِفـَهْ
وَرَقـِّــنـَا فِي الـدَّرَجَـاتِ الْمُـشـْـرِفـَهْ

وَعُـدَّنـَا مِنَ الْــعِبَادِ الْمُـكْـرَمِــينْ
وَالْأوْلِـيَاءِ الْمُــؤْمِـنِـينَ الْمُـتـَّـقِـينْ


وَجُـنـدِكَ الْجُـنـدِ الْأُلَـى هُـمْ غَــالِـبُونْ

وَحِـزْبـِكَ الْحِـزْبِ الْأُلَـى هُـم مُفـْلِــحُونْ

وَأحْـيـِنـَا رَبِّ حَـيَاة ًطـيِّـبَهْ
وَجُــدْ عَلَــيْنـَا بِالْفُــيُوضِ الصَّـيِّـبَهْ

يَا حَـيُّ , يَا قـَـيُّومُ , يَا رَحْـمَـنُ
يَا بَـــرُّ , يَا حَـنـَّانُ , يَا مـَـنـَّانُ

قِــنـَا الذِي يَـــسُـوءُ مِن قـَـضَاكَـا
وَقَـــوِّ مِنـَّا الضُّـعْـفَ فِي رِضَـاكَـا

وَالتــَقـِـنـَا يَا دَائِـمَ الْبَـــقـَاءِ
جَـهْـدَ الْبَــلَا , وَدَرَكَ الـشَّـقـَاءِ

وَلَا تـُـصِـبْـنـَا بـِـعُـضَـالِ الــدَّاءِ
رَبِّ , وَلَا شَــمَاتـَـةِ الْأعْـــدَاءِ

وَعَـافِــنـَا مِن سَـــائـرِ الْأمْــرَاضِ
وَنـَـجِّـنـَا مِن سَـيِّـئِ الْأعْــرَاضِ

وَلَا تـَـدَعْ لَـنـَا مِنَ الْأغْـــرَاضِ
إلَّا الذِي مِـنـْـهُـنَّ أنـْــتَ رَاضِ

وَجُـدْ بـِـعَـفــْوٍ وَاسِـعٍ , وَعَـافــِيَهْ
لِلـشَّرِّ , وَالْمَـكْـــرُوهِ عَـنـَّا نـَافـِــيَهْ

فِي غِـبْـطَةٍ مِن كُــلِّ شَـوْبٍ صَافِـيَهْ
وَنِـعْـمَـةٍ عَـلَى الْجَـمِـيـعِ ضَــافِــيَهْ

وَالشُّـكْــرَ أوْزِعْـنـَا عَلـَى الْإنـــْـعَامِ
وَعَــــــرِّفِ الْإنـْــعَامَ بـِالــدَّوَامِ

وَأكْــرِمَنـَّا , وَاحْــبُ بـِالْـمَـرَامِ
فـَـأَنـتَ ذو الْـجَـلَالِ , وَالْإكْــرَامِ

وَلَا تــُهِـنـَّا يَا مُـجــِيـرَ الْمُـجْـــرِمِ
فـَـمَا لِـمَـنْ أهَـنْــتـَـهُ مِن مُـكْــرِمِ

وَاجْـعَـل لَـنـَا يُـسْـرًا , وَمَـخْــرَجًا إلَى
مَا لَـمْ نـَـكُــن مُحْـتــَسِــبِــيـنَ مِـنْ إلَى

وَنــَجِّـنـَا مِنَ الشُّــرُورِ , وَالْفِــتـَنْ
وَمِـنْ حَــوَادِثِ أوَاخِــرِ الـزَّمــــنْ

وَنـَـجِّــنـَا مِن شَـــرِّ كُــلِّ بـَـرِّ
وَفـَـاجِــرٍ فِي الْــبَـحْرِ , أوْ فِي الْــبَرِّ

وَنـَـجِّـنـَا مِنْ حِـيـلَةِ الْـمُــحْــتـَالِ
وَنـَـجِّــنـَا مِنْ غِــيلـَةِ الْـمُـغـْــتـَالِ

وَمِن تـَـسَــلُّـطِ ذوِي السُّــلْــطَانِ
وَمِنْ عِـــدَاءِ عُــصْـبَةِ الْعُـــدْوَانِ

وَشَـــرِّ كُـــلِّ جَـائِــرٍ , وَعَــادِلِ
وَشَـــرِّ كُــــلِّ عَــــاذِرٍ , وَعَــاذِلِ


وَشَــــرِّ كُــلِّ عَـــالِـمٍ , وَجَـاهِـلِ

وَشَـــــرِّ كُــــلِّ فــَاطِـنٍ , وَذاهِــلِ

وَشَــرِّ كُــلِّ حَاقِـدٍ, وَحَـاسِدِ
وَنـَاقِــــدٍ, وَصَـالِـحٍ , وَفـَـاسِدِ

وَشَـــرِّ كُــلِّ عَـائِـنٍ , وَخَــائِـنِ
وَصَـــادِقٍ فِي وُدِّهِ , وَمـائِـنِ

وَشــَرِّ كُــلِّ سَارِقٍ , وَطَــارِقِ
وَهَـاتِـكٍ , وَفـَـاتِـكٍ , وَمَـــارِقِ

وَغـَـاسِـقٍ , وَوَاقِـبٍ , وَسَــاحِرِ
وَكَــاهِنٍ ,وَعَـــائِـفٍ , وَزَاجـِرِ

وَكُــلِّ شَـيْـطَانٍ , وَكُــلِّ جِــنِّ
مِــن ظَـاهِرٍ مِـنـْـهُمْ , وَمُـسْـتــجِــنِّ

وَطَـعْـنِهِمْ , وَوَخـْزِهِـمْ , وَضَـرْبـِهِمْ
وَكَــيِّــهِمْ فِي سِـلْمـِهِمْ , وَحَــرْبـــهِمْ

وَاضْـــرِبْ حِــجَـابًا دُونـَـهُمْ , وَسُـورَا
يَكُـــونُ مَــن صِـيـنَ بـِـهِ مَـسْـتـُــورَا

وَخـُذْ لَنـَا بـِالثـأرِ مِـن ظُــلاَّمِــهِمْ
وَاصْـدُدْهُمُ بـِالْقَـــهْـرِ عَـن مَــرَامِـهِمْ

وَنـَـجِّــنـَا مِـن شَــرِّ كُـــلِّ أسَــدِ
وَحَـيَّـةٍ , وَعَــقــْرَبٍ , وَأسْــوَدِ

وَغــيْـرِ ذا مِـن سَائِـرِ الْخَـــلَائِــقِ
جَـمِيعـِهَا مِـن صَـامِـتٍ , وَنـَـاطِــقِ

وَاجْـعَـلْ حَـرِيـمَـنـَا حَـرِيـمًا آمِـنـَا
وَكُــن بـِـحِـفـْظِـهِ كَــفـِيلًا ضَــامِـنـَا

وَوَفـِّـقِ الْقـُــلُـوبَ لِلْــــوِفـاقِ
وَطَـــهِّــــرَنـَّــهَ ا مِـنَ النـّـفـَـاقِ


وَآمِــنـَـنَّ سُــبُـلَ الــرِّفَــاقِ

وَأبْـــدِلِ الْكَـــــسَــادَ بـِالنـَّــفـَاقِ

وَلَا تـُـذِقْــنـَا عَـلْـقـَـمَ الـدَّنِــيـَّهْ
فـَـإنـَّـهـَا شَــرٌّ مِــــنَ الْمَـنِــيــَّهْ

عَــوَّدتـَّــنـَا نِـعَمَـكَ الْـهَــنـيَّـهْ
وَجُــــدتَّ بـِالْمَــوَاهِبِ السَّـنِــيـَّهْ

فـَـدُمْ لَـنـَا عَـلَى الذِي عَــوَّدتَّــنـَا
لَا نـَـغـْـتـَـــنِي عَــن ذاكَ مَـا أوْجَـــدتـَّـنـَا

وَاقـْـضِ لَـنـَا مَا كَــانَ مِـنْ حَـوْجَاءِ
فِي حَـالِـنـَا هَذا , وَذاكَ الْـجــاءِي

وَاقـْـضِ حَــوَائِـجَ الذِينَ انــتَــسَــبُوا
لَنـَا جَـمِيـعًا, وَاعْــفُ عَـــمَّا اكْـــتـَسَــــبُوا

مِـن كُـــلِّ ذِي إرَادَةٍ , وَجَــــار
وَسَــائِـرِ الضُّــيُـوفِ , وَالـــزُّوَّارِ

وَكُــلِّ قـَـاصٍ جِــــــيلُهُ , وَدَانِ
مِـن فِـرَقِ الْبِــيـضَانِ , وَالسُّـــودَانِ

وَكُــلِّ ذِي قـَــرَابَـةٍ , وَأجْــنـَـبـِي
مِـنْ اُمَّـةٍ مُجِـــيـبَـةٍ خَـــيْـرَ نـَـبـِي

فـَمَـا لِكُـــلِّـنـَا سِـــوَاكَ نـَـافِـعُ
نـَـرْجُــوهُ لِلْـجَــــــلْبِ ,وَلَا مُـــــدَافِعُ

وَمَا لَنـَا لِـرَغـَــبٍ , وَلَا رَهَــبْ
سِــوَاكَ نـَــدْعُــوهُ , فـَيَــحْـمِي , وَيَـهَــبْ

إذا الْخـُطُوبُ اهْـــوَلـَّتِ اهْـــوِلَالَـهَا
فـَـمَا لَنـَا غـَـــيْـرُكَ مَــوْلَانـَا لَـهَا

وَفِي سِـــوَاكَ رَبِّ خـَــابَ الْأمَـــلُ
وَبَـطَـلَ الـرَّجَــاءُ , وَالــتـَّــــوَكُّـــلُ

فـَكُــن بـِـتـَاجِ الْعِـــزِّ ,وَالْكَـرَامَهْ
مُـتـَـوِّجًا لَـنـَا مَـــعَ السَّــلَامَهْ

وَرَدِّنـَـا بـِالْـيُــمْـنِ , وَالْأمَــانِ
وَجُـــدْ بـِـمَا لَا تـَـبـْلـُـغُ الْأمَــانِي

وَرَكِّــبَـنـَّا مَـرْكَــبَ النَّــــجَاةِ
بَــعْـدَ مَـــمَاتِـنـَا, وَفِي الْـحَــيَاةِ


وَنـَـجِّـنـَا مِن مُـوجـِبَاتِ الْغـَضَـبِ

وَمَا يَكُــــونُ سَــبَـبــًا لِلسَّـــلَبِ

وَاسْـلـُكْ بـِـنـَا مَـسَـالِـكَ النـَّـــجَاحِ
وَالْفـَــــوْزِ فِي الدَّارَيـْـنِ , وَالْفـَـلَاحِ

وَبـِالْكَـــفـَـالَةِ , وَبـِالْكِــفـَايَهْ
حُـطْـنـَا, وَبـِالنَّــصْـرِ, وَبـِالْحِــمَايَهْ

وَكُـــــنْ إلَــهِي وَاقِـــيًا إيّـانـَا
مِمَّــا يَــجُــرُّ الْخِــزْيَ فِي دُنـيَـانـَا

وَنـَــجِّــنـَا يَا ذا الْعَـطَـايَا الـزَّاخِرَهْ
مِمَّـا يُــؤَدِّي لِـعـَذابِ الْآخِــرَهْ

وَهَبْ لَنـَا يَا مـَنْ عَلَا عَن صَاحِبَهْ
وَوَلَــدٍ فِي الْأمْـرِ حُسْـــنَ الْعـَاقِــبَهْ

وَثـَــبـِـتَــنـَّنـَا عَلَى الْإيــمَانِ
عِـندَ فِـــرَاقِ الـــرُّوحِ لِلْأبْــدَانِ

وَبَـعْـدَهُ عِـندَ السُّــؤَالِ ,وَالْقِــــيَامْ
إلَى دُخُـــولِـنـَا غـَــدًا دَارَ السَّــلَامْ

لَـنـَا تـَــوَسُّـلٌ عَظِـيمُ الْمَنــــزِلَهْ
إلَـيْـكَ بـِالْكُـــتْــبِ الْعِــظَـامِ الْمُــنـزَلَهْ

وَبـِالْكِــتـَابِ الْمُـسْـتـَبِيـنِ الْمُعْــجـِز
كُـــلَّ مُطَــــوِّلٍ , وَكُـــلَّ مُــوجـِزِ


وَبـِالنـَّـبـِـيـئِيـنَ , وَمَن قـَدْ اُرْسِـلـُوا

وَبـِـاُولِي الْعَــــزْمِ الــذِيـنَ فـُــضِّـلـُوا

وَبـِالْحَبـِيبِ الْمُصْطَفَى خَيْرِ الْبَشَر
مَـن سَـبَقَـتْ مَــوْلِـدَهُ بـِهِ الْبـُـشَـرْ

وَبـِالْمَـلَائِـكِ الْكِــرَامِ الْبَـرَرَهْ
وَالْمُــرْسَـلِيـنَ مِنـْهُمُ , وَالسَّفــرَهْ

وَبـِالـرَّسُولِ عِـنـدَكَ الْمَكِـينِ
جِـبْـرِيـلَ رُوحِ الْقـُـدُسِ الْأمِــينِ

وَبـِصَحـَابَـةِ النـَّـبـِيِّ الْخِـيَـرَهْ
وَكُـــلِّ مَـن بـِالْخــَيْـرِ مِنـْـهُم بَشـَّرَهْ

كَـــأهْلِ بَدْرٍ, وَكَــأهْلِ الشَّـجَرَهْ
وَالْخُـلَـفـَاءِ , ثـُـمَّ بَـاقِي الْعَــشَرَهْ

وَبـَـبَـنِي خَــيْرِ الْبَـرَايَا,وَالْبَـنَا تْ
وَاُمَّـهاتِ الْمُــؤْمِنِـيـنَ الْمُـحْـصَـنـَاتْ

وَآلِ خَـيْرِ الْخَـلْـقِ خَـيْرِ آلِ
مَـنْ خَــلـَطُوا الْحَــسَـبَ بـِالْمَــعَالِي


وَسَــادَةٍ مَا لِلْـعــُـلَا مِــن مَـذهَبِ

عَنـْــهُمْ فـَـهـُمْ سِــلْسِـلَة ٌمِـن ذهَــبِ

وَبــِأُولِي الْإصْــدَار ِ, وَالْإيــرَادِ
سَــادَاتِــنـَا سِـلْسِلـَةِ الْأوْرَادِ

وَشَــيْـخِنـَا مِنـْهُمْ ,وَشَــيْـخَيْهِ مَـعَا
مَـن جَـمَعُوا شَــتـَّى الْمَــعَالِي جُــمَعَا

وَمَـنْ حَوَى فِي الْفَـضْلِ أعْلـَى مَنزِلَهْ
إمَامِــنـَا الْجـِيــلِيِّ قـُـطْبِ السِّــلْسِلَهْ

وَبـِــجَـمِيعِ الْأوْلِـيَاءِ الصَّالِـحِـيـنْ
وَالْعُـلـَمَاءِ الْعَامِـلِيـنَ الْمُــخْـلِصِـيـنْ

وَكُـــلِّ مَــن كَــانَ لَهُ تـَعَــلـّـُقُ
بـِالصَّــالِحِـيـنَ أوْ لهُ تـَـشَــوُّقُ

يَا رَبَّـــنـَا بِـــجَاهِ هَــؤُلَاءِ
كُـن مُسْتـَــجِــيبَ ذائِــهِ الـدُّعَاءِ

وَكَــاشِـفـًا عَــنـَّا لِكُــلِّ ضُــرِّ
أنــتَ الْمُــجـِيبُ دَعْــوَةَ الُمُــضطرِّ

وَصــلِّ أكْــمـَلَ الصَّلَاةِ ,وَالسَّــلَامْ
عَـلَى الـذِي أتـَى بـِأحْسَــنِ الْكَـلَامْ

الُمُـهْـتـَدِي الْهَـادِي التّـِهَامِي الْعَرَبـِي
شَــــفِيــعِنـَا لِنـَـيْـلِ كُــلِّ أرَبِ

وَالْآلِ , وَالْأزْوَاجِ ,وَالصَّــحَابَهْ
وَغَـيـْرِهِم مِــنْ أُمَّــــةِ الْإجَــابَهْ .


تحقيق : إسحاق بن موسى بن الشيخ سيديّ.

mohamed ismail
19-04-2009, 09:32 PM
صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم
جمعها الشيخ سيدي باب بن الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي الكبير
(م: 13 ربيع الأول 1277هـ / 29 سبتمبر 1860م)
(ت: 3 جمادى الثانية 1342هـ - 10 يناير 1924م)
رحم الله السلف وبارك في الخلف


طبع وتحقيق ونشر :
إسحاق ولد موسى

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال الله أكبر ولم يقل شيئا قبلها ولا يلفظ بالنية ويرفع يديه مع التكبير ممدودتي الأصابع مستقبلا بهما القبلة إلى فروع أذنيه وروي إلى منكبيه ثم يضع يمناه على ظهر يسراه ثم يقول سرا : "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد" كما ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة لما سأله ما يقول في سكوته بين التكبير والقراءة وروي عنه غير هذا من الاستفتاحات لكن ما في الصحيحين أصح ثم يقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه فالأول الجنون والثاني الكبر والثالث الشعر، وكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة ويخفيها تارة ويتركها تواتر كل ذلك عنه ثم يقرأ الفاتحة وكانت قراءته مدا يقف عند كل آية ويمد بها صوته فإذا فرغ من قراءة الفاتحة قال آمين فإن كانت الصلاة جهرية مد بها صوته وقالها من خلفه حتى إن للمسجد للجة[1] وقال صلى الله عليه وسلم إذا أمن الإمام فأمنوا فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه أخرجه الشيخان.

فإذا أمن صلى الله وسلم سكت صح عنه ذلك من حديث سمرة بن جندب وأبي بن كعب وغيرهما وقال العلماء هذه السكتة لأجل قراءة المأموم فعلى هذا ينبغي تطويلها بقدر قراءة الفاتحة ثم يأخذ في سورة وكان يطيلها تارة ويخففها تارة ويتوسط فيها غالبا فإذا فرغ من قراءتها سكت بقدر ما يتراد إليه نفسه ثم رفع يديه كما تقدم وكبر راكعا ووضع كفيه على ركبتيه كالقابض عليهما وجافى يديه عن جنبيه وبسط ظهره ومده واعتدل ولم يرفع رأسه ولم يخفضه بل يجعله حيال ظهره معادلا له ثم يقول سبحان ربي العظيم ثلاث وتارة يقول مع ذلك مقتصرا عليه سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي وكان ركوعه المعتاد مقدار عشر تسبيحات ثم يرفع رأسه ويديه كما تقدم ويقول سمع الله لمن حمده فإذا استوى قائما قال ربنا لك الحمد وربما قال اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ويمكث حتى يقول القائل نسي من إطالته لهذا الركن ثم يكبر ويخر ساجدا ولا يرفع يديه ويضع ركبتيه قبل يديه ثم يضع يديه ثم يضع جبهته وأنفه هذا هو الصحيح ولا يسجد على كور العمامة بل كان سجوده الغالب على الأرض وربما سجد على الماء والطين وعلى الخمرة المتخذة من خوص النخل وعلى الحصير المتخذ منه وعلى الفروة المدبوغة وكان إذا سجد مكن جبهته وأنفه من الأرض وجافى يديه حتى يرى بياض إبطيه ولو شاءت بهمة وهي الشاة الصغيرة أن تمر تحت يديه لمرت.

ويضع يديه حذو منكبيه وأذنيه ويعتدل في سجوده ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة وكان يقول سبحان ربي الأعلى وأمر به وكان يقول أيضا سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي وكان يقول أيضا اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وكان يقول أيضا اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطإي وعمدي وكل ذلك عندي والأدعية الواردة عنه في السجود كثيرة وأمر فيه بالاجتهاد والدعاء وقال إنه قمن[2] أن يستجاب لكم وقال ربيعة بن كعب الأسلمي وقد سأله مرافقته في الجنة أعني على نفسك بكثرة السجود وقال ما من عبد سجد لله سجدة إلا رفع الله له بها درجة وحط عنه بها خطيئة ثم يرفع رأسه مكبرا غير رافع يديه رافعا رأسه قبل يديه ثم يجلس مفترشا يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى ولم يحفظ عنه في هذا الموضع جلسة غير هذه ويضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ويضع حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ويعقد ثلاثا من أصابعه ويحلق بواحدة ويشير بأصبعه السبابة يدعو باللهم اغفر لي وارحمني وأهدني وعافني وارزقني وكان يقول أيضا رب اغفر لي ثلاثا أو أكثر ويطيل هذا الركن حتى يقول القائل قد نسي كما يفعل في القيام بعد الركوع وقد ترك أكثر الناس الطمأنينة في هاذين الركنين فضلا عن السنة فيهما والله الموفق.

ثم يكبر ساجدا ويفعل كما يفعل في سجوده ثم ينهض مكبرا معتمدا على فخذيه ولا يعتمد على الأرض بيديه وقال مالك بن الحويرث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي جالسا أخرجه البخاري وأبو داوود والترمذي والنسائي وهذه الجلسة تسمى عند أهل العلم جلسة الاستراحة واختلفوا فيها هل هي من سنن الصلاة فتستحب لكل مصل أو إنما يفعلها من احتاج إليها فذهب الشافعي في مشهور قوليه وإسحاق إلى سنيتها وإلى ذلك رجع أحمد بن حنبل وذهب كافة فقهاء الأمصار إلى عدم سنيتها وكان صلى الله عليه وسلم إذا نهض افتتح القراءة ولم يسكت كما يسكت عند افتتاح الصلاة لأن الاستفتاح لمجموع الصلاة فيكفي استفتاح واحد لأنه لم يتخلل القراءتين إلا الذكر ثم يصلي الركعة الثانية كالأولى إلا في أربعة أشياء السكوت والاستفتاح وتكبيرة الإحرام وتطويلها فإنه كان لا يستفتح ولا يسكت ولا يكبر للإحرام فيها ويقصرها عن الأولى فإذا جلس للتشهد الأول فعل كما تقدم بين السجدتين سواء ثم يقول ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود قال التفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إذا صلى أحدكم فليقل التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وقال محمد بن يحيى الذهلي هو أصح ما روي في التشهد وقال مسلم إنما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضا وغيره قد اختلف عنه أصحابه .

وقال البزار أصح حديث عندي في التشهد حديث ابن مسعود يروى عنه من نيف وعشرين طريقا ولا نعلم في التشهد أثبت منه ولا أصح إسنادا ولا أثبت رجالا ولا أشد تضافرا بكثرة الأسانيد والطرق وقال الترمذي هو أصح حديث روي في التشهد ثم أسند عن خصيف[3] قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت يا رسول الله إن الناس قد اختلفوا في التشهد فقال عليك بتشهد ابن مسعود هـ. وكان صلى الله عليه وسلم يخفف هذا التشهد ثم ينهض مكبرا رافعا يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما فعل عند افتتاح الصلاة ولا يمكث بالتكبير حتى يستقل قائما كما يفعله متأخرو المالكية ثم يفعل صلى الله عليه وسلم في بقية صلاته كما فعل في أولها فإذا كانت الجلسة التي فيها التسليم قدم رجله اليسرى ونصب اليمنى وقعد على مقعدته ثم تشهد التشهد المذكور ثم قال اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيى والممات اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ثم يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته روى ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر صحابيا سرد صاحب الهدي النبوي أسماءهم .

وكان صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته استغفر الله ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا راد لما قضيت ولا ينفع ذا الجد منك الجد اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ولم يمكث مستقبل القبلة إلا مقدار ما يسلم ثم يسرع الانفتال[4] إلى من خلفه منفتلا عن يمينه تارة وعن يساره أخرى وقال صلى الله عليه وسلم من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد الله ثلاثا وثلاثين وكبر الله ثلاثا وثلاثين وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر وقال من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت انتهى ملخصا من الكتب الستة ومن شرح مسلم للنووي والأذكار له أيضا والإحياء وشرح الزبيدي له صح وزاد المعاد وبلوغ المرام وشرحه ومنتقى الأخبار وشرحه صح، والبداية لابن رشد الحفيدي صح، وكتاب الصلاة لابن القيم وفتح الباري والمواهب وشروحها وغير ذلك.



--------------------------------------------------------------------------------

[1] - اللجة : اختلاط الأصوات , ألج القوم : إذا اختلطت أصواتهم .
[2] - قمن : بفتح القاف وكسر الميم أي جدير وخليق
[3] - قال الترمذي في جامعه : حدثنا أحمد بن محمد بن موسى أخبرنا عبد الله بن المبارك عن معمر عن خصيف قال : الحديث .........
[4] - الإنفتال : الانصراف.
جمعها الشيخ سيدي باب بن الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي الكبير
(م: 13 ربيع الأول 1277هـ / 29 سبتمبر 1860م)
(ت: 3 جمادى الثانية 1342هـ - 10 يناير 1924م)
رحم الله السلف وبارك في الخلف


طبع وتحقيق ونشر :
إسحاق ولد موسى

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال الله أكبر ولم يقل شيئا قبلها ولا يلفظ بالنية ويرفع يديه مع التكبير ممدودتي الأصابع مستقبلا بهما القبلة إلى فروع أذنيه وروي إلى منكبيه ثم يضع يمناه على ظهر يسراه ثم يقول سرا : "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد" كما ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة لما سأله ما يقول في سكوته بين التكبير والقراءة وروي عنه غير هذا من الاستفتاحات لكن ما في الصحيحين أصح ثم يقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه فالأول الجنون والثاني الكبر والثالث الشعر، وكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة ويخفيها تارة ويتركها تواتر كل ذلك عنه ثم يقرأ الفاتحة وكانت قراءته مدا يقف عند كل آية ويمد بها صوته فإذا فرغ من قراءة الفاتحة قال آمين فإن كانت الصلاة جهرية مد بها صوته وقالها من خلفه حتى إن للمسجد للجة[1] وقال صلى الله عليه وسلم إذا أمن الإمام فأمنوا فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه أخرجه الشيخان.

فإذا أمن صلى الله وسلم سكت صح عنه ذلك من حديث سمرة بن جندب وأبي بن كعب وغيرهما وقال العلماء هذه السكتة لأجل قراءة المأموم فعلى هذا ينبغي تطويلها بقدر قراءة الفاتحة ثم يأخذ في سورة وكان يطيلها تارة ويخففها تارة ويتوسط فيها غالبا فإذا فرغ من قراءتها سكت بقدر ما يتراد إليه نفسه ثم رفع يديه كما تقدم وكبر راكعا ووضع كفيه على ركبتيه كالقابض عليهما وجافى يديه عن جنبيه وبسط ظهره ومده واعتدل ولم يرفع رأسه ولم يخفضه بل يجعله حيال ظهره معادلا له ثم يقول سبحان ربي العظيم ثلاث وتارة يقول مع ذلك مقتصرا عليه سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي وكان ركوعه المعتاد مقدار عشر تسبيحات ثم يرفع رأسه ويديه كما تقدم ويقول سمع الله لمن حمده فإذا استوى قائما قال ربنا لك الحمد وربما قال اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ويمكث حتى يقول القائل نسي من إطالته لهذا الركن ثم يكبر ويخر ساجدا ولا يرفع يديه ويضع ركبتيه قبل يديه ثم يضع يديه ثم يضع جبهته وأنفه هذا هو الصحيح ولا يسجد على كور العمامة بل كان سجوده الغالب على الأرض وربما سجد على الماء والطين وعلى الخمرة المتخذة من خوص النخل وعلى الحصير المتخذ منه وعلى الفروة المدبوغة وكان إذا سجد مكن جبهته وأنفه من الأرض وجافى يديه حتى يرى بياض إبطيه ولو شاءت بهمة وهي الشاة الصغيرة أن تمر تحت يديه لمرت.

ويضع يديه حذو منكبيه وأذنيه ويعتدل في سجوده ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة وكان يقول سبحان ربي الأعلى وأمر به وكان يقول أيضا سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي وكان يقول أيضا اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وكان يقول أيضا اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطإي وعمدي وكل ذلك عندي والأدعية الواردة عنه في السجود كثيرة وأمر فيه بالاجتهاد والدعاء وقال إنه قمن[2] أن يستجاب لكم وقال ربيعة بن كعب الأسلمي وقد سأله مرافقته في الجنة أعني على نفسك بكثرة السجود وقال ما من عبد سجد لله سجدة إلا رفع الله له بها درجة وحط عنه بها خطيئة ثم يرفع رأسه مكبرا غير رافع يديه رافعا رأسه قبل يديه ثم يجلس مفترشا يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى ولم يحفظ عنه في هذا الموضع جلسة غير هذه ويضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ويضع حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ويعقد ثلاثا من أصابعه ويحلق بواحدة ويشير بأصبعه السبابة يدعو باللهم اغفر لي وارحمني وأهدني وعافني وارزقني وكان يقول أيضا رب اغفر لي ثلاثا أو أكثر ويطيل هذا الركن حتى يقول القائل قد نسي كما يفعل في القيام بعد الركوع وقد ترك أكثر الناس الطمأنينة في هاذين الركنين فضلا عن السنة فيهما والله الموفق.

ثم يكبر ساجدا ويفعل كما يفعل في سجوده ثم ينهض مكبرا معتمدا على فخذيه ولا يعتمد على الأرض بيديه وقال مالك بن الحويرث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي جالسا أخرجه البخاري وأبو داوود والترمذي والنسائي وهذه الجلسة تسمى عند أهل العلم جلسة الاستراحة واختلفوا فيها هل هي من سنن الصلاة فتستحب لكل مصل أو إنما يفعلها من احتاج إليها فذهب الشافعي في مشهور قوليه وإسحاق إلى سنيتها وإلى ذلك رجع أحمد بن حنبل وذهب كافة فقهاء الأمصار إلى عدم سنيتها وكان صلى الله عليه وسلم إذا نهض افتتح القراءة ولم يسكت كما يسكت عند افتتاح الصلاة لأن الاستفتاح لمجموع الصلاة فيكفي استفتاح واحد لأنه لم يتخلل القراءتين إلا الذكر ثم يصلي الركعة الثانية كالأولى إلا في أربعة أشياء السكوت والاستفتاح وتكبيرة الإحرام وتطويلها فإنه كان لا يستفتح ولا يسكت ولا يكبر للإحرام فيها ويقصرها عن الأولى فإذا جلس للتشهد الأول فعل كما تقدم بين السجدتين سواء ثم يقول ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود قال التفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إذا صلى أحدكم فليقل التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وقال محمد بن يحيى الذهلي هو أصح ما روي في التشهد وقال مسلم إنما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضا وغيره قد اختلف عنه أصحابه .

وقال البزار أصح حديث عندي في التشهد حديث ابن مسعود يروى عنه من نيف وعشرين طريقا ولا نعلم في التشهد أثبت منه ولا أصح إسنادا ولا أثبت رجالا ولا أشد تضافرا بكثرة الأسانيد والطرق وقال الترمذي هو أصح حديث روي في التشهد ثم أسند عن خصيف[3] قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت يا رسول الله إن الناس قد اختلفوا في التشهد فقال عليك بتشهد ابن مسعود هـ. وكان صلى الله عليه وسلم يخفف هذا التشهد ثم ينهض مكبرا رافعا يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما فعل عند افتتاح الصلاة ولا يمكث بالتكبير حتى يستقل قائما كما يفعله متأخرو المالكية ثم يفعل صلى الله عليه وسلم في بقية صلاته كما فعل في أولها فإذا كانت الجلسة التي فيها التسليم قدم رجله اليسرى ونصب اليمنى وقعد على مقعدته ثم تشهد التشهد المذكور ثم قال اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيى والممات اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ثم يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته روى ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر صحابيا سرد صاحب الهدي النبوي أسماءهم .

وكان صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته استغفر الله ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا راد لما قضيت ولا ينفع ذا الجد منك الجد اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ولم يمكث مستقبل القبلة إلا مقدار ما يسلم ثم يسرع الانفتال[4] إلى من خلفه منفتلا عن يمينه تارة وعن يساره أخرى وقال صلى الله عليه وسلم من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد الله ثلاثا وثلاثين وكبر الله ثلاثا وثلاثين وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر وقال من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت انتهى ملخصا من الكتب الستة ومن شرح مسلم للنووي والأذكار له أيضا والإحياء وشرح الزبيدي له صح وزاد المعاد وبلوغ المرام وشرحه ومنتقى الأخبار وشرحه صح، والبداية لابن رشد الحفيدي صح، وكتاب الصلاة لابن القيم وفتح الباري والمواهب وشروحها وغير ذلك.



--------------------------------------------------------------------------------

[1] - اللجة : اختلاط الأصوات , ألج القوم : إذا اختلطت أصواتهم .
[2] - قمن : بفتح القاف وكسر الميم أي جدير وخليق
[3] - قال الترمذي في جامعه : حدثنا أحمد بن محمد بن موسى أخبرنا عبد الله بن المبارك عن معمر عن خصيف قال : الحديث .........
[4] - الإنفتال : الانصراف.

mohamed ismail
19-04-2009, 09:41 PM
عمل اليوم والليلة
جمعها الشيخ سيدي باب بن الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي الكبير
(م: 13 ربيع الأول 1277هـ / 29 سبتمبر 1860م)
(ت: 3 جمادى الثانية 1342هـ - 10 يناير 1924م)
رحم الله السلف وبارك في الخلف

طبع وتحقيق ونشر:
إسحاق ولد موسى



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وسائر الأنبياء والصالحين.
هذا ما جمع الشيخ سيدي باب لما يقال في الصباح والمساء وفي الركوع والسجود وبين السجدتين وفي التشهدين وما يقرأ في بعض النوافل مما صح وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تقول صباحا ومساءا: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" [1] مرة وإن شئت ثلاث مرات، "بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم"[2] ثلاث مرات، "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق[3]" ثلاثا، "اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة اللهم وإني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي"[4] مرة، "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين "[5] , " اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السموات والأرض رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه"[6] مرة،

أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها رب أعوذ بك من الكسل وسو ء الكبر رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر"[7] مرة، "اللهم ما أمسى بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر"[8] مرة، أو" أصبحنا وأصبح الملك لله اللهم إني أسألك خير هذا اليوم وخير ما بعده وأعوذ بك من شره ومن شر ما بعده "[9]وتقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين ثلاث مرات.
وتقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"[10] مائة مرة، "سبحان الله وبحمده"[11] مائة مرة، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله"[12] مائة مرة، "أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلى هو الحي القيوم وأتوب إليه"[13] مائة مرة، "رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور" [14]مائة مرة، "اللهم صل على محمد وسلم" مائة مرة.

وتزيد يوم الجمعة عشرا من الصلاة المذكورة مساء وصباحا وثمانين بعد عصرها من اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آله وسلم، وتقول وقت السحر رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور سبعين مرة وتصلي بعد زوال الشمس قبل صلاة الظهر ركعتين وبعدها ركعتين تقرأ في الأولى منهما بعد الفاتحة قل يا أيها الكافرون وفي الثانية قل هو الله أحد وبعد المغرب ركعتين كذلك وبعد العشاء الشفع والوتر وقبل صلاة الصبح ركعتي الفجر تقرأ فيهما قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد وتقول بعد الوتر "سبحان الملك القدوس"[15] ثلاث مرات وبعد ركعتي الفجر "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمد صلى الله عليه وسلم أعوذ بك من النار"[16] ثلاثا وإن صليت الضحى تقول بعد السلام منهما "اللهم بك أحاول وبك أصاول وبك أقاتل"[17] مرة وإن زدت بعدهما ركعتين بالكافرون والإخلاص ستا أو ثمان وصليت مع الاثنتين قبل الظهر اثنتين ومع الاثنين بعدها اثنتين وصليت قبل العصر ركعتين أو أربعا تقرأ فيهن إذا زلزلت والثلاث بعدها وصليت قبل الشفع والوتر ثمان ركعات الأوليين بآية الكرسي وآمن الرسول إلى آخر السورة والاثنتين بعدهما بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد والاثنتين بعدهما بسورة السجدة وتبارك والاثنتين بعدهما بسورة يس والدخان فهو الكمال.

بسم الله الرحمن الرحيم تقيم للفريضة وتقول في الفريضة والنافلة سرا بعد تكبيرة الإحرام سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك وتقول في الركعة الأولى سرا قبل القراءة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وتقرأ قبل الفاتحة في كل ركعة بسم الله الرحمن الرحيم وتقول بعد ولا الضالين سرا آمين ولو إماما في الجهر وتكبر للركوع في الشروع وكذا غيره ولو في القيام من اثنتين وتقول في الركوع سبحان ربي العظيم ثلاث مرات أو خمسا أو سبعا أو تسعا أو إحدى عشرة ويقتصر الإمام على ثلاث وتقول في الشروع في الرفع من الركوع سمع الله لمن حمده وفي الاعتدال ربنا ولك الحمد ولو كنت إماما ولا يزيد المأموم على ربنا ولك الحمد ويبدأها في الشروع وتقول في السجود سبحان ربي الأعلى ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو تسعا أو إحدى عشر"اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره علانيته وسره"[18]ويقتصر الإمام من ذلك كله على ثلاث من التسبيحات وتقول في الجلوس بين السجدتين "رب اغفر لي"[19] ثلاث مرات وزاد غير الإمام بين السجدتين "اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني"[20] وتقول في جلوس السلام حتى في الصلاة المقصورة التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد" اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات"[21] "اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم"[22] "اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم"[23] ولا تجاوز في الجلوس الأول اللهم صل على محمد وتقول السلام عليكم ورحمة الله مرتين إحداهما على اليمين والأخرى على اليسار وإن بسملت قبل السورة أيضا فحسن.
هـ/.



--------------------------------------------------------------------------------

[1]- الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ,والترمذي في جامعه عن شداد بن أوس (رض) ,وقال الترمذي: حسن غريب , وهذا الدعاء هو سيد الاستغفار, وفي الحديث ( سيد الاستغفار أن يقول :اللهم أنت ربي ...إلخ وفيه (ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة , ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة .)

[2] - أخرجه الترمذي وابن ماجه عن عثمان بن عفان (رض) وقال الترمذي :حسن غريب صحيح ,وفيه (ما من عبد يقول في صباح كل يوم , ومساء كل ليلة :بسم الله الذي ...إلخ فيضره شيء).

[3] - أخرجه مسلم وأبوداوود وابن ماجه والترمذي عن خولة بنت حكيم السلمية (رض) وفي الحديث ( إذا نزل أحدكم منزلا فليقل أعوذ... إلخ.... فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل .).
[4] - أخرجه أبوداوود وابن ماجه , عن ابن عمر (رض) , وفيه ( لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح :.....إلخ ).
5- أخرجه النسائي والبيهقي والحاكم , عن أنس بن مالك (رض) وفيه ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة (رض) :ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت ...الحديث ). وقال الحاكم :حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

[6] - أخرجه أبوداوود والترمذي عن أبي هريرة (رض) وفيه ( قال أبوبكر يا رسول الله مرني بشيء أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت قال :....الحديث ) وفي آخره ( قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك ) , وقال الترمذي :هذا حديث حسن صحيح .
[7] - أخرجه مسلم وأبوداوود والترمذي عن عبد الله بن مسعود (رض) وفيه ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمسى قال : ....الحديث) وقال الترمذي : حسن صحيح .

[8] - أخرجه أبو داوود والطبراني وابن حبان عن عبد الله بن غنام البياضي (رض) , وفيه (من قال حين يصبح : اللهم ما أصبح بي .....الحديث فقد أدى شكر يومه ومن قال مثل ذالك حين يمسي , فقد أدى شكر ليلته .).

[9] - انظر التخريج رقم -7-
[10] - أخرجه الإمام أحمد والترمذي عن أبي أيوب الأنصاري (رض) ,وأخرجه ابن ماجه عن أبي عياش (رض) وفيه ( من قال حين يصبح.... الحديث ,عشر مرات ,كتب الله له بكل واحدة قالها عشر حسنات وحط الله عنه بها عشر سيئات ورفعه الله بها عشر درجات وكن له كعشر رقاب وكن له مسلحة من أول النهار إلى آخره ولم يعمل يومئذ عمل يقهرهن , فإن قال حين يمسي فمثل ذالك ).وزاد ابن ماجه : (وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي وإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذالك حتى يصبح ) , المسلحة : قوم ذوو سلاح يرقبون العدو لئلا يطرقهم على غفلة , وهنا بمعنى الحفظ .
[11] - أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة (رض) , وفيه ( من قال ......في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر )وفي رواية لمسلم ( من قال حين يصبح وحين يمسي ......مائة مرة , لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه).

[12] - أخرجه الإمام أحمد عن أبي ذر الغفاري (رض) وفيه ( كلمات من ذكرهن مائة مرة دبر كل صلاة ....الحديث ثم لو كانت خطاياه مثل زبد البحر لمحتهن ), وأخرجه البخاري ومسلم وأبوداوود بصيغة مختلفة وبدون ذكر:ولاحول ولاقوة إلا بالله , وهو عن سمرة بن جندب (رض) قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أحب الكلام إلى الله أربع :سبحان الله , والحمد لله ,ولا إله إلا الله, والله أكبر, لا يضرك بأيهن بدأتَ.) , وفي رواية لمسلم والترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله (ص): ( لأن أقول .........الحديث أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. ) , وفي روايات أخرى أنهن غراس قيعان الجنة ,وأنهن الباقيات الصالحات ,وفي رواية للترمذي عن أبي هريرة (رض) أن رسول الله (ص) قال:( إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا, قلت يا رسول الله وما رياض الجنة ؟ قال : المساجد , قلت وما الرتع ؟ قال رسول الله (ص):.......الحديث.) .
[13] - أخرجه الترمذي وأبو داوود عن بلال بن يسار بن زيد عن أبيه عن جده مولى النبي (ص) أنه سمع رسول الله (ص) يقول :( من قال :.......الحديث , غفر له وإن كان فر من الزحف .), وفي رواية لأحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري (رض) أن النبي (ص)قال :( من قال حين يأوي إلى فراشه :.......الحديث ثلاث مرات , غفرت له ذنوبه , وإن كانت عدد ورق الشجر, وإن كانت عدد رمل عالج , وإن كانت عدد أيام الدنيا .).وعالج قال في مرآة الزمان :عالج موضع بالشام رمله كثير,وفي النهاية :العالج : ما تراكم من الرمل ودخل بعضه على بعض, وجمعه عوالج .
[14] - أخرجه أبوداوود والترمذي وابن ماجه وأحمد عن ابن عمر (رض) وفيه ( إن كنا لنعُد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة يقول :.......الحديث.).

[15] - أخرجه أبوداوود والنسائي وأحمد عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه (رض) وفيه ( عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد , فإذا سلم قال : .......الحديث ثلاثا , ورفع بها صوته )وفي رواية ( يرفع صوته بالآخرة) وفي رواية ( يطولها ثلاثا).
[16] - أخرجه الطبراني والدارقطني والحاكم والضياء عن مبشر بن أبي المليح بن أسامة عن أبيه عن جده (رض): أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتي الفجر, فسمعه يقول :.........الحديث .), وفي رواية لأبي يعلى الموصلي عن عائشة (رض) قالت :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الركعتين قبل طلوع الفجر ثم يقول:..........الحديث, ثم يخرج إلى صلاته .)
[17] - أخرجه أحمد والطبراني وابن حبان والدارمي عن صهيب (رض) ,وفيه (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحرك شفتيه بشيء في أيام حنين إذ صلى الغداة، فقلنا: يا رسول الله، لا تزال تحرك شفتيك بشيء بعد صلاة الغداة، وكنت لا تفعله، فقال:"إن نبيا كان قبلنا أعجبته كثرة أمته، فقال: لا يروم هؤلاء شيء، فأوحى الله عز وجل إليه: أنْ خيٌِرْ أمتَك بين إحدى ثلاث: إما أن أسلط عليهم الموت، أو العدو، أو الجوع، فعرض عليهم ذلك، فقالوا: أما الجوع فلا طاقة لنا به،ولا طاقة لنا بالعدو، ولكن الموت، فمات منهم في ثلاثة أيام سبعون ألفا، وأنا اليوم أقول: اللهم بك أحاول، وبك أصاول، وبك أقاتل".) ,وأحاول : أي أتحرك وقيل أحتال وقيل أدفع./ وأصاول :أي أسطو وأقهر,من الصولة وهي الوثبة.
[18] - أخرجه مسلم وأبو داوود عن أبي هريرة ( رض) ( أن رسول الله (ص) كان يقول في سجوده :......الحديث)
[19] - أخرجه ابن ماجه عن حذيفة ( رض) :أن النبي (ص) كان يقول بين السجدتين :......الحديث ).
[20] - أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن عباس ( رض) :أن النبي (ص) كان يقول بين السجدتين :.....الحديث ).
[21] - أخرجه مسلم وأبو داوود وابن ماجه وأحمد والنسائي عن أبي هريرة (رض) قال :( قال رسول الله (ص):إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول :.......الحديث ).
[22] - أخرجه البخاري ومسلم وأبو داوود والنسائي عن عائشة (رض) :( أن رسول الله (ص) كان يدعو في الصلاة :.......الحديث ,فقال له قائل : ما أكثر ما تستعيذ من المغرم ؟ فقال : إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف ).
[23] - أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه والنسائي والترمذي عن أبي بكر الصديق (رض) أنه قال لرسول الله (ص): ( علمني دعاء أدعو به في صلاتي , قال : قل :........الحديث

mohamed ismail
20-04-2009, 12:55 AM
الابتهاج بمولد الرسول للشاعر الشيخ سيدي محمد

حينما نصل إلي المديح النبوي والتصوف، عند الشاعر الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيديّ، يصل الابداع الفني والخِـصبُ الروحيُّ إلي غايته.
ولا غرابة في ذلك إذا علمنا ما كان عليه الشاعر من محبة للرسول صلى الله عليه وسلم وكـَـلــَـفٍ بسيرته وأرضه، فقد ذُكر أنه سافر يقصد الحج وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم في حياة أبيه ثم رجع من الساقية الحمراء.
ويراوح الشاعر في مديحه النبوي بين الشوق إلى الحرمين وما حولهما من معاهد ومرابع، شهدت بزوغ الوحي وإطلالة الهدى ومتنزَّل الرسالة وطلعة أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم وبين الاستفاضة في ذكر معجزاته وغزواته ومعالم تشريع رسالته المنيفة ومواقف أصحابه الكرام الشجاعة، استمع إليه يقول: (وافر)


سِوَى أنِّي اسْـتَباحَ حَرِيمَ صَبرِي
وسوف تَفِي العزائمُ والمَْـهَـارَى
فقـــــــد مَـنـَّـيْـنَـنِـي قـَبْـلَ المَـنـَـايَـــا
يُـنـازِعْـنَ الأعِنَّــــــــــةَ سالِـكـاتٍ
تـُــبَـادِرُ بالحَجيـــــج وُرُودَ بَـدْرٍ
قــَـواصِدَ رابـغ تبغي اغـتـسـالا
تَمُرَّ بذي طـَـوًى مُتَـناسِـيَاتٍ
من التـَّـنـْــعِـيـمِ يَدْعُوها كَـدَاءٌ
على بابِ السَّلام مُـسَـلـِّـمَــاتٍ
تـُـنـاخُ لِـحاجَـتَـيْ دُنيَـا وأخْـــرَى
ببيتِ الله مَـلْـمَـسِ كـُــلِّ حَـــاجٍ
حِــمًى إنْ أَمَّـــــــهُ لاجٍ وراجٍ
فمنْ يجهلْ حِــمايتـَـهُ يُـــسائــلْ





هـَوَى الحَرمينِ أشرفِ مَوْطِنينِ
بوعْـدٍ مُـنـْـجَـزٍ مِـنْ وَافِـيَـيْـنِ
مُـرُورَ رَكَـائِـبـِـي بـالدَّهْـنـَـوَيْــنِ
مَمَرَّ الجَـيْـشِ بينَ الـْــعُــدْوَتـَـيْـنِ
ويَحْـدُوهَا الـْـحَـنِـيـنُ إلي حُنَـيْنِ
وإحْـرامًـا لديه وركْــعَـتـَـيْـــنِ
لـفَرْطِ الشوق كـلَّ طَـوًى وأَيْـنِ
إلى البطحاء بَـيْـن الأخـْـشَـبَـيْن
بـتـَـطْـوَافٍ وسَعْـيٍ عاجـِــلـَـــيْـنِ
هناك فـتـنـثـني بالــحاجـتـــيْــن
تعالى اللهُ عنْ كـَـيْــفٍ وأيْـــنِ
يكونا آمِــنــيْـــنِ وغانِـــمَـــيْـــن
أميرَ الجيشِ عنه وذا الـيديــن



وعلى غرار ما درج عليه المنصفون من علماء الأمة من الابتهاج بمولد الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم أعظم نعمة امتنَّ الله بها على الأمة وسوَّغوا ذلك بأدلة عديدة ترجع في جملتها إلى وجوب تعظيمه وإكباره وتـَجـِـلَّـتِهِ،
يقطع الشاعر الشك باليقين ويسلك في ذلك سبيلَ المحبين المتقين فيري أن ليلة المولد النبوي الشريف هي الأصل لجميع هواطل الرحمة التى تدفقت على الأمة بميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعثته، إذ لولاها ما كان وحي ولا كتاب ولا سنة.
استمع إلى الشاعر في مديحيته هذه: (بسيط)


أهلا بصاحب هذا المَوْلدِ النَّبَوي
أهلا بميـــــلاد مولودٍ به كَـمُـلَــــتْ
أهلا بميلاد من لمْ يَحْــكِ مَوْلِدَهُ
أكْـرِمْ بـِـهَا لـَيْـلـَـةً غـَـرَّاءَ مُـسْــفِرَةً
أكْـرِمْ بها ليلةً غـَـرَّاءَ ضَـاحِـيَّــــــةً
أكْــرِمْ بها ليلةً غـَـرَّاءَ مُــــظْــهـِــــرَةً


مُقَابَـلِ الطَّرَفِ الأُمِّــيِّ والأبَـوِي
بُـشْرَى البَـشَائِــرِ للبادي وللقَرَوي
مِنَ الظـُّرُوفِ مَـكَـانِـيٌّ وَلاَ مَلَوِي
عَنْ غُرَّةٍ في مُحَيَّا الضـِّئْضِئِ القُصَوِي
فيها يَـتِـيمَةُ سِـمْـطِ اللُّؤْلـُـؤِ اللُّـؤَوِي
سِرَّ الوُجُودِ الذي فيه الوجودُ حُوِي



إلى أن يقول:

لوْلاَكِ ما أُنْزِلَ الذكْرُ الحكيمُ ولاَ الـ
وَلاَ وَعَـاهُ ابْـنُ مَـسْـعُـودٍ ولاَ أنَــــسٌ
لولاكِ ما جَـمَعَ القـُرْآنَ جامعُــــهُ
ولا رَوَى قــَـارِئٌ صَحَّـتْ قِـرَاءَتُــهُ
لولاكِ ما استـنْبَطَ الأحْكَامَ مُجْـتَهِدٌ
ولا أُقـيـمَتْ مِنَ الإسْـلاَمِ قــَاعِــــدَةٌ
لولاكِ لمْ يَغْلِـبِ الرُّومَ الغِــلاَبَ ولا
لولاكِ ما جَمَعَتْ جَمْعُ الحـجيجَ ولا

ـدِّينُ الـقَوِيمُ وَلاَ ما في الصِّحَاحِ رُوِي
ولا رَوَاهُ أبُـــــــــو دَاوُودَ وَالنـَّـسَـــوِي
ولا دَرَى الخَازِنُ التفسيرَ والبَغَوِي
حَرْفـًا منَ المَـقـْرَإِ الـزَّيْـدِي والأُبَـوِي
ولا اسْـتَبَانَ حَلاَلُ البَـيْـعِ مِنْ رِبَوِي
ولا بَدَا فَضْـلُ سُـنـِّيٍ عـَلى حَـشَـوِي
مُــلـُوكَ سَـاسَـانَ تـَـيْـمِـيٌّ وَلاَ عَدَوِي
أمْـنَوْا لِـرْمْـىِ جـِمَارِ المَوْقِـفِ المِْنـَوِي



وفيها يعبر عن تعلقه الشديد بالجناب النبوي:


يـالَـيْـتَ أنِّي إليه جُـبْـتُ فـِـيـحَ فَـلاً
حـتّى أحُـطَّ لـدَى مَـغـْـنـَاهُ أرْحُـلَــهَــا
ألْـقِي عَـصَا السَّـيْرِ لاَ أنـْوِي الإيَابَ إذا



للْجـِنِّ باللَّـيْـلِ في حَـافـَـاتِـهـِــنَّ دَوِي
فأَسْـتَطِيبَ ثـَـوَاءً حيثُ طـَـابَ ثـُوِي
كان الإيابُ مِنَ الزَّوْرِ الرِّفَاق نـــُوِي




من محاضرة:
مظاهر التطور والتجديد في شعر الشيخ سيدِي محمد بن الشيخ سيديَّ ـ
الندوة الثقافية الأولى للمؤسسة ـ أبو تلميت 2006 .
للشاعر والناقد الأدبي : محمْد الحافظ بن أحمدُو

mohamed ismail
20-04-2009, 01:03 AM
مقتطفات من كتاب "الطي والنشر" للشيخ سيديّ

إن كتاب "الطي والنشر في الرد على المسائل العشر" للشيخ سيديّ بن المختار بن الهيبة، نموذج من نماذج الجهد التوفيقي الجاد بين البعد الشرعي الفقهي والبعد الصوفي العرفاني. فهو إذًا يمثل إسهام الشيخ سيدي ومن سار مساره من الرجال في حل أزمة التوتر والحساسية المفرطة بين فقهاء لا يُـلْقون بالا للمقامات الصوفية وبين متصوفة لا يعبئون إلا بما تفيض به الحدوس الإشراقية من حقائق وذوقيات.
الكتاب جهد في سبيل تحقيق هدف واحد هو توارد الحقيقة الصوفية والأمر الشرعي على مورد واحد. وهذا ما يُدخله في صلب التوفيقات العربية الإسلامية (التوفيق بين العقل عند المتكلمين – التوفيق بين الشريعة والحكمة عند الفلاسفة).
لقد جاء الكتاب ردا على أسئلة الشيخ أحمد ولد المختار ولد ازوين البابي التنواجيوي مريد الشيخ سيدي الذي صدره شعرا، وآزره في ذلك الشيخ سيدي محمد ولد الشيخ سيدي بقصيدة، فكان ذلك استثناء يعكس أهمية أحمد عند شيخه. وتدل الأسئلة المطروحة على أصالةٍ واستطلاع واسعين من السائل على خفايا استشكالات القوم (المتصوفة) وما يطرح لهم من مشاكل نفسية وعملية أثناء رحلتهم في مجاهدة نفوسهم النَّزوعة وما يمرون به عبر الرياضات من محاولات التحرر من ثقافة الجسد وقدرة الأمارات في مسالكهم. وكانت نباهة المريد دافعا لشيخه كي يحلق به عاليا في علوم عصره، سواء كانت مما يندرج في علوم باطن الشرع أو بما يعلن في علوم ظاهر الشرع.
وقد دلت خارطة المضمون الوارد في الكتاب على موسوعية إسلامية عربية لدى الشيخ سيدي وإحاطة تستحق الإعجاب بدقائق المعارف الشرعية والصوفية وما يصاحبها من علوم آلة كالمنطق والنحو وعلم المعاني.
وسنركز على نماذج مما رأيناه طي هذا الكتاب لننشره بإيجاز أمامكم وذلك في شكل ملاحظات واستنتاجات.
الاستنتاج الأول من منظور المتكلم البرهاني: لأن الشيخ سيدي يتبنى منهجا توفيقيا في مؤازرة علم بعلم آخر. فهو عندما طرح له مريده مثلا إشكال "التمكين" عند المشايخ كان عليه أن يتجنب مطبا خطيرا في جانب الاعتقاد، حيث أن "التمكين" عند المتصوفة لا بد أن يستـنقذ من مسألة أقدار الإنسان على فعله عند القدَرية القائلة بأن الله يخلقنا ونحن نخلق أفعالنا. فكيف لا يكون الشيخ خالقا لأفعاله؟ لأنه متى خلقها خرجنا من المذهب السني إلى المذهب القدَري. مسألة محرجة إذا.
لقد أوجد الشيخ سيدي سبيلا دقيقا للخروج بالتصوف من محيط القدرية ولم يكن بإمكانه أن يحقق هذا الهدف إلا بالخروج من الدائرة المفهومية الصوفية إلى الدائرة الكلامية المتمحضة، فجعل فعل الولي من جنس الكسب وقصره على الأشعري. والطرافة هنا تكمن في حل قضية عرفانية بأطروحة برهانية بيانية. ولذلك فإن كتاب "الطي والنشر" يستخدم الأدوات المنهجية في علم الكلام لحل مشاكل عرفانية، لأن التصوف الذوقي لا يسعفه بالبرهنة المنطوقة لسلوكياته، فكان في أغلب كتابه متكلما في برهنته على صحة الحقائق العرفانية. وهذا أمر ملفت للانتباه.
وقد استدرك في هذا الصدد على أشاعرة بارزين من بينهم الجويني إمام الحرمين والباقلاني والفخر الرازي، خاصة في مسألة فعل الإنسان وهم من متأخرة الأشاعرة. يقول الشيخ سيدي في المنحى الأول حول تأثير الأولياء: " لكنه غير مطلَق بل هو مقيَّد بفعل المشيئة والقدرة من الله تعالى بإجرائه وإيقاعه على يدي من يقع على يديه منهم. ومن وقع على يديه ذلك جاز أن يضاف إليه بحسب كسبه مراعاةً لظاهر الشريعة وجب مع ذلك اعتقاد كونه من فعل الله عملا بنفس الحقيقة.
يقول في تمييز أهل السنة عن الجبرية والقدَرية (المعتزلة): "كل مذهب يخالف مذهب أهل السنة فهو باطل ومن ثم كان مذهب الجبرية وهو إنكار القدرة الحادثة باطلا لما فيه من جحد الضرورة وإبطال محل التكليف وأمارة الثواب والعقاب. وكذلك مذهب القدرية، مجوس هذه الأمة، وهو كون العبد يقترح أفعاله على وفق مشيئته بالقدرة التي خلق الله تعالى له."
ويقول في الاستدراك على متأخرة الأشاعرة (إمام الحرمين الجويني والباقلاني والفخر الرازي...): "وما نسب لإمام الحرمين والقاضي والأستاذ رضي الله عنهم من كون القدرة الحادثة تؤثر في وجود الفعل على أقدار قدرها الباري عند الأول ومن كونها تؤثر في الحال عند الآخرين يتعين على من سمعه من المسلمين أن ينزههم عنه لكنهم أئمة الدين المهتدون الهادون. قلت: وإذا قال هذا في مقالة القاضي والأستاذ مع خفتهما بالنسبة إلى ما نقل عن الإمام مما لا يرضى أن يقولها من هو أدنى منه علما ودينا بمراتب كثيرة.. وقد ابتلينا بأقوال باطلة تنسب لأئمة السنة والله تعالى يعلم هل صدرت منهم أم لا "
الاستنتاج الثاني من منظور عالـم الأصول ردا على الفقهاء: وكما استخدم علم الكلام استخدم الأصول لتأسيس رؤيته في وجه الفقهاء يقول: "وأجيب عما ذكر من أن المتعدي كعلم الأحكام أفضل من القاصر كالمعرفة، بأن من قال ذلك جاهل بأحكام الله تعالى، بل يكون القاصر أفضل كالتوحيد والإسلام والدعائم الخمس إلا الزكاة والتسبيح بعد الصلاة لأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قدمه على التصدق بفضول الأموال وهو متعد "
وكان الرد بهذا النص على فقهاءَ كبارٍ أتت حجتهم على النحو التالي: "وقال جماعة من أهل العلم كمالك وابن عيينة وغيرهما إن العلماء أفضل، لأن العلم بالأحكام متعد والمعرفة علم قاصر والمتعدي أفضل من القاصر وعلوم الظاهر إنما يفسق صاحبها وبجانب الاستقامة إذا ضل عن العمل بها"
ثم نراه يستخدم الفقه في تأسيس الكرامة الصوفية على غرار استخدامه لعلم الكلام والأصول.. يقول الشيخ سيدي بعد الرد على الفقهاء من خلال منهج الأصول: "أكبر الكرامة الاستقامة". وهكذا يتفق مع استنتاجات علماء الأحكام في تحديد مفهوم الكرامة ومن فهم للإطلاع على الغيب. ومن الإطلاع بل من أعظمه وأفضله الكشف في المعرفة والفتح في معنى الكتاب والسنة.
الاستنتاج الثالث من منظور المنطقي: سيستخدم الشيخ سيدي المفاهيم المنطقية للاحتجاج برهانيا على خصوم الصوفية بنفس الدواعي التي استخدم بها علم الأصول وفقه الأحكام في تأكيد هدفه. يقول: "وأما ما تفضل الله به على الأولياء من الكرامات والاطلاع على المغيبات إنما هو نتائج الأعمال. والنتائج من حيث هي نتائج هبات من الله تعالى معتبرة بمقدمتها وهي الأعمال، فإن استقامت الأعمال سلمت النتائج وإن حصل فيها خلل كانت النتائج بحسبه، فلا ينظر عند القوم إلا إلى الأعمال التي لزمت المكلف. وعلى هذا فالعالم إذا عمل بعلمه حصلت له على التمام والكمال، فكلما أُثبت للولي من الكرامات والاطلاع على المغيبات يثبت للعالم، فلا فرق بين السلوك بالعلم وغيره من العبادات". وبهذا حل قضية عرفانية بآلية منهجية منطقية.
الاستنتاج الرابع من منظور بياني لغوي: يقول في حل مسألة المصطلح الخاص بالولي: " للولي معنيان أحدهما: فعيل بمعنى مفعول، كقتيل وجريح بمعنى مقتول ومجروح. فعلى هذا هو من يتولى الله سبحانه أمره (وهو يتولى الصالحين) والثاني: فعل مبالغة من الفاعل، فهو يتولى عبادته، فطاعتُه تجري من غير أن يتخللها عصيان" وهكذا.
الاستنتاج الخامس من منظور عرفاني: يقول الـشيخ سـيدي اقتباسا من الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي المختار الكنتي في كتابه "جنة المريد": "إذا اتخذ (الله وليا) علَّمه هو العلم بأحكام الألوهية وآداب التعبد للإله الحق... ما اتخذ الله من ولي جاهل، أي جاهلٍ بعلوم الألوهية والأحوال الخفية والمعارف، لا جاهل بهذه العلوم الظاهرة مما يجب عليه تعلمه، فإنَّ هذا يكون وليا، لأن علم الشرائع لا يدرك إلا بالتعليم الحسي"
الاستنتاج السادس من منظور التوفيق بين الظاهر والباطن: لاشك أن معرفة مجرد الأحكام لا يوجب شيئا من هذه الأحوال والأعمال والأقوال... ولا كذلك صوفية.
الاستنتاج السابع من منظور منهجي: أخذ أقوال العلماء المتصوفة واستقرأها ثم انتهى إلى الرأي الخاص بالمؤلف بالترجيح...
وخلاصة القول أن الشيخ سيدي بن المختار بن الهيبة مثــَّـل إحدى القمم العلمية والعرفانية والسياسية خلال القرن الثالث عشر الهجري (18م).. وكان هو وجيله مثالا للمجتمع لأنهم جعلوا من أنفسهم مَصَبًّا للروافد الأساسية المشكِّلة لقيم المجتمع الموريتاني في زمانهم (المعرفة ظاهرةً وباطنية، الحماية والأمن، البذل والكفالة، التفاهم مع السلطة السياسية لتشكيل مرجعية وفاقية). وكان كتاب الطي النشر أحد الحلول المقدمة في هذا الشأن.

من محاضرة : منهج التأليف التوفيقي عند الشيخ سيديَّ الكبير من خلال كتابه:
"الطَّــــيُّ والنـشـــرْ في الــرد على المـســائل الـعـشــرْ"
ـ الندوة الثقافية الأولى للمؤسسة : أبو تلميت ـ 2006 .
للدكتور محمدُّو ولد احظانا .

mohamed ismail
20-04-2009, 01:08 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيد المرسلين

ديوان
الاستسقاءي

للعلامة الشيخ: سيديا بن المختار
بن الهيبه الأبير
أشرف على الطباعة وتصحيح النص
عبد الله بن التاه بن ألما اليدالي
اعتمدنا في هذه الطبعة على نسخة بخط عبد الله بن باباه بن خاجيل بن أحمد

بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله وسلم على نبيه الكريم
هذا ديوان الولي العارف العالم / الشيخ سيديا بن المختار بن الهيب
في الاستسقاء مرتبا على الحروف الأبجدية:





حرف الهمزة:

يا رب بارك لنا في الرعي والماء

وفي الهواء وفي جميع الاشياء

وامنن علينا من المن العميم بما

ينفي ...... وينفي سائر الداء

وجد بعافية للشر نافية

عن كل ذنبية وكل عجماء

يا رب يا حي يا قيوم يا صمد

يلجا إلى بابه في كل حوجاء

فرج هموم جميع المسلمين وعد

عليهمُ بتتالي كل نعماء

واجنبهم ... والعصيان قاطبة

ووفقنهم لتعظيم وإرضاء

وأوزعنهم شكورا يستراد به

ما ليس من نعم يحصى بإحصاء

ولا تواخذهم منا بما احترموا

وغشهم بعد ضراهم بسراء

ونج ما شاع في الآفاق من وخم

عن القوام من اموال وأرعاء

وأجزل البركات الناميات لنا

في الناس والإبل والبيقور والشاء

والخيل والحمر والأشيا بأجمعها

مما الصلاح به في شأننا جاء


حرف التاء
وله أيضا رضي الله عنه

ألا عم صباحا يا أبا تلميتا

وحز من نجاح ما أردت وشيتا

وساق إليك الله كل فضيلة

وجاد بأرضيك الجدى فحظيتا

وحفت بك الخيرات من كل وجهة

ونادى منادي الفضل نحوك ميتا

ونلت من الرب العظيم عناية

دفوعا تدع الأزم والمرمريتا

ومن رهبوتا فيه خير بما بغى

وأفرط في الطغيان من رحموتا

ولا برحت أرجاك مأوى ذوي التقى

يقيمون فينا قربة وقنوتا

ومخلى به حزب الإرادة يختلي

نجيا ويدعو جاهرا وخفوتا

متى ما أثار الذكر حالا صحيحة

ببعضهم ابدى زفرة ونهيتا

ومنحى لأرباب المآرب تنتحي

إليه عزوهم ناطقا وصموتا

ولا زلت محميا حماك ومرتضى

جوارك بين الخلق .... بخيتا

سقى الله قطرا كنت محشاه حاشيا

شئابيب تروي نجده والخيوتا

وتكسى العواري من زرابي حوكها

صنوفا تضاهت حيكة لا نعوتا

مراحم تنقي البؤس عنا فلا نرى

لسورة بؤس بعدهن ثبوتا

ويسري بها نور التقى واليقين في

نفوس هواها لا يريم حميتا

ويغدو بها مرواعنا بعد روعنا

وروع مريدينا مروعا هبيتا

ويصبح مفقود المعيشة قبلها

من الخلق مرزوقا بها ومقوتا

وتصبح لسن الحال والقال كلها

شواكر من لم يفت قط مقيتا

إلها كريما ماجدا متفضلا

برا بيديه الملك والملكوتا

وكان على العرش المجيد استواؤه

وما ذاك إلا الغي والجبروتا

هو الله رب العرش جل جلاله

هو الأحد الحي الذي لن يموتا

هو الصمد المصمود في كل حاجة

هو الخالق الرزاق علما وقوتا

تبارك ربا ... الامر وحده

معزا مذلا مجيبا ومميتا

تحلى تعالى بالكمال جميعه

ولم يحل من وصف لذاك مفيتا

له الرحمة الميساع والنعمة التي

مراود إحصاها يعد مفوتا

تفضل بالإيجاد والمدد الذي

يناط به مبقى الحياة وقوتا

فمن بلا من وجاد بلا أذى

وعم بجدواه الذرى والتحوتا

وأسبغ بالإيمان أعظم نعمة

علينا فحزنا منه عزا وصيتا

وعذنا به حصنا حصينا ممنعا

وصلنا به في الله عضبا صموتا

لك الحمد والشكر الجزيل إلهنا

فجدك يستدعي الثنا والقنوتا

ونحن وإن كنا الجفاة فإننا



عبيدك لا نرضى سواك مقيتا

وقد جاء عنك الأمر والوعد بالدعا

وجيبته لو من دعاك ختيتا

فنسئلك اللهم عفوا مؤمنا

وعافية تكفي اللآ واللصوتا

ويمنع من كل المكاره سورها

ويغدو بها ركن اليقين ثبيتا

وغيثا مغيثا ممرعا طبقا روى

يغادر شمل اللأي شملا شتيتا

وتغدو بسقياه الأجادب خصبة

وذو الوهن جلدا والهزيل خميتا

عيالك يا ذا الطول عيل اصطباره

ولاقى من اللأواء وجها مقيتا

فآراضه سحت وأعلاق ماله

تكاد من البؤس تكون سحيتا

فآضوا معا إما خريعا معطلا

وإما صريخا مصمتا أو مصيتا

ومن فرض ما نيبوا به رق حالهم

وكاد يساوي المقتنى المستبيتا

فمن عليهم يا كريم تفضلا

ولا تمنعنهم بالجريرة قيتا

فتب واعف واغفر واسترن وعافين

وصل واسف وارحم وارزقن وقوتا

وطهر من الأقدار كل سريرة

وعمر بأنوار العلوم البيوتا

وسر بالمباني فيك أحسن سيرة

وآتي المعاني خير ما هي توتى

بأسمائك الحسنى وأوصافك العلى

وآياتك اللائي قمعن البيوتا

بالاسم الذي ما إن دعاك بحقه

أخو ذرة إلا أجبت وجيتا

وجد بحيا يحيي الأراضي ويقتري

أجاريزها معمورها والمروتا

بمزن حبي مرزم الرعد معذق

هنيء مريء لا يهاب مليتا

ركان تزجيه الجنوب وحثه

جلاجل رعد برقه لن يخوتا

mohamed ismail
20-04-2009, 01:13 AM
ديوان الاستسقاء الجزء الثاني


حرف الحاء

له أيضا رضي الله عنه


يا واسع الرحمات يا فتاح

يا من دعاه لبابه مفتاح


يا بر يا رزاق رزقك شامل

تغدى به الأرواح والأشباح


يا فارج الهم المرب وكاشفا

كرب العبيد إذا دعوه وباحوا


فرج كروب المسلمين جميعهم

وأغث بما لهم به إصلاح


أنت المغيث وأنت ذو الرحم التي

بنزولها شدد الورى تنزاح


فافتح ووسع ما به خنقوا معا

وترادفهم لهم به الأتراح


ألوى اللئا بمعاشهم وبريشهم

وبما لهم بوجوده استرواح


فذه الأراضي وجدها ونجادها

جرز بها تتخافق الأرواح


وذه البهائم صائمات كظما

شرع لديها مسرح ومراح


كادت من العجف المجيف تحول عن

حال الحياة فما لهن براح


وذي البغاة طوائفا سدت بها

طرق الرفاق غدوهم ورواح


ما رفقة تلقاهم إلا غدت

نهبا وفيها مقتل وجراح


وذه السفائن عوقت لما بدا

من حزبهن تصعب وجماح


يا رب يا ألله يا صمد لمن

صمدوا إليه كرامة ونجاح


يا سامع النجوى ومشكي من شكا

ومجيب مضطر دعاه صراح


خلص من .... أمة أحمد

صلوات مرسله عليه تفاح


واجعل لها فرجا ومخرج فسحة

بهما من اقدار الشرور تزاح


وأغث عبادك والبلاد برحمة

تجبى بها الخيرات والأفراح


بركام مزن ودقه طبق روى

متحلب متدفق سحساح


فرعده لجب على حافاته

ولبرقه في جوزه تلماح


تسقى الصوادي من خلاصة صفوه

والسيل منه على البرى منصاح


ينحط كلكله على مثوى أبي

تلميت ثم على الميمامن راح


يكسو العواري من ملابس حوكه

روضا نضيرا زهره فواح


وتعم أقطار الملا بركاته

ودعاته ونباته المنفاح


فترى الرياض لذبها هزج بها

وعلى الغصون لطيرهن صداح


وترى المزارع غبطة يرجى لمن

قاموا بخدمتها غنى ورباح


وتجود أشجار الثمار ونجوما

بأتمى ما يجنى بها ويتاح


ويعاض من سغب الورى شبع ومن

مال الكآبة مطرب ومزاح


ويعاض من صفة الهزيل وحاله

سمن ومن صفة النحيل سماح


ومن الجحود لنعمة الرب العلي

شكرانها ومن الفسوق صلاح


ومن البلايا والمكاره كلها

نيم وعافية وفت وفلاح


يا أرحم الرحما عيالك قد صحا

ما يعتنيه القاحط المحتاج


فصغت إليك قلوبهم وعيونهم

وأكفهم والسؤل والإلحاح


فهم وإن كانوا جفاة لم يروا

ربا سواك لهم به استنجاح


فتدارك اللهم رقة حالهم

وأغثهم بجدى له إلحاح


بسحائب دلح ثقال جفل

مترادفات ثقلهن مراح


تدع الهاد برغشها وبخصبها

رغد النعيم وعيشه رحراح


وبها الوضامة في المواطن تنتفي

وبها يهد حمى الحرام مباح


وبها الديانة تنجلي أنوارها

ويصونها الإمساء والإصباح


وبها يلذ الخلق طاعة ربه

وتحط عنه جرائم وجناح


وبها يمن على المريد بنفحة

من نورها بفؤاده مصباح


وبها لمن حصت قوادم سيرد

عن وصل حاجته يصح جناح


وبها لأرباب التعلم ينجلي

ويهون ما تتضمن الألواح


يا حي يا قيوم يا أحد غني

كل الخلائق عن عطاه مطاح


نحن العيال وإن جنينا غرة

بشمول نائلك الذي يمتاح


فاجبر كسور الحال منا واستجب

دعواتنا إن المجاب مراح


واغفر وتب وارحم وعاف وردنا

برداء أمن منك لا ينصاح


وامنن علينا يا كريم بخير ما

قد ناله من فضلك النصاح


واحفظ بحفظك يا حفيظ جميعنا

ولنا بما وليت به الصلاح


هذا الدعاء فمنك رب إجابة

أنت المجيب الواحد الفتاح


ثم الصلاة على النبي وآله

وصحابه ما تم عنه صلاح


حرف الدال

له أيضا رضي الله عنه


الله ربي لم أشرك به أحدا

ولست اشرك من شيء به أبدا


فهو المقدر ما يجري على قدر

وهو المدبر أمر الكون منفردا


يختص من شا بما شا كيف شاء ولا

تثن الثواني عن المرفود ما رفدا


سبحانه جل ربا مقسطا حكما

برا رؤوفا لطيفا ما جدا صمدا


لا شأن يشغله عن غيره وله

نعمى على الخلق لن يحصوا لها عددا


فكم إليه أكف الفقر قد بسطت

فضم مبسوطها كف الغنى مددا


وكم أغاثت أخا جهد إغاثته

كومض برق فحلت عنه ما جهدا


ومن هناك أهابت باسمه عبد

طغا عليهم حريف القحط واتقدا


يا رب هيئ لنا من أمرنا رشدا

وهب لنا رحمة تستنسخ الشددا


فإن رحمتك الميساع قد شملت

كل الخلائق من لبى ومن شردا


فامنن علينا وإن كنا الجفاة بما

به مننت على عبدانك السعدا


وافتح بمفتاح لطف منك نصحبه

من دون أرزاقنا الأبواب والسددا


وأذن لمزن السما تدني هيادنها

وتستهل بوبل غبه حمدا


غيثا مغيثا ملت القطر منهمها

صوبا هنيئا مريئا ممرعا رغدا


يروي البلاد فيغدو السيل منعكسا

في جوف أجوافها طورا ومطردا


وتكتسي من سداه كل عارية

بعد العرى حللا موشية جددا


ويصبح النعم المجهود في نعم

غرو ويضحي شقي المحل قد سعدا


وله أيضا رضي الله عنه:


ماء المراجع بعد المد قد نفدا

وليس ينفد ما عند الغني أبدا


يا رب إنا لما أنزلت من مطر

وكل خير إلينا عائلون صدا


أنت الإله إلها واحدا أحدا

برا رؤوفا قريبا ماجدا صمدا


أنت الكريم فلا شح ولا بخل

أنت المفاض عطاء والبسيط يدا


أنت الغني ونحن العالة الفقرا

فمنك نستوكف الإحسان والمددا


فامنن علينا بلطف منك يصحبنا

وارحم ضراعتنا بالغيث مطردا


غيثا مغيثا مريعا مغدقا طبقا

صوبا هنيئا مريئا طيبا رغدا


يسقي الصوادي فرتانا مطيبة

سقيا وثيقا يعم الوهد والنجدا


فيمسك الوهد غدرا منه خالصة

من التغير لا رنقا ولا ثمدا


ويكتسي كل مجرود وعارية

من حوكه حللا محبوكة جددا


وتصبح الأرض بعد المحل معشبة

وقد نفى الله عنها البؤس والشددا


ويصبح الخلق في أمن وعافية

وخفض عيش ينسي كل ما فقدا


إليك منا أكف الفقر قد بسطت

فلا تخبها ولا تشمت بها الحسدا


نحن العبيد وإن كنا الجفاة فلا

نرى سواك إلها يرزق العبدا


يا رب هيئ لنا من أمرنا رشدا

واهد الجميع الصراط المستقيم هدى


واجعل لنا فرجا من كل فاقرة

وافتح عن ارزاقنا الأغلاق والسددا


وارحم ضراعتنا واقبل شفاعتنا

واجمع جماعتنا في مجمع السعدا


يا رب يا حي يا قيوم يا صمد

إياه يصمد في اللأواء من جهدا


فرج كروب جميع المسلمين وجد

عليهم وعلى أموالهم بجدا


حيا حبي ملت القطر منهمر

مبارك مغدقا يهمي ومقتصدا


إذ هم عبيدك يا رب العباد فلا

تحرم عبيدك ما مدوا إليك يدا


بجاه رحمتك المهداة سيدنا

محمد خير من ساد الورى وهدى


عليه منك صلاة لا انصرام لها

مع السلام الذي لا ينتهي أمدا


والآل والصحب والأتباع قاطبة

ما سر مستسقيا منها حيا حمدا


وله أيضا رضي الله عنه


يا رب يا حي يا قيوم يا صمد

لا يستطيع الغني عن رزقه أحد


إذ هو رب غني واحد أحد

لم تك صاحبة له ولا ولد


ولا شريك له في ذاته وصفا

ته وأفعاله التي لها مدد


وليس يشغله شأن عن آخر بل

يقضي الجميع على ما كان يعتقد


وهو الكريم الذي عمت مواهبه

كل الخلائق من هدوا ومن جحدوا


أفرج كروب جميع المسلمين وجد

لهم بمنهمر تنفى به الشدد


وينعم الحيوان النضو قاطبة

به وتحمده الأجرار والعبد


غيث مغيث هنيء طيب طبق

مبارك محصب إحصابه رغد


وله أيضا رضي الله عنه


يا مستجيبا دعا الداعي من العبد

وفارج كرب المكروب ذا الصفد


إنا مددنا إليك الله كل يد

وكل عين وقلب رود المدد


قد مسنا الضر من صدى ومن غرث

في الأهل والمال والجيران والعبد


فارحم ضراعتنا واقبل شفاعتنا

بجود سحب ملث القطر مطرد


غيث مغيث روي مبارك طبق

سهل هنيء مريء طيب رغد


سقي البقاع فتبقى الغدر مترعة

سقيا يعم جميع الوهد والنجد


فيكتسي من سداه كل ممحلة

أبهى الملابس من حلاله الجدد


وتصبح الأرض روضا ناضرا عجبا

به يكون انتفاء هذه الشدد


يا رب يا حي يا قيوم يا أحد

عنت له زمر الأعداد والعدد


أغث عبادك يا رب العباد وجد

بما يودون من خصب ومن زيد


أنت الغني ونحن العالة الفقرا

فسد خلتنا من فضلك اللبد


ولتكرمنا بجيبة الدعاء لنا

فضلا سريعا مع التوفيق للرشد


واغفر مآثمنا واستر مثالبنا

واجعل مطالبنا مرضية الصدد


نحن العبيد فلا نرضى سواك لنا

ربا يجير ويرجى دائم الأبد


وليس للعبد من شيء يقربه

إلا استغاثته بالواحد الأحد


ذي الجود والكرم المثبوت نائله

والمجد والرحمات المنعم الصمد


والجد في كل ما يرضيه ممتثلا

أمرا ومجتنبا نهيا على السدد


وراضيا بقضائه ومنحرفا

عن الردايا إلى محمودة الجدد


إن استغثنا بك اللهم فاقض لنا

بالقرب منك وإبعاد من البعد


وبالثبات على نهج الرسول ومن

قفاه من فضلاء السادة العمد


صلى عليه صلاة لا انصرام لها

من خص مهجته بأفضل المدد


والآل والصحب ثم التابعين لهم

على الصراط إلى بعث الورى بغد
الاستسقاء الجزء الثالث


حرف الراء

وله أيضا رضي الله عنه


إن المزارع طرا مسها ضرر

يا من هو الركن للمكروب والوزر


ومن إليه اللجا والمستغاث إذا

ما عيق بالحوب عن عبدانه المطر


ومن إذا مدت الأيدي إليه سعى

إلى الذي مدها من حينه الوطر


ومن بجند تجليه برحمته

للخلق تنهزم الآرام والغير


ومن بحصن مواقيه يقي فتنا

عميا طواغي لا تبقي ولا تذر


ومن بمنته تعطى الأمان على

حين المخاوف في الآفاق تنتشر


أغث عبادك يا رب العباد فقد

كادت مكاسبهم يودي بها الخور


جود مراتعهم وزن مزارعهم

واملأ منافعهم بالغيث ينهمر


غيثا هنيئا مريئا طيبا طبقا

مواقع القحط يستقصي ويقتفر


يكسو العواري مما حاكه حللا

أكمامها حمر أزرارها زهر


تبدي به الأرض من خير ذخائرها

فيكثر الحب والأعشاب والثمر


يبأى به بعدما بؤس ومسغبة

الناس والخيل والأنعام والحمر


يا رب يا حي يا قيوم يا أحد

ذلت لعزته الآحاد والزمر


نفس وفرج هموم المسلمين معا

واجبرهم أن يراعوا ما به أمروا


وامنن علينا بلطف منك يصحبنا

عصرا تطاير من نيرانه الشرر


وحط حمانا ومن لاذوا به وقنا

شر الخلائق من دانوا ومن كفروا


وفل عنا شبا العادين قاطبة

إنسا وجنا فلا يخشى لهم ضرر


وادرأ بسمر الرزايا في نحورهم

حتى يؤوبوا عن المكر الذي مكروا


من في الهواء ومن في الأرض كلهم

الحر والعبد والإناث والذكر


وسط بشدة بطش منك عاشبهم

سوطا يشرد من غابوا ومن حضروا


واطرد جبابرة الجن العتاة فلا

تلفى لهم عندنا عين ولا أثر


وكن لنا من شياطين الورى فقدوا

مولى يقي من يواليه وينتصر


ولا تسلط علينا رب من شبح

يعزى له طوق او يعزى له خور


واكشف صنوف البلا عنا وعن زمر

لبوا دعاك إلى الطاعات وابتدروا


واطو المسافة للسلاك واسقهم

كأس الوصول بما جدوا وما اصطبروا


واعش الضمائر أنوارا معرفة

تؤتى بها الحكم المصفاة والعبر


واجعلهم في الورى شهبا تنير إذا

دياجر الجهل منها أعشي البصر


وله أيضا رضي الله عنه


يا واسع الكرم العميم الجاري

والمالك الصمد الغني الباري


إن العباد صغيرهم وكبيرهم

نظروا إليك بخشع الأبصار


وشكوا بلسن الحال بعد القال ما

رحم القحوط به من الإصرار


فدعوك لما عيل صبر جميعهم

بمقاول الأفواه والأفكار


وإليك قد بسطوا الأكف وأذعنوا

متلفعين بذلة وصغار


فأجب دعاءهم وأشك شكاتهم

بركام مزن صيب مدرار


جود هنيء ممرع رغد روى

طبق يطبق سائر الأقطار


لحدوبه رعد تجلجل خلفه

باللطف حدو محثحث مجهار


سهل المصب مبارك متواصل الـ

ـبركات والرحمات والأبرار


لا شؤم يحجزه وليس يعوقه

ما قد جنيناه من الأوزار


ينفي بيمن معينه وسيوبه

ما دنس الغبرا من الأقذار


ويجلجل الأجراز بعد عروها

بنضير روض طيب الأزهار


وبه ترى الأشجار بعد ذبولها

مخضرة مشحونة بثمار


فرج كروب المسلمين جميعهم

وأغثهمُ بمراجم الأمطار


سحب ثقال حافلات تنتمي

في كل معمور وذا إفقار


فترى الوهاد بها تقيء على الربا

والخلج والغدران كالأنهار


وترى المزارع والمراتع غبها

يبدين زينتهن للنظار


وبها الظهور إلى البطون من البرى

تكسى بحو خمائل أطهار


ويمنها الأرضون تخرج ذخرها

في نجمها والعشب والأشجار


وبها الوخامة في المواطن تنتمي

مصحوبة بمدارج الإقتار


فتعم مرحمة الإله ويستوي

فيها ذوو الإقبال والإكثار


ويعاض بالسمن الهزال من البها

شم والإناس صغارهم وكبار


ويطاع رب العرش جل جلاله

بالشكر في الآصال والإبكار


يا حي يا قيوم يا وتر له

تعنو طلى الأشفاع والأوتار


نحن العيال فلا تؤاخذنا بما

نعتاده في الجهر والإسرار


نحن العبيد وإن جنينا غرة

بشمول رحمة ربنا الغفار


إنا وإن جلت جرائمنا فلا

نرضى بمعبود سواك وبار


فاعطف علينا يا كريم بخير ما

قد نال منك أخو تقاة دار


وبلطفك اصحب يا لطيف جميعنا

وتولنا بالقرب والإيثار




وله أيضا رضي الله عنه


يا رب إنا لما أنزلت من مطر

ينهل من جوف ميم الرحمة البحر


أحلاف فقر غدوا مما ألم بهم

في غاية من مسيس الجهد والضرر


فامنن علينا وإن كنا الجفاة بما

عودت من لطفك الوافي شبا القدر


وارحم إلهي عبيدا وحدوك فلم

يروا سواك لهم في اليسر والعسر


أضحت مواشيهم مما تعاورها

من شدة الظمإ المفتي على خور


كما قد اصبح أهلونا وصبرهم

ألوت به ورضاهم لوعة الذعر


فأنت رب كريم لا يرد يدا

مدت إلى جنده من عالة البشر


فجد بجود هنيء صيب رغد

يطبق الأرض من نجد ومن حفر


وتكتسي من .... كل عارية

منمقا زاهيا من زهره العطر


يا رب يا حي يا قيوم يا صمد

ما شذ عن فعله بالكون من أثر


يسدي بلا طلب يدلي بلا نسب

يسمي بلا حسب يحمي بلا وزر


إياك نرجو لأوطار يضيق بها

سواك فامنن بما نرجوه من وطر


وله أيضا رضي الله عنه


يا رازق الأطيار في الأوكار

ومنعم الديدان في الأحجار


من بعدما انطبقت عليها صخرة

في قعر بحر طافح التيار


ومجيب مضطر دعاه تكففا

بأكف فقر ذي لزوم جار


إنا أولو الفقر الممد لما لنا

أنزلت يا معطي من الأمطار


فأغث عبادك والبلاد برحمة

ممدودة الأطناب والأقطار


جود مريء ممرع متدارك

طبق هنيء صيب مدرار


ينهل ميم الرحمة الوسعى به

ويسيغه باللطف والإبرار


وله أيضا رضي الله عنه


أنت الغني الحميد الدافع الضررا

ونحن يا ربنا عبدانك الفقرا


فانظر إلينا بعين العطف واقض لنا

فيما نحاوله من فضلك الوطرا


وامنن علينا بلطف منك يصحبنا

وأنزلن علينا رحمة مطرا


غيثا هنيئا مريئا طيبا غدقا

مباركا تشكر البرسى له أثرا


به تبيض البرى بالماء مفعمة

إذ يفعم النجد والوهدان والغزرا


فيكتسي وجهها من حوكه لحبا

حصيفة جددا موشية زهرا


ملابسا بصنوف العشب رائقة

يزيد منظرها في الصحة البصرا


يرى بأشجارها والنجم من ثمر

ما ثقله يستميل النجم والشجرا


فيبسط الخير في أمن وعافية

على الورى من بدا منهم ومن حضرا


ويسمن الحيوان كله سمنا

ينفي به الله عن مضروره الضررا


فيشكروا نعما أسدى بها لهمُ

على التفضل من أسدى ومن فطرا


نعمى تعم صنوف الخلق قاطبة

الناس والخيل والأنعام والحمرا


يا رب يا حي يا قيوم يا صمد

إليه يصمد في اللأواء من ذعرا


فرج كروب جميع المسلمين وجد

عليهم بجدى إجزاؤه عزرا


وارحم عبيدك يا رحمن مرحمة

تقيهمُ من حريق الشدة الشررا


مدوا إليك أكف الفقر واصطبروا

وأنت تحسب من قد مد واصطبرا


فاقبل شفاعتهم وارحم ضراعتهم

واكشف مجاعتهم بالغيث منهمرا


واغفر ذنوبهمُ واستر عيوبهمُ

واكشف كروبهم يا من برى وقرا


إذ وحدوك فلم يروا سواك لهم

ربا يزيل الشجا ويمنح البشرا


أنت الكريم الذي عمت مواهبه

وفيض أمداده الآجاد والزمرا


أنت القريب السميع المستجيب لما

دعا وتاب من الآثام واعتذرا


إنا دعوناك فاستجب لنا كرما

وعد علينا بما فيه النجاح يرى


واغفر وتب واعف وارحم وازقن عبدا

شدوا لمرضاتك الأوساط والأزرا


وأقبلوا كلهم يبغون منك حيا

يحيي البلاد ويمحو اللأي والكدرا


بك استغاثوا من القحط المضر بهم

إذ عم ضر طواه المال والبشرا


أضحت مواشيهمُ في المحل جائلة

ولم تجد مقضما رثا ولا خضرا


أودى بأطلائها طول الطوى وكسا

أبدان جلتها التهزيل والخورا


يا حق يا بر يا ألله يا أحد

إليه يفتقر الكبار والصغرا


وعنه لا يتغنى الدهر من أحد

وفي ذه تستوي الأتباع والأمرا


لأنه الملك الحق المبين فلا

يحتاج جل لأعوان ولا وزرا


أغث عبادك يا رب العباد فقد

أشفوا على الحين إن لم تنسخ الضررا


قد وجهوا كلهم في ذل مسكنة

لنيل رحمتك الأبصار والفكرا


فلا تخيب إلهي فيك ما أملوا

وهب لهم كرما تيسير ما عسرا


وارحمهمُ يا رحيم الخلق مرحمة

تؤتيهم الخصب والنعماء والدررا


واصحبهمُ بمعافاة وعافية

تدوم مدتها الأصلان والبكرا


وانظر إلى معشر السلاك واهدهمُ

هداية تنتج الأسرار والعبرا


وافتح لهم في العلوم النافعات معا

وألهمنهم التحميد والشكرا


واجعلهم في دياجي درهم شهبا

تهدي الصراط هداة سادة غررا


بجاه رحمتنا المهداة سيدنا

محمد نخبة الأخيار من مضرا


صلى عليه إله العرش ما اختتمت

به نبوءة حزب الأنبيا بحرا


وآله الغر والصحب الكرام ومن

على صراطهم الأوفى نحا وجرى

mohamed ismail
20-04-2009, 01:21 AM
ديوان الاستسقاء الجزء الرابع

حرف الراء
وله أيضا رضي الله عنه


يا باسط الرزق للخلق الذي فطرا

وكاشف الضر عمن يشتكي الضررا


يا رب يا حي يا قيوم يا صمد

إليه يصمد من أوفى ومن غدرا


أغث عبادك يا رب العباد فقد

كادوا يكونون من فرط الصدى عبرا


عجل عليهم بفضل منك ماطرة

تحيي ممات البرى وتفعم الغررا


ميمونة غدقا لا ضير يصحبها

ولا مخوف يشينها ولا كدرا


فأنت ذو الرحمة الوسعى التي وسعت

كل الخلائق من بر ومن فجرا


أنت الكريم الذي عمت مواهبه

على البرا ساء من طاعوا ومن كفرا


فانظر إلينا بعين اللطف منك وجد

لنا بجود يمين ماؤه غزرا


مع السلامة من كل المخاوف في

عفو وعافية فينا المنى نثرا


ثم الصلاة على خير الورى وعلى

آل وصحب ومن بقفوهم طهرا


إلى سلام وتمجيد وتكرمة

يدمن حقا إلى إحياء من قبرا


وله أيضا رضي الله عنه


ظهرت معالم أرضنا مثل الغرر

يا حبذا نجد تبدت للعصر


أرض تحب نزولنا ونحبها

فيها أبو تلميت ثمت ذو عشر


وبها أحبتنا الذين تنعموا

بجوار رب قد رضي عنهم وبر


جبيت لها الخيرات من رب الورى

وحبا عليها المزن حبوا بالمطر


وأقيم فيها الدين حق إقامة

بأداء مطلوب الإله كما أمر


في ظل عافية وحرز صيانة

من كل مكروه يخاف له ضرر


ووفى لأرباب السلوك مرادهم

ولكل زور ما يرجي من وطر


وله أيضا رضي الله عنه


غفرانك اللهم يا غفار

وجميل سترك أضف يا ستار


وارحم وعاف وتب علينا واكشفن

ما ألبسته قلوبنا الأوزار


وانظر إلينا يا رحيم بعين رحـ

ـمتك التي تمحى بها الأكدار


واذن بصوب سحائب مركومة

تروي البلاد سماؤها مدرار


مطر هنيء ممرع طبق روى

تنزاح عن بركاته الأمطار


بمعينه المسنون تنفعم الأضا

والخلج والأوداء والأنهار


يكسو العواري من ملابس حوكه

حللا موشاة لها أزرار


ويحيل طيب كل أرض روضة

غناء مونقة لها أزهار


فتطيب أنفاس البقاع بنشره

ويروق منه النجم والأشجار


فمن الزلال العذب يشرب من يشا

وعلى الغصون تغرد الأطيار


فهناك يحسن حال كل بهيمة

الخيل والأنعام والأعيار


وله أيضا رضي الله عنه


يا غياث المستغيثين أغث

عبدا مس مواشيهم ضرر


قد فشا في ظهرهم مع فرشهم

كذوات الدر أعلام الحور


أمحلت أرضهم فاستوكفوا

من سما جودك يا رب المطر


فتداركهم إلهي بحيا

حافل الأخلاف منهل الدرر


طبق الأرض هنيء طيب

قد صفا سرا وجهرا من كدر


لا يبقي بعده ميمونه

في البرى من هذه اللأوى أثر


.... منه العوار لحفا

من نضير الروض وشاها الزهر


... نجيبا مقبلا

وبه يدبر عنا كل شر


وبه يسري لذي الفقر الغنى

وبه يقضى لذي الحاج الوطر


ثم أسنى صلوات الله مع

خير تسليم على خير مضر


وعلى آل وصحب ثم من

قد تلاهم في الديانات الغرر







حرف الشين

وله أيضا رضي الله عنه


يا رب هذي العبدا مسهم دهش

إن كان ما حرثوا يودي به العطش


وزادهم دعشا أن السماء إذا

ما حملها قد بدا للعين ينفشش


هم العيال وإن جلت جرائمهم

فلا تواخذهم منا بما فحشوا


فاغفر ذنوبهم واستر عيوبهم

واكشف كروبهم بما به النفش


..... مزارعهم واغمر مراتعهم

بصوب منهمر بهم وينكمش


غيث هنيء مريء ممرع غدق

مبارك لا أذى فيه ولا غشش


يحظى به كل محتاج بلا سبب

ولو كما قد يصيد الضب محترش


... الزرع والمرعى يربهما

إرواه حتى يتم الطيب والعكش



حرف الضاد

وله أيضا رضي الله عنه


يا ذا الجلال وذا الكمال المقتضي

أنى نمد بما نحب ونرتضي


وبما نرجي من رضى ومحبة

وسعادة وزيادة لا تنقضي


وولاية تنفي النحوس سعودها

ويقي مصفاها صدود المعرض


وتنيلنا ونيل فرقة ديننا

إقراضنا لله أحسن مقرض


أنت الكريم وأنت ذو الرحمى التي

وسعت جميع مجمع ومبعض


ولأنت ملجأ كلنا وملاذنا

ولأنت نعم الرب من رب رضي


فانظر إلينا يا كريم ويا رحيـ

ـم بعين ذي رحمى وذي كرم وضي


وأغث عبادك والبلاد برحمة

يكسى الجديب بها ثياب مروض


وتحيل أشجار العبيد مسرة

وطواهم المنضي كجلباب نضي


وتعود ما قد عم من شؤم ومن

وخم بيمن في البلاد معوض


وتقي طواغي فتنة بلي الورى

من شرها بمطول ومعرض


وتمد بالفتح المبين من اعتنى

بتعلم وتأدب وتمحض


وبنشر عافية تعم ونعمة

يبأى الصحيح بها وكل ممرض


يا حي يا قيوم يا ربا إذا

ما شاء تكوينا لمقضي قضي


غجل بغيث ممرع رغد ومن

رحب المساحة في البرى متعرض


يروي بلاد المسلمين جميعها

ويعمها بالمنجع المتمحض


ينهل منه على أبي تلميت ذو

هزم على خصب الجدوب محرض


ويجود بالميمونة السعدى وفي

كل الميامن بالحياء المنهض


فبنجد او ناد المبارك فالكنا

ن إلى معاهد بالكنين الأبيض


جود به تبدي ذخائرها البرى

من نجمها نباتها المستأرض


إذ تمخض الآراض من إلقاحه

فتجيب بالأنجاب وضع تمخض


وبه ترى موشية من زهرها

وثمارها بمصفر ومبيض


ومخمر ومخضر ومحبر

ومهذب ومذهب ومفضض


غيث يسوي من غزارة رزقه

بين الغنى وذي افتقار منفض


وبفضله الفاشي يروق الحال من

ذي مضجع أو مبرك أو مربض


وبه نؤدي من عبادة ربنا

ما كان مفروضا وما لم يفرض


وبه نؤدي شكر نعمة ربنا

بقفو سنة خير داع مفرض


صلى عليه إلهه في آله

وصحابه وتلاتهم فيما ارتضي






حرف الطاء

وله أيضا رضي الله عنه


يا ذا الجلال والاكرام المفاض عطا

والمستغاث إذا ما الأزم قد فرطا


ومن غليه اللجا في كل معضلة

يغدو بها كل من تغشاه منضغطا


ومن صنائعه توتى العصاة ومن

يدعو سواه فكان أمره فرطا


يا رب يا حي يا قيوم يا صمد

بر يغيث الورى من بعد ما قنطا


له التصرف في الأشياء كيف يشا

وليس ما شاءه بالعاد مرتبطا


أغث عبادك يا رب العباد فقد

أشفوا على الحين ما خل واختلطا


أضحت مواشيهم في المحل جائلة

شرقا وغربا فلا يطعمن مسترطا


أغث إلهي عبادا أوجدوك فلا

يرون ربا سواك يرتجى لعطا


ولا لجلب ولا دفع وكلهم

إلى جداك أكف الفقر قد بسطا


ناجوك نجوى بأسرار وأفئدة

ما إن لغيرك فيها يستقر وطا


ولا حظوك بألحاظ البصائر في

ما كان من قدر ينجاب عنه غطا


هم العيال وإن كانوا ذوي زلل

فلا تواخذهم منا بما سخطا


وارحم ضراعتهم واقبل شفاعتهم

واكشف مجاعتهم بالغيث منهبطا


غيثا مغيثا هنيئا رحمة طبقا

يروي الأناجد والوهدان والهبطا


تمري الجنوب عزاليه وترفعه

وتنش النشر من قدامه فرطا


يحدو شآبيبه حذوا ويبعثها

رعد يجلجل في أكنافه لغطا


فتصبح الأرض بعض الصحو رابية

هزا كأن على بطنانها النفطا


ولا يريم ثراه الجعد منعقدا

حتى يبيض به النبات مختلطا


فتكتسي من سداه كل عارية

ملابسا جددا موشية رقطا


ويبسط الرزق من زاهي أزاهره

في الأرض مختلفا ألوانها بسطا


فتستحيل بقاع المحل مرطبة

كما يعاض بعام الخصب ما قحطا


فتستحيل بقاع المحل مرطبة

كما يعاض بعام الخصب ما قحطا


ويصبح النعم المهزول في نعم

ويصبح البائس المجهود مغتبطا


واليمن يلوي بأصناف الوضوم فلا

يبقي على الأرض من أشراطها شرطا


والأرض مشحونة أمنا وعافية

وظل عدل فلا مخشى ولا شططا


والخير في قبل والشر في دبر

والخلج ذات خرير والسما غمطا


والحق متبع والغل منتزع

والشمل مجتمع والفضل قد بسطا


أنت الكريم فلا شح ولا بخل

من لم يسلك العطا لم يامن السخطا


أنت المجيب لمن يدعوك مبتهلا

على يقين وقد مد اليدي لعطا


صيرتنا كرما من أمة وسط

طوبى لنا حيث كنا أمة وسطا


فتب علينا وجد بالعفو منك بنا

وامح المثالب والآثام والسقطا


واحش الضمائر إيمانا ومعرفة

وحرمن حماها من جوار خطا


وامنن علينا بأنفاس مراقية

لم يفت محسوسها بالشرع منضبطا


واطو المساف لأرباب السلوك فلا

يرون دون الوصول المبتغى شحطا


وقدهم للهدى قود الكرام له

واجنبهم الجهل والتخليط والغلطا


وأصلحن جميع المنتمين لنا

الطفل والشيب والشباب والشمطا


واسلك بنا في المساعي مسلكا أمما

نؤتى به العز والتوقير والغبطا


بجاه عبدك خير الخلق سيدهم

من هو أفضل مهدي هدى الصرطا


عليه منك صلاة لا انقضاء لها

ما أحرز الفضل من يقفوه منخرطا


وآله الغر والصحب الكرام ومن

على خطى معشر الدين القويم خطا


حرف الطاء
وله أيضا رضي الله عنه


يا من يغيث الورى من بعد ما قنطوا

ومن به الرحمة الميساع تنبسط


ومن تصرفه يقفو مشيئته

قفوا وليس له بالعاد مرتبط


ومن بطائفة الأقطاب رأفته

تفوق رأفة أم طفلها وبط


ومن إذا إذا الأزمات اشتد مضغطها

في الحين يفرجها عمن بها ضغطوا


يا رب يا بر يا الله يا صمد

إليه في اللأي كل الخلق ينخرط


أغث عبادك يا رب العباد فهم

على شفا جرف من فرطا قحطوا


غدت حلائبهم تشكو الونى وغدا

أطلاؤها جثما إذ عاز مسترط


وأهلها أصبحوا قد عيل صبرهم

واشتد ذعرهم والكل يختبط


فامنن عليهم وإن جلت جرائمهم

بما به عنهم يستدبر السخط


واذن بغيث له ثج كأسفية

ملأى وليس على أفواهها ربط


غيث هنيء مريء طيب طبق

به نبات البرى يزهو ويختلط


يجلل الأرض مما حاكه لجفا

كأنهن على بطنانها بسط


ويلحف النجم والأشجار من ثمر

ما ليس يصرف عن مجناه ملتقط


فتكتسي الأرض من أمن وميمنة

ما ما قد كساها الخامة الشطط


يا ذا الجلال والاكرام المعوذ به

إذا دها الخلق داه أمره فرط


فرج كروب جميع المسلمين وغد

عليهم بحيا ثجاجة غبط


لسحه مقبل في جوه زجل

يبهي وللرعد في أنكافه لغط


وحين يأتي له المهمى تقدمه

من الجنوب وأنفاس الصبا فرط


يروي البلاد ويحييها ويخصبها

لمن هم في البرايا أمة وسط


فيبسط العشب والأرزاق قاطبة

والحب والذرة المغلاء والحنط


كيما يرى الحيوان العجم أجمعه

وأهله الشيب والشباب والشمط


ويحمد الكل ممن شعره سبط

من العباد ومن شعره قطط


لأنهم لم يروا ربا سواك لهم

مع كونهم صالحا بسيئ خلطوا


فتب عليهم وحصنهم بعافية

تنفى بها عنهم الأسواء والشطط


واغفر ذنوبهم واستر عيوبهم

واكشف كروبهم وإن هم فرطوا


وقض حاجة أرباب السلوك معا

وجد عليهم بما راموا وما غبطوا


أصلح ديانتهم واحفظ أمانتهم

واقدر صيانتهم مما به سقطوا


ثم الصلاة على خير الورى وعلى

آل وصحب بهم قد تمت الخطط





حرف العين
وله أيضا رضي الله عنه

يا من يجيب دعاء مضطر دعا

فينيله ما كان يقصد مسرعا


إن العبيد شكوا إليك قحوطهم

ودعوك طرا كي تجيب وتسمعا


مدوا إليك عيونهم وأكفهم

مد المذلة خاضعين وخشعا


فأجب دعاءهم وأشك شكاتهم

وأغثهم بالغيث وبلا مقنعا


تروي بقاع الأرض ثجة ودقه

ما كان منها غامرا أو بلقعا


وبه يرى كل المنافع والأضا

من عذبه الصافي مريئا مترعا


ويطرد الجدب المخيم خصبه

فيئيض مثوى الجدب روعا ممرعا


وتزيل كل وخامة بركاته

وبه الفتوح تجي ثلاث ومربعا


يا حي يا قيوم يا أحد له

عنت الوجوه كرامة وتطوعا


أنت الغني وأنت ذو الكرم الذي

روى الصداء وذا المجاعة ضلعا


وسواك من كل العوالم عالة

يتكففون ندى يديك الموسعا


فافرج كروب المسلمين وعافهم

من كل ما راع القلوب وجزعا


وامنن علينا يا رحيم برحمة

قرنت بعافية وميمنة معا


وأمدنا بفواضل وفضائل

تحمي الحمى يا من أمد فأوسعا


نحن العبيد فلا نرى ربا سوا

ك لنا يقدر أن يضر وينفعا


وامنن بسحب حفل مترادفا

ت هازمات ما أضر وضيعا


وانشر على عبدانك الفقرا بها

رحمى تعم تفضلا وتبرعا


واغفر مآثمنا وزك نفوسنا

واستر مثالبنا وآس ووسعا


سدد مناهجنا وقو رتاجنا

واجعل حوائجنا ترى قبل الدعا


وأدم صلاتك والسلام على النبي

مع آله وصحابه ومن اتبعا


ما تم أمر بالصلاة عليهم

وأطيب مختمه به وتضوعا


حرف القاف

وله أيضا رضي الله عنه


يا أرحم الراحمين ارحم ذوي الفرق

والارتياع والاستعجال والقلق


إذ عيالك لم يرجو سواك وقد

عازتهم للمواشي شدة الرمق


وهم وإن كثرت زلاتهم عبد

قد أحرزوا الربق حين مأكل الربق


مدوا إليك أكف الفقر وابتهلوا

وكلهم مذعن بالقلب والعنق


فارحم ضراعتهم واقبل شفاعتهم

واكشف مجاعتهم فضلا بذي دفق


مبارك مترع رحب المصب روى

صوب هنيء مريء طيب طبق


يطهر الأرض من أقذار شدتها

وتمتلي غدرها من مائه الغدق


باليمن مشتمل بالشؤم معتزل

للشر مختزل للخير معتلق


به جميع العواري تكتسي حللا

موشية من نضير روضه الأنق


ويبدل السمن المودود من عجف

قد سار في سائر الأنواع والفرق


ويشكر الخلق إكرام الإله لهم

بفتح ما عوق الأرزاق من غلق


يا رب يا حي يا قيوم يا صمد

إليه يصمد في اللأواء كل تقي


فرج كروب المسلمين وعد

عليهمُ بحيا يحيي البرى ويقي


واغفر ذنوبهم واستر عيوبهم

واحفظ قلوبهم من سيئ الخلق


يا فالق الحب والنوى وفاتق ما

قد كان في كونه من كل مرتتق


افلق بذور البرى وافتق مراتقها

بماء مزن صريح فالق فتق


فتصبح الأرض في زهو بزينتها

ويبدل السعد من شقاء كل شقي


ويكثر الرزق من شرب ومن طعم

بعيد أن كان من برض ومن علق


وأبد من بركات الأرض منتشرا

جما يعم الورى في كل ما أفق


وألهمنهم شكورا يستزاد به

ما كان من نعم جدت ومن عتق


يا رب هيئ لنا من أمرنا رشدا

وانهج بنا أبدا نهج النجاة وق


وهب لنا من لدنك رحمة وسنا

به نميز بين النور والغسق


واجعل لنا في مقام القرب منزلة

يقصو عن المرتقي إدراكها برقي


واطو المسافة للهلاك واسع بهم

مع الذين سعوا في أقوم الطرق


واحش البواطن أسرارا ومعرفة

واهد الظواهر هدي السادة الصدق


واملأ صدورهم حبا ونجهمُ

من التحاسد والبغضاء والحنق


يا بر يا حق يا الله يا أحد

لا يغتني عن جداه كل مرتزق


ضاق الخناق على عبدانك الضعفا

فاستعطفوك بوصف الفقر والملق


أنت المغيث إذا ما أزمة نزلت

فأزعجت كل ذي غفل وذي حمق


أنت الذي تكشف الكرب الممض إذا

ما اشتد عن كل مكروب ومختنق


فاجعل لنا فرجا من كل فاقرة

ومخرجا واسعا في الخطب إن يضق


واذن لزن السما ترخي هيادبها

بصيب واسع الأرجاء مندفق


يروي البلاد ويحييها ويخصبها

بناضر مونق الأزهار ذي عبق


ينفي الوحوم ويبقي كل ميمنة

تسري لكل الورى في كل مرتزق


يا رب هذا العبدا عيل صبرهم

وصبر ما لهم مما لقوا ولقي


فالقحط أجحف بالأنعام قاطبة

فكاد يودي ببزل النوق والفنق


وعم بالضر ما قد كان منشؤه

أصلا من النطف الأمشاج والعلق


يا رب خذ بنواصينا إليك وقد

نفوسنا للذي ترضى به وسق


واقبل معاذرنا واسدد مفاقرنا

واشدد مآزرنا فيما يقي وبقي


وامنن على أمة الهادي بمنطبق

من المراحم يقفو إثر منطبق


وجد بعافية للشر نافية

بالخير وافية تجري على نسق


ثم الصلاة على خير الورى وعلى

آل وصحب تحلوا حلية الرفق



حرف اللام

وله أيضا رضي الله عنه


إنا عبيدك يا رب العباد فلا

نبغي بك الدهر يا بارئنا بدلا


أما وحقك لا نرضى سواك لنا

ربا يزيل بلاء أو ينيل إلى


ولا نقدر في أذهاننا أبدا

ذا شركة لك لا ضد ولا مثلا


بل أنت رب الورى طرا وخالقهم

وقاسم الرزق بين كلهم أزلا


وأنت حقا إله العدل تفعل ما

تشا بغيرك مما جار أو عدلا


وأنت ذو الرحمة الوسعى ومنزلها

على الخلائق من يدري ومن جهلا


فانظر إلينا بعين العطف منك وجد

منا علينا بما يحقق الأملا


وامنن علينا وإن كنا الحفاة لما

ينفي قحوطا كسا أموالنا فشلا


وسوء حال برى أجسامنا ونفى

ألبانها وأباد النيب والفضلا


وجد بجود مغيث صيب غدق

يحدوه رعد يحث الوبل والسبلا


يسقي الصوادي أمواها مطهرة

فيكتسي ما غرا من حوكها حللا


ويترك الخلج والغدران مفعمة

ويبهج الأرض بالروض النضير حلا


يا بر يا حي يا قيوم يا صمد

إليه يصمد في الحاجات من عقلا


فرج كروب جميع المسلمين وعد

عليهم بجداء يخصب المجلا


وينشر الرحمة الميساع حافلة

بكل خير لمن بدينه احتفلا


وله أيضا رضي الله عنه


يا رب نطفية الأصحاب قد نقلا

ما كان في بطنها فاستدعت السبلا


فأنزلن عليها صيبا غدقا

يعمها ويعم السهل والجبلا


فيرتوي كل صاد من سقايته

ريا حميدا يزيل الضر والغللا


ويغتني كل ذي بير براكده

في الغدر عن مائه كالسالك السبلا


غيثا هنيئا مريئا ممرعا طبقا

يعل من بعد ما قد يحكم النهلا


مباركا رحمة لله واسعة

لا نختشي معه أزما ولا أزلا


ولا فسادا بدين أو بخلته

ولا تطاول من قد جار أو عدلا


ولا مصارمة بين القبيل ولا

حفي عل يري الغش والحللا


ولا شماتة أعداء ولا فزعا

يوم اللقاء ولا خزيا ولا حجلا


بل لا نزال على ما كان عودنا

إلهنا من تعاطينا العلى جملا


أعزة بالعزيز الفرد منسدلا

حفظ الحفيظ علينا من جميع بلا


يا رب يا حي يا قيوم يا صمد

من أمه آملا يفز بما أملا


فرج كروب جميع المسلمين وجد

عليهم بجدا يبقي البقاع ملا


تدافع السيل عنها البعض يدفعه

للبعض والبعض لا يرضى بما فعلا


ثم ترى الأرض بعد الهز منبتة

من كل زوج بهيج يقصر المقلا


فيكتسي من سداه كل عارية

فلابسا جددا موشية حللا


ويثمر النجم والأشجار قاطبة

وتبرز الأرض من ذخر بها جعلا


ويبسط الله في الأقطار نعمته

حتى يكون كأرباب السخا البخلا


ويطعم المطعم المرغوب راغبه

ويمنح السمن المحبوب ما هزلا


الناس طرا وما قد كان من غنم

والخيل والحمر والبيقور والإبلا


فيصبح الخلق في خفض وعافية

يكفى بها السوء والأمراض والعلل


يا حق يا بر يا ألله يا أحد

لا جمع يغنى ولا آحاد عنه علا


أغث عبادك يا رب العباد فهم

في ضيق جهد من القحط الذي شملا


فاغفر ذنوبهم واستر عيوبهم

واسرر قلوبهم بالغيث منهملا


غيثا به تخصب الآراض من جرز

ومن سواها ومن معمورة وفلا


أنت الكريم فلا مجد ولا كرم

على الحقيقة إلا فيك قد كملا


أنت الإله الذي لا شيء يشبهه

ولا شريك له قطعا ولا مثلا


فامنن علينا وإن كنا الجفاة بما

..... مننت على عبدانك الفضلا


أجب دعانا وخفف يا كريم لنا

في كل ما نرتجي من فضلك الأملا


أمرتنا بالدعا وعدتنا عدة

بالاستجابة فليبشر من امتثلا


إليك منا أكف الفقر قد بسطت

والبسط للباسطين حسب من سألا


فأنت أعظم مفضال وأكرم من

مدت إليه أكف السائلين إلى


وأنت أرأفها بالعبد إن ما ائتمروا

من أم طفل به فردا لها نجلا


يا رب هذي المواشي مسها ذرر

ومس أربابها إذ لم يجد أكلا


فأصبح الكل يشكو ضارعا دهشا

بحال او بمقال ما به نزلا


فارحم ضراعتهم واقبل شفاعتهم

واكشف مجاعتهم بالخصب محتفلا


واليمن منفجرا والأمن منتشرا

والخير منتشرا والشر منخزلا


سبحانك الله تعطي ما شاء لمن

تشا وتمنع لا شحا ولا بخلا


بل قسمة سبقت بالعدل في أزل

والسابق الأزلي لا يقبل العللا


فالأمر أمرك لا مستقدما أجلا

عما تريد ولا مستاخرا أجلا


حقا تجيب الدعا لكن جيبته

فيما تشا لا يشا من بالدعا اشتغلا


فالطف بعبدانك المحتوم فقرهم

إليك واهد وتب وأصلح العملا


أوزعهم شكر ما أسديت من نعم

يضيق عن حصرها إحصاء من عقلا


وألهمنهم حب العبادة كي

يصير كل بذكر الله مشتلا


وعد إلهي على حزب الإرادة من

ذي علقة صدقت بالله قد شغلا


وذي احترام ومعني بخدمته

وذي انتساب على ما فيه قد قبلا


بالفتح في العلم والسعي الذي منحت

به طوائف أرباب الولاء ولا


نور بصائرهم وزن سرائرهم

واملأ ضمائرهم بالنور مشتعلا


واجعلهم في الورى أئمة وأفض

على جميعهم آلاءك الجللا


بجاه خير نبي جاء منبعثا

للخير من أمة أرعيتها الرسلا


عليه صل وسلم دائما وعلى

آل وصحب وتال ثم واكتملا


وله أيضا رضي الله عنه


.. غيوثك في أرض المزارع نزل

وأفضل بها يا ذا الغنى والتفضل


وجد بجدا يهمي عليها مبارك

هنيء مريء مستطاب مجلل


ومن ميم رحماك الوسيع أفض على

مواطننا ريا من الودق معتل


فتروى به زروعنا وضروعنا

ويذهب هم العائل المتطفل


حنانيك يا رب العباد فإننا

لما منك نرجوه ذو مفقر جلي


فتب واعف واغفر وارحمن وعافين

ومن برزق من جداك المعسل


إليك مددنا يا كريم أكفنا

وكل مع العصيان كف مؤمل


فلا تعد عنا رزقنا بذنوبنا

فعفوك قد يرفو خروف المخردل


ونحن وإن كنا الجفاة فما لنا

سواءك من رب يرب ومن ولي


وأنت كريم لا مرد لسائل

لديك ومن يمنح دعاك يخول



حرف اللام

وله أيضا رضي الله عنه


إنا عبيدك يا رب العباد فلا

نبغي بك الدهر يا بارئنا بدلا


أما وحقك لا نرضى سواك لنا

ربا يزيل بلاء أو ينيل إلى


ولا نقدر في أذهاننا أبدا

ذا شركة لك لا ضد ولا مثلا


بل أنت رب الورى طرا وخالقهم

وقاسم الرزق بين كلهم أزلا


وأنت حقا إله العدل تفعل ما

تشا بغيرك مما جار أو عدلا


وأنت ذو الرحمة الوسعى ومنزلها

على الخلائق من يدري ومن جهلا


فانظر إلينا بعين العطف منك وجد

منا علينا بما يحقق الأملا


وامنن علينا وإن كنا الحفاة لما

ينفي قحوطا كسا أموالنا فشلا


وسوء حال برى أجسامنا ونفى

ألبانها وأباد النيب والفضلا


وجد بجود مغيث صيب غدق

يحدوه رعد يحث الوبل والسبلا


يسقي الصوادي أمواها مطهرة

فيكتسي ما غرا من حوكها حللا


ويترك الخلج والغدران مفعمة

ويبهج الأرض بالروض النضير حلا


يا بر يا حي يا قيوم يا صمد

إليه يصمد في الحاجات من عقلا


فرج كروب جميع المسلمين وعد

عليهم بجداء يخصب المجلا


وينشر الرحمة الميساع حافلة

بكل خير لمن بدينه احتفلا


وله أيضا رضي الله عنه


يا رب نطفية الأصحاب قد نقلا

ما كان في بطنها فاستدعت السبلا


فأنزلن عليها صيبا غدقا

يعمها ويعم السهل والجبلا


فيرتوي كل صاد من سقايته

ريا حميدا يزيل الضر والغللا


ويغتني كل ذي بير براكده

في الغدر عن مائه كالسالك السبلا


غيثا هنيئا مريئا ممرعا طبقا

يعل من بعد ما قد يحكم النهلا


مباركا رحمة لله واسعة

لا نختشي معه أزما ولا أزلا


ولا فسادا بدين أو بخلته

ولا تطاول من قد جار أو عدلا


ولا مصارمة بين القبيل ولا

حفي عل يري الغش والحللا


ولا شماتة أعداء ولا فزعا

يوم اللقاء ولا خزيا ولا حجلا


بل لا نزال على ما كان عودنا

إلهنا من تعاطينا العلى جملا


أعزة بالعزيز الفرد منسدلا

حفظ الحفيظ علينا من جميع بلا


يا رب يا حي يا قيوم يا صمد

من أمه آملا يفز بما أملا


فرج كروب جميع المسلمين وجد

عليهم بجدا يبقي البقاع ملا


تدافع السيل عنها البعض يدفعه

للبعض والبعض لا يرضى بما فعلا


ثم ترى الأرض بعد الهز منبتة

من كل زوج بهيج يقصر المقلا


فيكتسي من سداه كل عارية

فلابسا جددا موشية حللا


ويثمر النجم والأشجار قاطبة

وتبرز الأرض من ذخر بها جعلا


ويبسط الله في الأقطار نعمته

حتى يكون كأرباب السخا البخلا


ويطعم المطعم المرغوب راغبه

ويمنح السمن المحبوب ما هزلا


الناس طرا وما قد كان من غنم

والخيل والحمر والبيقور والإبلا


فيصبح الخلق في خفض وعافية

يكفى بها السوء والأمراض والعلل


يا حق يا بر يا ألله يا أحد

لا جمع يغنى ولا آحاد عنه علا


أغث عبادك يا رب العباد فهم

في ضيق جهد من القحط الذي شملا


فاغفر ذنوبهم واستر عيوبهم

واسرر قلوبهم بالغيث منهملا


غيثا به تخصب الآراض من جرز

ومن سواها ومن معمورة وفلا


أنت الكريم فلا مجد ولا كرم

على الحقيقة إلا فيك قد كملا


أنت الإله الذي لا شيء يشبهه

ولا شريك له قطعا ولا مثلا


فامنن علينا وإن كنا الجفاة بما

..... مننت على عبدانك الفضلا


أجب دعانا وخفف يا كريم لنا

في كل ما نرتجي من فضلك الأملا


أمرتنا بالدعا وعدتنا عدة

بالاستجابة فليبشر من امتثلا


إليك منا أكف الفقر قد بسطت

والبسط للباسطين حسب من سألا


فأنت أعظم مفضال وأكرم من

مدت إليه أكف السائلين إلى


وأنت أرأفها بالعبد إن ما ائتمروا

من أم طفل به فردا لها نجلا


يا رب هذي المواشي مسها ذرر

ومس أربابها إذ لم يجد أكلا


فأصبح الكل يشكو ضارعا دهشا

بحال او بمقال ما به نزلا


فارحم ضراعتهم واقبل شفاعتهم

واكشف مجاعتهم بالخصب محتفلا


واليمن منفجرا والأمن منتشرا

والخير منتشرا والشر منخزلا


سبحانك الله تعطي ما شاء لمن

تشا وتمنع لا شحا ولا بخلا


بل قسمة سبقت بالعدل في أزل

والسابق الأزلي لا يقبل العللا


فالأمر أمرك لا مستقدما أجلا

عما تريد ولا مستاخرا أجلا


حقا تجيب الدعا لكن جيبته

فيما تشا لا يشا من بالدعا اشتغلا


فالطف بعبدانك المحتوم فقرهم

إليك واهد وتب وأصلح العملا


أوزعهم شكر ما أسديت من نعم

يضيق عن حصرها إحصاء من عقلا


وألهمنهم حب العبادة كي

يصير كل بذكر الله مشتلا


وعد إلهي على حزب الإرادة من

ذي علقة صدقت بالله قد شغلا


وذي احترام ومعني بخدمته

وذي انتساب على ما فيه قد قبلا


بالفتح في العلم والسعي الذي منحت

به طوائف أرباب الولاء ولا


نور بصائرهم وزن سرائرهم

واملأ ضمائرهم بالنور مشتعلا


واجعلهم في الورى أئمة وأفض

على جميعهم آلاءك الجللا


بجاه خير نبي جاء منبعثا

للخير من أمة أرعيتها الرسلا


عليه صل وسلم دائما وعلى

آل وصحب وتال ثم واكتملا


وله أيضا رضي الله عنه


.. غيوثك في أرض المزارع نزل

وأفضل بها يا ذا الغنى والتفضل


وجد بجدا يهمي عليها مبارك

هنيء مريء مستطاب مجلل


ومن ميم رحماك الوسيع أفض على

مواطننا ريا من الودق معتل


فتروى به زروعنا وضروعنا

ويذهب هم العائل المتطفل


حنانيك يا رب العباد فإننا

لما منك نرجوه ذو مفقر جلي


فتب واعف واغفر وارحمن وعافين

ومن برزق من جداك المعسل


إليك مددنا يا كريم أكفنا

وكل مع العصيان كف مؤمل


فلا تعد عنا رزقنا بذنوبنا

فعفوك قد يرفو خروف المخردل


ونحن وإن كنا الجفاة فما لنا

سواءك من رب يرب ومن ولي


وأنت كريم لا مرد لسائل

لديك ومن يمنح دعاك يخول

حرف الميم

وله أيضا رضي الله عنه


الله يا رب يا رحمان يا حكم

يا من حلاه الغنى والمجد والكرم


يا رب يا حي يا قيوم يا صمد

إليه كل الورى في الأزم ينهزم


مدت يدي افتقار نحوك النسم

وراقبوك وركن الصبر منهدم


ولاحظوك بألحاظ الرجاء وإن

فيهم تجانح ذوي بر ومجترم


واستمطروا جودك الجاري بأفئدة

بها عقائد إيمان لها ذمم


واستنزلوا رزقك السامي بألسنة

لها بحقو الدعا في الجهد معتصم


فامنن عليهم على الصفح الجميل كما

يعتاد منك بما راموا وإن ظلموا


دارك بقايا عيال مسهم ضرر

من شدة القحط يا أحنى الألى رحموا


ضاقوا بما كابدوا ذرعا فخطبهم

سيان فيه ذوو الأنعام والنعم


ففاض فضل الكريم وفق همته

وهم بالمكرمات مات النكس والبرم


وقصر البطل عن ذي همة قصرت

وطول الحق من طالت به همم


يا حق يا حي يا حسان يا أحد

في سلك رحماه كل الخلق منتظم


يا ذا الجلال والاكرام العليم بما

بث الغلائق من سر وما كتموا


أغث عبادك قد أشفوا على تلف

ولا تواخذهم منا بما احترموا


فاغفر وتب واعف وارحم والطفن بهم

إذ لا يرون سواك نافعا لهم


نستغفر الله غفار الذنوب إلى

ثوب يكفر ما نجني ونحترم


نستغفر الله من كل المآثم ما

منها جنينا وما منها جنوه هم


يا رب يا رب غفرانا تحط به

عنا الكبائر والأوزار واللمم


يا رب يا رب غفرانا تعم به

شرقا وغربا على عبدانك الرحم


يا رب يا رب غفرانا تحاط به

عند المكارم والأوباء والسقم


يا رب يا رب غفرانا يغاث به

عن الشدائد من هيضوا ومن هضموا


يا رب يا رب غفرانا تزاح به

عن نور إدراكنا الأقدار والظلم


يا رب يا رب غفرانا تفاض به

على ضمائرنا الأسرار والحكم


يا رب يا رب غفرانا ندال به

على جنود الأعادي إن هم دهموا


يا رب يا رب غفرانا يجاب به

لنا الدعاء إذا ما الفضل يغتنم


غفرانك الله غفرانا تساق به

إلى معابدك الأرزاق والقسم


غفرانك الله غفرانا يسد بما

يسدي على مدد اللأوى فتنسجم


غفرانك الله غفرانا يفرج ما

من شدة بلظاه الأرض تحتدم


قد أصبح الناس من حماة في جزع

تكاد من هوله الأعضاء تنفصم


وأصبح المال في أشباحه عجف

مضن تكاد به الأرواح تنخرم


بز المنافع منه ما ألم به

لا حمل فيه ولا در ولا لحم


غوثاه غوثاه يا رب العباد ومن

يلجا إليه إذا ما الهول يقتحم


أنت الكريم الذي حد العفاة إلى

أبواب رحمته الميساع وازدحموا


أنت الغني الذي لم يغن من أرم

عنه ولا يغتني عن فضله أرم


فرج هموم بني الإسلام واسقهم

غيثا يغيثهم مما به أرموا


يا رب بالسادة الأمجاد سلسلة الـ

ـأوراد من هم لبنيان الهدى دعم


وبالفريدين شيخينا اللذين هما

من الفريق المنيف الأنف والشمم


وحرمة الرحمة المهداة سيدنا

محمد من به الأرسال قد ختموا


عليه منك صلاة لا نفاد لها

والآل والصحب والأتباع كلهم


أجب دعانا ووفقنا إلى عمل

تنزاع عنا به الأتراح والغمم


ربي وخذ بنواصينا إلى سنن

تسمو لنا باقتفاه عندك القيم


وهب لنا من لدنك رحمة ورضى

تصفو لنا بهما النعماء والنعم


وكن لنا أبدا لكي يكون لنا

مبدا بما ترتضي منا ومختتم







وله أيضا رضي الله عنه


صير الحر علينا

رب بردا وسلاما


حسبنا أنت إلها

جل قدرا أن يسامى


واسع الفضل رؤوفا

باسط الكف كراما


سامع الدعوة برا

صادق الوعد عظاما


دائم اللطف رفيقا

عم بالرفق الأناما


منك نرجو اللطف والعطـ

ـف ابتداء ودواما


ونرجي منك توفيـ

ـقا وحفظا مستداما


واعتقادات على السنـ

ـنة قد رصت قياما


وصلاة حليت حلـ

ـي قبول وصياما


ومناشير الولا الذكـ

ـر قعودا وقياما


وفتوحات بها تز

دان حالا ومقاما


ورضى ينتجد حبا

وسنا يسني المقاما


وهدى يلوي بغي

وجدا يجدي المراما


واقتفاء للنبي في

كل أمر وائتماما


فعليه الله صلى

صلوات لا تسامى


ومعافاة بها نو

قى البلايا والسقاما


وبها نوقى الدواهي

والمناهي والحراما


وبها نؤتى الشفا من

كل داء قد أقاما


وتقاة وزكاة

ونجاة واعتصاما


وعلاء وغناء

وضياء واحتراما


وبها نوتى من الفضـ

ـل علوقا لن تراما


فتجي الخيرات أرسا

لا فرادا وتؤاما


حرف النون

وله أيضا رضي الله عنه


أيا ربنا اجنب سموم القيظ عبدانا

صاموا الصيام الذي أنزلت قرآنا


من بين ذي دنف وبين ذي ضعف

من طول تخلية الأحشاء أزمانا


وعد على أمة الهادي بفضلك يا

ذا الفضل والكرم المبذول إحسانا


حتى ينال مريد الخصب مأربه

ويحتظي بالكسى من كان عريانا


ويمنح الفتح من كانت مقاصده

علما ونورا وأسراراوعرفانا


وانشر على الكل من ميسور رحمتك الـ

ـوسعى ترافق غفرانا ورضوانا


إليه يصمد في اللأواء من دانا

----------------


أجب دعا فصدق الوعد منك بها

قد جاء في الذكر تحقيقا وتبيانا


وله أيضا رضي الله عنه


يا رب يا الله يا رحمان

يا بر يا حنان يا منان


يا أرحم الرحماء يا صمد إلى

رحماه يصمد في اللأى من دانوا


يا حي يا قيوم يا أحد عنت

لجلاله الأعداد والوحدان


فرج كروب المسلمين وعافهم

من شر ما ترمي به الأزمان


من شدة ووخامة وسفاهة

أفضت إلى فتى لها ألوان


وإلى مسارعة لما في ضمنه

عصيان رب العرش والطغيان


فامنن عليهم يا كريم بما به

تنفى الهموم وتنسخ الأحزان


أنت الرؤوف وأنت ذو النعم التي

تنزاح عن إحصائها الأكوان


وأغثهم بجدا يمين صيب

تحدى بهزم رعوده الأمزان


غيث مغيث طيب طبق روى

تحبى به الأرضون والبلدان


يكسو العواري من ملابس حوكه

لحفا موشاة لها أردان


ويرى بنعمته الهزيل جميعه

الإنس الأنعام الحيوان


وبه يطاع الرب جل جلاله

وبه يدوم الحمد والشكران


يا من له الكرم العميم فشأنه

مع حزبه الألطاف والإحسان


عبدوك قد بسطوا إليك أكفهم

ورنت لفضلك منهم الأعيان


وشكوا إليك قحوط أرضهم وما

عضتهم سنة لها أسنان


عجفت بها العجمي وشوه حالها

وقضت بذاك نحبها الحيران


وتقوس الحيوان كلا فانحنت

منه الظهور وقلت الألبان


فارحم ضراعتهم وأشك شكاتهم

بالوبل تحمد غبه العبدان


تحبو به سحب ثقال حفل

أثقالهن مياهه الفرتان


تبكي إذا رعد الرعود حوالها

وبكاؤها التوكاف والتهتان


وبل يقعم من خلاصة صفوه

أضواتهم والخلج والغدران


وتعم أقطار البرى رحماته

ودعاته وأمانه المصطان


ويعمها الروض النضير فيستوي

في غضه البطنان والظهران


ثم الصلاة على النبي وآله

وصحابه ومن اقتدوا وأعانوا


حرف الياء

وله أيضا رضي الله عنه


يا ربنا يا خالق البريه

يا رازق الخلق بلا تقيه


ارزق إله هذه النطفيه

لما غدت معدتها خليه


برية من قربة سخيه

عن غديقة بدت بحريه


ثم تشاءمت وهي بهيه

تفعمها إفعامة زكيه


تشمل كل بقعة صديه

للمسلمين حيث كانت هيه


دانية في القطر أو قصيه

شرقية في الأرض أو غربيه




حرف الواو

وله أيضا رضي الله عنه


حنانيك رب يا سامع النجوى

ويا مشتكى الشاكي ويا كاشف البلوى


ويا من تعلى جده ووجوده

عن العجز والجدثان والشرك والشروى


ومن وسع الأشياء منا ورحمة

فأحسبها نشئا وأوسعها جدوى


ويا حي يا قيوم يا رازق الورى

ومنعشهم بالخصب من عثر الأوى


عيالك يا رازق ألوى برزقه

ورزق مواشيه من الأزم ما ألوى


فأضحت ذوات الدر والظهر والطلا

بأسوإ حال ما تبض وما تقوى


وأصبح أهلوها وقد ضاجعوا الطوى

وجاورهم جار الكآبة والأقوى


تزعزع ركن الصبر منهم بما لقوا

فمن صامت يرنو ومن رافع شكوى


وأنت عليم يا عليم بحالهم

وما كان سرا في بواطنهم يضوى


فتب واعف وارحم واغفر الذنب وامنن

بفضلك يا ذا الفضل واستجب الدعوى


ودارك عبيدا وحدوك فلم يروا

سواك لهم ربا يلي ويقي الأسوا


إليك أكف الفقر قد بسطوا فما

لهم لجأ إلا إليك ولا مأوى


بغيث مغيث صيب غدق روى

هنيء مريء ممرع طيب الأنوا


يطبق أقطار البلاد بصوبه

من العدوة الدنيا إلى العدوة القصوى


وتهزم جند القحط عن كل بلدة

شآبيب منه شنها غارة شعوا


ويلحف بطنان العوار من البرى

وظهرانها من وشيه لحفا زهوا


ويغدو به زهر الرياض مفتقا

يفوح كما أفشى نسيم الصبا شدوا




انتهت الطباعة بتاريخ: 17/08/2008

mohamed ismail
20-04-2009, 01:26 AM
القصد والتسديد


بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيد المرسلين
كتاب
القصد والتسديد
في حكم اللحن والتجويد
للعلامة الشيخ: سيديا بن المختار
بن الهيبه الأبيري
أشرف على الطباعة وتصحيح النص
عبد الله بن التاه بن ألما اليدالي
اعتمدنا في هذه الطبعة على نسخة بخط عبد الله بن باباه بن خاجيل

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه وسلم
كتاب القصد والتسديد في حكم نازلة اللحن والتجويد
للولي الكامل العلامة الشيخ: سيديا بن المختار بن الهيبه:
الحمد لله الذي اتخذ من أمة نبي الرحمة ذببة يذبون عن كتابه وسنة نبيه شبه المبطلين وتحريف الجاهلين ودعاة يدعون إلى انتهاج السنة بالحكمة والموعظة الحسنة ميسرين لا معسرين، ومبشرين لا منفرين.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيئين وإمام المرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هذا وإنه من عبد ربه الغني به سيدي بن المختار بن الهيب طهر الله منه الجيب وستر العيب وأصلح الشهادة والغيب إلى الأخ الصالح والعلامة الناصح والسيد الراجح أحمد بن محمد بن البخاري أكرمنا الله وإياه بكرامة عبيدة الأبرار، وأوليائه الأخيار، في هذه الدار، وفي تلك الدار التي هي دار القرار بالسلام التام الطيب العام والرحمة والبركة والإكرام.

أما بعد فاعلم أعلمنا الله وإياك الخير ووقانا وإياك الضير أن الذي ظهر لنا وفهمناه من كلام العلماء الأعيان في نازلة التجويد واللحن في القرآن هو أن التجويد فيه مطلوب شرعا، وأن اللحن فيه منهي عنه شرعا، ولا يسع أحدا من المسلمين نفي ذلك إلا من أسدلت على عين بصيرته حجب الجهل أو الغرة والغفلة، واختلال العقل، لكن مطلوبية التجويد أريد به ما يحترز به عن اللحن بقسميه تكون على جهة الوجوب، فيما إذا احترز به عن تغير المعنى أو الإعراب، وتكون على جهة تأكد الندب فيما إذا احترز به عن غير ذلك، والنهي عن اللحن فيه يكون نهي تحريم حيث أدى إلى تغيير المعنى أو الإعراب، ويكون نهي كراهة حيث لم يود إلى ذلك.

وعلى هذا فكل من التجويد واللحن ينقسم إلى قسمين، وأما إن أريد بالتجويد ما يحترز به عن اللحن الخفي فقط فإنما تكون مطلوبيته تأكد الندب وعلى هذا فهو قسم واحد، قال الشيخ زكرياء الأنصاري رحمه الله في الدقائق: والتجويد لغة التحسين واصطلاحا تلاوة القرآن بإعطاء كل حرف حقه من مخرجه وصفته، وقال الإمام السيوطي رحمه الله في إتقانه: وهو إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها ورد الحرف إلى مخرجه وأصله وتلطيف النطق به على كمال هيئته من غير إسراف ولا تعسف ولا إفراط ولا تكلف اهـ.

وقال ابن الجزري في منظومته:

وهو إعطاء الحروف حقها
ورد كل واحد لأصله
مكملا من غير ما تكلف
وليس بينه وبين تركه
من صفة لها ومستحقها
واللفظ في نظيره كمثله
باللطف في النطق بلا تعسف
إلا رياضة امرئ بفكه



ومراتبه كما في الدقائق المحكمة ثلاث ترتيل وتدوير وحدر، والأول أتم ثم الثاني فالترتيل التؤدة وهو مذهب ورش وعاصم وحمزة، والحدر الإسراع وهو مذهب ابن كثير وأبي عمرو وقالون، والتدوير التوسط بينهما وهو مذهب ابن عامر والكسائي، هذا هو الغالب على قراءتهم، وإلا فكل يجيز الثلاثة. اهـ
والحدر بفتح الحاء وإسكان الدال المهملتين كما في الإتقان، وفيه أيضا أن المرتبة الأولى تسمى التحقيق وهو إعطاء كل حرف حقه، وهو أخص من الترتيل إذ كل تحقيق ترتيل وليس كل ترتيل تحقيقا.

وأما اللحن فهو خلل يطرأ على الألفاظ فيخل، إلا أن الجلي منه يخل إخلالا ظاهرا يشترك في معرفته علماء القراءة وغيرهم، وهو الخطأ في الإعراب، والخفي يخل إخلالا يختص بمعرفته علماء القراءة وأئمة الأداء الذين تلقوه من أفواه العلماء وضبطوه من ألفاظ أهل الأداء قاله السيوطي في الإتقان.
وقال الشيخ زكرياء الأنصاري وهو هاهنا يعني اللحن الخطأ والميل عن الصواب وهو جلي وخفي، فالجلي خطأ يعرف للفظ ويخل بالمعنى والعرف كرفع المجرور ونصبه، والخفي خطأ يعرض للفظ ولا يخل بالمعنى بل بالعرف كترك الإخفاء والإقلاب والغنة. انتهى.
والمطلوب من التجويد التحرز به عن اللحن بقسميه مع تدبر اللفظ وتفهم معناه، لكن ما يحترز به منه عن اللحن الجلي فهو واجب لكون اللحن الجلي هو الذي يؤدي إلى تغيير المعنى أو الإعراب ويدخل فيه إخراج الحروف من غير مخارجها، كجعل الضاد ظاء، والثاء المثلثة تاء مثناة فوق ونحو ذلك، وما يحترز به منه عن اللحن الخفي فهو متأكد الندب لكون اللحن الخفي إنما يؤدي إلى خلل في هيئة اللفظ التي يتحقق بدونها دون تغيير المعنى والإعراب الذي يخرج اللفظ عن كونه قرآنا فلأجل ذلك كان اللحن الجلي محرما والخفي شديد الكراهة وما يحترز به عن الأول واجبا وما يحترز به عن الثاني متأكد الندب، ولا ينافي كراهة اللحن الخفي إطلاق اسم اللحن عليه لأنه خطأ في اللفظ وكل خطإ في اللفظ يطلق عليه اسم اللحن عندهم سواء كان محرما أو مكروها فلفظ اللحن مشترك بين المحرم منه والمكروه، كما أن لفظ المنهي عنه مشترك بين ما يحرم وما يكره.

ومن كلام العلماء الذي يدل على كراهة ما لا يؤدي إلى تغيير المعنى والإعراب من اللحن وهو الخفي وتحريم ما يؤدي إلى ذلك وهو الجلي ما في شرح الجامع الصغير للعلقمي في الكلام على حديث اقرؤوا القرآن وابتغوا به الله تعالى من قبل أن يأتي قوم يقيمونه مقامة القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه فهذه رواية الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله، ورواه أبو داود عنه بلفظ: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقرأ القرآن وفينا الأعرابي والعجمي، فقال: "اقرؤوا فكل حسن وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه، ونصه: ولا بد من مراعاة إخراج الحروف من مخارجها غير أنها تختلف بالفصيح والأفصح، ألا ترى إلى عربان البوادي فبعضهم ينطق بالحرف صافيا وبعضهم يفخمه وبعضهم بين بين ، كما أن بعضهم يعقد القاف وبعضهم لا، فلعل هذا هو المراد باختلاف ألسنتهم، يعني في قول ابن رسلان: اقرؤوا القرآن على الكيفية التي يسهل على ألسنتكم النطق بها مع اختلاف ألسنتكم. اهـ
أو لحن لا يغير المعنى فهو جائز مع الكراهة، أما اللاحن المغير للمعنى فليس له أن يقرأ غير الفاتحة كما قاله إمام الحرمين لأنه يتكلم بما ليس بقرآن بلا ضرورة وقواه السبكي، وقولنا غير الفاتحة أي في الصلاة انتهى كلام العلقمي في شرحه للجامع الصغير وقبل وقوفي على هذا الكلام في شرح العلقمي هذا وقفت عليه معزوا له في الذهب الإبريز وشرح خاتمة التصوف للعلامة محمد بن سعيد اليدالي رحمه الله تعالى. لكن سقط منه فيما وقفت عليه من نسخ كتابيه المذكورين بعد قوله بالفصيح لفظ والأفصح ألا ترى إلى عربان البوادي فبعضهم ينطق بالحرف صافيا وبعضهم يفخمه. اهـ ولعله خرج على الناسخ من النسختين اللتين وقفت عليهما.
ومن كلامهم الذي يدل على ذلك أيضا ما قاله الشيخ زكرياء الأنصاري في موضعين من شرحه لمقدمة ابن الجزري

رحمه الله أولهما عند قول ابن الجزري:

إذ واجب عليهم محتم
مخارج الحروف والصفات
محرري التجويد والمواقف
قبل الشروع أولا أن يعلموا
ليلفظوا بأفصح اللغات
وما الذي رسم في المصاحف



حيث قال عند قول الناظم: إذ واجب، أي صناعة بمعنى لا بد منه مطلقا، وبمعنى ما يؤثم تركه إذا أوهم خلل المعنى أو اقتضى تغيير الإعراب. اهـ
فجعل تعلم مخارج الحروف والصفات وما ذكر بعدهما واجبا على القراء من جهة الصناعة مطلقا، ومن جهة الشرع إذا كان تركه يوهم خللا في المعنى أو يقتضي تغييرا في الإعراب فيفهم منه أنه لا يجب شرعا حيث كان تركه لا يوهم خللا ولا يقتضي تغييرا فتأمل والله تعالى أعلم.

وثانيهما عند قول الناظم:

والأخذ بالتجويد حتم لازم
من لم يجود القرآن آثم



حيث فسر من لم يجود القرآن آثم بقوله: من لم يجود القرآن بأن يقرأه قراءة تخل بالمعنى أو بالإعراب فهو آثم اهـ فجعل ترك التجويد الذي يأثم به مرتكبه مصورا بهذه الصورة وهي أن يقرأ القرآن قراءة تخل بالمعنى أو بالإعراب فيفهم منه أن من قرأه قراءة ليست كذلك لا يأثم، ويشمل ذلك ما إذا لم تخل قراءته بشيء أصلا، وأما إذا أخلت بهيئة من هيئات اللفظ التي يتحقق بدونها فالأول لا شيء فيه والثاني إنما فيه الكراهة الشديدة الناشئة عن ترك الندب الموكد فيما يظهر والله تعالى أعلم.

ومن كلامهم الذي يدل على استحباب التجويد بالمعنى الخاص المحترز به عن اللحن الخفي قول الشوشاوي: وأما صفة الصوت الذي ينبغي أن يقرأ به القرآن فهو الصوت الحسن والقراءة المجودة التي فيها إعطاء الحروف حقوقها من مخارجها وأحكامها، فقولنا: الصوت الحسن لأن الصوت الحسن أمر محمود شرعا قال تعالى: {يزيد في الخلق ما يشاء} وهو الصوت الحسن، وقال عليه السلام: "لكل شيء حلية وحلية القرآن حسن الصوت" انتهى، فعطفه للقراءة المجودة التي فيها إعطاء الحروف حقوقها بالواو على الصوت الحسن يقتضي مساواتهما في الحكم، والحكم في الصوت الحسن تأكد الندب كما نص عليه غير واحد من العلماء، قال شهاب الدين ابن حجر الهيثمي رحمه الله في شرح الشمائل في الكلام على حديث ترجيع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في قراءته ما لفظه والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك قصدا وكان حكمته أن الترجيع ينشأ غالبا عن أريحية تحدث عند النفس سرورا وانبساطا، ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم قد حصل له من ذلك يوم الفتح حظ وافر فكان سببا لترجيعه ويؤيد ذلك أنه من تحسين الصوت بالقرءان وهو متأكد الندب لأمره صلى الله عليه وسلم به. انتهى المراد منه.

وقال القاضي عياض رحمه الله في إكمال المعلم في الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم في أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: "لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود ما نصه: "لا خلاف في أن حسن الصوت بالقراءة مستحسن والترتيل فيهما وتحسين القراءة مشروع مندوب إليه. انتهى المراد منه.
وفي القسطلاني عند قول البخاري: باب حسن الصوت بالقراءة في كتاب التفسير ما نصه: ولا ريب أنه يستحب تحسين الصوت بالقراءة وحكى النووي الإجماع عليه لكونه أوقع في القلب وأشد تأثيرا وأرق لسماعه فإن لم يكن القارئ حسن الصوت فليحسنه ما استطاع، ومن جملة تحسينه أن يراعي قوانين النغم، فإن حسن الصوت يزداد حسنا بذلك، وهذا إذا لم يخرج التجويد المعتبر عند أهل القراءات فإن خرج عنه لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء انتهى المراد منه.
فكلام هؤلاء العلماء الثلاثة ابن حجر والقاضي عياض والقسطلاني صريح في استحباب تحسين الصوت بالقراءة مع زيادة استحباب الترتيل وتحسين القراءة في كلام عياض، فإذا ثبت استحباب تحسين الصوت ثبت استحباب ما عطف عليه بالواو في كلام الشوشاوي وهو القراءة المجودة التي فيها إعطاء الحروف حقوقها، ولا ينافي ذلك قوله بعده: وقد بالغ التونسي في هذا المعنى حتى قال: إن العالم الذي لا يعرف المفخم والمرقق والمظهر والمدغم والمسهل وغير ذلك من أحكام القراءة فلا حذقة له. اهـ
لأن المبالغة جعل الشيء فوق ما هو عليه ووصفه بأزيد من صفته، فلا يحكم له بمدلولها حقيقة ولو لم يبالغ التونسي رحمه الله في ذلك لما قال هذا الذي قال، مع أن جهل جميع هذه الأحكام التي ذكرها قل أن يتفق في أحد من المسلمين ممن له ممازجة بالقرآن ولله الحمد، ويدل على ذلك أيضا ما في الإحياء من عد تحسين القراءة وما في الشوشاوي من عد التجويد في آداب القراءة المستحبة كالطهارة والتعوذ ونحوهما.
ففي الإحياء بعد عده لتسعة من تلك الآداب ما نصه:

العاشر: تحسين القراءة وتزيينها بترديد الصوت من غير تمطيط مفرط يغير النظم، فذلك سنته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "زينوا القرآن بأصواتكم" وقال عليه السلام: "ما أذن الله لشيء أذنه لحسن الصوت بالقرآن". وقال عليه السلام: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" فقيل: أراد به الاستغناء وقيل: أراد به الترنم وترديد الألحان وهو أقرب عند أهل اللغة. انتهى المراد منه.
وفي الشوشاوي بعد عده لثمانية عشر من الآداب المذكورة ما لفظه:
التاسع عشر أن يحسن لفظه بإعطاء كل حرف حقه من المد والقصر والإظهار والادغام والترقيق والتحقيق والتسهيل وغير ذلك من أحكام القراءة قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "اقرؤوا القرآن وأعربوه قبل أن يأتي أقوام يلوكونه بألسنتهم لوك البقر".
وفيه أيضا قبل هذا ما لفظه: وأما بماذا ثبتت القراءة هل بالتواتر أو بالآحاد فاعلم أنها إنما ثبتت بالتواتر في الحروف والحركات دون أحكام التلاوة من المد والقصر والتفخيم والترقيق والتحقيق والتسهيل والإظهار والادغام والفتح والإمالة وغير ذلك من أحكام القراءة، وإلى هذا أشار ابن الحاجب في الأصول بقوله: مسئلة القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة ونحوه لأنه لو لم تكن لكان بعض القرآن غير متواتر كملك ومالك ونحوهما وتخصيص أحدهما بحكم باطل لاستوائهما. انتهى بجواهر حروفه.

لكن كلام ابن الحاجب الذي استدل به على عدم التواتر فيما كان من قبيل الأداء ذكره السبكي بصيغة التضعيف حيث قال في جمع الجوامع والسبع متواترة قيل فيما ليس من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة، قال أبو شامة، والألفاظ المختلف فيها بين القراء. اهـ
فحكاه بلفظ قيل وهي صيغة تضعيف عند العلماء. قال شارحه المحلي في شرحه لهذا المحل ممزوجا شرحه بالنص: والقراءات السبع المعروفة للقراءة السبعة أبي عمرو ونافع وابن كثير وعامر وعاصم وحمزة والكسائي متواترة عن النبي صلى الله عليه وسم إلينا أي نقلها عنه جمع يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب لمثلهم وهلم جرا قيل: يعني: قال ابن الحاجب فيما ليس من قبيل الأداء أي فما هو من قبيله بأن كان هيئة للفظ يتحقق بدونها فليس بمتواتر وذلك كالمد الذي زيد فيه متصلا ومنفصلا على أصله حتى بلغ قدر ألفين في نحو جاء وما أنزل وواوين في نحو السوء وقالوا أنومن وياءين في نحو: جيء وفي أنفسكم أو أقل من ذلك بنصف أو أكثر منه بنصف أو واحد أو اثنين طرق للقراء والإمالة التي هي خلاف الأصل من الفتح محضة أو بين بين بأن ينحي بالفتحة فيما يمال كالغار نحو الكسرة على وجه القرب منها أو من الفتحة، وتخفيف الهمزة الذي هو خلاف الأصل من التحقيق نقلا، نحو: {قد افلح} وإبدالا نحو: {تومنون} وتسهيلا نحو: {أينكم} وإسقاطا نحو: {جا أجلهم} أبو شامة،

والألفاظ المختلف فيها بين القراء أي كما قال المصنف في أداء الكلمة يعني غير ما تقدم كألفاظهم فيما فيه حرف مشدد نحو: إياك نعبد بزيادة على أقل التشديد من مبالغة أو توسط وغير ابن الحاجب وأبي شامة لم يتعرضوا لما قالاه، والمصنف وافق على عدم تواتر الأول وتردد في تواتر الثاني، وجزم بتواتر الثالث بأنواعه السابقة وقال في الرابع إنه متواتر فيما يظهر ومقصوده مما نقله عن أبي شامة المتناول بظاهره لما قبله، مع زيادة تلك الزيادة التي مثلها بما تقدم على أن أبا شامة لم يرد جميع الألفاظ إذ قال في كتابه: "المرشد الوجيز" ما شاع على ألسنة جماعة من متأخري المقرئين وغيرهم من أن القراءات السبع متواترة نقول به فيما اتفقت الطرق على نقله عن القراء السبعة دون ما اختلفت فيه بمعنى أنه بقيت نسبته إليهم في بعض الطرق، وذلك موجود في كتب القراءات. لا سيما كتب المغاربة والمشارقة، فبينهما تباين في مواضع كثيرة.

والحاصل أنا لا نلتزم التواتر في جميع الألفاظ المختلف فيها بين القراء أي بل منها المتواتر وهو ما اتفقت الطرق على نقله عنهم وغير المتواتر وهو ما اختلفت فيه بالمعنى السابق، وهذا بظاهره يتناول ما ليس من قبيل الأداء وما هو من قبيله، وإن حمله المصنف على ما هو من قبله كما تقدم. انتهى كلام المحلي رحمه الله في شرحه لجمع الجوامع، وفي حاشية الشيخ زكرياء الأنصاري عليه ما لفظه: قوله: قال أبو شامة والألفاظ المختلف فيها أي في أدائها قوله كما قال المصنف أي منع الموانع قوله: وغير ابن الحاجب وأبي شامة لم يتعرضوا لما قالاه كأنه نبه به على أن قولهما ضعيف لا سلف لهما فيه، وأن المعتمد تواتر ذلك، وقد قال عمدة القراء والمحدثين: الشمس ابن الجزري: لا نعلم أحدا تقدم ابن الحاجب في ذلك، قال: وقد نص أئمة الأصول على تواتر ذلك. انتهى
لكن المصنف كما قال الشارح وافق على عدم تواتر الأول وهو المد وتردد في تواتر الثاني وهو الإمالة، وجزم بتواتر الثالث وهو تخفيف الهمزة بأنواعه المذكورة، وقال في الرابع وهو غير ذلك مما هو من قبيل الأداء أيضا كالمشدد بمبالغة أو توسط أنه متواتر فيما يظهر.
هذا والأوجه أن يقال ما قاله ابن الحاجب وأبو شامة مقيد لإطلاق غيرهما بحمل كلام ابن الحاجب على ما نقل الشارح بعد عن أبي شامة في مرشده قوله: ومقصوده مبتدأ خبره تلك الزيادة أي مقصوده مما نقله عن أبي شامة المتناول بظاهره لما قبله من المد والإمالة وتخفيف الهمزة مع زيادة على ذلك وهي التلفظ بالتشديد بمبالغة أو توسط تلك الزيادة التي مثلها في منع الموانع بالتلفظ بذلك كما قرره الشارح.
قوله بالمعنى السابق أي بمعنى أنه يفيت نسبته إلى القراء السبعة في بعض طرقهم انتهى كلام الشيخ زكرياء الأنصاري رحمه الله في حاشيته على المحلي وفي شرح حلولو لجمع الجوامع في هذا المحل ما نصه: ذكر ولي الدين أن قراءة السبع متواترة بإجماع من يعتد به قال: بشرط صحة إسنادها إلى أولئك القراء والالتفات إلى قول بعض المتأخرين هي متواترة عن السبعة لكن أسانيدهم بها آحاد لأنا نقول بل هي متواترة واقتصارهم على بعض طرقهم لا يدل على أنهم لا طريق لهم سواها وكذلك لا يقال أيضا أن كونهم سبعة عدد لا يفيد العلم، لأنا نقول لا يلزم من كون اشتهار ذلك الشيء عنهم عدم نقل غيرهم من أهل عصرهم لذلك بل ذلك بمنزلة ما يقع في كل عصر من كثرة القراء العارفين بالقراءات ووجوه الأداء وقلة المنتصبين منهم لذلك، واختار الأبياري أن المتواتر ما اشتمل عليه المصحف في ذلك وذهب بعضهم على أن ما كان من قبيل الأداء فليس بمتواتر وعزاه ولي الدين لابن الحاجب قال: وضعفه المصنف ومال إلى التواتر أيضا،

قال: وإنما الآحاد في كيفيته فاختيار القراء مختلف في تقدير المد فقدر حمزة وورش المد بقدر ست ألفات، وقي: خمس، وقيل: أربع، وصحح، وعن عاصم ثلاث، وعن الكسائي ألفين ونصف، وعن قالون ألفين، وعن السوسي ألف ونصف، وكذلك الإمالة اختلفوا في كيفيتها مبالغة وتصورا وكذلك كيفية تخفيف الهمزة فهذا هو الذي لا تواتر فيه، وأما أصل المد والإمالة وتخفيف الهمزة فمتواتر، وذهب أبو شامة إلى أن الألفاظ المختلف فيها بين القراء ليست بمتواترة أيضا قال: ولي الدين وحمله المصنف على أن المراد تنوع القراء في أدائها فإن منهم من يبالغ في تشديد الحرف المشدد فكأنه زاد حرفا، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يرى الحالة الوسطى ولذلك قال: وألفاظ القراء ولم يقل القراءات وتوقف المصنف في ذلك ثم قال: والظاهر تواترها فإن اختلافهم ليس إلا في اختيار ولا يمنع قوم قوما ونقل المحلي كلام أبي شامة، وقال: ظاهره متناول ما ليس من قبيل الأداء، وما هو من قبيله.

تنبيهان الأول: قال المقرئ: لا ترجيح لبعض المتواتر على بعض في الثبوت بخلاف اختيار الأداء، قال مالك: قراءة نافع هي السنة.
الثاني: قال الأبياري اختلف الناس هل هذه القراءات السبع هي الأحرف التي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف». أو هذه القراءات هي حرف واحد، والأحرف الستة درست.
قال: وهذا هو الصحيح عند أهل العلم. انتهى كلام حلولو رحمه الله. وفي شرح خالد الأزهري لجمع الجوامع المسمى بالثمار اليوانع في هذا المحل ممزوجا شرحه بالنص ما لفظه: والقراءات السبع قراءة ابي عمرو ونافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي متواترة من النبي صلى الله عليه وسلم إلينا كما نقله بعض الحنفية عن أهل السنة، ولا يضر كون أسانيد القرآن آحادا، لأن تخصيصها بجماعة لا يمنع مجيء القرآن عن غيرهم، ونقل عن المعتزلة أن السبع آحاد قال أبو شامة: والمتواتر كل قراءة ساعدها خط المصحفة مع صحة النقل فيها ومجيئها على الفصيح من لغة العرب، فمتى اختلف أحد هذه الأركان الثلاثة أطلق على تلك القراءة أنها شاذة، كما أشار إلى ذلك جمع من أئمتها المتقدمين. انتهى.
قيل: أي قال ابن الحاجب: السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء أي التأدية، فالذي من قبيل الأداء لكونه فئة للفظ يتحقق بدونها فليس متواترا كالاختلاف في مقدار المد الزائد على أصله هل يقتصر فيه على مقدار ألف ونصف كما قدر به مد السوسي أو يبلغ قدر ألفين كما قدر به مد قالون، أو ألفين ونصف كما قدر به مند الكسائي، أو ثلاث ألفات كما قدر به مد عاصم، أو أربع كما قدر به مد حمزة وورش، وفي كيفية الإمالة من كونها محضة وهي أن ينحي بالألف إلى الياء وبالفتحة إلى الكسرة وبين بين وهي كذلك لأنها تكون إلى الفتحة والألف أقرب، وفي كيفية تخفيف الهمزة بالنقل نحو: {قد افلح} والإبدال نحو: {يومنون} أو التسهيل نحو: {أئنكم} أو الإسقاط نحو: {جا أجلهم} وإيراد المصنف كلام ابن الحاجب بصيغة قيل مشعر بعدم موافقته لكنه في غير هذا الكتاب وافق على عدم تواتر المد وتردد في تواتر الإمالة وجزم بتواتر تخفيف الهمزة،

وكذلك الاختلاف في أداء الكلمة في اللفظ كما قال أبو شامة، والألفاظ المختلف فيها بين القراء في أداء الكلمة كاختلافهم فيما فيه حرف مشدد نحو: إياك نعبد بزيادة على اقل التشديد من مبالغة أو توسط بين الأمرين. انتهى كلام خالد الأزهري في الثمار اليوانع.
وبه وبكلام من قبله من أهل الشروح ومشروحهم يعلم أن كلام ابن الحاجب الذي استدل به الشوشاوي على عدم تواتر أحكام التلاوة من المد والقصر والتفخيم والترقيق والتحقيق والتسهيل والإظهار والادغام والفتح والإمالة وغير ذلك من أحكام القراءة لا كبير دليل فيه على ذلك وإن وافقه المصنف في بعضه لاتفاقهم على تضعيفه فالأصوب والأوجه أن يحمل على ما نقل عن أبي شامة في مرشده ويجعل كلامهما مقيدا لإطلاق غيرهما كما أشار إلى ذلك الشيخ زكرياء الأنصاري في كلامه المتقدم في حاشيته، وعلي تكون القراءات السبع متواترة فيما اتفقت الطرق على نقله عن القراء السبعة دون ما اختلفت فيه بالمعنى السابق من غير خلاف، أو يحمل خلافه لغيره على أنه إنما هو في الكيفيات كمقدار المد وكيفية الإمالة وكيفية تخفيف الهمزة ونحو ذلك في أصل المد والإمالة وتخفيف الهمزة وغيرهما مما كان من قبيل الأداء، كما قاله غير واحد وهو ينافي تواتر القراءات السبع في الأصول والله تعالى أعلم.

وإنما أشبعنا الكلام في هذا الموضع غيرة على كلام الله وذبا عن حريمه وحماه خشية أن يتسور متسور على سور تواتره الممنع المتعسر كما أن الحامل لنا على بيان حكم التجويد واللحن في القرآن المجيد بحسب ما ظهر لنا وفهمناه من كلام الأئمة العلماء الأعلام، وإنما هو الخوف على أحكام الله تعالى من تبديل مراتبها كصرف الحكم في مكروهها لمحرمها وفي مندوبها لواجبها وذلك لا يخفى ما فيه من تنائيه عن الأدب مع الله تعالى وتنافيه إذ الأحكام الشرعية من وجوب وندب وتحريم وكراهة وإباحة يجب تبليغها والتمييز بينها لمن لا يعرفها، قال الإمام الغزالي رحمه الله في الكلام على المنكرات المألوفات: اعلم أن المنكرات تنقسم إلى مكروهة وإلى محظورة، فإذا قلنا هذا منكر مكروه فاعلم أن المنع منه مستحب والسكوت عليه مكروه، وليس بحرام إلا إذا لم يعلم الفاعل أنه مكروه فيجب ذكره لأن الكراهة حكم في الشرع فيجب تبليغه إلى من لا يعرفه فإذا قلنا منكر محظور أو قلنا منكر مطلقا فيزيده المحظور فيكون السكوت عليه مع القدرة محظورا انتهى المراد منه، ويدل على استحباب التجويد بالمعنى الخاص أيضا من طريق النظر أنه حلية القرآن كما عزاه السيوطي في إتقانه للقراء،

وقال فيه أيضا صاحب المقدمة:

وهو أيضا حلية التلاوه
وزنية الأداء والقراءه



والصوت الحسن قد ورد في الحديث أنه حلية القرآن أيضا، وهو متأكد الندب كما قدمنا، فيكون التجويد الذي هو حلية له أيضا مثله في الحكم، لأن الحلية ينبغي أن تكون على طريقة واحدة ويحكم لها بحكم واحد والله تعالى أعلم.
والفرق بين التلاوة والأداء أن التلاوة قراءة القرآن متتابعا كالأوراد والأسباع والدراسة، والأداء الأخذ من المشايخ، والقراءة تطلق عليهما فهي أعم منهما قاله في الدقائق المحكمة، ويدل على ذلك أيضا كما شاع وذاع توافق العلماء بهذا القطر من قديم الدهر ممن له الباع الواسع والشأو الشاسع في فنون العلوم لا سيما علوم الرسوم على استحباب التجويد وتحسين قراءة القرآن المجيد حيث كان تركه لا يؤدي إلى خلل في المعنى .... ولا يتضمن قلة اعتناء بتنزيه الكتاب إذ العلماء ورثة الأنبياء فلا محيد لهم عن الاقتداء بهم والائتساء، وهم أمناء على الدين ونصحاء لجميع المسلمين، فالأحق تصديقهم فيما نقلوا وحسن الظن بهم في كل ما فعلوا وأن يحملوا على أنهم علموا حكم الله تعالى فيما يأتون وما يذرون، وأنهم عملوا بما علموه بقدر ما يطيقون وأن يعتقد أن فتواهم بما أفتوا به وحكمهم بما حكموا به عن علم لا عن جهل، وأنهم مبرؤوا الساحة من كل سوء وبطل ومن هنا كان اتفاقهم حجة واختلافهم رحمة وجوارهم نعمه، واقتفاء آثارهم عزمة،

فما أحقهم بقول القائل:

إذا قالت حذام فصدقوها
فإن القول ما قالت حذام



وقد قال العلامة محمد ابن سعيد اليدالي رحمه الله وهو من جلتهم وحاملي ألويتهم في كتابه الذهب الإبريز في تفسير كتاب الله العزيز ما نصه: الفصل العاشر في استحباب القراءة بالتجويد والصوت الحسن وتحريم قراءته باللحون المرجعة كترجيع الغناء قال النووي: أجمعوا على استحباب قراءة القرآن بالصوت الحسن والتجويد، وهو أمر محمود شرعا قال تعالى: {يزيد في الخلق ما يشاء} قيل إنه الصوت الحسن وفي الحديث لكل شيء حلية وحلية القرآن حسن الصوت، واستمع صلى الله عليه وسلم لقراءة أبي موسى الأشعري وأخبره بذلك فقال: لو كنت أعلم أن تسمعه لحبرته لك تحبيرا، أي لحسنته وزينته بصوتي تزيينا. وقله صلى الله عليه وسلم لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود، أي داود نفسه، وقال عمر لأبي موسى الأشعري: ذكرنا ربنا بحسن صوتك، أمره بذلك لحسن صوته وتجويده لقراءته استدعاء لرقة قلبه بسماع القرآن لا لمجرد التذاذ حسن صوته، وكذلك لا يقدم الرجل للإمامة لمجرد حسن صوته ابن رشد وإن قدموه استدعاء لرقة قلوبهم بسماعهم قراءته الحسنة فلا يكره. انتهى ما أوردنا ذكره هنا من كلام اليدالي رحمه الله مع نفاسة ما ذكرنا منه، وما لم نذكره وبه يعلم ما عليه علماء هذا القطر من قديم الدهر من استحباب التجويد وتحسين قراءة القرآن المجيد والله تعالى أعلم.

ثم لتعلم أيها الأخ الصالح والحبيب الناصح أخذ الله بناصيتي وناصيتك إليه وقادني وغياك إلى حضرته قود الكرام عليه أن العلماء الذين ذكرت عنهم في نقولك السابقة تحريم اللحن بقسميه وإيجاب التجويد قد ذكرت أن من حجتهم على
ذلك قول ابن الجزري:

والأخذ بالتجويد حتم لازم
من لم يجود القرآن آثم



وقول النووي: وقد عد العلماء القراءة بغير تجويد لحنا، وقسموا اللحن إلى جلي وخفي، وقول الإمام الغزالي رحمه الله: والذي يكثر اللحن في القرآن إن كان قادرا على التعلم فليمتنع عن القراءة قبل التعلم فإنه عاص به وإن كان لا يطاوعه اللسان فإن كان أكثر ما يقرؤه لحنا فليتركه وليجتهد في تعلم الفاتحة وتصحيحها وإن كان الأكثر صحيحا ولا يقدر على التسوية فلا بأس أن يقرأ ولكن ينبغي أن يخفض صوته حتى لا يسمع غيره.
أما قول ابن الجزري رحمه الله: والأخذ بالتجويد... إلخ فقد تم ما قرره به شارحه الشيخ زكرياء الأنصاري رحمه الله من حمل ترك التجويد الذي يأثم مرتكبه على الترك الذي يؤدي إلى تغيير المعنى أو الإعراب، وعليه يكون الترك الذي لا يؤدي إلى ذلك لا يأثم مرتكبه، فهو غير حرام بل يكره حيث أدى إلى تغيير هيئة من هيئات اللفظ الذي يتحقق بدونها فالترك الأول لحن جلي وهو محرم والتجويد المحترز به عنه واجب، والترك الثاني لحن خفي وهو شديد الكراهة والتجويد المحترز به عنه متأكد الندب .
هذا ما يتمشى وينبني على ما حمل عليه هذا الشارح هذا البيت وقرره به وإن كان ظاهر البيت يقتضي غيره فيحتمل أن مذهب الناظم وهو ابن الجزري مخالف لمذهب هذا الشارح في حكم التجويد واللحن فلا يرى هذا التفصيل الذي فصله الشارح من تحريم اللحن الذي يؤدي إلى تغيير المعنى أو الإعراب وهو الجلي وكراهة اللحن الذي لا يؤدي إلى ذلك وهو الخفي مع أن هذا التفصيل هو الذي يقتضيه سائر الأدلة التي أسلفناها ويحتمل أنه موافق له لكنه إنما قصد بذلك التغليظ تحريضا للناس على التجويد والاعتناء خوفا عليهم من التساهل فيه فيفوتهم بذلك خير كثير وأجر كبير ونفع عظيم وذخر جسيم وهذا المقصد من شأن العلماء الذين هم وعاة الدين والمعتنون بالنصيحة لجميع المسلمين والله تعالى أعلم.
وأما قول النووي رحمه الله وقد عد العلماء القراءة بغير تجويد لحنا وقسموا اللحن إلى جلي وخفي اهـ فلا يدل على وجوب التجويد مطلقا لأن لفظ اللحن مشترك بين المحرم منه والمكروه والتجويد الذي يحترز به عن المكروه ليس بواجب بل هو مستحب وإنما الواجب ما يحترز به عن المحرم، فحينئذ يعلم أن تسمية القراءة بغير تجويد لحنا لا تدل على وجوب التجويد مطلقا، بل على وجوبه مقيدا بما تقدم في التفصيل السابق.

وأما قول الإمام الغزالي رحمه الله: والذي يكثر اللحن في القرآن إن كان قادرا على التعلم فليمتنع عن القراءة قبل التعلم فإنه عاص به إلخ فيتعين والله تعالى أعلم حمل اللحن في كلامه على أن اللحن المحرم والذي يؤدي إلى تغيير المعنى أو الإعراب دون المكروه الذي لا يؤدي إلى ذلك لأن المعصية إنما تترتب على المحرم دون المكروه وكذلك الامتناع من القراءة إنما يلزم إذا كانت محرمة لا مكروهة بدليل ما نقله العلقمي عن إمام الحرمين مما لفظه: أما اللاحن المغير للمعنى فليس له أن يقرأ غير الفاتحة في الصلاة. انتهى كما قدمناه وتقدم أيضا أن الإمام الغزالي عد في إحيائه تحسين القراءة وترتيبها في آداب القراءة المستحبة وهو إما أن يريد بتحسينها أو تزيينها تجويدها وإما أن يريد تحسين الصوت والحكم فيهما واحد وهو الاستحباب لأن كلا منهما حلية كما تقدم والله تعالى أعلم.
واعلم أيضا حفظك الله ورعاك وتولانا بعنايته ورعايته وولايته وتولاك أن الغرض من القراءة إنما هو تصحيح ألفاظه على ما جاء به القرآن العظيم ثم التفكر في معانيه بحيث يحترز في الترتيل عن التمطيط وفي الحدر عن الإدماج إذ القراءة كالبياض إن ل صار سمرة، وإن زاد صار برصا، قال حمزة لبعض من سمعه يبالغ في ذلك: أما علمت أن ما فوق البياض برص، وما فوق الجعودة قطط، وما فوق القراءة ليس بقراءة، وبحيث يحترز في تفهم المعاني وتأملها عن الاشتغال بالمبالغة في مخارج الحروف والتنطع فيها وفي غيرها، لأن من مكائد الشيطان ومكره وتلاعبه بالمؤمن الوسوسة في مخارج الحروف والتنطع فيها ونحن نذكر ما قاله العلماء بألفاظهم، قال أبو الفرج ابن الجوزي: قد لبس إبليس على بعض المصلين في بعض مخارج الحروف. فتارة يقول: الحمد الحمد فتخرج إعادة الكلمة عن قانون أدب الصلاة، وتارة يلبس عليه في تخفيف شدة الضالين، وفي إخراج ضاد المغضوب، قال: ولقد رأيت من يخرج بصاقه مع إخراج الضاد لقوة تشديده والمراد تحقيق الحرف حسب، وإبليس يخرج هؤلاء عن حد التحقيق بالزيادة ويشغلهم بالمبالغة في الحرف عن فهم التلاوة وعد الغزالي ذلك في الإحياء من الأسباب المانع من فهم كلام الله، والحجب التي أسدلها الشيطان على قلوبهم فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن بكون هم القارئ منصرفا إلى تحقيق الحروف من مخارجها وللقراء شيطان يصرفهم عن معاني كلام الله، فهو موكل بهم ولا يزال يحملهم على ترديد الحرف ويخيل إليهم أنهم لم يخرجوه من مخرجه فهكذا يكون تأمله مقصورا على مخارج الحروف، فأنى تنكشف له المعاني، فما أعظم ضحكة الشيطان ممن كان مطيعا هذا التلبيس انتهى.

والمقصود أن السلف الصالح والأئمة كرهوا التنطع في مخارج الحروف والغلو في النطق بها، فنسأل الله العافية من ذلك، ومن تأمل هدي النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره أهل البوادي وجلف الأعراب ومن أسلم من الأعاجم على قراءتهم التي يالفونها ووصف قراءتهم مع قراءة فصحاء العرب بالحسن بقوله: اقرؤوا ما أنتم تقرؤون ودوموا عليها فكل هذا حسن علم ذلك. انتهى كلام العلقمي في شرحه على الجامع الصغير.
وقال قبل هذا الكلام قوله: اقرؤوا قال ابن رسلان أي على الكيفية التي يسهل على ألسنتكم في الفصاحة واللكنة واللثغة من غير تكلف ولا مشقة في مخارج الحروف ولا مبالغة ولا إفراط في المد والهمزة والإشباع والإدغام فقد كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخيار السلف زمنه والتابعين سهلة لو أراد السامع أن يعدها حرفا حرفا لعدها، وقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل كل لسان على قراءتهم الجبلية التي طبعهم الله عليها، ولم يكلف أحدا منهم أن يجتهد في إصلاح لسانه وتردده إلى المعلمين كما في هذا الزمان، حتى أن بعضهم يستمر في قراءة الفاتحة شهرا أو نحوه، ويلازم التلفظ بالضاد المعجمة في المغضوب وفي ولا الضالين. انتهى

وفي الدقائق المحكمة في شرح المقدمة ما نصه: وفي الموطإ والنسائي عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اقرؤوا القرآن بلحون العرب وإياكم ولحون أهل الفسق والكبائر فإنه سيجيء أقوام من بعد يرجعون القرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم والمراد بألحان العرب القراءة بالطبع والسليقة كما جبلوا عليه من غير زيادة ولا نقص وبألحان أهل الفسق الأنغام المستفادة من علم المويسقا والأمر في الخبر محمول على الندب والنهي على الكراهة إن حصلت المحافظة على صحة ألفاظ الحروف وإلا فعلى التحريم.
والمراد بالذين لا يجاوز حناجرهم الذين لا يرتلونه ولا يعملون به. واعلم أن قراء زماننا ابتدعوا في القراءة شيئا يسمى بالترقيص وهو أن يروم السكت على الساكن ثم ينفر مع الحركة في عدو وهرولة، وآخر يسمى بالترعيد وهو الذي يرعد صوته، كالذي يرعد من برد وألم. وآخر يسمى بالتطريب وهو أن ينغم بترنم بالقرآن فيمد في غير محل المد ويزيد في المد ما لا تجيزه العربية، وآخر يسمى بالتحزين وهو أن يترك طباعه وعادته في القرآن وياتي بها على وجه آخر كأنه حزين يكاد يبكي من خشوع وخضوع، وغنما نهي عنه لما فيه من الرياء، وآخر أحدثه الذين يجتمعون فيقرؤون كلهم بصوت واحد فيقطعون القراءة ويأتي بعضهم ببعض الكلمة والآخر ببعضها ويحافظون على مراعاة الأصوات خاصة وسماه بعضهم التحريف انتهى المراد منه.
وفي الرسالة لابن أبي زيد رحمه الله تعالى: ولا قراءة القرآن أي ولا تحل قراءة القرآن باللحون المرجعة كترجيع الغناء ويبجل كتاب الله العزيز أن يتلى إلا بسكينة ووقار، وما يوقن أن الله يرضى به ويقرب غليه مع إحضار الفهم لذلك. انتهى القلشاني. قوله: ولا قراءة القرآن إلى آخره: مذهب مالك عدم جواز قراءة القرآن بالتحلين وهو التطريب والترجيع المشبهان للأغاني الملهية بسماعها عن الخشوع والاعتبار بآيات القرآن والخشية لله وتجديد التوبة عند سماع مواعظه وزواجره ونواهيه.
قال ابن رشد: فالواجب أن ينزل القرآن عن ذلك ولا يقرأ إلا على الوجه الذي يخشع القلب ويزيد في الإيمان ويشوق فيما عند الله انتهى.

وقال سيدي زروق رحمه الله في شرحه على الرسالة: وأما سماع القرآن باللحون المرجعة كترجيع الغناء فمن أقبح ما يسمع وأبشعه لا سيما إذا كان يؤدي لتغيير نظم القرآن أو تقطيع حروفه أو إبدال بعضها أو إسقاطه، أو يكون على هيئة تنفي الخشوع أو تدعو لنقيصة، فإن ذلك كله ممنوع. ثم ذكر كلام ابن رشد المتقدم آنفا ثم قال: واختلف في معنى قوله عليه السلام: ليس منا من لم يتغن بالقرآن فقيل: هي من لم يحسن صوته به، وقيل: يعني: من لم يستغن به عن الغناء وقيل: من لم يستغن به عن الناس، وقيل غير ذلك، وما يروى من حديث معاوية من أنه عليه السلام رجع يوم فتح مكة وهو يقرأ سورة الفتح حمل على قراءته بطريق الأداء من المد ونحوه قول أبي موسى رضي الله عنه لما قال عليه السلام لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا، وبالجملة فتحسين الصوت بالقرآن مطلوب، والخروج إلى حد يشبه الغناء مذموم، وما يؤدي إلى الخشوع من غير إخلال مندوب إليه. ثم قوله صلى الله عليه وسلم: ليس منا، أي ليس على طريقتنا وسنتنا والله أعلم. انتهى.

وفي شرح المناوي على الشمائل في الكلام على حديث ترجيع النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكب على ناقته يقرأ: إنا فتحنا ما لفظه قال ابن أبي جمرة: الترجيع هنا تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء، لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة وكان المنفي من الترجيع في الحدي الآتي ترجيع الغناء. انتهى
وفيه أيضا وقد كثر الخلاف في التطريب والتغني بالقرآن والحق أن ما كان سجية وطبعا محمود وما كان تكلفا وتصنعا مذموم وعلى ذلك تنزل الأخبار. انتهى
وفي النصيحة الكافية لسيدي زروق رحمه الله ما لفظه: ومن آفات القرءات اللحن والتكلف في المخارج والتطريب والتلحين وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما وذم فاعلهما قال شارحهما ابن زكري رحمه الله قال في المدخل: روى ابن جرير عن عطاء عن ابن عباس قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب في أذانهن فقال صلى الله عليه وسلم: إن الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلا سمحا فأذن وإلا فلا تؤذن أخرجه الدارقطني في سننه قال: فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد منع ذلك في الأذان فأحرى أن لا يجوز في القرآن الذي حفظه الرحمن فقال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وقال جل وعز: {كتاب عزيز لا يأتي الباطل من بين يديه ولا من خلفه} انتهى المراد منه.
وقال: قيل هذا والتطريب تقطيع الصوت وترعيده وأصله خفة تصيب المرء من شدة الفرح أو من شدة الحزن وهو من الاضطراب أو الطربة، قال في الطراز: وقال ابن فرحون التطريب مد المقصور وقصر الممدود انتهى، والتلحين قراءته بالألحان، قال الأبي: وهي قراءة بطريق أهل علم المويسقا في الألحان أي في النغم والأوزان حسب ما رتبوه في صنعة الغناء. انتهى.

وهما متلازمان غالبا أي يلزم غالبا من مراعاة تلك القوانين بالزيادة والنقص، ولذا فسر قوم التلحين بالتطريب انتهى المراد منه، وقال قبل ذلك: والإفراط في مراعاته من الأمور المذمومة لأنه يشغل عن التدبر والتفهم المقصود بالذات، وقد قال أبو الفرج ابن الجوزي: لبس إبليس على بعض المصلين في بعض مخارج الحروف وساق كلامه فنقل عنه نحوا مما نقله العلقمي في شرحه على الجامع الصغير عن ابن رسلان فيما تقدم، وبما تضمنته هذه النقول من الأمر بالقراءة على الكيفية التي يسهل النطق بها على الألسنة والأمر بالقراءة باللحون العربية من إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل كل لسان على قراءتهم الجبلية ومن ذم التكلف والمبالغة في مخارج الحروف وغيرها كالمد والهمزة، ومن تبديع المفرط في الترجيع يعلم أن المطلوب في القراءة التسهيل والتيسير لا التشديد والتعسير لأن الحرج من الدين منتف والناس ليسوا سواء في الأهلية والاستعداد فكل يحمل عليه بحسب ما أمده الله تعالى به من الإمداد فرب صغير أصلح للقراءة من كبير ورب عجمي أكثر استعدادا من عربي، وكم من أخوين شقيقين يتيسر على أحدهما ما يتعسر على الآخر، ويعطى أحدهما من الأهلية والفضل ما لا يعطاه الآخر ذلك تقدير العزيز العليم. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فمن رام الحكم على الناس بالمساواة في تأدية المأمورات والمنهيات فقد كلف الكثير منهم بما لا يطيقون وحملهم عبء ما عنه يعجزون فينبغي للمحتسب المؤتمر القائم بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن ينظر في أحوالهم حتى يميز بين مستحقي الإنكار وبين غيرهم من ذوي الأعذار ليقع إنكاره موقعه ولا يتعدى أمره بالمعروف موضعه.

ومن دليل مطلوبية التيسير فيها بلا عسر تعدد كيفياتها من ترتيل وتدوير وحدر لأن تعدد الطريق ينفي الحرج والتضييق وأحوال الناس مختلفة فمنهم من يخف على لسانه ما يثقل على لسان غيره، ومنهم من يثقل عليه ما يخف على غيره، فيقرأ كل بما يخف عليه. ففي البناني عند قول المصنف: وقراءة بتلحين في فصل سجود التلاوة ما نصه فائدة قال ابن الشاط إن الهذ المفضي إلى لف كلماته وعدم إقامة حروفه لا يجوز وبعد إقامته اختلف فقال الأكثر: الأفضل الترتيل، ورجح بعضهم الهذ تكثيرا للأجر بعدد الكلمات، وقال مالك من الناس من إذا هذ خيف عليه وإذا رتل أبطأ، ومنهم من لا يحسن الهذ وكل واسع بحسب ما يخف عليه ومن أجاز الهذ فإنما ذلك لمن لا حظ له إلا التلاوة وأما من منحه الله تلاوته بتدبر معانيه واستنباط أحكامه فلا مرية أن تلاوته وإن قل ما يتلوه أفضل من قراءة ختمات. وللعلماء في ذلك آثار انتهى.
وفي الإتقان للسيوطي رحمه الله ما لفظه: وفي النشر اختلف هل الأفضل الترتيل وقلة القراءة أو السرعة مع كثرتها، وأحسن بعض أئمتنا فقال: عن ثواب قراءة الترتيل أجل قدرا وثواب القراءة بالإسراع أكثر عددا لأن بكل حرف عشر حسنات انتهى. وذكر الشوشاوي في الترتيل والإسراع ستة أقوال فقال رحمه الله: قيل الترتيل أفضل مطلقا وهو القول المشهور. والذي عليه الجمهور وقيل الإسراع أفضل مطلقا وقيل هما سواء، وقيل: الترتيل في غير الإمام أفضل، والإسراع في الإمام أفضل، وقيل الترتيل أفضل إلا في حق من صعب عليه قال مالك رحمه الله: من الناس من إذا رتل أخطأ فالهذ في حقه أفضل، ذكره ابن رشد في جامع البيان، وقيل: الإسراع للعارف بمعاني القرآن أفضل، والترتيل للجاهل بمعاني القرآن أفضل ثم ذكر دليل كل قول من هذه الأقوال بما يطول جلبه فلينظره من شاءه في أول الباب الثالث فيما يتعلق بقراءة القرآن.
وفي الإحياء للإمام الغزالي رحمه الله ما لفظه: الترتيل هو المستحب في هيئة القرآن لأنا نستبين أن المقصود من القراءة التفكر والترتيل معين عليه، ولذلك نعتت أم سلمة رضي الله عنها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا، وقال ابن عباس: لأن أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله هذرمة. وقال ايضا: لأن أقرا إذا زلزلت والقارعة أتدبرهما أحب غلي من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهذيرا. وسئل مجاهد رحمه الله عن رجلين دخلا في صلاة فكان قيامهما واحدا، إلا أن أحدهما قرأ البقرة فقط، وقرأ الآخر القرآن كله قال: هما في الأجر سواء. واعلم أن الترتيل مستحب لا لمجرد التدبر، فإن العجمي الذي لا يفهم معنى القرآن يستحب له في القراءة أيضا الترتيل والتؤدة لأن ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام وأشد تأثيرا في القلب من الهذرمة والاستعجال. انتهى.

وفي الشوشاوي ما لفظه: روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه يختم القرآن في كل ليلة في ركعة واحدة ولم يصل قبلها ولا بعدها شيئا. وروي عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه يختمه في كل ليلة في ركعة واحدة ويقرأ سورة الإخلاص في الركعة الثانية وروى عن بعضهم أنه يختمه في كل ليلة مرة وعن بعضهم أنه يختمه في كل ليلة مرتين، وعن بعضهم أنه يختمه في كل ليلة ثلاث مرات، وعن بعضهم أنه يختمه بين المغرب والعشاءن وعن بعضهم أنه يختمه بين الظهر والعصر، وعن الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما أنهما يختمانه في رمضان سنين مرة وعن ابن القاسم رضي الله عنه أنه يختمه في رمضان تسعين مرة وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه يختمه في رمضان مائة مرة، وعن سليمان بن عمر رضي الله عنه أنه يختمه في كليل ثلاث مرات وبجامع أهله بعد كل ختمة فلما توفي رضي الله عنه قالت امرأته: رحم الله سليمان إنه كان يرضي ربه وأهله. انتهى ببعض اختصار. وفيه ما لا يخفى من الدلالة على التيسير والتخفيف بعد ما لا بد منه من غقامة الإعراب وتقويم اللفظ وتمكن الحروف ومن ذلك أيضا جواز الجمع بين قراءتين فأكثر في سورة واحدة بل في آية واحدة، ففي الذهب الإبريز للعلامة اليدالي رحمه الله ما لفظه: قال ابن العربي في عارضته: يصح أن يبتدئ القارئ السورة لنافع ويختمها لأبي عمرو بل ذلك سائغ في الآية الواحدة، وأن يقرأ الفاتحة في الصلاة كل آية بقراءة واحد من السبعة وتصح قراءة لأن الكل قرآن. قال: وربط النفس إلى قراءة واحدة تحكم على الله بغير دليل، من غير نظر ولا ترتيل، وإنما اللازم أن لا يخرج أحد عن القراءة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشاذ. انتهى.

وقال سيدي أحمد بن ملوكة: خلط قراءة ورش وقراءة قالون في الصلاة كمن خلط السمن بالعسل، وفصل شقرون ابن أبي جمعة الوهراني بين أن يخلط ذلك في كلمة واحدة كالآخرة بالتخفيف وترقيق الراء فتبطل وفي كلمتين فيصح، ولا يجوز أن يقرأ بحرف إلا بثلاثة شروط موافقته لمصحف عثمان وموافقته لكلام العرب ولو على بعض الوجوه أو في بعض اللغات ونقله نقلا متواترا أو مستفيضا انتهى المراد منه.
والمراد عندنا بمطلوبية التيسير في قراءة القرآن العظيم الخطير هو أن لا يضيف بالإنكار على قارئيه في الكيفية التي يقرؤون بها فيه ما لم تؤد إلى لحن عامي فيجب الإنكار أو خاصي فيستحب ولحن العامة هو ما يتغير فيه المعنى أو الإعراب ولحن الخاصة هو ما لا يتغير فيه ذلك. قال الحافظ الداني رحمه الله كما في النقول المبعوث بها إلينا قبل ما لفظه: اعلموا أن كل حرف من حروف المعجم يجب أن يمكن لفظه ويوفى حقه في المنزلة التي هو مخصوص بها على ما حددناه ونحوه ولا يبخس شيئا من ذلك فيتحول عن صورته ويزول عن صفته، وذلك عن علمائنا في الكراهة والقبح كلحن الإعراب الذي تتغير فيه الحركات وتنقلب فيه المعاني انتهى. وفي تلك النقول ايضا قال ابن مجاهد: اللحن في القرآن لحنان: جلي وخفي، فالجلي لحن الإعراب والخفي ترك إعطاء الحرف حقه من تجويد لفظه ونحو ذلك. انتهى. وإنما وجب الإنكار في لحن العامة وهو اللحن الجلي وندب في لحن الخاصة وهو اللحن الخفي لتحريم الأول بلا خلاف ولكراهة الثاني باتفاق أو على أحد قولين بالكراهة والتحريم، كما تقدم الإشارة إليه في ذكرنا احتمال كلام ابن الجزري الموافقة له واحتماله المخالفة للشيخ زكرياء الأنصاري، ففي شرح ابن زكري على النصيحة الكافية ما لفظه: وفي الزرقاني يشترط في المنكر الذي يجب تغييره أن يكون مما أجمع على تحريمه أو ضعف مدرك القائل بجوازه كأبي حنيفة في شرب النبيذ فعلينا نهي حنفي عن شربه. وأما ما اختلف فيه فلا ينكر على مرتكبه إن علم أنه يعتقد لخليله بتقليد القائل بالحل كصلاة مالكي بمنى في ثوبه مقلدا للشافعي في طهارته بشرط طهارة فرجه قبله عنده فإن علم أنه يرتكبه مع اعتقاد تحريمه نهي لانتهاكه الحرمة كما قال ابن عبد السلام، قال الشيخ زروق في شرح الإرشاد: وإن لم يعتقد التحريم ولا التحليل والمدرك فيهما متواتر أرشد للترك برفق من غير إنكار ولا توبيخ لأنه من باب الورع. انتهى المراد منه.

وفيه أيضا قبل هذا ما لفظه: وفي شرح الجوهرة المندوبات والمكروهات يدخلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على سبيل الإرشاد للورع ولما هو أولى من غير تعنيف ولا توبيخ بل يكون ذلك من باب التعاون على التقوى. انتهى. وقد سبق ما يدل على هذا فيما نقلناه عن الإمام الغزالي رحمه الله في الكلام على المنكرات المألوفة وفي شرح الرسالة للشيخ زروق رحمه الله ما نصه: واختلف في الإنكرا هل إنما يجب تعليم الجاهل قبل سؤاله، أو إنما يجب تنبيهه ثم إن يسأل علم وإلا ترك والأول اختيار الطرطوشي والآخر هو المعول عليه. لأنه عليه السلام قال للأعرابي إنك لم تصل ولم يعلمه حتى قال: لا أحسن غير هذا فعلمني يا رسول الله. انتهى المراد منه.
وفي المواق عند قول المصنف ومسمع واقتداء به ما نصه: وكان سيدي محمد بن سراج رحمه الله يقول: إذا جرى الناس على شيء له مستند صحيح وكان للإنسان مختار غيره لا ينبغي له أن يحمل الناس على مختاره فيدخل عليهم شغبا في أنفسهم وحيرة في دينهم، إذ من شرط التغيير أن يكون متفقا عليه انظر قول عياض في الإكمال قال ما نصه: لا ينبغي للآمر بالمعرو فوالناهي عن المنكر أن يحمل الناس على مذهبه وإنما يغير ما اجتمع على غحداثه وإنكاره، ورشح هذا أيضا محيي الدين الشافعي في منهاجه، فقال: أما المختلف فيه فلا إنكار فيه وليس للمفتي ولا القاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نص القرآن أو السنة أو الإجماع، ونحو هذا في جامع الذخيرة للقرافي ونحوه في قواعد عز الدين قال شيخ الشيوخ ابن لب: لا سيما إن كان الخلاف في كراهة لا في تحريم فإن الأمر في ذلك قريب، ربما يؤول إلى الإنكار فيه إلى أمر يحرم انتهى كلام المواق،

وبانتهائه ينتهي ما رأيناه وفهمناه من كلام العلماء الأئمة الأعلام من القصد والتسديد في حكم نازلة اللحن والتجويد، فإن كان صوابا فمن الله تعالى وجود صوابه وإن كان خطئا فمن محل الخطإ والخطل وجرابه والله تعالى ولي التوفيق وهو الهادي إلى أقوم طريق فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح أمورنا وأموركم وأن يشرح بنور الهداية وقبول الحق صدورنا وصدوركم ويرزقنا وإياكم وجميع المسلمين العافية الوافية والنعمة السابغة الضافية إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم القدير والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. اهـ
تم على يدية محصله لنفسه ثم لمن شاء الله بعده من أبناء زمانه وكان تمامه ضحوة يوم الخميس الثالث عشر من شوال عام 1404 من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.
عبد الله بن باباه بن خاجيل تيب على الجميع بجاه النبي الشفيع

انتهت الطباعة بتاريخ 15/08/2008


[رجوع]
علماء و أعيان
من أسرة الشيخ سيديّ

علماء و أعيان
موريتانيون


موريتانيا
تاريخ وثقافة


أبو تلميت
المدينة و الدور الثقافي

صور تاريخية





جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة الشيخ سيدي للثقافة والإنلام - ص.ب: 2101-انواكشوط - موريتانيا هاتف: 0022205290875 / 002226432258

mohamed ismail
20-04-2009, 01:31 AM
شذورالأذكار


بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيد المرسلين

التاليف المسمى
شذور الأذكار الماحية للأوزار
والمهيئة لحصول الأنوار والأسرار
للعلامة الشيخ: سيديا بن المختار بن الهيبه
الأبييري الانتشائي

أشرف على الطباعة وتصحيح النص
عبد الله بن التاه بن ألما اليدالي
اعتمدنا في هذه الطبعة على نسخة بخط عبد الله بن باباه بن خاجيل بن أحمد




بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على نبيه الكريم
الحمد لله الذي جعل السؤال عن العلم من الأمر المحمود، والصلاة والسلام على مدينة العلم النبي الأمي ذي المقام المحمود، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان في طاعة ربنا المعبود، هذا وإنك أيها الأخ الصالح والمريد الصادق الناصح حفظه الله ورعاك وحمد مسعانا ومسعاك قد سألتنا أن نكتب لك ونعلمك ما يقرأ للضالة والعين والحسن والجن والمرض وما ينبت في الجلد وما يقرأ لتفريج الكرب ولتسهيل النفاس، وللسلامة من العمى والعدو، وما يعوذ به الصبيان، وما يقال في الصباح والمساء، ونحن نذكر لك من ذلك إن شاء الله تعالى ما تيسر في الحال مما رويناه عن مشايخنا أو وقفنا عليه في كتب العلماء المتكلمين في ذلك فنقول وبالله العون في المقول،

أما ما يقرأ للضالة فمنه سورة يس وكذلك سورة قريش كما ذكره أهل الخواص في كتبهم، ومنه أن تقول: "يا حفيظ" مائة مرة وتسع عشرة مرة، وتقرأ: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردة} إلى {يات بها الله} ذلك العدد كما في كتاب الفوائد، وفي مناهج السالكين إذا ضاع منك شيء أو أردت أن يمع الله تعالى بينك وبين إنسان فقل: "يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد اجمع بيني وبين كذا" فإن الله تعالى يجمع بينك وبين ذلك الشيء أو ذلك الإنسان. وكثيرا ما سمعت شيخنا الخليفة سيدي محمد بن شيخنا الكبير سيدي المختار بن سيدي أحمد بن سيدي أبي بكر الكنتي رضي الله عن الجميع وأرضاهم، وجعلنا به ممن تولاه، وارتضاه، يقول في حجاب الضالة: "اللهم يا عالي الشرف ويا واسع الكنف رد علينا ما تلف بحرمة السلف وصالحي الخلف".

وأما العين أعاذنا الله وإياكم من شرها فمما يكتب لها وترقى به قوله تعالى: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا} وقوله: {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون وما هو إلا ذكر للعالمين}، وأول يس إلى {يبصرون}. ومما ترقى به ما علمه جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم ليعوذ به الحسن والحسين، ولفظه كما في المناهج: "اللهم ذا السلطان العظيم والمن القديم والوجه الكريم ولي الكلمات التامات والدعوات المستجابات عاف الحسن والحسين من لبس وعين الإنس. فعوذهما به فقاما يلعبان بين يديه، وقال: عوذوا أنفسكم ونساءكم وأولادكم بهذا التعوذ، فما تعوذ المتعوذون بمثله، ورقى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم من العين فقال: "بسم الله أرقيك من كل شر يوذيك ومن كل شر وعين حاسد الله يشفيك بسم الله أرقيك". وقال بعض أرباب الخواص من أحسن ما يكتب للعين ويحمله المعيون الحرز المروي عن بعضهم عن الحسن بن علي رضي الله عنهما، وهو الحرز المشهور عند الناس بحرز الناقة، وأوله "بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما لا إله إلا الله إيمانا وإسلاما والله أكبر إكبارا وإعظاما والحمد لله إجلالا وإكراما، وسبحان الله إفضالا وإنعاما..." إلخ
ومما يتحصن به من إصابة العين قراءة المعوذتين صباحا ومساء، وينبغي أن تقرأ قبلهما سورة الإخلاص، ومن خاف من سارق أو عدو أو حسود أو عين أو جار سوء وقال صباحا ومساء: "حسبي الله الحسيب" سبعا وسبعين مرة في سبعة أيام يبدأ بيوم الخميس فإنه تتم مصالحه إن شاء الله تعالى. قاله غير واحد ممن تكلم من العلماء في خواص الأسماء، ومن قال للساحر أو العائذ: "يا فلان ودعاه باسمه وقت إصابته بالعين أو السحر بطل عمله، وكذلك إذا حكيا عن أنفسهما ذلك الفعل بطل عملهما، قاله بعض الخواص.

وأما الحسد أعاذنا الله وإياكم منه فيتحصن من شره المتصف به بالتعوذ بالله تعالى، وبما تقدم آنفا مما يتحصن به من إصابة العين، والحسد أعاذنا الله منه من أكبر الكبائر لقوله عليه الصلاة والسلام: «الحسد ياكل الحسنات كما تاكل النار الحطب» وقوله عليه السلام: «أخوف ما أخاف على أمتي أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا ويقتتلوا» وقوله عليه السلام: «لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا»، وحقيقته كما قال الغزالي رحمه الله تعالى: كراهة النعمة وتمني زوالها عن المنعم عليه ، فلو تمنى لنفسه مثل نعمة غيره من غير أن يكره نعمته أو يتمنى زوالها عنه لم يكن ما فعله حسدا بل سمي غبطة ومنافسة وهو غير محرم بل يكون واجبا، إن كانت النعمة واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة، ويكون مندوبا إن كانت مندوبة كالصدقة وإنفاق المال في المكارم، ويكون مباحا إن كانت مباحة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن يغبط والمنافق يحسد»، وفي المثل: "الحسود لا يسود" وفي الحديث: «أفضل الناس كل مخموم القلب صدوق اللسان» قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: «التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد»، وفيه أيضا أن بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بكثرة صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكن دخلوها برحمة الله وسخاوة الأنفس وسلامة الصدور.

وأما الجن أعاذنا الله وإياكم من شرهم فيتحصن بمن إصابتهم وضررهم بالبسملة وبالتعوذ بالله وبكلماته التامات من شرهم، وبقراءة آية الكرسي، عقب كل صلاة مكتوبة، وعند النوم، وعند الخروج عن البيت، وفي الحديث: «من قال إذا خرج من بيته بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: حسبك هديت وكفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان».
ومما جرب للحفظ من الجن كما في النفراوي: كتابة سورة البروج، وتعلق أو في إناء وتمحى ويشرب محوها.
ومما يعالج به المصاب بلمم من الجن كما في الإمام السنوسي رحمه الله: كتابة أواخر سورة الحشر: {لو أنزلنا...} إلخ، وأول سورة الجن إلى: {شططا} ويعلق المكتوب على المصاب فإنه يبرأ بإذن الله تعالى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ من أصيب بلمم من الجن كما في الحصن الحصين بالفاتحة ومن أول البقرة إلى "المفلحون" {وإلهكم إله واحد} الآية، وآية الكرسي، وقوله تعالى: {لله ما في السماوات وما في الارض} إلى آخر البقرة، وقوله تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو} الآية... إلخ في ءال عمران، وقوله تعالى: {فتعالى الله الملك الحق...} إلى آخر المومنون. وعشر آيات من أول الصافات إلى: {لازب} وثلاث من آخر سورة الحشر، وقوله تعالى: {وإنه تعالى...} الآية من الجن، و{قل هو الله أحد} والمعوذتين.
وفي كتاب الفوائد عن الفقيه الكبير أحمد بن موسى بن عجيل نفعنا الله به إنه كان يقرأ على المصروع قوله تعالى: {قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون} فيخرج منه الشيطان ولا يعود إليه أبدا، وعن بعضهم قال صرعت صبية كانت تلعب فرأيت في منامي ملكا تمثل لي في أحسن صورة وله عشرة أجنحة فقال: إن في كتاب الله لشفاء لهذه المصروعة، فقلت: وما هو يرحمك الله؟ فقال: اتل عليها {قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون} {يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران} {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفروا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان فبأي آلاء ربكما تكذبان} قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون} هذا في القرآن الذي لا يثبت معه إنس ولا جان فاستيقظت قد حفظت ذلك فتلوته عليها فقامت كأن لم يكن بها شيء، ولم يعد إليها بعد ذلك.

ووجد بخط بعضهم إذا أردت أن يخرج الجان من الإنسان فأذن في أذنه اليمنى سبع مرات وأقم في اليسرى واقرأ فيها الفاتحة، والمعوذتين وآية الكرسي والسماء والطارق وآخر الحشر وسورة الصافات كلها فإنه يحرق كأنه في النار.
ووجد بخطه أيضا: {من أصابه لمم من طار الجن والعياذ بالله فليقل بسم الله الرحمن الرحيم {والصافات صفا} إلى قوله: {شهاب ثاقب} فإنه يزول عنه بإذن الله تعالى وفيه أيضا وينفع المصروع أن يقرأ على ماء طاهر الفاتحة وآية الكرسي وخمس آيات من أول قل أوحي ويرش به على وجهه يفيق بإذن الله تعالى، وإذا سئل عما رأى قال هو في هذا المكان ورش ذلك الماء في ذلك المكان خرج من البيت ولا يعود إليه أبدا إن شاء الله مجرب. اهـ
وفيه أيضا ذكر بعض السلف أن من كتب اسمه تعالى في إناء مكررا بحسب ما يسع الإناء ويرش به وجه المصروع احترق شيطانه، قال البوني وقد أمرت بذلك رجلا كان له غلام يصرع منذ أربع وثلاثين سنة أعياه أمره فاعتكف ثلاثة أيام وكتبه ورش به عليه فاحترق عارضه ولم يعد إليه اهـ وفيه أيضا واسمه تعالى المحيط يصلح لقطع الفزع ونحوه إذا كتبت حروفه في وفق مربع على طريقة التكسير في لوح من حديد وعلق على من يصرع فإنه لا يصرع، وإن علق في عنق صبي كثير البكاء فإنه لا يبكي أبدا لأن فيه اسم الله الأعظم وذلك لسر التداخل في التكسير وامتزاج طبائع الحروف واعتدالها وهذه صورة الوقف:

م
ط
ي
ح

ي
ح
م
ط

ح
ي
ط
م

ط
م
ح
ي



وأما المرض وما ينبت في الجلد أعاذنا الله وإياكم من البلاء فيتحصن منه ومن كل ما يكره في الدنيا والآخرة بالتعوذ بالله تعالى من شره وبسؤال العافية من الله تعالى من جميع المكاره دنيا وأخرى، وما ورد في ذلك من التعاويذ والأدعية المأثورة فهو أفضل وأكثر وأنفع بركة مثل المعوذتين ومثل قوله عليه السلام اللهم عافني في بدني اللهم عافني في سمعي اللهم عافني في بصري لا إله إلا أنت، وقوله عليه السلام الله إني أسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، وقوله عليه الصلاة والسلام أعوذ بكلمات الله التامات من شرك ما خلق وقوله عليه السلام بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، يقال ثلاثا صباحا وثلاثا مساء، وكذلك التعوذ الذي يليه وعن علي بن أبي طالب t أنه قال: من أراد أن يعافيه الله تعالى من جميع الأوجاع والأسقام فليكتب قوله تعالى: {لو أنزلنا} إلى آخر السورة {ولو أن قرءانا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا} ويعلقه عليه فإن الله تعالى يعافيه من كل وجع وكذلك من واظب على قراءة آيات النجاة السبع صباحا ومساء فإنه يأمن كما قال علي t: "من آفات الزمان وطوارق الحدثان ويحفظه الله من كيد الأعداء، وأنواع الشر والبلاء بفضله تعالى وكرمه وهي قوله تعالى: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون} وقوله تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم}، {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} {إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} {وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم} {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم} {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون}

ومما يستعمل في علاج المرض أيا كان قراءة الفاتحة لأنها شفاء من كل داء، كما في الحديث، وكذلك كتابتها مقطعة الحروف ثم تمحى بماء طاهر ويشرب العليل محوها وكذلك قراءة اسمه تعالى السلام مائة مرة وإحدى وعشرين مرة على المريض فإنه يبرأ بإذن الله تعالى وكذلك كتابة الفاتحة وإن كتب معها مثلث الغزالي رحمه الله كان أبلغ وصورته هكذا:

ب
ط
د

ز
ه
ج

و
ا
ح


ويكتب لكل ما يحدث في الجسد من دمل وغيره ويمحى بماء ويشرب عليه فإنه يبرأ بإذن الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم {براءة من الله ورسوله } إلى علة لا تقبح ولا تريح أبدا إن شاء الله تعالى حبة طلعت في صخرة صماء لا أصل لها ثابت ولا فرع لها نابت بسم الله أرقيك والله يشفيك ويعافيك {ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} أيها النابت في جسم الذي يموت مت بقدرة الحي الذي لا يموت وصلى الله على سيدنا محمد وسلم، قال بعض أرباب الخواص وقال بعضهم: "ومما ينفع لعرق النساء والدمل والثؤلول والسلعة وبعضهم يعبر بالأسلول بدل الثؤلول أن يقرأ عليه ثلاثة أيام الفاتحة {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب} {ويسئلونك عن الجبال} إلى {أمتا} {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة} إلى {قرار} {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم} إلى {موتوا}، {أو كالذي مر على قرية} إلى {عام} مت أيها العرق والدمل والثؤلول أو الأسلول والسلعة بإذن الله تعالى عند طلوع الشمس وغروبها، إلا زالت، وهي قوله تعالى: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض} إلى {جميعأ} {لو أنزلنا هذا القرآن} إلى {يتفكرون} كيف أنت أيتها العلة.

وأما ما يقرأ لتفريج الكرب فمنه ما في التيسير عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند الكرب: {لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش الكريم لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم، وعن أنس t قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كربه أمر يقول: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث" وعن أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب: "الله ربي لا أشرك به شيءا" ومن أدعية الكرب دعوة يونس: {سبحانك إني كنت من الظالمين} لقول الله عقبها فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «وما قال عبد أصابه هم أو حزن: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك وأنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عنك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله همه وأبدل مكان حزنه فرحا» قاله صاحب الحصن الحصين.

وأما تسهيل النفاس فمما يستعمل له ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا عسر على المرأة ولدها فاكتبه لها ومن الخواص أنه إذا علق زبد البحر على فخذ المرأة اليمنى أسرعت الولادة وإذا سحف الزعفران وعجن واتخذ منه قدر لوزة وعلقت على المرأة طرحت المشيمة"، وكذلك إذا علق على إناث الخيل، وقال بعضهم: إذا كتب الوقف الثلاثي على المرأة من حيث لا تصيبه نجاسة وضعت سريعا بإذن الله تعالى وتكتب قبله البسملة، وبعده الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .
وذكر الإمام ابن الجوزي في بعض مصنفاته أنه إذا أتت صبية دون البلوغ إلى امرأة في حالة الولادة وقالت: يا فلانة أنا صغيرة ولدت وأنا دون البلوغ وأنت لم تلد وضعت سريعا بإذن الله.

وأما السلامة من العمى والعدو فمما يستعجل للسلامة من العمى أعاذنا الله وإياكم كما ذكره بعض أرباب الخواص خمس مرات كل صباح وكل مساء فمن فعل ذلك ازداد بصره، وكذلك المواظبة على هذا التسبيح بعد صلاة الصبح ثلاث مرات وهو سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فمن فعل ذلك أمن من العمى والجذام والبرص والفالج كما ذكره الغزالي رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما علمه لقبيصة بن أبي المحارب رضي الله عنه وذكر بعضهم أن من كتب هذه الأسماء وهي عثمان بن عفان عبد الرحمن بن عوف الزبير بن العوام معاذ بن جبل زيد بن حارثة أبي بن كعب تميم الداري مسيح النبي في إناء طاهر ومحاها بماء طاهر وغسل بها وجهه وعينيه لا يعمى أبدا، وفي الأحكام النبوية روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قص أظفاره متخالفا لم ير في عينيه رمدا وقسر ذلك بأن يقصرالإبهام ثم الوسطى ثم الخنصر وشكا بعض الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عينيه فقال: انظر في المصحف فإني اشتكيت عيني إلى رب العزة فقال: انظر في المصحف ويروى عن الشيخ فريد الدين الولي المشهور في بلاد الهند أن من قرأ على ظفري إبهاميه فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد سبع مرات وهو يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم عند كل مرة ثم يتفل على إبهاميه ويمسح بهما على عينيه فإن ذلك ينفع لنور العين وزوال الضرر عنهما إن شاء الله تعالى قاله في كتاب الفوائد،

ومما يستعمل للسلامة من الأعداء أعاذنا الله وإياكم من شرهم المواظبة على قراءة آيات النجاة السبع المتقدم ذكرها صباحا ومساء وكذلك من قال صباحا ومساء حسبي الله الحسيب سبعا وسبعين مرة في سبعة أيام يبدأ بيوم الخميس فإنه يأمن من شر أعدائه وحساده كما تقدم، وفي كتاب الفوائد عن الفقيه الكبير الولي الشهير أحمد بن موسى بن عجيل رحمه الله تعالى من قرأ هذه الآية في وجه من يخاف شره من سبع أو ظالم لا يضره، وهي قوله تعالى الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم، وعنه أيضا أيضا نفعنا الله به يقال في وجه الظالم والعدو تعززت بذي العزة والجبروت وتوكلت على الحي الذي لا يموت شاهت الوجوه وخشعت الأبصار وتوكلت على الواحد القهار وينفث ثلاث مرات فإنه لا يتكلم إلا بما تحب ومن دخل على من يخاف شره فقال في وجهه أطفأت غضبك بلا إله إلا الله أمن من شره وقضيت حوائجه وإذا رأيت من تخاف شره وأردت أن ينجيك الله منه فقل إن الله هو الذي ليس كمثله شيء، وهو الواحد القهار.

وفي كتاب المنة في اعتقاد أهل السنة لشيخنا الكبير سيد رضي الله عنه ونفعنا وجميع المسلمين ببركته وعلومه ما لفظه: "وإذا رأى عدوا فليقل في وجهه الله أكبر من جميع ما أخاف وأحذر ثلاثا اللهم إني أدرأ بك في نحورهم وأعوذ بك من شرورهم وحسبي الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وإذا بلغه أن عدوا يحاول مضرته فليقل: "اللهم اكفني مؤنة فلان وأتباعه وأشياعه من الجن والإنس أجمعين أن يفرط علي أحد منهم أو يبغي علي عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك، وإذا ناهد عدوا مشركا أو غيره فليقل: الله ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فإنك قد قلت وقولك الحق، ووعدك الصدق: "كم من فئة قليلة غلبة فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، وقلت أيضا: "وقولك الحق ووعدك الصدق إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا" {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} اللهم انصرنا ولا تنصر علينا وظفرنا ولا تظفر علينا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وباسمك الكافي اكفنا واعف عنا وعافنا إنك على كل شيء قدير،

وأما ما يعوذ به الصبيان فمنه ما كان صلى الله عليه وسلم يعوذ به حسنا وحسينا وهو: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامه ومن كل عين لامه ويقول هكذا كان أبي إبراهيم الخليل يعوذ إسماعيل وإسحاق، والهامة أحدى الهوام ذوات السموم كالحية والعقرب ونحوهما وعين لامة أي ذات لمم أي إصابة لما نظرت إليه بسوء قاله الإمام السيوطي رحمه الله في الأحكام النبوية ومن قرأ اسمه الرقيب سبع مرات على ولده وأهله وحول ماله فإنهم يأمنون، من الآفات ومن قرأ اسمه تعالى البر سبعا على ناصية طفل وودعه الله تعالى لم يصبه ضرر إلى البلوغ، فإذا بلغ قرأه هو قاله بعض العلماء المتكلمين في خواص الأسماء، ومما يعوذ به الصبي ما ذكره شيخنا الكبير سيدي المختار رضي الله عنه وأرضاه وجعلنا به ممن تولاه وارتضاه في بعض تصانيفه وهو «بسم الله أرقيك من كل شيء يوذيك والله يشفيك وينجيك ويجعل البركة فيك أنبتك الله نباتا حسنا تكررها ثلاثا وأما ما يقال، في الصباح والمساء فهو كثير فمن أراده فلينظر في كتاب الحصن الحصين وغيره من كتب الحديث والدعوات والأذكار فإن فيها من ذلك ما يشفي الغليل ويبرئ العليل على أن من كان عنده وردنا هذا يكفيه الإتيان به بشروطه وآدابه عن سائر الأذكار، وليس له أن يقدم عليه إذا دخل وقته شيئا من التطوعات سواء كان ذلك ذكرا أو صلاة أو غيرهما إلا ما خف كالمعقبات وآية الكرسي وبقية المتعلقات والمعقبات هي سبحان الله ثلاثا وثلاثين والحمد لله كذلك، والله أكبر كذلك وتختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وسميت معقبات لأن لأنها تعود مرة بعد مرة وكل من عمل عملا ثم عاد إليه فقد عقب قاله في التيسير، والمتعلقات هي فاتحة الكتاب وآية الكرسي و{شهد الله أنه لا إله إلا هو} و{قل اللهم مالك الملك} إلى قوله {بغير حساب} وسمي متعلقات لما روي أن الله سبحانه لما أراد أن ينزلهن تعلقن بالعرش وقلن تهبطنا إلى دار الذنوب وإلى من يعصيك فقال سبحانه وتعالى: وعزتي وجلالي لا يقرؤ عبد دبر كل صلاة إلا أسكنته حضرة القدس على ما كان منه ونظرت إليه بعيني في كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة واعدته من كل عدو ونصرته عليه ولا يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت أو كما روي وقد صح الترغيب في المعقبات والمتعلقات أدبار الصلوات المكتوبات وينبغي أن يقول قبلهن وبعد السلام أستغفر الله ثلاث مرات ثم يقول قبلهن وبعد السلام أستغفر الله ثلاث مرات ثم يقول أيضا اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام مرة واحدة ثم ياتي بالمعقبات ثم بالمتعلقات ثم بالورد فإذا أتمه فمما ينبغي أن يقول: اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد مرة واحدة، الله أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك مرة واحدة اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة مرة، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا وربا شاهدا ونحن له مسلمون، أربع مرات سبحان من لا يعلم قدره غيره ولا يبلغ الواصفون صفته، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، مرة هكذا كله بعد كل صلاة من الصلوات الخمس ويختص الصبح والمغرب بزيادة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير عشرا حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبعا اللهم صل على محمد وعلى آله عشرا .

ومن قرأ قل هو الله أحد والمعوذتين ثلاثا صباحا وثلاثا مساء كفي من كل شيء ومن قال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ثلاثا صباحا وثلاثا مساء لم تضره ذات سم حية أو غيرها وهي أمان لمن قالها عند نزوله فلا يضره شيء حتى يرتحل، ومن قال بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاثا صباحا وثلاثا مساء لم تصبه فحأة بلاء ومن قال أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ثلاثا مع ثلاث آيات من آخر الحشر إن قالها مساء حفظ حتى يصبح وإن قالها صباحا حفظ حتى يمسي ومن قال سبحان الله العظيم وبحمده ثلاثا بعد صلاة الصبح وثلاثا بعد صلاة المغرب أمن من البرص والجذام والجنون والفالج، ومن قال سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ثلاثا كان له فضل كبير، ومن قال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ثلاثا كان ذلك كفارة لما أتى في مجلسه ومن قال: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاثا صباحا وثلاثا مساء كان ذلك كفارة ليومه وليلته، ومن قال: اللهم صل على سيدنا محمد نبيك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم ثلاثا عن حب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشوق له كان ذلك موجبا لشفاعته وقد ورد هذا كله في الأحاديث المنقولة قاله الشيخ زروق رحمه الله تعالى.

وسيد الاستغفار هو: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وقد ورد أنه من قاله مساء فمات من يومه كان من أهل الجنة وذلك إذا قاله صباحا فمات من يومه كان من أهل الجنة وذلك إذا قاله موقنا به أي مخلصا به من قلبه مصدقا بثوابه والمرأة تقول: "وأنا أمتك" مكان وأنا عبدك ومن قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به الأرجل عمل أكثر منه، ومن قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس" وعنه رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإنها كنز من كنوز الجنة" قال مكحول فمن قالها ثم قال: لا منجى من الله إلا إليه كشف الله عنه سبعين بابا من الضر أدناها الفقر وعن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: جاء رجل فقال يا رسول الله لا أستطيع أن ءاخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزيني فقال: قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فقال: يا رسول الله: هذا لله فماذا لي، فقال: قل اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني، فقال: هكذا بيديه فقبضهما فقال صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد ملأ يديه من الخير، وعن جويرية زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم، قال: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنته: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم،

وقد ورد هذا كله في الأحاديث الصحاح، فينبغي المحافظة عليه لأنه من شذور الأذكار الماحية للأوزار، والمهيئة لحصول الأنوار والأسرار، واعلم حفظك الله ورعاك وحمد مسعانا ومسعاك أن الفوائد في العقائد وأن التقوى رأس كل حكمة، وجماع كل خير ونعمة، من أراد العلم فليتق الله، ومن أراد الرزق فليتق الله، ومن أراد النجاة فليتق الله، ومن أراد أن يكون أكرم الناس فليتق الله، قال الله تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله} وقال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} وقال تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} وقال تعالى: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} وقال تعالى: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {يا أيها الناس اتخذوا تقوى الله تجارة ياتكم الرزق بلا بضاعة ولا تجارة، وقال الله تبارك وتعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكرم التقوى، ومما يدل على فضل التقوى أن الله تعالى أكد الوصية بها على خواص عباده، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بها بعض خاصة أصحابه وأهل وداده، وقال تعالى: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} وقال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه: أوصيك بتقوى الله تعالى، فإنه رأس الأمر كله، وقال لبعضهم: "عليك بتقوى الله فإنها جماع كل خير" وقال لبعضهم: "اتق الله حيث كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن" وفضل التقوى لا يحصى، وفائدته لا تستقصى، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أوليائه المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لأنه تعالى ولي التوفيق والهداية إلى سواء الطريق، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

انتهت الطباعة بتاريخ 04/05/2008



موريتانيا
تاريخ وثقافة


أبو تلميت
المدينة و الدور الثقافي

صور تاريخية





جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة الشيخ سيدي للثقافة والإنلام - ص.ب: 2101-انواكشوط - موريتانيا هاتف: 0022205290875 / 002226432258

mohamed ismail
20-04-2009, 01:43 AM
http://www.fondcheikhsidiya.org/books.php?action=view&id=5&CategBook=3

mohamed ismail
20-04-2009, 01:53 AM
بحث
الأخبار المقالات فتاوى العلماء العلماء الكتب محاضرات مرئية ومسموعة مكتبة البرامج أخرى








الشيخ سيديّ (باب) بن الشيخ سيديّ

يعتبر الشيخ سيدي باب بن الشيخ سيدِي محمد بن الشيخ سيديّ أبرزَ شخصيةٍٍ ظهرت في أواخر القرن الثالث عشر الهجري وأوائل الرابع، تملأ الدلو إلى عَقْد الكَرَبْ" صيتا وذِكرا حسنا في مجالات شتى ويرجع ذلك إلى عدة عوامل:
شهرة الشيخ سيدي الجد علما وعملا وصلاحا وزعامة دينية حكيمة شاملة لجميع نواحي البلاد بحيث يعتبر أكبر مُصلح بما لكلمة "الإصلاح" من معنى: إصلاحِ ذات البين بين الأمراء فيما بينهم إن تشاجروا وقامت الحرب بينهم على ساق، والإصلاحِ بين القبائل المتناحرة والإصلاحِ بين الأفراد المتنافرة وإصلاحِ النفوس ورياضتها لتنقاد لأمر ربها امتثالا واجتنابا،
إلى نشر العلم والفتوى في النوازل النازلة والتآليف البديعة والنصائح القيمة، إلى دماثة خُلق وتحمل مشقة عُرفَ بهما في رحلته الطويلة في طلب العلم، إلى نُصرة المظلوم وإعانة المنكوب والصبر على جفاء الجافي ودفعه بالتي هي أحسن،
بحيث صار حرما آمنا يلجأ إليه الخائف ويفر إليه الجاني، متعززا بتقوى الله مكتفيا به عما سواه.
ويقال من خاف الله خافه كلُّ شيء حتى صارت سِِمَتُهُ على المواشي أمانا لها من اللصوص الناهبين فصار بعض الناس يضعها على مواشيه خوفا عليها. وفي هذا يقول العالم الشاعر أبَّدَّ بن محمود العلوي يخاطب باب بن الشيخ سيدِي محمد: (كامل)

أنسى الورى بُلدانَهُم وغدت لهم
مَنْ لم يَخُطّ الْـبَــا بلوح خَـــطَّــــه بُلـدانُهُ سَلـْـمَى البلادِ ومَـنـْعِـجَــا
يُـمْـنَى التَّلِـيلِ تحَـصُّـنـًا ممَّا فَجَـا


وأبوه الشيخ سيدِي محمد العالم العامل الناسك المُخبت والشاعر المُفلق والخليفة الكفؤ. فنشأ باب في هذا الجو العلمي الديني والشرف الرفيع مـهـيـأ لـخـلافـة الأبـويـن، فـكان كما قال زهير بن أبي سُـلْمَى المُزَنِي في هرِم ابن سنان المري: (بسيط)

يطلبُ شأوَ امْرَأيْنِ قَدَّما حَسَناً
هو الجوادُ فإن يلحقْ بشأوهِما
أو يسْبِقاه على ما كان من مَهَلٍ
نالاَ الملوك وبَـذَّا هذه السُّـــوَقَـا
عـلى تكاليفـه فمِثـلـُـهُ لـَــحِــقـَا
فمِثـْــلُ ما قَدَّما من صالحٍ سَـبَقـَـا


لكن بابَ لم يكتف بهذا الشرف التالد الموروث، دون الشرف الطارف المكسوب، منشدا حاله قول القائل: (كامل أحذُّ)

إنَّا وإنْ أحْـسَـابُـنـَا كَــرُمَــتْ
نبْني كما كانتْ أوائِلُــنَا
لـَـسْـنـا عـلى الأحساب نـَـتـَّكِلُ
تَـبْنِي ونَـفْعَـلُ مِـثـْــلَ مَا فعـلوا


بل بنى وفعل مثل ما بنت وفعلت آباؤه، كما قيل في رثائه: (طويل)

ولم يرضَ إلا أن يَسُــودَ بنفسه
قدَ اتْـعَبَ نفسًا بالغـُـدُوِّ لـنـيْـــلِـهِ
فَــفَـاتَــهُـمُ إذ يَـرْكَـنونَ لراحــةٍ
فليس بمجدِ الغير سادَ عِصَـامُ
وأسْهـرَ عينـًا والرجالُ نِــــيــامُ
وقَادَ جُموعَ الشِّيبِ وهْو غـُـــلامُ


زيادةً على علمه الواسع الغزير وزعامتـه للقبائل المحيطة به واهتمامه بهذا القطر أجمع وبُعدِ غَوْرِ عقله وجودةِ رأيه وتبصُّره في الأمور وحزمه وشدة شَكيمته في الحق وسياسته المعتدلة، لا تَهَـوُّرَ ولا تأخُّرَ،
إلى أدبٍ لطيفٍ وورعٍ حاجزٍ ونُسـكٍ عربيٍ وتحكيمٍ للسنـة واتباعٍ لها وعرْضِ المعلومات المأخوذاتِ عن الشيوخ الأجـلاء على أدلة الكتاب والسنة والقواعد الشرعية قبولا وردا، وشجاعةٍ على الخروج عن المألوف أو الرأي الموروث إن ظهر له فيه تَحَرُّفٌ أو تَحيزٌ، مع أدب مع الجميـع وإنصاف...
كل هذه عوامل تجسدت في بابَ وانسجمت في سلوكه وتصرفاته بلا تناقض ولا تنافر فكأنها خصلة واحدة مركبة من خصال يخدم بعضها بعضا. فكان دعوة أبيه مخاطبا أباهُ من قصيدته المشهورة: (رجز)

وأنْ يُبارِكَ لكمْ في العَقبِ
منكم فَيحْظى بثـبـاتِ العَـقِـب


وحيث إنّ كل جانب من هذه الجوانب المتعددة لو أرسلَ الكاتب فيه عِنان قلمه كان مُجلدا، أردت أن أركز هنا أكثر على جانبه العلمي، لأكتب عنه كلماتٍ يسيرةً من باب "لازمِ الفائدة" لأن الجوانب الأخرى كلُّها صادرةٌ عن علمه ونابعةٌ منه.. فـــأقـــول:
1 ــ حياته العلمية: حفظ القرآن وهو دون عشر سنين ثم أكب على طلب العلم وأخذه من علماء تلامذة أبويه مع ذكاء خارق وجدٍّ لا يعرف الراحة: (خفيف)

وإذا كانـت النــفــوسُ كِـبـارًا
تعبـت في مُرادها الأجســــــامُ


ثم نظر لنفسه واستجلب الكتب النادرة من قاصي البلدان ودانيها شراء واستنساخا ونحوهما، زيادة على خزانة جده الضخمة التي أتى بأكثرها من المغرب. وفيها يقول بعض معاصريه[i]: (طويل)

وجئت بكُـتْبٍ يُعْجِزُ العِـيسَ حَمْلُها
وعندكَ عِلـْـــمٌ لا تحيط به الكُتْبُ


وأقبل بابَ على المطالعة من غير فتور. أخبرني بعض العلماء راويا عنه، أنه قال له من جملة ما حدثه به: أنه أُعْطِيَ سرعة فائقة في مطالعة الكتب، وأن سرعته في تقليب الأوراق تفوق سرعته في أي عمل... إلى آخر ما حدثني. ولما كثرت كتبه بنى لها دارا لصيانتها، والناس إذ ذاك في هذه البلاد بدوٌ لا يضعون لبنة على لبنة. وقيل في رثائه مشيرا لهذه الدار[1]: (طويل)

وحقَّ لكُتْبِ الطَّبْعِ فيضُ دموعِها
فقد شاد حول البيت صرْحا مُمَرَّدًا
وتبكي طُـروسٌ سُطـِّـرَتْ وَقِـــلامُ
لها إذ غدَتْ عنهـا تضيق خِيـَـــــــــامُ


ويقول بابَ نفسه في ذلك: (بسيط)

بوركْتِ يا دارَ كُتْبِ العلم منْ دارِ
ودام مجدُك محفوظا سُـرادِقـُـهُ
ولاتَــزَلْ نِعَـمُ الرَّحْمَانِ مُــقـْـبـِــلـَــة
ونِـلـْـتِ فتحـا مُبينـا غـيرَ مُـنْـقَـطِـعٍ
وكان أهـلـُـكِ دَأْبًـا كُــلَّ مُـتـَّــبِعٍ
لا يَصرِفُ العُمْرَ في لهْـوٍ ولا لـَـعِــبٍ
طـَـوْرًا إلى أحْرُفِ القرآن وِجْـهَـتـُــهُ
وتارةً يـَــنـْـتـَحِي ما جاء مـن سُـنـَـنٍ
إلى أصولٍ إلى فـقهٍ إلى سَـنَـــــــــنٍ إلى فنونٍ منَ الآلاتِ مُظْــهــرةٍ ألْـفَى بمَـغـْـنـاهُ ما يَبْغـيهِ مِـنْ أرَبٍ
فالحمدُ لله في بَـدْءٍ ومُــخْــتَـــتَــمٍ

وجادَ أرضَـكِ غادِي المُزن وَالسَّاري
طولَ الزمان من المَوْلـَى بأسْـــوارِ
إليكِ غيرَ مَـشُـوباتٍ بـأكْـــدارِ
في العلم زِيــنَ مِنَ التـقــوى بـــإثمارِ
نهـجَ الرسـول بإيـرادٍ وَإصْــــــــــدَارِ
بـل فـي علومٍ وآدابٍ وأذكَـــــارِ
وما تـَـضَمَّـنَ مِـنْ معنـًى وأسْــــــرَارِ
عَـنِ الـنـبــيِّ وأخـبـارٍ وآثــــــــــــــارٍ
منَ التصـوف لمْ يوصَـــفْ بإنْكَارِ
من المقاصـد مســتورًا بأسْـــتـَــــــارِ
فَـقَـرَّ عينـًا بفضـلِ الخـالــق الباري
والحمدُ لله فـي جَــهْـرٍ وإسْـــــرَارِ


وقد كان يفرح بطبع الكتب النادرة فرح الصديق بلقاء صديقه بعد طول الفراق ويقول في ذلك الأشعار الرقيقة المشعرة بالعاطفة الصادقة والاغتباط التام، غير ناسٍ مع ذلك أن شهوةَ العلم العارمةَ لا ينبغي أن تُنسيَّ صاحبها أن العلم وسيلةٌ وثمرتُه التقوى، فإذا لم تصحبه الخشية فهو على صاحبه لا له.
من ذلك قوله عندما طبع ملك المغرب الأقصى مولاي عبدُ الحفيظ بن مولاي الحسن العلوي، على نفقته "منتقى" أبي الوليد الباجي على الموطأ وأتته منه نسخة، ولم يبلغني أنه دخل البلاد قبل ذلك: (طويل)

حـبـيـبٌ وفـَى منه الزمانُ بمُـلـتـقـَى
وساقٍ لبيبٌ لا يُمَـلُّ حَـديثـُــهُ
ومِرْقَاةُ علْمٍ أمْكَـنَـتْـنا ولمْ يكن
بنيْـلِ كتابِ "المُنـْـتَـقَى" غيرَ أنـَّهُ
ونِسْـرينُ رَوْضٍ في البلادِ تـَفـَـتـَّـــقـَا
"سَـقـَانـَا على لـُـوحٍ شرابًا مُعَـتـَّقـَا"
يسيرًا إليها في الأماكنِ مُــرْتَـقَـى
نـَـتـيجَةُ نـَيْـلِ المُـنتـقـى لِمَـنِ اتـَّـقـَى


من ذلك قوله عندما طبع "إكمال الإكمال" للأبي على صحيح مسلم.. وقد طبع بأمر من الملك عبد الحفيظ كذلك. وكان يوجد بعض أجزائه هنا على ندور. فيقول باب مستجلبا له مستعجلا وصوله في شوق زائد وظَرْفٍ حِجازي وأدب راق:

كفانا طوافَ الشرق والغرب للكتْبِ
جزاه إله العرش خـيرَ جزائــــــــه
خليلِـيَّ بـ"الأُبِّـيِّ" عَجِّـــل فإنـمـا
وَوَدِّعْـهُ مَحْـفـُـوظـًا إلينـا مُكَـرَّمًــا
عَذَرناكَ في نـُجْبِ الرِّياحِ فأعْمِلـَنْ
سليمانُ ذو الإحسان في الشرق والغرب
وبارك فيـه من فـتـًى مـاجـدٍ نـــــدْبِ
نـُـعـالجُ أدواءَ المَشُـــوقِ إلـى الأُبِّـــــي
وإنْ كان توديعُ الحبيب من الصعْب
مِنَ الفُلْكِ في تعْـجـيلهِ أَحَدَ الـنُّجْـبِ


حتى إنه يغتبط بالكتب الحديثة التصنيف ممن هو من أقرانه، كـ "ثمان الدرر في شرح المختصر" الخليلي للشيخ الجليل بن الشيخ الجليل عبد القادر بن محمد بن محمد سالم، وينوه به وبمؤلِّفه. وفيه يقول من قصيدة: (وافر)

به بُـرءُ الــعــلـيل وما نـُرَجِّــــــــــي
محيطٌ لا يغادرُ مِــنْ كَـثِـيــرٍ
عَـمِـيـمٌ نفعُـه في كـل قـُــطــرٍ
يُقـَــرِّبُ مـا تباعـدَ مِـنْ مَـــرامٍ
جــلــيــسٌ لا يُــــمَـلُّ ولا نِــــــــــدامٌ
تَطِيبُ عـلى مُسَـامِــرِهِ اللـيَــالِـي
قَبول الناس في كـل النواحي
ـ هَداكَ الله ـ من بَرْدِ الغَلِـيل
يُرادُ منَ المُهِـمِّ ولا قـَـــلِـــيـــلِ
لِذي الفهـمِ الحَـدِيـدِ وللـكَلِـيلِ
بسهْل اللفظِ والسَّـبْــكِ الجميلِ
لمَالِـــكٍ الـنـَّـديـمِ ولا عَــقِــيـــلِ
وتَعْذُبُ مـنْـهُ ساعاتُ المَــقِـــــيــلِ
له ممــا يــــبـــشـــــــــر بالقبول



ويقول في تقريظه "نزهة الأفكار شرح قرة الأبصار" للشيخ عبد القادر بن محمد المذكور من قصيدة: (خفيف)

نُزْهَةُ الفِكْرِ والنَّواظِرِ إنْ رُمْـــ
قـُرَّةُ الأبْصارِ اقْـتَـرَتـْـها فـَجاءتْ وغَدتْ أوْجُهُ المسـائل مـنـْــــــها
بحرُ علمٍ حوَى جواهرَ مــــنـْـهَـــا
هِبَةٌ منْ مواهبِ اللهِ للْجـَـــــــــــهْـ
لك في عَرْفِها الذكِّي اكتفاءٌ
أحْكَمَتْهُ صِناعة ُ الحبرِ عَبْدِالـ
الأريبِ العلاَّمَــــةِ العَـلـَـــــمِ الْمَا
ــتَ سُـلـُوًّا في نـُزْهَـةِ الأفـْكَارِ
قُـرَّةً للأَبْــصَــار والإِبْــصَــارِ
وَسْـطـَـهَـا قـدْ بَـدَوْنَ للـنُّظَّــــــارِ
عاطِــلٌ جُـلُّ هـذه الأسْــــــفَارِ
ـلِ شِـفـَـاءُ عُــنْوانِ فتـحِ الـبـاري
عنْ نسـيمِ الرِّياضِ في الأسْحَارِ ـــــــــقـادرِ اللـَّـوْذَعِـيِّ ذِي الأنـْوَارِ
جـِـدِ نَجْـلِ الأفَاضِــلِ الأخـْــــيَارِ


هذه نماذج وأمثلة تدل على مدى شغف باب بالكتب في أي فن ألّفت، وعلى يد من صدرت، وتشجيعه لمؤلفيها وناشريها.
2 ــ صِلاته ببعض معاصريه من العلماء: ومثلُ ذلك صلاتُه بمعاصريه من كبار العلماء والثناء عليهم في مؤلفاته وأشعاره ومجالسه المأثورة مما لا يتسع الوقت لذكره وإنما نذكر في كل فصل ما يدل على باقيه. من ذلك قوله في شيخ الجماعة مُلحق الأحفاد بالأجداد يُحْظِيهِ بن عبد الودود: (بسيط)

أحظى الذي جَلَّ عن شِرْكٍ وتشبيه
يَرْضَى به الناس في أيامه خلَفـًا
يا رُبَّ جوهرِ علمٍ ظــلَّ يُـنـفـقـُـهُ
يُبْدي عَـويصاتِهِ في الدَّرس بيِّنـَةً
لولا هُداه بتلك التـّيهِ ما خَرَجَتْ
في مجلـسٍ نـَـفـَـعَ اللهُ الأنـَامَ بــهِ
دعا إليه أولي الألباب مُـجْــتَهدًا
ما إنْ تـَـصَـدّرَ بالـتـمويه صاحِبُهُ
فبارك الله في أيـامـه وحـَـمَـــى
أهـلا بمَـقـْـدَمِهِ المَيْـمُـونِ طـَائــرُه
كنا نـُرَجِّـيهِ مُـذْ حـيـنٍ ونامُـلـُهُ
بالعلم والأدب المختارِ يُحْــظِــيـــهِ
من سـيبَوَيْه مُصَـافِـيه وشانيــــــهِ
في آخـذين لهُ لـم يُـغـمـضوا فيهِ
كأن كلَّ عَـويصٍ من مَـبَــاديـهِ
منهُ الهُـداةُ إلى حِـيــنٍ منَ التــّـِيه
سِــيَّـانِ عاكِــفـُــهُ فـيـه وبَـاديـه
لسانُ صِدْقٍ فَـلـَبَّوْا صوْتَ دَاعيه
وإن تصَـدَّر أقـوامٌ بـِـتـَـمْـوِيه
من المكاره مَنْ يحـويه نـاديــــــه
والرَّحْبُ والبـِـشْرُ والتكريمُ لاقيه
والحمْـدُ لله مُـعْـطــي ما نرجِّــيـهِ


ومن ذلك قوله مخاطبا العلامة القاضي العدل محمد مختار ساخو قاضي (بوكى): (كامل)

قاضي الجنان غـَـدا بلا إنـْكارِ
المكتسي حُلـَلَ الثناء من الورى
يقفو سبيلَ الصالحين وهديَهُـم
من حيثُ دارَ الحقّ دارَ ولا تَرى
أخلاقــُهُ بِيضا خُلِقْنَ ولمْ يكُنْ
إن المكارمَ حيثُ كُنَّ مَوَاهِبٌ
زادَ الإلـهُ سُمُوَّهُ وَمَقـَامَهُ
وأثابَـهُ نـَـصْرًا عَـزِيزًا دَائِـمـًا
مـن كان مثل محمدٍ مُختارِ
والـوِِدِّ إِيـذانًـــــــــــــا بِـحُـبِّ الـباري
أبدًا لدَى الإيــرادِ والإصْــــــــدَارِ
حُــكْــمًـا لـَـهُ جَـوْراً على دَيـَّــــارِ
بسوادِ لــونِ مُـهَــذَّبٍٍ مِـنْ عَـــارِ
قـُسِمَتْ عـلى الأقوام عـن مقدارِ
وحَـبَـاهُ مـَا يَــرْجُـو مِـن الأوطـَـار
فــي دارِهِ هـَــذِي وتـلـك الــــــدَّار


وقد خاطب الشيخَ أحمدو بنب بن حبيب الله بعدة قطع وقصائد رائعة. وخاطب الشيخَ سعد أبيه مجيبا له. وله أشعار أخرى في تضرعات وابتهالات ووصف ومدح لبعض الأدباء من جلسائه، وكله جيد يأتي عفوا، لأنه كما قيل لا يعطيه من وقته الثمين إلا لحظات، فيأتي ابْنَ ساعته عفوا سهلا مُمْتـنعا لا تَكلف فيه. ولِـمَ لا يكون كذلك وأبوه الشيخ سيدِي محمد الشاعر المُفلق المشهور وجَده الشيخ سيديَّ الشاعر الفحل الذي يغرف من بحر وينحت من صخر؟
وكان له مجلس علميٌ يضم جماعة من كبار علماء وقته، يتطارحون فيه المسائل ويبحثون في القضايا النازلة، وربما في أحكام بعض القضاة إذا احتيج للنظر فيها. وكانت أوقاته مقسومة بين إقامة فرائضه التي يبالغ في الاحتياط فيما تبرأ به الذمة ويخرج به من العهدة، ويحصل به الكمال في الصلاة، فرائض وسننا وآدابا،
يطيل في المواضع التي يسن فيها التطويل، لأنه يرى أن التخفيف الذي تؤمر به الأئمة نسبي لا يمكن ضبطه إلا بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما هو مذهب المحققين لا كما يقول المتأخرون من الفقهاء المُقَلِّدة.
هذا مع إدامة النوافل والسعي في مصالح المسلمين والشفاعة الحسنة فيهم عند الحكام واستقبال الوفود القادمة وتفقد أحوال المتعلقين به في دنياهم ودينهم والقيام بحقوقهم، كل بنسبة ما يحاول،
وإدمانِ المطالعة من غير مللٍ ولا فتورٍ ليلا ونهارا. قليلُ النوم ليلا. وقيل إنه لم يُر مضطجعا نهارا وأُعْطي في كل هذا قوة لا تتأتى لغيره. وتُثمرُ هذه المطالعة إفاداتٍ وزياداتٍ وتحقيقاتٍ تـُـتـْحَفُ بها جلساؤه فلا يفترقون إلا عن ذَوَاقٍ ربما تكون أنفع لطالب العلم وأسرع في التحصيل وأجمع للشوارد النَّادرَةِ التي لا تتاح إلا للراسخين في العلم المستنبطين للعلم من منبعه الأصلي: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
أقول: ربما تكون أنفع من الاشتغال بالمتون المختصرة حفظا وفهما وأقرب إلى منهجية أخذ العلم زمان النبوءة، وإن كان الاشتغال بالمتون أيضا مهما نافعا لا يستغنى عنه.
وقد نظم مسائل من فنون مختلفة من السِّيَرِ والفقه واللغة....الخ، كنظمه لأهل الصفة من فقراء المهاجرين نظما حسنا وقد استوفاهم الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء وعدهم عدا 74. ونظمٍ في أحكام خِطْبَةِ المسلم على خِطْبَة أخيه ونظمٍ في حُكمِ السجود باعتبار المحل المسجود عليه من جواز وكراهة وندب. ونظمٍ في أسماء الله الحسنى ونظمٍ في أقسام "لا" النافية وأحكامها. وله رسالة في سُنيةِ القبض في الصلاة وأخرى في الطهارة إلى غير ذلك.
وتأليفه في أخبار إدوعيش ومشظوف مملوء فقها وأدبا وظرافة حتى إنه يأتي ببعض الشعر الحساني وما يناسبه في موضوعه من الشعر العربي وهو موضوع طريف لم يُسبق له فيما علمتُ يربط بين الأدب الشعبــي والأدب العربي لو وُجِدَ من يبني عليه ويثريه لكان غايــة في الطرافة.
3 ــ رأيـه في التـصـــوف: كان يقول في نثره ونظمه، إن التصوف علم وعمل وإخلاص ويحذر مما يخالف ذلك. وقال في ذلك: (رجز)

حقيقـةُ الصوفـيِّ عنـد القــــومِ
العالِـمُ العـاملُ بالإخــــــــــلاص
والشيخُ في هذا الزمان الحاضرِ
"يصحبُ شيخًا عارفَ المسالكْ
أَهْــلِ الصفاءِ مِنْ دواعي اللـوْم
لا غيـرُ يا مبتـغيَ الخــــــــلاص
ليس كما تسمع في ابن عاشرِ
يَـقيـهِ في طـريقـهِ المــــهـالكْ"


وهكذا يشير إلى قلة الصادقين في هذه الأزمنة، وله في ذلك قطع مشهورة محفوظة. ولم يزل المحققون من الصوفية يَحُطّونَ على المنحرفين من المنتسبين إلى طريق القوم من غير التزام مذهبهم حتى حمل القشيريَّ في رسالته على إنشاد قول القائل: (كامل)

أمـَّا الخـيامُ فـإنـَّـهـا كخيامِهمْ
وأرَى نِـسَاءَ الحـيِّ غـيْرَ نِـسائها


وقال زروق: "أما الآن فلا خيام ولا نساء". وقد بسط الكلامَ في ذلك في كتبه كـ"النصح الأنفع" و"عدة المريد الصادق" وتعرض لطرف منه في "القواعد" وقبله ابن الجوزي وابن الحاج في "المدخل" وأبو إسحاق الشاطبي وغيرهم ممن لا يحصيهم إلا الله تعالى.
وكان باب يسلك في نصحه وسده ذريعة الفساد مسلك الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة من غير مداهنة ولا تنفير شأنُ المصلح الحكيم يُقرظ حال المستقيم المعتدل ويُنَفِّر من المائل المنحرف ويجمل في ذلك ولا يُعَـيِّـن. ومنه قوله: (رجز مشطور)

الشيخ لــفظٌ وَحْدَهُ لا يُجْدِي
وإِنــَما التـــقْـــــــوى مِــلاكُ المجدِ


أمـا سمعت الشيخ قبل النجدي
وقال في قطعته المتقدمة في دار الكتب وعَدّ ما يُدْرَسُ فيها من العلوم النافعة: (بسيط)

إلى أصول إلى فـقـه إلى سَـنَــن
من التّصَوف لم يوصفْ بإنكار


وقد حرر الشيخ باب مسائل مهمة جدا مما يتعلق بالعقيدة والقراءة والفروع، كانت مثار جدل في القديم والحديـث. ونظم في بعضها أنظاما كتب عليها أنقالا محررة مُتـنزّلة على محل النزاع، حازّةً في المفصل، مَعْزُوة لمصادرها من الكتب المعتمدة عند الجميع، فكانت تلك الأنقال كالشروح لها تبيينا وتوثيقا.
4 ــ موقـفـــه من المتـشــــابــه: منها مسألة التفويض والتأويل في المتشابه من آيات الصفات وأحاديثها. ولا يخفي أن الكل متفقون أن الله جل وعلا منزه عن سمات الحدوث، وأنه ليس كمثله شيء، وقد وردت آيات وأحاديثُ توهم التشبيه مما عُلِمَ مدلوله لغة وجُهِلَ كيفية اتصافه به جل وعلا. فقد اشتهر فيه مذهبان:
مذهب السلف وهو إمْرَارُهُ كما ورد، والتفويض فيه إلى الله أي بأن نؤمن به على مراد الله تعالى مع تنزيهه جل وعلا عن مشابهة المخلوقات.. وهذا هو مذهب الصحابة والتابعين ومن بعدهم من القرون الفاضلة، وعلى ذلك المحققون من الخَلَفِ. إذ لم يكلفنا الله تعالى بمعرفة مراده منه، ولو كان واجبا لبَيـَّـنـَهُ النبي صلى الله عليه وسلم كما بَيَّنَ غيرَهُ، ولسأله عنه الصحابة كما سألوه عن غيره.
ومذهب الخلف، أي بعضِِهِم، تأويله بلائق به جل وعلا، ويقولون إن السكوت عنه مُوهم للعوام وتــنـْبِيهٌ للجهلة مع عدم إنكارهم للتفويض، واعترافهم أنه أسلم.
والتأويل هو مذهبُ أبي الحسن الأشعري الوسطُ بعد خروجه عن مذهب الاعتزال. والأول هو مذهبه الأخير الذي رجع إليه في آخر عمره ورجع إليه الباقلاني و إمام الحرمين. وحكى الإجماعَ على منع التأويل الغزالي و الفخر الرازي وغيرهم كثير.
وقد نظم بابَ في هذا نظما مُبينا أن الراجح من المذهبين هو التفويض بل هو المتعين الذي لا يجوز غيره. لأن المؤول ليس على يقين من مطابقة ما أَوّلَ به لمراد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقد يكون مُعَطِّلا بنفيِ صفة أثبتها الله تعالى لنفسه، لا سيما والمصيب في العقيدة واحد اتفاقا بين المُخَطّـئَةِ والمُصَوِّبَةِ، والمُخطئُ فيها غير معذور، لا يخالف في ذلك إلا من لا يعتد بخلافه. فقال: (رجز)

ما أوْهـَمَ التَّـشْـبِيـهَ في آيــاتِ
فَـهْوَ صِفاتٌ وُصِفَ الرّحمـنُ
ثُـم على ظــاهرها نُــبْــقــيهَا
قـال بذا الثلاثــةُ القُرونُ
وَهْوَ الذي يَنـْـصُرُه الـقــرآن
وكم رآه من إمـامٍ مُـرتـضى
ومَنْ أجـازَ منـــهمُ التأويـلاَ
والحقُّ أنَّ مَـنْ أصاب واحدْ
ووافقَ النصَّ وإجــماعََ السلفْ
ومـن تـَــأوّل فــقد تـَــكـلـَّـفا
وفي الذي هـربَ منه قـد وقـعْ
حتى حكى في مَنْعِهِ الإجماعا
وقـد نـََمَاهُ بعـضُ أهــل العلمِ
فاشدُدْ يــديك أيُّــها المُحِــقُّ
وفي أحاديثَ عـن الثــّـِقــــاتِ
بها وواجــبٌ بهـا الإيمــــــانُ
ونََحْـذَرُ التأويــلَ والتَّـشْبيهَــا
والخـيرُ بـاتـِّـبَاعــهم مَــقْـرُونُ
والسُّــنََنُ الصّحاحُ والحـسانُ
مـن الخـلائفِ بنـاظرِ الرِّضـا
لم يُنكروا ذا المذهبَ الأصيلاَ
لاسيما إنْ كان في العقائدْ
فكيف لا يَتْبَعُ هذا مَـنْ عَرفْ
وغـيرَ ما لـَــهُ به عِــلـمٌ قـَـــــفــا
وبعضهم عن قــولــه بـه رجــعْ
وجَعَــلَ اجتــنابه اتــِّــبــاعـــــــا
مـن الأكابر لحــزب جَـهْمِ
على الذي سمعتَ فهـو الحَقُّ


ونقلَ بابَ عليه كلام البغوي في شرح السنة، عازيا لسفيان بن عيينة: "كُلُّ ما وَصفَ الله سبحانه وتعالى به نفسَه في كتابه فتفسيرُه قراءتـُه والسكوتُ عليه، ليس لأحد أن يفسره إلا اللهُ عز وجل ورسولهُ" وقَوْلَ مالك في الإستواء وقولَ الأوزاعي و ابن عيينة ومالك في أحاديث الصفات: "أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف"وقولَ ابن حجر في فتح الباري: "ومعنى الإمْرَارِ عدمُ العلم بالمراد منه مع اعتقاد التنزيه.
ثم نَقَلَ كلاما نفيسا للفخر الرازي بواسطة السيوطي في الإتقان وكلامَ الترمذي في بابِ ما جاء في خلود أهل النار وعزوه لابن المبارك ووكيع وغيرهما، قالوا: "تُرْوى هذه الأحاديثُ ولا يُقال كيفَ". وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تُروى هذه الأشياءُ كما جاءت ويُؤمن بها ولا تُفَسَّرُ ولا تُتََوَّهَمُ ولا يقال كيف. وهذا أمرُ أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه.
ونَقَلَ كلامَ إمام الحرمين ورجوعَهُ عن التأويل في الرسالة النِّظامية. ونقَلَ إجماعَ السلف على منعِهِ ثم كلامَ ابن الصَّلاحِ في أن التفويض هو الذي مضى عليه صَدْرُ هذه الأمة وأنه لا أحَدَ من المتكلمين يأباه، وكلامَ الخازنِ في تفسيره عند قوله تعالى: "هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة الآية": "وللعلماء في آيات الصفات وأحاديثها مذهبان: أحدهما مذهبُ سَلِفِ هذه الأمة وأعلامِ السُّنة الإيمانُ والتسليمُ لما جاء فيها، وأنه يجب الإيمان بظاهرها ونؤمن بها كما جاءت، ونَكِلُ عِلْمَها إلى الله ورسولِه صلى الله عليه وسلم مع الإيمان والاعتقاد بأن الله مُنَزّهٌ عن سِماتِ الحدوثِ" إلى آخر أنقالِه الغزيرةِ...
وقد تَطَرّقَ فيه إلى فوائد وزوائد كالخلاف في تكفير أهل الأهواءِ وغيرِ ذلك. فأشْبَعَ المسألة بحثا ونقلا لا يبقى بعده للمُنْصِفِ تَردُّدٌ في أن التفويض هو الصواب.

فـاشدُدْ يــديك أيـــــــــها المُحِقُّ
عـلى الذي سمعت فهو الحـقُّ


وقوله: ثم على ظاهرها نبقيها إلى أخر النظم وما في أنقاله الغزيرة من وجوبِ الإبقاء على الظاهر لا ينافيه قول المَقَري في الإضاءة: (رجز)

والنصُّ إن أوْهَــمَ غـيرَ الـلائقِ
فاصْرِفْهُ عَـنْ ظاهرهِ إجماعا
بِالله كـالتّشبيــهِ بالخلائــقِ
واقْطَعْ عَـنِ المُمْتَنِعِ الأطْمَاعَا


لأنّ مُرادَ المقرّي بالظاهر الذي يصرف عنه إجماعا ظاهرٌ يقتضي التشبيهَ، وهذا مما لا خلافَ فيه بين المُفَوِّضَةِ والمُؤَوِّلَةِ. والظاهرُ الذي نبقيه عليه في البيت وأنقاله إبْقاءُ اللفظ بأن نؤمن به كما ورد، ونَكِلُ علم معناه إلى الله تعالى من غير تشبيه ولا تفسير.
5 ــ موقـفـه من عـــلم الـــكــلام: ومنها مسألة علم الكلام الذي تباينت فيه الأنظار، فمن قائل بتحريم الاشتغال به وحكى إجماع السلف على تحريمه، لما فيه من تقرير الشـَّـبَهِ بأقوال الفلاسفة وردِّها بها. وقد شَدَّدَ فيه الشافعي وشنع على المشتغلين به ومن قائل بوجوبه عينا أو كفاية أو ندبه بناء على الخلاف في إيمان المُقَلِّدِ عندهم ولأنه تتقرر به العقائد بأدلتها على مذهب أهل السنة إلى آخر ما قالوا.
وكان من قواعده المشهورة عندهم أن كُلَّ ما يتوقف الشّرْعُ عليه كالوجود والقدم والبقاء ومخالفتِه للحوادث والغنى والوحدانية على الأصح من الخلاف، وكالقدرة والإرادة والعلم والحياة، مُمْتَنِعٌ إثـباتُه بدليل السمع أي لابد في إثباتِهِ من الدليل العقلي، لما يَلزم منه من الدور، وهو تـَوَقـُّفُّ كِلاَ الأمرين على الآخَرِ وهو مُحال لاستلزامِهِ تَوَقف الشيء على نفسه.
ووجْهُ لزومِ الدّوْرِ فيه عندَهم أن من ادعى الرسالة إذا أقام الخارقَ شاهِدا على صدقه فلا يَدُلُّ صُدُورُ الخارقِ على يديه على صدقه إلا إذا تُحُقِّقَ أنّ هذا الخارقِ إنّما صَدَرَ من مُرْسِلِهِ ليكون مُطابقا لدعواه نازلا مَنْزِلَةَ قَوْلِ مُرْسِلِه: "صَدقْتَ فيما أخبرْتَ به عني" فحينئذ يُتَحَقَّقُ تَصْديقُ مُرسِلِه له بهذا الخارقِ وإذا لم يكن لنا عِلْمٌ باتصافِ مُرْسِلِه بالإرادة المُخَصِّصَةِ بهذا الخارق والقدرةِ التي أوْجَدَهُ بها وغير ذلك من الصفاتِ التي يَتوقف التأثير على ثبوتها لله تعالى لم يتم للرسول الاستدلالُ عليها بهذا الخارق.
فإذا لم يكن لنا عِلْمٌ باتّصافِ مُرْسِلِه بهذه الصفات إلا من قََوْلِ الرسول لَزِمَ الدّورُ لأن تَحَقُّقَنا لصدقِه في كل ما أخبرَ به الذي من جُمْلَتِه اتصافُ مُرْسِلِه بهذه الصفات التي لا يتأتى له دون الاتصاف بها إيجادُ هذا الخارق بل ولا إيجاد مُمْكِنٍ ما، مُتَوَقّفٌ على تحَقُّقنا كَوْنَ الخارق فِعْلا لَمُرْسِلِه.
وتََحَقُّقُ كَوْنِ الخارق فعلا لمُرْسِلِه مُتَوَقِّفٌ على تحققنا أن مُرْسِله مُتّصِفٌ بهذه الصفات وتَحَقُّقُنا اتِّصَافَهُ بهذه الصفات على هذا الفرض مُتَوَقِّفٌ على تَحَقُّقِنا لِصِدْقِهِ في كل ما أخبرَ به الذي من جملته اتصافُ مُرسلِه فدار بعد ثلاث مراتبَ.
لأنا إذا أثبتناها بقولِ الرسول فقد توقفَ ثبوتها على معرفتِنا لصدقِه ومعرفتُنا لصدقِه مُتوقفةٌ على معرفةِ كَوْنِ شاهدِه الذي هو المعجزة فعلا لمُرسِلِه، ومعرفةُ كونِها فعلا لمُرسلِه مُتوقفةٌ على اتصاف مُرسلِه بهذه الصفات ومعرفةُ اتصافِ مُرسله بهذه الصفات مُتوقفة على معرفةِ صِدقه ـ على هذا الفرض ـ فدار. وهو الذي أشار إليه المقري بقوله: (رجز)

وكل مــــا لـــــــم يتوقف شرعُ
وعَكسُــه مُمتنــــــــعٌ للـــــــدّوْرِ
عليه فالدليـل فيــه الســمـــــعُ
فاقطِفْ بأيدي العِلم أبهى النَّوْرِ


ونَظم الشيخ بابَ أبياتا ونَقل عليها أنقالا كالشرح لها في أن معجزة القرآن فيها كفايةٌ عما ادعوا لاكتفاء من أسْلمَ في العصر النبوي وعصر الخلفاء الراشدين بها ولا دوْر فيها لأن الجهة مُنْفَكَّةٌ كما سيأتي بيانه فقال: (رجز)

معـرفة الإعــجاز للقـــرآن
وعِلْــمَ ذلك البليغُ يَعْـــلَــمُ
وغيـــرُه يَعـرفُ بالدلــيـلِ
هذا الذي قد رجع الكـلامُ
تـكفيك من معرفة الإيمانِ
ضَـرُورةً عَرَبُــــــــــه والعَـجَــــمُ
إعجــازَهُ بعَجْزِ كُـلّ جــيـلِ
إليـه فاحفظَنْــهُ والـســلامُ


ونقل على هذا كلامَ الحافظ ابن حجر في فتح الباري في كتاب التوحيد عازيا للبيهقي في كتاب الاعتقاد قال: "سلكَ بعضُ أئـمـتنا في إثبات الصانع وحدوثِ العالم طريقَ الاستدلال بالمعجزات، فإنها أصلٌ في وجوب قبول ما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا الوجه وقع إيمانُ الذين استجابوا للرُّسُل".
ثم ذكر قصةََ النجاشي وقولَ جعفر بن أبي طالب: "بعثَ الله لنا رسولا نعرف صدقه، فدعانا إلى الله، وتلا علينا تنزيلا من الله لا يُشبهه شيء فصدقناه وعرفنا أن الذي جاء به الحقُّ"... الحديثَ بطوله. قال البيهقي: "فاستدلوا بإعجاز القرآن على صدقِ النبي، فآمنوا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من إثبات الصانع ووحدانيته وحدوثِ العالَمِ وغير ذلك بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، واكتفاءُ غالبِ من أسلمَ بمثلِ ذلك مشهورٌ، فوجبَ تصديقه في كل شيء ثَبَتَ عنه بطريق السمع، ولا يكون ذلك تقليدا بل هو اتباعٌ هـ".
ثم جلب حديث البراء بن عازب الطويل في سؤال الملكين من مُسندِ أحمد، وقولَ البيضاوي في تفسيره عند قوله تعالى: "قال أو لو جئتك بشيء مُبين": "يعني المعجزة فإنها الجامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته، والدلالةِ على صِدْقِ مُدّعي نبوته".
وللفخر الرازي نحوٌ منه في مواضعَ من تفسيره والزمخشري في الكشاف قائلا: "فلما تجاوبَ كُلُّهُ بلاغةً معجزةً فائتةً لقُوَى البلغاءِ، وتَنَاصُرَ صِحَّة معانٍ، وصِدْقَ أخبارٍ، عُلِمَ أنه ليسَ إلا مِن عندِ قادرٍ على ما لا يَقْدِرُ عليه غيرُه عالمٍ بما لا يَعلمُه سِواهُ هـ". ثم قال، بعد أنقالٍ كثيرةٍ، مُجيبا عن الدور المدعى عازيا لشرح جسوس على توحيد ابن عاشر،
ناقلا من خط شيخه محمد بن زُكري الفاسي: "ليس المُقّلّدُ هُو التارِكَ للنظرِ في الأدلة العقلية خلافا لجمهور المتكلمين، وإنما هو التاركُ للنظر في ثبوتِ رسالة الرسول، كمن وُلِدَ بين ظهراني قوم مؤمنين، وسَمِعَ اسمَ النبي صلى الله عليه وسلم وفضْلَه على الجملة، ولم يخالط أهل العلم ولا من خالطهم، فلم يعرف معجزةً من المعجزات المثبتة للرسالة. وأما من ثَبَتَتْ عنده الرسالة بالمعجزات فاستنادُهُ إلى قول الرسول المتواترِ كافٍ في عقائده، بل هو أقْطَعُ من كل برهان ذكَرَه المتكلمون، فإن قيل هذا ظاهر في غير ما تتوقف عليه دلالة المعجزات على صدقِ الرسول، أما ما هو كالوجود والقدم والبقاء والغنى ومُصححات الفعل فلا للدّوْرِ. قُلتُ هو وإن ذكروه غيرُ ظاهرٍ،
إذ المُتوقف على اتصافِ الفاعل للخارق بذلك هو وجودُ الخارق في نفسِ الأمر، لا دلالتُه على صدقِ الآتي به، فإن المشاهدين لانشقاق القمر مثلا يستفيدون من ذلك صِدْقَ المُتحدي به قطعا، وإن فرضنا أنهم غافلون عن اتصافِه تعالى بتلك الصفات غيرُ مستحضرين له. والمُتوقف على السمع العِلْمُ بتلك العقائد، فالجهةُ مُنْفَكّة. فإن قيل كان حاصلا عندهم، ولو سئلوا عن فاعل هذا الخارق هل هو قادر لقالوا نعم، ولا يلزم من عِلمٍ حضوره، قُلنا ذلك العلم مع صِدْقِ الرسول مستفادٌ من الخارق دَفعةً واحدةًًَ هـ". وعزا له ناقلا عن أبي جمرة والقشيري والغزالي وابن عباد وابن عطاء الله وابن رشد وابن حجر والقرطبي،
أن النظرَ الواجبَ المُخْرِجَ من التقليد هو النظرُ في المعجزة التي ثَبتت بها الرسالة، إذ التقليد هو الأخذ بقول غير المعصوم بغير حجةٍ، وأما الأخذ بقول المعصوم فهو أقوى الحجج. ثم عزا انفكاك الجهة في الدوْر المُدعى لابن كيران في شرح توحيد ابن عاشر نحوَ ما نقل عن ابن زُكري قال: "والخروج من التقليد على هذا في غاية السهولة، وحاصلٌ لعوام المسلمين، ومِثْلُهُ للأمير في شَرحِ الجوهرة وزاد قائلا: لو صحّ هذا الدور للزم بالأولى في الدليل العقلي، فإنه بنفسه والنظرِ فيه يتوقف على هذه الصفات بلا واسطةِ شيءٍ، إذ لم يخرج عن كونه فعلا من الأفعال".
6 ــ تحــريره لمســألة الـضـــاد: ومما حرّرَ باب مسألة الضاد. وذلك أن من المعلوم عند من له نظرٌ في كتب التجويد ومخارج الحروف وصفاتها، ما فيها من أن الضادَ مما تختص العرب بالنطق به سليقةً، وصاروا يقولون لغةَ الضاد يعنون لغةَ العرب. وقال أبو الطيب المتنبي: (خفيف)

وبهم فخرُ كل من نَطَقَ الضا
د وغوثُ الجاني وغيْثُ الطريد


وأنها أصعبُ الحروف، بحيث يتعذر النطق بها إلا بالرياضة التامة وأنها تشبهُ الظاء ولا تمتاز عنها إلا بالاستطالة والمخرج ولهذا عَسُرَ التمييز بينهما وأن بينهما ما يسمى عند علماء البديع بالجناس اللفظي. قال السيوطي في عقود الجمان: (رجز)

قلتُ وإن تشابَــــــــــــها في اللـفظ
كالضاد والظاء فذاك اللفظي


ومثلهما في ذلك النون والتنوين وهاء التأنيث وتاؤه. وقال الفخر الرازي في تفسيره: "إن التكليف بالفرق بينهما من تكليفِ مالا يطاق".
وللحافظ ابن كثير في أوائل تفسيره شيءٌ من هذا. وأن الضاد حرف رِخْوٌ يجري فيه الصوت جَريانَه في بقية الحروف الرِّخْوَةِ، بل قيل إنه مُتفشٍ، والتَّفَشي أخصُّ من الرّخاوَة، وأنه مُستطيلٌ في مخرجه، ولا كذلك غيرُه من الحروف. ولما كان هذا مفقودا في ضاد العامة كَثُر القيل والقال فيها بين المتمسكين بالضاد المألوفة مِنْ أنها هي التي بها الرواية، وقد يبحثون فيما فُقِدَ فيها من صفات ضاد العرب وأنها هي التي ينطق بها الأكثر ممن فيهم أعْلامُ العلماء في الأقطار، ويُجيبهم الآخرون بأن من شروط الرواية موافقتَها لما في كُتُبِ التجويد، وأنها إنما أُلفَتْ لحفظِ الرواية.
فنظم باب في هذه المسألة نظما جامعا وألَّفَ فيها رسالة مستقلة أكْثَر فيها النقل عن أئمة القراءة والعربية، وأطال، لأن المقام يقتضي الإطالة، مُبيِّنا أنّ الضاد الرخوة التي يَنْطِقُ بها هو ومن وافقه هي ضاد العرب صِفَةً، ومَخْرَجًا، روايةً ودرايةًً. وقال: (رجز)

لِيُمعِنِ القارئُ في الضاد النظرْ
هـل ثَمَّ تمييــز عسير جــــدَّا
وهـل تُطيق لفظَه الصبيـــــــانُ
فالضاد أصـعب حـروفهم بـلا
والـمَيزُ بينـها وبين الظـــــــاء
واخـتصت الـعرب بالتكلـــــمِ
بـل ذلك المَخرج بين الضــــاد
يَـبـيـن ذاك للبيب النـاظـــــــــرِ
وليهده إلى ســواء المنهــــــجِ
ونصَّ ذاك النشرُ والتــمهيــــدُ
وأن ضادَ العرب الـعربــــــــاءِ
ونـــــصَّ ذاك في النهاية انـــظــرِ
وليس في تحقيقه من بـــــاسِ
وذاك في ألْـــــفــيــــــــة البيــــان
وقد قفا الجلالَ من تأخـَّـــــــرا
وكم شواهدَ لهذا المـطْــــلــبِ
فالفخر في تفسيره قد نبــــهـا
ومن قضاءِ الحاجِ للمحتــــاج
والحصرُ للظاءات في المُقدمه
وانظـر إلى قولهـمُ مُشالَــــــهْ
وانظـر إلى ذكرهمُ منْ غـَـلـَطا
وفي السماع من جميع العربِ
عند احتجاجه بنص المُختصَرْ
أو ثم حـرف يُتعـب العِبِـــــــدّا
والقِـبْطُ والبربـرُ والســــــودانُ
تنـازع بيـن جميع الفـُـضــــــــــلا
صعبٌ لدى جمــاعة القُـــــرَّاء
بها عَنَ اصحابِ اللسانِ العجمي
والظاء في المُخرج عند النــــادي
عبارةُ المـــــــصباح والنـــــوادرِ
"والضادَ باستطالة ومــخــــرج"
له والاتــقــانُ بـــــــــه شَهــــــيدُ
مُشْبِهَةٌ في السمع صوتَ الظــاء
والفجرَ فانْـظـُــرهُ له والجعـبري
في مبحـث اللفظي في الجناس
وشـرحِها قـد جـاء والإتــقـــــــانِ
فيه ولم يجعـلـْــهُ شيــئًا نُكُـرا
لعلماءِ أهـلِ كُـــلِّ مَذهَــــــــــب
وشرحُ الاقنـاع وشرحُ المنتـــهى
نظــرُه لشَــرْحَـي المـــنهـــــــــاج
وغيرها بالعـد يا صــاحِ لِـــــمَـهْ؟
وقولـَــهُـــمْ قاصــرةٌ فَــيَــالـَــــهْ
بمـــزجِ ضـادِهِ بـِــدالٍ أو بـِـــــطـَا
في الشَّـرْق والغرب تـمـامُ الأرَبِ


وقال: (بسيط)

الضاد حرفٌ عسيرٌ يشبه الظاءَ
لحنٌ فـَـشَا منذ أزمانٍ قد اتّبعَتْ
من غيرِ مُستَـنَدٍ أصـلا وغايتــُهم
والحق أبلـجُ لا يخفى على فـَطِنٍ
هذا هو الحقُّ نصًّا لا مَردَّ لــــــهُ
لا الدَّالَ يُشْبُه في لفظ ولا الطاء
أبــناؤُهم فـيه أجْـداداً وآبـاء
إلـْــفُ العوائد فيـه خَبْطَ عشواء
إن استضاء بما في الكُـتْب قد جاء
من شاء بالحق فليومن ومن شاء


وقال العلامة حبيب بن الزايد التندغي مخاطبا باب:

أحيَيتَ يا شيخُ مَيْتَ العِــلم إِِحياءَ
لكنْ ظلامُ الهوى أعمى البصائر مِنْ
قد عارضوك بأن الضاد لم يكُ عيـ
كأنهم غـَـفـَـلـُوا عَمَّـا افـتـَـتـَحْتَ بهِ
وليس جَعْلُ ذوي الإنكار ضادَكُمُ
فالحسُّ يغلـَطُ في الأشياء يحسـبها
وحُبُّكَ الشيءَ أحيانا يُصِمُّ كما
ما قلتَ إلا الذي في الكُتـْب جاء ومَن
يا من بفهمٍ وإنصافٍ قد اتَّصَفُوا
نـَعَمْ وأسْمَعْتَ لو ناديـتَ أَحْــياءَ
مَنْ عارضوك بما لم يُجْدِ إِجْـداءَ
ـنَ الظاء واستحسنوا مِن ذاك ما ساءَ
"الضادُ حرفٌ عسيرٌ يُشبــهُ الظـاءَ"
ظاءً يُصَــيِّــِرُهُ في نفســه ظــــــــــاءَ
شيئا كما قد يظنُّ الشيءَ أشْــيــاءَ
عَنْ أفصحِ الخلق خيرِ العُرْبِ قدْ جاءَ
لمْ يتـَّـصف بالحَيَا فلياتِ مــا شـَـــــاءَ
تأمَّـلـوا صرَّحَتْ لا ريـــب جَــدَّاءَ


وقال محمد فال بن بابه في ذلك: (بسيط)

مَنْ أنْكرَ الحَـقَّ لا تَـنْصَبْ تعالِجْهُ
ومنْ تأمَّلَ ألْـــــفـَى أصْـلَ عِلـَّتِهِ
فإن فيه عُـضـالاً ذلك الـــــــــــــــــداء
كونَ الطباعِ لـِمَا لمْ تألفَ اعْداءَ


وقد قيـلتْ في الموضوع والبحر والروي مُقَطّعات من الفريقين.
وقال في أول رسالته: "فهذه نقول يعرف بها اللبيب الدائر مع الحق، أن الصواب في لغة العرب الضادُ الشبيهةُ بالظاء المعجمة، حسبما تلقيناه أيضا بالرواية المعتبرة أواخر النقول، لا الضادُ الشائعةُ الآن الشبيهةُ بالطاء والدال المهملتين." ثم نقلَ على هذا كثيرا من كلام القراء وعلماء العربية.
ثم قال والرواية التي وُعِدَ بها قَبْـلُ هي ما شافهنا به أخونا الأديب العالم الثقة المحقق التقي الشيخ محمد فال بن بابه بن أحمد بيبه العلوي حفظه الله وجزاه خيرا، ثم طلبنا منه كتابتها، فكتب ما صورته: "الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم، قرأتُ الفاتحة وبعض السور على المقرئ بالحرم المدني، مُفتتحَ عام سبع وثلاثمائة وألف، وهو الشيخ أحمد بن محمد الصوفي من أهل القسطنطينية، وجدتُه مجاورا بالمدينة، ماهرا في فن القراءات والتجويد، يتصل سنده بابن الجَزَري، وكنتُ أتردد إليه ما دمت في المدينة.
ولما سمعتُ أولا كيفية نطقه بالضاد، ظننته يجعلها ظاء، فقرأت عليه بها فقال لي "ظ" لا و"ض" لا، يعني ب "ض لا" النهي عن الذي يقرأ به أهل بلادنا ومن يقرأ كقراءتهم، وأنا كأني لا أسمع منه إلا الظاء، وهو لا يرضى بها مني فقلت له ما الفرق، فقال لي: والضاد باستطالة ومخرج مَيِّز من الظاء... "انتهى ما كتبه محمد فال.
7 ــ مسألة الاجـتهـاد والتقــلــيد: ومن المسائل التي ألف فيها باب مسألةُ الاجتهاد والتقليد. ومما دعا إلى ذلك أن المقلد للمذهب المالكي مثلا، قد يجد الدليل مع المُخالف في المذهب أو مع مُقابلِ المشهور في مذهبه، فيُصر على التمسك بما كان عليه، ويَستدلُّ بكلام القرافي في التنقيح: وهو "أن من ليس بمجتهد لا يجوز له العمل بمقتضى حديث، وإن صحّ عنده سندُه، لاحتمال نسخه وتقييده وتخصيصه وغير ذلك من عوارضه التي لا يضبطها إلا المجتهدون.
وكذلك لا يجوز للعامي الاعتمادُ على آيات كتاب الله العزيز، لما تقدم. بل الواجبُ على العامي تقليدُ مجتهدٍ معتبرٍ ليس إلا. لا يُخلصه من الله إلا ذلك. كما أنه لا يخلص المجتهدَ التقليدُ، بل ما يُودي إليه اجتهاده بعد بَذلِ جهدِه بشرطه". وقد نظم سيدي عبد الله في مراقي السعود هذا بقوله: (رجز)

من لم يكن مجتهدا فالعمل
منه بمعنى النص مما يُحْظَلُ


فقد فهم باب بأن هذا الكلام لا يخالف ما تقرر من وجوب العمل بما رجح بالدليل، فقال: "بل يوافقه لان المُقلِّد في هذه الصورة تابع للمجتهد المُوافق لذلك الدليلِ. على أننا نفرض أن المقلد في هذه المسألة قد اطلع على ما قاله العلماء في دليلها، وعلى ما قالوا في أدلة المخالفين وفهمها وعلم الأقوى منها". وقال في أوله: "فهذه نقولٌ قـُصد بها بيان أن الأولى للمقلد لأحد الأئمة الأربعة إذا وجد خلافَ إمامه عن أحد الأئمة الثلاثة في مسألة وتبين له رجحانه على مذهب إمامِه في تلك المسألة بموافقة القرءان أو السنة الصحيحة المُخرَّجَةِ في الصحيحين، أو أحدهما،
أو نصّ الترمذي مثلا على صحتها، ولم يجد ذلك لإمامه، أو وجد ثلاثة من الأئمة الأربعة مُتوافقين على خلافِ إمامِه في مسألة، ولم يجد فيها دليلا من القرءان والسنة الصحيحة موافقا لإمامه، ولاسيما إن اجتمعت هذه المُرجّحات كُلُّها ومعها روايةٌ عن إمامه، أن يعمل بما تبين له رجحانه إن كان متحريا للحق". ونقل كلام القرافي الذي يستدل به الخصوم، وأشبعه نقلا عن أئمة المذاهب الأربعة، مع التعريف بالقائل، نقلا عَمَّنْ عَرَّفَ به من المؤرخين، كما يفعل الرهوني في حاشيته تارة.
وبالجملة فهو كتاب غزير العلم مطبوع مُنْتَشِرٌ في المكتبات، مُفهرسُ الفصول سَهْلُ التناول، وقَرَّظَه بأبيات مطبوعة معه، أولها: (بسيط)

هذي نُقولٌ صحيحاتٌ صريحاتُ
في قَفْوِها لإله العرش مرضاةُ


مع تقاريظ الشيخ أبي مدينَ بن الشيخ أحمدُّ بن سليمان والشيخ محمد والشيخ عبد الله رحمهم الله تعالى. وقد نصره في هذا الموقف الذي يُعدُّ غريبا جديدا على الطلبة المُقَـلّـِدَةِ في ذلك الوقت جماعةٌ منهم صديقه محمد فال بن بابه بن أحمد بَيْبَ، كما وافقه في مسألة الضاد ومسألة المتشابه، ونَظَمَ ونَثَرَ في كلٍ منهما.
أما مسألة تقديم الراجح بالدليل فقال فيها قصيدتَه المعروفة: (طويل)

على الشيخ قد عابَ الغَبيُّ بجهله
وما في كتاب الله بالنص مُحْكَمًا
وما قال جمهورُ الأئمة تابعًا
ومن يَتـَـتـَـبَّعْ ذاكَ يُلْفِ لمالكٍ
وإن هُدى الله الكتابَ هو الهُدى
وما سنـَّهُ خيرُ الـعباد مــُبَـيِّنٌ
فما جيء من بـعد النبي بناسـخٍ
لأصل حـديث الهاشمي قطـَعتـمُ
إذا انحرف الوالي عن الرشد والهدى
بدولة حكم الجهل يُذْعِنُ عالمٌ
وإذْ عَزَّ تفهيمُ البليد فإِنَّما
ويَهْـذِي أخُو جهْـلٍ يعارضُ عالما
ومنْ كان قدْرا فوق باعِكَ فِتْرُهُ
إذا قال قولا كان شأوُك قاصرا
وقولةُ سفيانَ "الحديثُ مضلَّـةٌ
مقالةُ حقٍّ وهْيَ في حق قاصرٍ
ولمْ يَدْرِ ما مَـنـْسوخُه وضـعيفُه
ولستُ بنافي الفرعِ أصلاً وإنما
كما لابن عبد البر جــاء مُبـَيَّنـًا
وأرشدَنا الشيخُ ابنُ رُشدٍ لمثل ذا
ومن كان لا يرضى من الشيخ سيرةً
فإني أراه كــــــــــــــــــان حقا مُـجَدِّدًا
وما كان أن يرضى بباطلِ كاملٍ
تَـتَـبُّعَ أقْـــوَالِ النّــبـــــــي وفــــعلِـــــــه
وما صَحَّ من تقريرِ خاتمِ رُسـْـلِـه
لما صح من معنى الدليل ونقله
وأصحابـِــــــه قــــــــــــولا قــــويا بِحِـلــِّهِ
ولـيس يَضِـلُّ المُمْسكونَ بحـبْـلــهِ
كما زِيدَ من نَقْطِ الكتاب وشكلِـه
سوى سوءِ فهمِ المَذهَبِـيِّ وجهْلِه
وقـد أمرَ اللهُ العظيمُ بوصْــــــــلِه
فذاك قضى الدينُ الحنيفُ بعَــزْلِـهِ
لمنْ يدَّعي علما وليس مـنَ اهـلِـهِ
يـُقالُ لــه قـولُ الخليل لـنـَـــجْــلِــهِ
يَدُلـّـُكَ لـو تدري على نقصِ عقله
ويَغـْــمُرُ وَبْــلاً منك هاطلُ طـَـلـِّــهِ
عــن إدراكِهِ فادْرِ السبـيـلَ وخَـلـِّه
لــغير فقيهٍ الاِجتهادُ منَ اهــــلــه"
يُــحِـلُّ صريحَ اللفظ غيرَ مَحَـلــِّه
ويُخطئ في وضعِ الحديث وحمْله
أمِرْتُ بأخذ الفرع وَصْلاً بأصْلِهِ
لدى جامعِ العلمِ الشريفِ وفضْلِهِ
كذاك قضى القاضي ابن نصر بمثله
فلم يكُ يرضى المـــرء إلا بشكْــلِـــهِ
يَدُلُّ على رُشْدٍ ويهدي لِسُبْـلِهِ
ولا حــــقَّ ذي نقصٍ يَرُدُّ لِعـَدْلِـــــــهِ


وممن كاتب باب في الموضوع عثمان بن محمد يحي بن سَليمَ اليونسي نسبا الولاتي، فقال يخاطبه بأبيات مطلعها: (وافر)

ألا فاصدع بأمـرك ثـم نادِ
بــه مُــتـشـمّـرا فـي كل ناد


وتولى جوابه الشيخ أبو مدين بأمر من الشيخ بقصيدة يقول فيها: (وافر)

وأُمُّــوا بالــمَــطِيِّ جَــنابَ بـــابٍ
تدارك من حُـشَـاشتِهَا ذَِمَاءً
فنال "الرفعُ" رفعًا بعدَ خفضٍ
وكان "القبض" منقبضا فأمْسَى
يــدُلُّ على شريعــةِ خيرِ هَادِ
فــنال الــرِّيَّ منها كُلُّ صادِ
ونال "الضَّـادُ" تـصحِـيحَ المَـبادي
بسَطْـوَتِـهِ يَصُولُ عَـلى الأعَادي


إلى أن يقول:

ولـكنَّ الفـتى عـثمانَ قـِدْمًا
أتَـتـْــنـا مـن رسـائله تـحايا
بنهجِ الحقِّ مــشغوفُ الفـُــؤادِ
تـُـتـَـرْجمُ عن مـقالِ أخـي وِدادِ


ويقول عثمان المذكور يخاطب باب من أبيات: (وافر)

أرَيْتَ النـاسَ ديـنَ الله حـقـًّا
فـقد أَلِـفـُـوا اتـِّـــبـاعَ مُـوَلـَّداتٍ
ولكنَّ الــبصائرَ عـنهُ عُــمْـــــــيُ
وذلك عن سبيلِ الحقِِ نـَـأْيُ


مما يدل على أن دعوته بلغت أقصى البلاد شرقا كما غَرَّبت وجالت جنوبا وشمالا داخل البلاد وخارجها.
وقرظ محمد فال بن بابه تأليفه في الضاد بقوله: (بسيط)

شمس الهدى قد بدت صحوا لمن راما
والصَّـيْرِفيُّ قدَ ابْدى خالصا ذهبا
والــحقُّ لاح عِـيانـًا لا خـفاءَ بـه
وسَـلَّ سيـفا مـن البرهان صار بـه
لله في الخلق من إرْثِ النبوءةِ ما
فبعضه كــان أنْــقـَالاً مُصَحَّــحة
وذاكَ ما قدْ أفاضَ الشيخُ سَـيِّـدُنا
أبدى به الحقَّ نهجًا واضحا سُبْلا
ذو الفهم مُنْصفاً إنْ يَنظُرْهُ كان له
ألْـفـاهُ حقـًّا صحيحًا لا خفاءَ بهِ
إن لم يـكن فاهمًا ما في مُضَمَّنِهِ
قد أوضحَ السُّـنَّـةَ الغَـرَّاءَ حيـنَ غَدَتْ
قواعــــــدُ البيت منها صـــــــارَ يَرفعُها
وقامَ من نـَصْرِ ديـنِ اللهِ مُجْـتهدًا
سُبْـــلَ الهدى فَنَفَتْ غـَـيْمــا وإظـلامـا
وبَيَّنَ الـزيْـفَ والـتدليس قـدْ قـاما
كالنور يعْلو لِـذي العينين أعْلاما
يعدو الجبانُ إلـى الـهيجاء مقَداما
يهدي بـهِ لِـسَــبـيـل الـحقِّ أقواما
وبــعضُه واردٌ فـَـيْـضًــا وإلـْـهَـامَـا
مِـنَ العُـلوم لأنــفِ الـجهل إرغـامــــا
لوِ اسـتوى الـناسُ إنصافـًا وأفْهَامَا
عن فاضحِ اللَّحْنِ في القرآن إلجامَا
ومـا يُعارضُهُ جـهلاً وأوهــامَــا
فذي الدلالةُ إطـباقـًا وإلـْــــزامَــا
مطموسةً بينَ أهلِ العلمِ أعْلاما
يُـبْدي مَناسِــــكَـها سَـعْـيًا وإحرامَـا
ما عندَ باقي حُمَاةِ الدينِ قـد نامَا


خـاتــمـــــة: وبالجملة فالكلام على الشيخ سيدي باب طويل عريض ولعل ما فاتنا منه أكثر، بل هو الواقع ومع ذلك لم نستوعب ما رويناه عن الثقات ممن كان من جلسائه أو زُوّارِه مما يَتـَعلقُ بعلمه وعمله وفراسته الصادقة وبعض كراماته، وكلهم شاهدُ عيانٍ يَروي عنه بلا واسطة..
فرحم الله الشيخ سيدي باب وتقبل عمله وبارك في ذويه وأهل بيته وحفظهم وأتم عليهم نعمته وأسبغها عليهم ظاهرة وباطنة.

وُلِدَ باب، كما ذَكر حفيده العالم المحدث محمد بن أبي مدين في ترجمته المختصرة المفيدة، في ربيع الأول عام سبع وسبعين ومائتين وألف. وتوفي ثالث جمادى الآخرة عام اثنين وأربعين وثلاثمائة وألف.
وقد أرخ لوفاته العلامة القاضي من الطراز الأول من قضاة العدل سيدي محمد بن الدَّاهْ بن دادَّاهْ مشيرا بحساب الجُـمّـل أيضا إلى قدر عمره بقوله: (رجز)

قَضَى بجيمٍ مِنْ جُمادى الثانيه
الشيخُ سيديَّ بـوقت الظُّـــــهرِ
فــي سنةٍ تـاريخُــــــــــــها "بشمس"
إمــامُ كُـلِّ حَضَرٍ وبــــــــــــاديَهْ
يــومَ الخميسِ يا له من أمْــــــرِ
والـعمرُ "دين" كضياءِ الشمسِ


كما أرخ له محمد فال بن بابه في مرثيته له، مشيرا إلى قدر عمره بحساب الجُمَّــل، بقوله: (طويل)

و"صَدَّ" "بشمس" عمرُه ومسيرُه
فكان بـه للمـكْـرُماتِ خِـتامُ.



من محاضرة:
الشيخ سيديَّ بابَ.. ترجمة علمية
رسالة العلامة/ الشيخ محمد فال (أبَّاهْ) بن عبد الله




[رجوع]


علماء و أعيان
من أسرة الشيخ سيديّ

علماء و أعيان
موريتانيون


موريتانيا
تاريخ وثقافة


أبو تلميت
المدينة و الدور الثقافي

صور تاريخية





جميع الحقوق محفوظة - مؤسسة الشيخ سيدي للثقافة والإسلام - ص.ب: 2101-انواكشوط - موريتانيا هاتف: 0022205290875 / 002226432258

mohamed ismail
20-04-2009, 01:59 AM
الشيخ سيديّ بن المختار بن الهيبة


مصدر الترجمة:
كتاب تراجم الأعلام الموريتانيين ـ الجزء الأول
جمع وترتيب :
د.ابراهيم بن اسماعيل بن الشيخ سيديّ ـ
أ. سيدي أحمد بن أحمد سالم ـ انواكشوط ـ 1997م



نسبه و مولده :
هو الشيخ سيديّ بن المختار بن الهيبه بن أحمد دوله بن أبابك، و اسمه أبوبكر بن محمْ الملقب انتشايت جدّ أولاد انتشايت ، وهم بطن من بطون أولاد أبييري. أما أمه فهي عائشة بنت أَلَفَغَ عبيد بن الفاللً (بلام مغلظة أي الفاضل) ، بن أبابك حيث يتلقى نسب أبويه . و أخوال أمه إدبعمر من قبيلة أولاد أبييري.
ولد الشيخ سيدي سنه 1190 هـ، وهي السنة المعروفة في الحوليات الموريتانية بعام " المرفك " بنواحي مدينة بوتلميت.

دراستــه :
يتضح من خلال تتبع مسيرة الشيخ سيديً الدراسية وجود أربع مراحل بارزة هي:
مرحلة تعلّم القرآن :
حيث درس الشيخ سيديّ على خاله وسميه : السيد العالم سيديّ بن ألفغ عُبَيْدْ، ثم تنقل إلى شيخ آخر هو الطالب الأمين بن الطالب المختار، وهو من قبيلة تيمركيون.
ويقال إنه قضى أربع سنين في هذه المرحلة و هو بمرابع أولاد أبييري. وقد توجت دراسته باتقانه حفظ القرآن برواية نافع ، من طريقه المشهورتين ورش وقالون.

مرحلة تعلّم علوم الآلة :
وعلى عادة طلاب العلم في منطقته توجه الشيخ سيديّ لطلب علوم الآلة من لغة ونحو وبلاغة و منطق .....
فحل بمحظرة العلامة حرمه بن عبد الجليل العلوي فقرأ عليه النحو و الصرف وعلوم البلاغة من معان وبيان وبديع بالاضافة إلى المنطق و العقائد و اللغة.
وكان من التقاليد المعرفية أن يبدأ الطالب الآلة أو ما يسمى بالعلوم العقلية قبل الفقه وغيره ، ليتسنى له فهم النصوص الشرعية من فقه و أصول وسنة وتفسير ....
ذلك أن مدارك الطالب وآفاقه المعرفية ستكون أكثر استعدادا لفهم الأسس و القواعد التي انبنت عليها الأحكام الفقهية وتأويلات الفقهاء و اجتهاداتهم .
وقد أطلع الشيخ سيديّ على المباحث النحوية و البلاغية وغيرها. وكانت الفترة الزمنية التي قضاها الشيخ سيدي مع شيخهُ حرمه بن عبد الجليل ثلاث عشرة سنة في آبار قبيلة إيدوعلي المعروفة محليا بالعقل.

مرحلة تعلّم الفقه:
فقد اتجه الشيخ سيدي نحو محظرة أخرى عرفت أساسا بالتعمق في الدراسات الفقهية و ما يتعلق بها، وكانت لها بذلك شهرة عمت موريتانيا ، ألا وهي محظرة: أهل حبيب الله بن القاضي من قبيلة إيديـﭽبّـه و اسمها الصفراء و الكحلاء.
وقد حل الشيخ سيدي بهذه المحظرة، حيث درس على شيخيها حبيب الله وابنه محمد محمود ، الفقه وقواعده.
و تقول الرواية إن مكثه في محظرة حبيب الله بن القاضي دام اربع سنين، حيث أتقن مختصر خليل إتقانا تاما ، لذكاء التلميذ وعناية الأستاذ.

وتأتي المرحلة الرابعة وهي مرحلة التربية الروحية :
حيث انتقل الشيخ سيدي في سفر بعيد قاده من منطقة القبله حيث نشأ إلى منطقة أزواد (بجمهورية مالي حاليا) فاتصل بحضرة الشيخ سيدي المختار الكنتــي . ومر في طريقه نحو أزواد بمدينة تيشيت حيث عكف على النظر في مكتباتها الغنية، كما مر أيضا بولاته ذات الشهرة العلمية.
وقد لبث الشيخ سيدي في الحضرة الكنتية المختارية ست عشر سنة؛ خمسة شهور منها في حياة الشيخ سيدي المختار و الباقي مع ابنه الشيخ سيدي محمد الخليفة. فقد وصل الى ازواد أواخر سنة 1225هـ وغادرها أواخر سنة 1242هـ .
وقد اجازه الشيخ سيدي محمد الخليفة وابنه الشيخ سيدي المختار الصغير (بادي) . وكذلك أجازه الشيخ سيدي أعمر و الشيخ حبيب الله أبنا الشيخ سيدي المختار الكبير.
وقد كتب الشيخ سيدي وهو في الحضرة الكنتية متشوقا للعودة، إلى القائم عليها الشيخ سيدي محمد الخليفة يطلب الإذن بالرجوع إلى دياره. وكان يذكر في مكاشفاته أن صالحي أولاد أبييري كانوا يزورونه وهو في أزواد ومن ابرزهم ، كما تقول الرواية، الشيخ المحمود لله وهو صالح مشهور من إدبعمر.
فرحلة الشيخ سيدي لطلب العلم على هذا الأساس كانت مدتها قريبا من سبع و اربعين سنة .

عودة الشيخ سيدي من المحظرة الكنتية :
عاد الشيخ سيدي من عند أشياخه الكنتيين عالما لا يشق غباره ومربيا عارفا بأسرار القلوب، فتلقته قبيلته أولاد أبييري بالترحيب و الاكرام، وتذكر الرواية أنه زارها مجموعة مجموعة، فزار إدميجن عند بئر المرعي، وأدبعمر عند الواسطة وأهل محنض نلله عند ماليل وأولاد انتشايت عند أكججو وأهل أحمد الفالل و أولاد خاجيل و إدادهس إلى غير ذلك فكان يحل بالحي فيجد الآذان صاغية لدعوته لاصلاحية و القلوب مطمئنة بالاستنارة بتوجيهاته.
ومن الملاحظ أن الشيخ سيدي جاء من أزواد وهو يحمل فكرة إصلاح مجتمعه فبدأ بمحيطه الخاص (أولاد أبييري ) ليعمم بعد ذلك تأثيره وتوجيهه.
و بعد ذلك تزوج بمحجوبة بنت عالي بن عبدي (أمامه)، من أهل محنض نلله وله منها ابنه الوحيد الشيخ سيدي محمد العالم الشاعر.

تلاميذ الشيخ سيديّ الذين أجازهم :
أخذ عن الشيخ سيدي طائفة كبيرة من طلاب العلم و تلاميذه، و قد كانت لهم تأثيراتهم الواسعة في مناطقهم. ومن بين هؤلاء ممن أجازهم الشيخ سيدي و تصدروا على يده .
هلال بن محمذن الألفغي الشمشوي .
و الشيخ محمد أمبارك اللمتوني .
و الشيخ عبد القادر بن سيد الأمين بن محمود بن طوير الجنة الحاجي.
و الشيخ محمود محمود بن الرباني التندغي.
و الشيخ أحمد بن المختار بن أزوبن التنواجبوي.
و الشيخ سيدي محمد بن سيدي أحمد بن حبت الغلاوي.
و الشيخ محمد أمبارك الكسمي و الشيخ محمذُ باب ومولاي إبراهيم بن سيدي محمد (من ذرية عبد السلام بن مشيش)، و عثمان كبا.
والشيخ أحمد بن ألفغ محمذ و الشيخ محمد بن ألفغ محمذ وهما من أولاد الطالب أحمد
و الشيخ محمد بن سيدين بن أحمد محمود بن محم بن باب الأبييري
الشيخ أحمد بن أبن عمر بن محمذن
و الشيخ سيدي الأمين بن حبيب الله وهما من إيدودنيفب من بني ديمان أيضا
والشيخ الحسن من أولاد أخطيره من إداب لحسن .
وكذلك الشيخ محمد بن حنبل الحسني.
و الشيخ سيدي الفاللي الحسني .
و الشيخ سالم بن أبوه و الشيخ أحمد بن محمد الألفغيان .
و الشيخ حمدي مولود بن أحمد محمود
و الشيخ محمد سيدين و الشيخ سيدي محمد بن محمد سيدين وثلاثتهم من أدبعمر من أولاد أبييري، وقد أخذ عنه غير هؤلاء ممن سيرد بعضه في النص الملحق.

صفاته:
كان الشيخ سيدي حليما ثبتا، عالما متضلعا، متبعا للسنة مؤتمرا بأوامرها ومبتعدا عن نواهيها، ومدرسا تخرج على يده طلاب كثيرون.
وكان ساعيا في مصالح المسلمين بجلب المنافع لهم ودفع المضار عن ساحتهم هذا فضلا عن كفالة ضعافهم و النفقة على فقرائهم و تسيير مصالحهم .
و قد وفدت أصناف الناس إلى بابه، و يتضح ذلك من خلال الشعر الكثير الذي قيل فيه فصيحا وعاميا.
و كان الشيخ سيدي حرما آمنا وركنا منيعا لا يخشى العدوان بحرمه، مهيبا عند أهل السلطة يقول صاحب الوسيط : «و كانت العرب في ارض شنقيط تجعله حرما آمنا فيجتمع عنده أحدهم بمن قتل اباه أو أخاه فيجلسهما على مائدة واحدة وإذا بلغ الجاني تواصى أهل البلد الذي يقيم به أمن على نفوسهم لم يمض عليه يوم إلا عنده آلاف الناس يطعمهم ويكسوهم ويقضي جميع مآربهم حتى لقي الله ولا يسأله أحد حاجة إلا أعطاه إياها بالغة ما بلغت » .
ويقول أحد الباحثين المعاصرين متحدثا عن مكانة الشيخ سيديا السياسية و الاجتماعية لا يوجد شك عند دراسي التاريخ الموريتاني، حيث يعتبرون الشيخ سيديا (الكبير) مركزا مسيطرا بين الزعماء السياسيين و الدينيين لهذه البلاد في القرن التاسع عشر، وحقا، فعلى الجيل الموريتاني المقبل من علماء السياسة أن يعيد إلى الشيخ سيديا حقه كأول شخصية وطنية, لقد كانت حياة الشيخ سيديا السياسية السابقة للاستقلال في حقبة سنوات1950.
يوضح الباحث أيضا في سياق آخر القضاء المكاني الذي شمله تأثير هذا الشيخ سيديا قائلا: «.. وعند موت الشيخ سيديا سنة 1968، عمر يناهز ثلاثا و تسعين سنة، كان زعيم أولاد أبييري الذين اصبحوا بدورهم من أقوى التجمعات في الجنوب الموريتاني اقتصاديا و اجتماعيا، وكان للشيخ سيديا نفسه اتباع من فوتا جالون الى الجنوب المغربي، ومن فوتا تورو الى تيمبكتو، وكان سيديا على صلة، عن طريق المراسلة برجال في مكة، وبولان سان لويس مع سلطانين متعاقبين في مراكش،
ومع اثنين (وربما اربعة من قادة الجهاد في غرب افريقيا في القرن التاسع عشر وقد اصبح صانع القرار في الشؤون الدينية فريدا بلا منازع في بلاد شنقيط » . وقد ترك رسائل لها مضامين اجتماعية و سياسية في غاية الأهمية وسنتطرق لبعضها.

علافاته بمحيطه :
يفهم من رسائل الشيخ سيدي المتعددة أنه حاول أن يضع مشروعا تنظيميا لمجتمعه و يتجلى ذلك أساسا في جملة من الاجراءات كاعتماد النقباء داخل قبيلة كل نقيب أو مجموعة نقباء يمثل بطا معينا ويكون عدد النقباء بحسب الكم الديمغرافي للبطن ووظيفة النقيب هي حل المشاكل الاجتماعية المشتركة، و يكمل الإجراء التنظيمي الماضي أيضا اجراء آخر و هو تشكيل جهاز قضائي بتعيين قاض لكل بطن.
و قد تم تخصيص طائفة من التلاميذ بوظائف مالية من حيث تسيير موارد الحرة المالية من حراثة وسقي الماشية وهدايا. و لم يمهل الجانب الثقافي حيث تخصص بعض العلماء الماهرين في نقل الكتب و القيام على المكتبة.
وقد نشطت دبلوماسية الشيخ سيديا وكثر سفرؤه خاصة وهو يتصل بالإمارات الموريتانية، فقد اتصل الشيخ سيديا عندما استقر بحضرته ببعض الأمراء و الأعيان في زمنه من ذلك أمير الترارزه أعمر بن المختار المتوفى سنة 1245هـ وهو الأمير الثاني عشر من أمراء الترارزه، وقد تركها أعمر بن المختار سنة في أبنائه من بعده وخاصة ابنه الأمير من بعده محمد لحبيب (توفي 1277 هـ /860 م )
وفي سفر الشيخ سيدي هذا نحو أمير الترارزه قال قصيدته التيلمية نسبة الى ابي تلميت التي يستسقي فيها ومطلعها :
الا عم صباحا يا ابا تلميتا وحز من نجاح ما اردت وشيتا
وساق إليك الله كل فضيلة وجاد بأرضك الجدا فحظيتا
وهي تنيف على خمسين بيتا .
و كما كانت الرسائل تروح وتغدو بينه وبين الأمراء أولاد السيد من البراكنه و بينه و بين بكار بن اسيويد احمد أمير إيدوعيش وكذلك الأمير أحمد بن عيده أمير آدرار وكما راسل الأمراء فقد راسل قبائل المغافرة و أعيانهم.

جهاد الشيخ سيدي للفرنسيين
عرف عهد الشيخ سيدي بداية التحرك الفرنسي في موريتانيا, ذلك الذي سيتولد عنه الاستعمار المباشر.
فقد عرفت المنطقة أواسط القرن التاسع عشر وهي الفترة التي عاد فيها الشيخ سيدي إلى منطقته-تحركا فرنسيا عاما.فكان رجوع الشيخ سيدي من منطقة أزواد واستقراره بالكبلة مع نهاية عشرينيات القرن التاسع عشر أي فترة دخول الإستعمار الفرنسي للجزائر ((1830 .
وكان الفرنسيون يومها قد وطدوا أقدامهم في الأراضي السنغالية حيث أسسوا حامية في مدينة سان لويس وبسطوا نفوذهم على الضفة اليسرى لنهر السينغال فكانت بذلك موريتانيا محط أنظار الفرنسيين وتطلعهم من الشمال و الشمال الشرقي بالجزائر ومن الجنوب ب السنغال .
ولن نصل إلي حدود سنة 1270حتى يعين الرائد فيدرب مفوضا عاما للسنغال وكان ذلك بالتحديد 16دجمبر 1854م, وقد عرفت علاقة هذا الحاكم مع الموريتانيين فترات توتر شديدة وخاصة مع المجموعتين التروزية والبركنية .
ولم يكن الشيخ سيدي,ذو الاتصال الوثيق مع الأميرين الترزي محمد لحبيب والبركني امحمد بن سيدى غائبا عن هذا الصراع الفرنسي الموريتاني.فقد كان الشيخ سدي طرفا بل طرفا أساسيا في هذا الصراع الفرنسي الموريتاني.
ويؤكد الفرنسي لوشات (le chateier) أن مواقف الشيخ سيديا المناهضة للفرنسيين والمحرضة ضدهم قد أذكت روح الكراهية و الجهاد في جموع البراكنه ضد التواجد الفرنسي بالمنطقة اواسط القرن و التاسع عشر.
ويشرح لو شاتلييه ملابسات هذه المعركة، حيث كلف قائدها الرائد دو بودور بالانزال بالضفة اليمنى للنهر السنغالي عند موضع الركبة «امبانام» بولاية البراكنه حاليا، وكان الرائد المذكور مكلفا بحملة ضد الأمير البركني أمحمد بن سيدي ومن معه.
وتتكون الحملة الفرنسية المجهزة تجهيزا تاما من 850 رجلا من مختلف الأصناف. و بعد الانزال اتجه الجيش نحو محلة البراكنة الذي أوقعهم في كمينه وفل شملهم وهم يجمعون بعض الغنائم فانكشفت الحملة عن هزيمة الفرنسيين و موت 23 منهم وجرح 15.
و تكشف بعض المراسلات الشيخ سيدي مع الحاكم فيديرب المذكور عن هذا الجو الساخن و المناهضة الشديدة، وقد وجدنا رسالة لفديرب في هذا المنحى و جواب الشيخ سيدي لها.
ويركز الحاكم الفرنسي فيديرب في رسالته على الترغيب و الترهيب حيث يشيد بالشيخ سيدي و بمنزلته المتميزة في المجتمع الموريتاني وفي نفس الوقت يهدد فيديرب بعض تلاميذ الشيخ سيدي وخاصة أولاد أحمد الذين ـ حسب فيديرب ـ قد نهبوا بعض الممتلكات الفرنسية.
ويرد الشيخ سيدي على فديرب قائلا:
بسم الله الرحمن الرحيم و الحمد لله الملك الحق العلي العظيم و الصلاة و السلام على سيدنا محمد نبيه و رسوله الكريم وعلى آله و صحبه ومن تبعهم على دينهم القويم.
هذا و إنه من عبد ربه سيدي بن المختار بن الهيبة طهر الله منه الجيب و ستر به العيب و أصلح الشهادة و الغيب إلى فضرب أمير أندر الذي خفي عليه كثير من حقيقة أهل الوبر سلام من اتبع الهدى و خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى,
أما بعد فاعلم يا فضرب ان مكتوبك وصل إلينا وقدم به حاملة علينا فإذا هو مشتمل على أسلوب الكلام لم يواجهنا بمثله أحد من الأنام لما فيه من الجرأة و التوعد بالانتقام إن لم نرد إليك ما نهبه أولاد أحمد من عيالك ثم يذكر الشيخ سيدي في نهاية الرسالة :
.... فاعلم أنا ندعوك إلى الاسلام و نأمرك به أمرا جازما لتنجو به من النار وتخلد به في الجنة خلودا ملازما و الله يهدي من يشاء إلى الصراط مستقيم ولا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم فاسلم تسلم بؤتك الله أجرك مرتين وتفز بما فيه لك قرة العينين و انبذ عنك شهاب الكفر بدخانه و استضى من ذنوبك ورحمته ورضوانه لأن الاسلام يجب ما قبله و ينشر الله على العبد به رحمته و نعمته و فضله .
وقد حملت مواحهة الفرنسيين الشيخ سيديا على استدعاء لقاء عام لأمراء البلاد حينها ـ حيث التئموا في تندوجه مقرالشيخ وكان من الحاضرين محمد حبيب أمير اترارزه ومحمد بن سيدي أمير البراكنه و أحمد بن عيده أمير آدرار ومبعوثا عن بكار بن أسويد أحمد أمير إدوعيش, وكان هدف الشيخ سيدي من اللقاء إيجاد جبهة موحدة للوقوف في وجه الفرنسيين.
وقد ذكر الحوليات الفرنسية بداية سنة 1856 هذه الأحداث، يقول فيديرب : «وقع حدث هام في البيظان، إذ تم عند الشيخ سيدي شيخ لبراكنه الجليل والذي يدين له هذا الجزء من الصحراء عقد اجتماع موسع إلتئم فيه رؤساء القبائل لينظروا في الاجراءات الضرورية التي ستتخذ بشأن الحرب التي يشنها الفرنسيون ضدهم ، و مع ما راج من شائعات حول القرارات التي اتخذت في هذا اللقاء فقد تأكد حصول مصالحة بين محمد حبيب وولد عيده ، كما أمير اترارزة قدم بعض التنازلات لبعض الأمراء عائلته ممن كانوا لاجئين في آدرار ورجع هؤلاء إلى وطنهم للمشاركة في الحرب ضدنا، أما سيد أعل وهو أمير لجزء من لبراكنه وحليف لنا فإنه لم يستعد أو لم يشأ الذهاب مع الآخرين إلى الشيخ سيدي».

وتدخل رسالة الشيخ سيدي إلى سلطان المغرب الملا محمد بن عبد الرحمن بن هشام في هذا السياق، فالواضح أن الشيخ سيدي طلب من سلطان المغرب تزويده ببعض السلاح، إلا أن ظروف التصنيع العسكري لم تكن بعد قد تطورت كثيرا في المغرب كما يتضح من رد السلطان، لذلك اعتذر عن عدم رغبة الشيخ سيدي.
ويبدو من خلال بعض الروايات أن الشيخ سيدي لم يكتف عند هذا الحد بل حاول في طموح لا يعرف الحدود أن يصنع السلاح في منطقه فاستورد الصناع و استجلب الآلات، إلا أن هذا المشروع لم يكتب له الاكتمال.

ويستصرخ الشيخ سيدي محمد وهو يعيش هذا الجو الجهادي العارم الذي قاده والده وحرك أطرافه وكان قطب رحاه يستصرخ المسلمين في نص شعري جميل حيث يقول:
حماة الدين إن الدين صارا أسيرا اللصوص وللنصارى
فان بادرتموه تدراكوه وإلا يسبق السيف البدارا
بأن تستنصروا مولي نصيرا لمن والي ومن طلب انتصاري
وأن تسنتنفروا جمعا لها ما تغص به السباسب والصحاري
تني ربد النعام بحافتيــــه وتعيا دون معظمه الحباري
تمر علي الأماعز والثنايا قنابلــــــــــه فتتركها غبارا

إلي أن يقول :
ولا لعرف وسوف ترون عما قليــــــل صبح ليلكم استنـــ ارا
مهي حور المدامــع عاطفات تخوض بها القراقير البحــارا
إذا التفتت لجانبها تلافــــــت حذار الموج لوحا أو دســـارا
لأن كانت مراكبها المهاري و إن كانت مراودها القفــــارا
تكلفها بنات الـــــروم قصرا بخــدمتها رواحا و ابتكـــــارا
فلاهم يرحمــــــون لها بكـــاء ولا يخشـــون أن تجد اقتـدارا
و يشددن الحبال بكل خصـــر رقيق الـــــربط كان لـه إزارا
و يحملن الجذور على رؤوس غدائرها تضل بها المـــــــدارا
فيا للمسلمين لها أمـــــــــــور لها الأكـــبــاد نفطـــر انفطارا

لقد كان دور الشيخ سيدي الكبير في الجهاد ضد الوجود الاستعماري حاضرا بل كان من ابرز الظواهر السياسية التي عرفتها موريتانيا في منتصف القرن التاسع عشر وهو موضوع بحاجة الى توسع وبحث خاصه وأن بعض مراجعه مازال ضمن الوثائق الفرنسية المعاصرة لهذه الحقبة.

نماذج من رسائل الشيخ سيدي الكبير :
من بين القضايا الاجتماعية التي اعتنى بها الشيخ سيدي محاولته لم شتات قبيلة أولاد أبييري، ومن ذلك سعيه في ارجاع بطن "إدابهم" إلى أرض أولاد أبييري وإدابهم مجموعة من أولاد أبييري كانت تسكن منطقة تكانت، وقد كتب إليهم رسالة يقول فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما، و الحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده.
هذا و إن ما احتج به محمد محمود بن ميلود بن محم وسيدي عبد الل بن لمرابط على عدم دخول إدابهم في عاقلة أولا ابييري، من عدم حضور بعضهم لتوزيع جناية ابن الطالب يوسف وغيرها من جنايات أولاد أبييري، و امتناعهم من عاقلة أولاد أبييري لأن عدم حضور بعض الجماعة لمثل ذلك عمدا، و امتناعه من العطاء فيه عمدا، لا دليل فيه على الخروج من العاقلة و إنما فيه مخالفة الشرع بالتسبب فيما يفسد الجماعة وفي أكل ما يحرم أكله من حقوقها.
وأما احتجاجهما بشهادة أحمد محمود بن محم بن باب وعالي بن عبدي بأن إدابهم ليسوا من أولا أبييري، فلا حجة لهما فيه أيضا لما بلغنا عن بعض الثقاة من إدابهم أنهما إنما شهد ا بذلك دفعا لظلم بني حسان الذين يطالبون أولاد ابييري بلا أغفار عن إدابهم رفقا بهم و شفقة عليهم، و الكذب في مثل ذلك قد يجب وذلك الذي حملهما على الشهادة.
وأما ما ذكراه عن و ثيقة التفاسخ مع أهل الحيول بخط صالح بن عبد الوهاب من كون إدابهم غير داخلين في شيء من لوازم أولاد ابييري فغير صحيح لأن وثيقة التفاسخ هاهي عندنا وليس فيها ذلك و إنما فيها أن جميع من يطلق عليه إسم أولاد أبييري من أولاد أمرابط مكه وإدادجس و إدابهم و إدميجن و إدبعمر وأولاد أنتشايت و أولاداعدج و أولاد موسى، فهو داخل في هذا التفاسخ كبيرهم وصغيرها ذكرهم و أنثاهم ....
وأما قولهما إن إدابهم لم يدخلوا ولم يعطوا جناية الكنتي إلخ ... فغير صحيح أيضا لأن إدابهم لم يتوافقوا على إعطاءها ولا عدم الدخول ولعل الممتنع منهم حينئذ هو الممتنع الآن، وليس في امتناعه حجة على عدم دخول إدابهم في عاقلة أولا أبييري وإنما فيها ارتكاب مالا يجوز و الله يغفر لنا و له ويتوب علينا وعليه و يهدينا وإياه لاتباع السنة و العمل بما يوجب دخول الجنة.
ثم إن دخول إدابهم في أولاد أبييري، وقرابتهم في النسب إليهم، مما لا يجهله ذو عقل سليم، و لا ذو تمييز مستقيم، في جميع الأقطار، من أهل البوادي.
و الأمصار، وقد ذكره أهل العلم المتكلمون في الأنساب كما في شجرة النسب الحساني المنسوبة لشيخنا الخليفة بن شيخنا الكبير سيدي المختار رضي الله عنهما إذ فيها أن أبهم و أدجهس لأبييري.

mohamed ismail
20-04-2009, 02:04 AM
الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيديّ


قراءة في شعر الشيخ سيدي محمد ولد الشيخ سيديَّ
بقلم د. أحمد محمود ولد الدَّنَبْجَه
من محاضرات الندوة الأولى لمؤسسة الشيخ سيدي للثقافة والاسلام ـ ابوتلميت 2006


إن قراءة في شعر الشيخ سيدي محمد تتطلب قراءة في عصر الشيخ سيدي الكبير وما كان مطروحا آنذاك من وقائع وأحداث في أيام السيبة الفوضى والخلافات الأميرية والقبلية واستشراء غلبة اللصوص وعمليات السلب والنهب وما يستتبع ذلك من إيواء الطريد وفداء العاني والصلح والمداراة. إذ كان بيت الشيخ سيدي مأوى للطريد وكعبة القاصدين من هؤلاء وأولئك.
ولكن قبل ذلك ينبغي أن نعرف بشاعرنا المدروس شعره: هو الشيخ سيدِي محمَّدْ بن الشيخ سيديَّ الكبير، ابن سيد دهره وبدر قطره. ولد سنة 1246هـ وعاش نحو أربعين سنة وتوفي 1286هـ. من أبرز إنتاجه ديوانه الشعري الذي هو بمثابة "دائرة معارف إسلامية".
وقد ترجم له المختار بن حامدٌ في "حياة موريتانيا" فقال عنه: "كان عالما بكل معنى الكلمة". ومما قاله صاحب الوسيط عنه إثر ترجمة والده الشيخ سيدي: "هو العلامة الأديب اللغوي الأريب.. وكان الناس يظنون أن الشيخ سيدي إذا مات لا يسد أحد مسده فلما مات وخلفه ابنه لم يتغير شيء مما كان يجريه".
خلَف الشيخ سيدِي محمد أباه بسنتين لم تكتملا فكان على منهاج أبيه سياسة وسيادة، إذ كانت سياسته امتدادا لسياسة أبيه في سلوكه الوسَطي بين الإمارات وانتهاجه سياسة العلاقات الودّية مع أمراء الترارزة والبراكنة وغيرهما من الأمراء على حد سواء.
فلذلك كانت دراسة شعره وحياته الأدبية وموضوعات شعره تعكس واقع الحياة أيام الشيخ سيدي. ومن الصعب أن نعزل حياته عن حياة أبيه، وبمعنى آخر أن نقرأ شعره معزولا عن ذلك الواقع المعيش، بل إن قراءة في شعر الشيخ سيدي محمد تضع أيدينا على ملامح تلك الحياة السياسية والاجتماعية أيام الشيخ سيدي الكبير.

فهذا الشعر بحق هو المجلة الرسمية لتلك الحقبة التاريخية، لذلك نرى القضايا المطروحة هي نقطة الارتكاز في الموضوعات الشعرية لدى الشيخ سيدي محمد مثل اللصوص وقضايا السيبة ونزع السلاح لدى الزوايا المرفوض من طرف الشاعر وما يمكن أن ينجرَّ على الإسلام من احتلال النصارى أرض موريتانيا.
لذلك هب الشاعر لعلاج كل هذه القضايا فبادر بالدعوة لمقاومة الاحتلال فجاءت قصيدته الرائية إرهاصا لشعر المقاومة الإسلامي في الشعر الموريتاني بل نواة للشعر الملتزم بقضايا الأمة في الشعر العربي الحديث، بل صورت هذه القصيدة الرافضة للاحتلال الداعية إلى الجهاد الحالة التي كان عليها المجتمع الموريتاني من تشرذم وخلافات بين الأمراء مما جعل البلاد عرضة للاحتلال بحكم ضعفها وتخاذل أهلها، كما تنبئ عن يقظة الشيخ سيدي محمد وتمثـله وحدة هذه البلاد من خلال أمره بتوحيد صف المسلمين.
فهي بحق دعوة تستحق أن تـُـدرج ضمن الشعر الملتزم بقضايا الأمة الكبرى وتُـقام عليها دراسات كالتي قامت على الشعر الحديث، إذ أن هذه الدعوة الملتزمة كانت أسبق من نظيراتها في المشرق العربي. (انظر آراء الدكتور/ أحمدُّ بن الحسن).
وهي كذلك تمثل أصداء لمؤتمر تنـْدَوْجَـه وإن كنا نرجِّج أنها لاحقة عليه وهي تُجلي لنا اهتمام الشيخ سيدي محمد بواقع مجتمعه وقضاياه الكبرى.
وهذا ينسجم مع واقع الشيخ سيدي الكبير الذي أرسل في تلك الحقبة رسالة إلى المولى محمد عبد الرحمن بن هشام سلطان المغرب يطلب فيها إمداده بالسلاح لمقاومة النصارى الذين بلغوا السنغال واحتلوا الجزائر. وقد اعترف له بذلك الفرنسيون أنفسهم.

ولاشك أن للشيخ سيدِي محمد فهما ثاقبا استطاع أن يستبق به الأحداث وعقلا بعيد الغور استشعر من خلاله ما يمكن أن ينْجرَّ عن احتلال المستعمر لموريتانيا، كما تنبئ عن يقظته من خلال أمره بتوحيد الصف للمقاومة على الرغم من أن الإمارات آنذاك مشبرقة الأوصال منهكة القوى بسبب انعزالها وانشغالها بالفتنة فيما بينها، وكأن هذا العامل أوحى إلى الشاعر بأن الأرض مرشحة للاحتلال بحكم ضعفها وتقوقع الإمارات على نفسها واستشراء ظاهرة اللصوص وتفشي الفوضى.
ولذلك اعترف الشيخ سيديَّ نفسه لابنه في هذه القصيدة برسوخ القدم في الشعر بقوله للتلاميذ: "صاحبكم قال الشعر". وهو من هو في النقد والأدب! ولم يكن هذا الاعتراف نابعا من فراغ وإنما جاء ذلك للتأكيد على أن شاعرنا أصبح شاعرا فحلا جديرا بالتقدير والاحترام، بل يحمل ذلك إشارة إلى أن الشيخ سيدي محمد مؤهل أن يكون خليفة لأبيه. وتوالت هذه الشهادات فضلا عن شهادة الشيخ سيدي لابنه من كل الدارسين لشعر الشيخ سيدِي محمد.

يقول يوسف مُقْلِد: "سيدي محمد هذا أكبر شاعر في موريتانيا بين القدماء والمحدثين إطلاقا". وتقول عنه دراسة في مجلة الوسيط الصادرة عن المعهد الموريتاني للبحث العلمي: "هو العلامة الأديب والشاعر الأريب غرة عصره وابن سيد دهره. إبن الشيخ سيدي ابن المختار ابن الهيبة الأبيري ثم الانتشائي... إلى أن يقول في الترجمة، وهو محل الاستشهاد هنا: ... وترك قصائد تدل على طول باعه في الأدب وله في النكت الأدبية أشياء كثيرة وكان عالي الكعب في النحو والتاريخ وغير ذلك".
فلقد أظهر في النونية البراعة التاريخية والمعرفة الموسوعية في كل الفنون من أيام العرب والسيرة وتاريخ الفرق وعلم النجوم والنحو وغيرها. ولكن أهم نموذج لشعر المقاومة والالتزام ومحاربة اللصوص والفوضى الاجتماعية والسياسة قصيدته الرائية التي نقرأ الآن فصولا منها، يقول: (وافر)

رُوَيْــــــــــدَكَ إِننِـي شـبَّـــــهْتُ دَارَا
تَأَمَّـلْ صَـــاحِ هَـاتـيــكَ الرَّوَابي
وَتَـانِ الـرَّمْـلَـــتَانِ هُــمَا دَوَاتَــا
وَإِنْ تُــنْجِــدْ رَأَيْــتَ بـِــلاَ مِثـَالٍ
هُنَالِكَ لاَ تَدَعْ مِـنْهُــنَّ رَسْمًـــا
وَلاَ تَـقْـبَـلْ لِعَــيْــنٍ في رُبـَـاهـَــا
وَدُرْ بـيْنَ الْمَـيامِـيـنِ الْـعَـوَالِي
إِذَا كُـنْتَ الْوَفِيَ فَعَـلْتَ هَذا
وَإِلاَّ خَــلِــّــــــــنِــي وَخَــلاَكَ ذَمٌّ
وَقَدْنِـي مِنْ إِعَانَــتِـــــكَ انْتِظاري
وَإِنْ كُنْتَ الْـخـَـلِــيَّ وَلاَ وَفَاءٌ
فَـبَـلْهَ اللَّـوْمَ ثـُــمَّ إِلَـيْـكَ عَــنّـي
وَلاَ عَارٌ عَـلَيْـكَ فـَأَنْــتَ مَــرْءٌ
وَلَكِـنَّـا رِجـَالَ الـْحـُـبِّ قَوْمٌ
سَقَانَا الْحُبَّ سَاقِـي الْحُبِّ صِرْفًا
نَرَى كُـلَّ الهَـوَى حَسَنًا عَـلَيْنا
وَأَحْرَارُ النُّفُوسِ نَذُوبُ شَوْقًا
وَمَنْ يَاتِي الأُمُورَ عَلَى اضْطِرَارٍ
تَرَانَا عَاكِـفِـينَ علَى المغَانِي
أُسَـارَى لـَــــوْعَــةٍ وَأَسًــى نُـنَادِي

عـلَى أمْثـالهَا تَـقِــفُ الْمَهارَى
فَـذاك الـتَّـلُّ أَحْـسِبُهُ أَنَـــــارَا
عـُلَـيَّـانٍ وَذا خَـطُّ الـشـُّــقَـارَى
جمَاهِـيرَ الْكَناوِينِ الْكِبَارَا
بـَدَا إِلاَّ مـَـرَرْتَ بـِـــــهِ مِــرَارَا
تَـصُونُ دُمُـوعَـهَـا إِلاَّ انْـهِمَـارَا
فَإِنَّ عَـلى مَعَاهِدِهَــا الْمَدَارَا
فَرَاعَـيْتَ الـذِّمَامَـةَ وَالْجـِوَارَا
فَـإِنَّ لَدَيَّ أَحْــــــدَاقًـا غـِـزَارَا
أُنَـيًّـا رَيْثـمَا أَبْـكِـي الـدِّيَــارا
لَدَيْكَ فَتَسْتَطِـيعَ لِـيَ انْتِظارَا
فَلاَ ضَـرَرًا أُرِيـــدُ وَلاَ ضِرَارَا
تَرَدَّيْــتَ السَّكِـينةَ وَالْـوَقَـارَا
تُهيجُ رُبَى الدِّيَارِ لَنَا ادِّكَارا
فَـنَحْنُ كَمَـا تَرَى قَـوْمٌ سُكَارى
إِذَا مَـا الْجَـاهِـلُونَ رَأَوْهُ عَــارَا
فَـنَاتِي كُلَّـمَا نَاتِـي اضْطِرَارَا
فَلَيْسَ كَمِـثـْلِ آتِـيـهَـا اخْــتِـيَارَا
لِفَرْطِ الـشَّوْقِ نَـنْدُبُهَا حَيَارَى
وَمَا يُغْـنِي الـنِّـدَاءُ عن الأُسارَى



عشرون بيتا في النسيب وذكر الديار والحنين إلى هذه المرابع التي يرى الشاعر بكاءها وفاء بالعهد والذِّمامة والعزوفَ عنها هجرا وغدرا.
وعلل ذلك بفرط الحب الذي يذيب أهله شوقا ونشوة فيأتون ما يأتونه اضطرارا على عكس الخليين والجاهلين الذين لا يقيمون للمعاهد معنى ولا يرون لها إلاًّ ولا ذمة ويرون البكاء عليها عارا وشَـنَارًا. ثم خلص إلى موضوعه الأساس بمقارنة بين حالتي أسارى الحب لهذه المغاني وحالة هذا الدين الأسير تحت اللصوص والنصارى لانعدام المخلص لهما مـعـا ثـم أتبع ذلك دعوة صارخة للجهاد.. يقول:

وَلَـوْ في الْـمُـسْــلِـمِــيـنَ الْـيَوْمَ حُرٌّ
لَفَكُّـوا دِيـنَـهُـم وَحَـمَـوْهُ لَـمَّـا
حُمَاةَ الدِّينِ إنَّ الدِّيـنَ صَـارَا
فـَــإِنْ بَـادَرْتُـــــمُــوهُ تُـــدَارِكُـوهُ

يَـفُكُّ الأَسْـرَ أَوْ يَحْمِــي الذِّمَارَا
أرَادَ الْكَافِـرُونَ بـِـــهِ الـصَّـغَارا
أَسِــيرًَا لِلُّصُـوصِ وَلِلـنَّــصَـــارَى
وَإِلاَّ يَــسْـبـِــقِ السَّـيْــفُ الـْـــبـدَارَا



ثم بدأ يعدد الآليات الضرورية لهذا الجهاد المفترض والشروط الأساسية له:

بـِـأَنْ تَـسْتَـنْصِـرُوا مَـوْلًى نَصِـيرًا
مُجِـيـبًـا دَعْوَةَ الدَّاعِـي مُـجـِـيرًا
وَأَنْ تَسْـتَـنْـفِـرُوا جَـمْـعًا لُـهَامًا
تَـنِى رُبُدُ النَّـعَــامِ بـِــحَـافَـتَــيْهِ
يَلُوحُ زُهَاؤُهُ لَـكَ مِــنْ بَــعِــيـــــد
تَخَالُ سِلاَحَـهُ شُـهْــبًـا تَــهَــاوَى
وَلَـوْلاَ الـنَّـــقْــعُ إِنْ يـلْـمَعْ بـِلَـيـْـلٍ


لِمَنْ وَالَى وَمـَنْ طَـلَبَ انْـتِـصَارَا
مِـنَ الأَسْـوَاءِ كُلَّ مَنِ اسْتَجَـارَا
تَغَصُّ بـِهِ السَّبَاسِبُ وَالصَّحَارى
وَتَعْـيَا دُونَ مُـعْظَمِـهِ الْـحُــبَـارى
كَمَا رَفَـعَ الْـعَـسَاقِــيلُ الْحِرَارَا
وَتَحْسِـبُ لَـيْـلَـهُ الـنَّـقْـعَ المُـثـــارا
لَـصَـيَّـرَ ضَــوْءُهُ اللـَّــيْـــلَ الـنَّهَـارا

وهكذا يتمادى في وصف الجيش المدجج بالسلاح والعتاد تخفق فوقه راي النصر بفتيان يرون الظلم سما ويتوقون إلى الشهادة كأنما يشربون خمرا غيارى على الملة البيضاء، أشداء في الحروب لا ميل ولا معازيل، يركبون الجرد العتاق ويحملون البيض المرهفات والرماح الطوال، بل إنهم مدججون بالسلاح الناري الموشح بالتصاوير وأنواع التوشية المختلفة يبرق كالجوزاء، إذا انطلق الشرار منه خلى الغرض هشيما.. بمثل هذه الجموع الواثقة بالنصر تمتلئ الأرض عدلا لتبقى كلمة الله هي العليا وترجع فلول الكفار القهقرى.
ثم بعد هذا الوصف المتمثل رأى الشاعر أن يقارن بين هذا الهدف المنشود والمفارقة القائمة بين الواقع المر المعيش. فبدأ يصف الواقع المزري والاقتتال الدامي بين القبائل والإمارات والفرقاء فيما يعرف باللصوص التي لا تخاف البأس ولا العقبى ولا ينجو منها حالٌّ ولا مرتحل.
ثم يمضي في نقده اللاذع للمجتمع والزوايا الذين تخلوا عن الأسلحة والدفاع ويناقش هذا الموضوع من وجهة نظر دينيه ودنيوية ويؤصل تركهم السلاح أنه مرفوض دينيا ولا يقبله الشرع ولا المصلحة السياسية والاجتماعية. وقد خلد الشاعر أروع قصيدة خاصة بهذا الموضوع ومطلعها: (كامل)

مَزَجَ الدُّمُوعَ بـمُسْـبِلاَتِ دِمَــــاء

مُـتَـلَـهِّــفًا مُـتَـنَـفِّسَ الـصُّـعَـــدَاءِ




ثم بعد هذه الصراحة ندب المسلمين لمحاربة اللصوص قبل محاربة النصارى، هؤلاء الذين يقتلونكم عكفى في المساجد ويسبون النساء والذراري، فكيف يتسنى قبل ذلك جهاد؟ ثم شرط هذه المقاومة وهذا النصر بالسعي الدؤوب والوحدة والقوة:

فَإِنْ أَنْتُمْ سَـعَــيْـتُـمْ وَانـتدبْــــتُــم
وإنْ أنــتـمْ تكَاسَلْـتُمْ وخِـمْــتُـــمْ
فَألْفَوْكُمْ كَمَا يَبْـغُونَ فَوْضَى


برغْمٍ منــــهُمُ ازدَجَــرُوا ازدِجَارا
برغْـمٍ منـكُمُ ابْتَدَرُوا ابْــتِــدَارَا
حَـيَارَى لا انْـتِدَابَ وَلا ائْتِـمَـارَا


ثم بدأ يستحث العواطف ويستدرها عن طريق إثارة الصور البشعة من آثار السلب والنهب من سبي المهفهفات الحسان المنعمات تلطمها علوج النصارى على الخدود.

فـلا هم يَـرْحَـمون لها بُكـاءً

ولا يخشَــون أن تجدَ اقْـتِدَارَا



ويجعلون مكان الخلاخل قيودا ومكان القلائد أغلالا ويسترسل فيقول:

وكانت كلَّما مـشـتِ الهُوَيْـــنا
فـيَـشْدُدْنَ الحِـبَـال بكلِّ خَصْرٍ
ويَحْـمِــلْن الجُذوعَ عـلــى رُؤوسٍ
وتـكْـرَهُ للــــــذي كانت تَـرَاهُ

لِكِـسْرِ البيت تَـنْـبَـهِـرُ انْبـِهَارَا
رقِـيـقُ الرَّيْـطِ كان لــــهُ إزَارَا
غَدَائرُها تَضلُّ بــها الـمَدَارى
حَـــلاَلاً وهْـيَ طَائِعَـةٌ شَــنَـــــارَا



وقد أجاد في استدرار العواطف استنهاضا للهمم وتعزيزا لدعوته للجهاد وليجلى العقبى الوخيمة للاستعمار وما يستتبع ذلك من عار وشنار على نحو ما كان النابغة يحذر قومه من السبي (بسيط):

لقدْ نهـيْتُ بنِـي ذبْـيَانَ عـنْ أُقَرٍ


وعن ترَبـُّـعِـهِمْ ما بـيــن أصْفَار



إلى أن يقول:

لا أَعْرِفَنْ رَبْربًا حُــــــورًا مدامُعُها
يَنظُرْنَ شِزْرًا إلى مَنْ جاء عنْ عُرُضٍ
خَلْفَ العَـضَـاريطِ لا يوقَيْنَ فاحِشَةً


كأن أبْــــكارَهــــــــــــ ا نِـعَــــــــاجُ دُوَارِ
بأوجُهٍ مُــنكِـرَاتِ الـــــــــــــرِّقِّ أحْرارِ
مُـسْـتَمْـسِكَاتٍ بـأقْــــــتـــابٍ وأكْـوَار



ثم خلص الشاعر في نهاية القصيدة إلى أمر الجميع بإجابة الداعي إلى الجهاد وأن لا عذر لهم لأن: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون" وأن لهم إحدى الحسنيين وإلا فإن الشاعر قد أعذر قومه حين أنذرهم، فلا ينبغي لهم التغاضي عن هذه المصالح كما تمادى قوم نوح في جهالتهم فبادوا بالعذاب.
والقصيدة تزيد على مائة بيت وتعتبر من مطولاته هي والنونية. وإذا كنا قرأنا هذه القصيدة مثالا على شعر المقاومة ووصف الحالة المزرية للواقع الموريتاني في أيام اللصوص والتنافس القبلي الذي ينذر باجتثاث البيضة، فإن شعر الشيخ سيدي محمد أوسع نفاذا وأبعد غورا إذ جمع كل الأغراض والأجناس الأدبية.
وقد تطرق لهذه الموضوعات في قصائد أخرى، غير أننا أخذنا هذه القصيدة مثالا للدراسات، إذ رأيناها أشمل وأكثر تعرضا للواقع وأجمع للقضايا المطروحة. ولا يعني ذلك أن تكون هذه الدراسة على حساب بعض الأغراض الأدبية من فكاهة طرافة وغزل وحنين إلى الوطن ووصف وعتاب وغـيرها مما جعله بحق رائد المدرسة الحرة.
وإذا كان هذا التصنيف على أساس الأغلب في الموضوعات فإن النونية لم تكن بعيدة عن التأثر بالمدرسة البديعية، مع أن التصنيف الذي استقر عليه النقاد لا يجافي الصواب إذا وضعنا شعره تحت الدراسة ولاحظنا أنهم اعتبروا في هذا التنصيف جميع الأغراض كَمًّا وكيفا،
من فكاهة وغزل وحنين ووصف وتاريخ ونسيب، مما جعله بحق رائد هذه المدرسة الحرة وذلك لتشعب أغراضه وتفنن ألوانه ومذاهبه وغزارة مادته الشعرية واختلاف ضروبه وفنونه،
فجاء شعره في كل ذلك منتقى الألفاظ سهل المعنى بليغ العبارة عميق الأثر في النفس لا تمله الأسماع ولا تمجه الطباع وكان في كل ذلك سلس اللفظ عميق التجربة، إن عبر عنها جاء شعره مرتبطا بواقعه المعيش.
وإذا انتقلنا إلى الفكاهة والطرف والملح فقد احتلت حيزا كبيرا من هذا الشعر إلى جانب التنكيت.. يقول في زميل له عظيم اللهى يُسمَّى نَحْن: (بسيط)

ما هَزَّ عِطْفَيْ كَمِيٍّ يومَ هَيْجاءِ
فَرْدٌ يقوم مقامَ الجَمْع فـَـهْـوَ لِـذَا
يسْطـُــو بأسلحةٍ للأكْـلِ أرْبَعَـةٍ
تخال لُـقْماتِـهِ العُــظْمَى بـِـرَاحَتـِهِ
ما بـيْـنَ طَــلْعَـتِـهَـا فيها وغَـيْـبَـتِــهَا
فَـتَـنْـهَـوِي كـَدُلـِيٍّ خَـانَ مَاتِـحَـها
فـبَـانَ أنَّ الذي يَحْـويهِ من شَـرَفٍ


بينَ الأوَاني كَذِي النّونيْنِ والْحَاءِ
يُدْعَى بمُضْمَرِ جَمْـعٍ بَـيْـنَ أسْمَاءِ
يَدٍ وفَــمٍ وبُـلـْــعُــومٍ وَأمْــــعَــــــــاءِ
كَرَاكِرَ الإبلِ أوْ جَماجِمَ الشّاءِ
في فيهِ إلاَّ كَلَمْحِ الطَّرْفِ مِنْ رائي
أشْـطَانُهَا فَتَهَاوَتْ بـيـن أرْجَـــــاءِ
قـدْ صحَّ لـكـنَّـهُ بـالهَـاءِ لاَ الْـفَـاءِ



ويقول أيضا:

لا تُنْكِرُوا ما ادَّعَاهُ نَحْنٌ من شَرَفٍ
هوَ الشَّـــريفُ بلا شكٍّ ولا رِيَـبٍ


بهِ اسْـتَبَـدَّ عـَــــــنَ ابَـــــــاءٍ وأجْـدادِ
لكنه حـلَّ فـي مِسْــلاَخِ حَدَّادِ



ومن ذلك وصفه للعجائز اللائي جئنه معترضات على تزوجه ممن لا يرضين عنها: (طويل)

أَمِنْ فِـعْلِ أمْــرٍ في الشَّريعَةِ جَـائِـزِ
وَكَانَ بكُـمْ جُـنْدُ الْـبُغـَاةِ يَهَابُنِي
فَجئْتُ كَأنِّي قَدْ أتيْتُ ببدْعَـةٍ
فَـلَوْ أنَّ أرْضِي ذاتُ مُعْـزٍ رَجَمْـنَـنِي


أَبَاحَ اهْتِضَامِي بينكم كُلُّ عَاجِزِ
فَصَالَ عَـلَيَّ الــيـومَ جُـنْدُ الْعَجَائِزِ
وفـاحِـشَـةٍ مِـنْ نـَــحْـوِ فعْـلَــةِ مَـاعِــزِ
ولكنـَّهَا ليستْ بـذاتِ أمَــاعِــــزِ



ولم يتوقف جانب الطرف والملح والفكاهة إلى هذا الحد، بل تجاوز ذلك ليشمل "نظم طرف وملح بني ديمان في قصص معروفة عندهم تمثل مدرسة الكَيْس والرَّوِية وما يسمى بـ "الديمين". يقول: (رجز)

يـَا رَائِمًـا هَـــزْلَ بَــنِـي دَيْــمَــانـَــا
واعلمْ بأنَّ مـنـهـمُ فـُــــرْسَـانَــــــا
وقَصَـبُ السَّــبْــقِ بـِـذَا الـمَـجَــالِ

دُونَـكَ مـنه جُـــــمَـــلاً حِـسَـــانَــا قدْ سَلكُوا مِـنْ قبْلُ ذا المَيْدَانَا
مُـسَـلـَّــــمٌ قَطْعًا لِــبَـابَ فَــــــــالِ



إلى أن يقول معددا ظرفاءهم ويتعرض لبعض القصص السائرة، يقول:

ومــنـْــهُـمْ مُحَــمَّــذٌ مَـيْـلُـــــــودُ
وهْوَ الَّذِي قدْ سَقَطَ العِجلُ عليْهْ
*** *** *** ***
ومنهُـمُ نـَــجْـــلُ الْــفُــظـَـيْـلِ بَـابَـــا
*** *** *** ***
وقـالَ إذْ جـِـيءَ بـِـلَحْـمِ الْحُـوتِ


مِــنْ ظـُــرَفَـاءِ عَــصْـرِهِ مَـعْـــدُودُ
فَـضَمَّــهُ بَـعْـدَ إِبَـائِــهِ إلَــيْـــــهْ
*** *** *** ***
فَتَحَ مِـــنْ سُـبْــلِ الـذَّكَـاءِ بَـــابَـا
*** *** *** ***
دَيْمَانُ لا تعْرِفُ أَكْـلَ الْكُوتِ



وبلغ هذا النظم خمسة وثمانين (85) بيتا يزيد على خمسين قصة وأظروفة وقد ختمه بقوله:

وقدْ أذِنـْـــتُ لِــظـَـرِيـفٍ وَاجـِـدِ
أنْ يُـثـْـبـِتَ الزَّيْـدَ بِسِلْـكِ النَّظْــمِ


غـَــيْـرَ الـذي ذكَـرْتُـهُ مِـنْ زَائِـدِ
واللهُ يَحْـبُونَـا بـِـحُـسْـنِ الْخـَـتْمِ



ولاشك أن هذا النظم كان أشمل نظم في الطرف والملح إذ جمع قصصا شتى وظرفاء مختلفين، لاسيما إذا قورن بغيره من الأنظام، كنظم المختار بن جنك اليدالي المسمى ب (مجمع البحرين)، فإن هذا ركز على شيم بني ديمان وأخلاقهم كما نظم باب بن محمود بن محنض بابه مقطوعات شعرية من هذا القبيل غير أن نظم الشيخ سيدي محمد قد جمع هذه الأشياء كلهــا مختلفة ومؤتلفة.
ولم يتوقف شاعرنا عند هذا الحد، فقد كان يصف الشرهاء والمغنين ووصف التبغ والشاي وأجاد في وصف التبغ والدفاع عنها، إذ كانت محل نزاع بين الفقهاء يقول: (وافر)

وإنَّ لـَـهَا فـوائِـــــدَ وَاضِــحـَـاتٍ
إزَالَـةَ حِــقْدِ ذِي الحِقْدِ المُـنَاوِى
وجَـبْـرَ خَــوَاطِـرٍ وَقــضاءَ حَــاجٍ
وفوزا إن تعاطاها النَّـدَامَى
وإيـقـاظَ النَّـواظِـرِ مِـنْ كَــرَاهَا
وزادَ مُسَـافـرٍ ومتاعَ مُـــــــــــــــقـْـوٍ
وتـُحْـفَـةَ قادمٍ وسُـــــــــــــرورَ آوٍ
وفـــاكِــهَةَ الـشتــاء إذا تَأذَّى
وتُـطْرِبُ مَـنْ يُـدَرِّسُ كُلَّ فَنٍّ
وتـُــسْــلِــي كُـلَّ صَـبٍّ مُـسْـتَهَامٍ
وتَدْفعُ ذا التَّـلصُّصِ فهْـي أغْنَى


يَـرَاهَـا كُـلُّ ذِي نَظَـرٍ أَصِـــيـلِ
وتَحْـبـيـبَ الـخـلِـيـلِ إلى الْخَـلِـيل
ومَعْرفـةَ السَّــخِـيِّ مِــنَ البَخِـيل
بتمييز الظريف مــن الثـَّـــقـيــل
وَإبْــرَاءَ المُــتـيَّـمِ والـعَــلِــيـل
وأُنـْــــسًا في الإقامة والرَّحـيـل
أَوَى حِـيـنَ المَـبـِــــيـتِ أوِ المَـقِـيـل
وجوهُ الناس بالــشَّــمَـل الـبَـلِــيـل
وتُفْرِجُ كَرْبَ ذِي الهَمِّ الـدَّخِـيلِ
عنِ الخَدَّيْنِ والطَّرْفِ الْكَحِـيلِ
إذا دُفِعَتْ منَ الـسَّـيْفِ الصَّقِيلِ



يقول يوسف مُقْلِدْ: "وهي تدل على عقلية متحررة ولم يكتف الشاعر بالرد على من حرم التدخين، بل عمد إلى تعداد فوائده".
وإذا أردنا التوسع في الأغراض فإن الشيخ سيدي محمد أبرز في قصيدته النونية حشدا من الأعلام وأسماء الأمكنة والتاريخ وأسماء الفرق وأيام العرب والوقائع وأسماء النجوم والشعراء ما يمكن أن تكون ببليوغرافيا إسلامية.
لعل الشاعر قصد منها عرض عضلاته العلمية لاسيما وأن شاعريته كانت محل شك عند أبيه الشيخ سيدي الكبير، لذلك لابد للشاعر أن يلجأ إلى بعض الوسائل الأخرى البديلة لينال التقدير والإعجاب. وهو ما حصل عليه في الرائية لذلك نرجح أن تكون النونية بعد الرائية. وفي هذه القصيدة يرى النقاد أن الشيخ سيدِي محمد خرج فيها عن مذهبه المألوف في التحرر، فبدأ أقرب إلى المدرسة الأندلسية أو البديعية حسب ما يحلو للبعض أن يقول. ومطلع هذه القصيدة: (وافر)

أدَمْــعًا تـُـبْـقِــيَانِ بـِـغـَرْب عــَيْـنِ
أليس مِنَ الوفاء لساكِـنِــيــها


وقـدْ عايَــنْــتُــما دَارَ الـكُـنـَـيْــنِ
إذالةُ مَـا يُــصَــــان بكلِّ عَـيْــنِ



ويذهب في النسيب هنا مذهب الرائية، إلا أنه في الغزل لا ينكسر للعذارى ولا يضعف أمامهن فهو الأقوى لأنه يملك زمامهن ويغلبهن كما غلب مهلهل أعداءه يوم الشعثمين يقول:

وَكَمْ يَــوْمٍ وَتَرْتُ بـِـهِ الْعَذارَى
يُجـِبْنَ إذا دَعَا الدَّاعُونَ باسْمِي
تُلاحِظُـنِي العَبُورُ مَعَ الْغُمَيْصَا
وإنْ أبْدتْ لِي الجَـــوْزَا وِشَـاحًا
وإنْ تـُـشِــرِ الـثـُــرَيَّـا لِــي بـِـكَفٍّ


كَــيَــوْمِ مُهَـلْهـِـلٍ بـالـشَّـعْـثمَـيْـنِ
كأنـِّي عِـنْدَهُـنَّ ابـْنُ الْحُصَـيْنِ
فـَـآنـَـفُ عَـنـْـهُــمَــا لِلْمِرْزَمَـيْــنِ
سَلَكْتُ بهَا سَبيلَ الـشِّـعْـرَيَـيْـنِ
خَضِـيبٍ قـُـلـْــتُ عَــنـِّي لِلْبُطَـيْنِ



فهو يستخدم أسماء النجوم ليكني عن العذارى ويظهر من خلال ذلك معرفته بالتنجيم هذه المعرفة الدقيقة إلى حد التخصص. فالشِّعْرَيان هما العَبور والغُمَيْصاء. والمِرْزَمان نجمان حولهما، فكأنه رمز للشعريين بالنساء وبالمرزمين للرجال، فهو يأنف أن يكون له شريك في محبتها. وقل الشيء نفسه في الثريا التي تشير له بالكف فإنه يتخلى عنها للبطين المجاور لها. وفي الكف إشارة إلى وصف نجوم الثريا.
ولا شك أن الشاعر جمع في هذه القصيدة ألوانا وفنونا من التاريخ والعلوم والأيام وأسماء الفرق والأمكنة وعلماء النحو والصرف والتاريخ ما خوله بحق أن يكون شاعرا فحلا ومؤرخا يقول:

وكمْ سامرتُ سُــمَّارًا فُـتُـوًا
حَـوَوْا أدَبًا عَـلَى حَـسَبٍ فَدَاسُوا
أُذَاكِرُ جَمْعَـــهُــمْ وَيُذَاكِـرُونِي
كَخُلْفِ اللَّيْثِ والنُّعْمَانِ طَوْرًا
وأورادِ الجُــنـيْـدِ وفِــرْقــتَـيْـهِ
وأقوالِ الْخـلــيـلِ وسِـيبَوَيْـهِ
نُوَضِّـحُ حيث تـَـلـتـبـسُ المَـعَـانِــي
وأطـْــوَارًا نـَــميلُ لـذكْــرِ دَارَا
ونحوَ السِّـتَّـةِ الشُّـعـراءِ نَــنْـحـُو
وشِـعْـرَ الأَعْـمَـيَـيْـنِ إذا أرَدْنَـــا


إلى المجْد انْـتَمَـوْا منْ مَحْـتِدَيْـنِ
أدِيـمَ الـفَرْقَــدَيْـنِ بـِـأَخْــمَـصَـيْــنِ
بكُـلِّ تَـخَـالُفٍ في مَذهَـبـَيْـنِ
وخُلْفِ الأشْعَرِيِّ مَعَ الْجُـوَيْـنِي
إذا وَرَدُوا شَـرَابَ الـْــمَـشْــرَبَـيْـنِ
وَأهْـلـي كُـوفَــةٍ وَالأَخْـفـَـشَــيْــنِ
دَقِــيقَ الـفـَرْقِ بيْن المَــعْــنـَــيَــيْنِ
وَكِـسْرَى الفارسِيِّ وَذِي رُعَيْـنِ
ونـَـحْـوَ مُـهَــلـْـهـِــلٍ وَمُرَقـِّـشَـيْـــنِ
وإن شِــئْـنـَا فَشِـعْـرَ الأَعْـشَـيَـيْـنِ



فهي بحق دائرة معارف إسلامية تستحق دراسة متأنية لا يمكن أن يفي بها مقال عابر. وبالجملة فإن الشاعر طرق كل الأغراض والألوان، فأبدع وأجاد وأتحف فأفـاد.. وقد تصدر بحق المدرسة الحرة التي التزم أهلها بموضوعات الجاهليين ومعارضتهم كما هو عند محمد بن الطلبة اليعقوبي. وعدل شاعرنا عن ذلك إلى أغراض وألوان أملتها ظروف الشاعر المتحررة.
ولعل خلافة الشيخ سيدي أباه كفلت له تلك الحرية فلاح شعره منساقا مع واقعه كما كان ابن المعتز أمير الشعراء! وكما ظهرت المناحي الدينية إلى جانب تلك المناحي المختلفة المتحررة، يضاف إلى ذلك طرحه أزمة الشعر في النقد في عينيته وتعرضه للسرقات يقول: (كامل)



يا مَعْـشَرَ البُلَغَاءِ هلْ مِن لَوْذَعِي


يُـهْــدَى حِجَاهُ لِمَطْـلِــعٍ لـَمْ يُـبْـدَعِ



فهو يطرح في هذه القصيدة أزمة الشعر قبل أن تطرح في المشرق العربي!
توفي الشيخ سيدِي محمد ـ رحمه الله تعالى ـ سنة 1286 هــ عن عمر يناهز 40 سنة.

محمد ولد محمدي
20-04-2009, 03:31 AM
http://www.fondcheikhsidiya.org/books.php?action=view&id=5&CategBook=3



مـشـاركـة ذات صـلـة بـالـرابـط


هــنــا (http://www.almashhed.com/vb/showpost.php?p=120127&postcount=38)





..*...*...*...*..