المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشيطان الذي لم يعبر الجسر



عباس الحساني
12-04-2009, 06:33 PM
الشيطان الذي لم يعبر الجسر
عبست المرأة في وجه زوجها وقالت له بتذمر واستنكار : اذا أردتني فاطلبني في بيت أبي .ورمقها الزوج بفارغ الصبر وأحس أن ثقلا ما يخف عن صدره وشعر أول مرة بالحرية التي كان قد حبسها منذ ثلاثة عقود لمشكلة حدثت بينهما .وخرجت تدفع ولديها بغضب ولم يكن هناك اعتراض من جانب هما ا فهما يخافان أمهما أكثر من أبيهم وانساقا كالخراف أمامها دون ضجيج أو اعتراض . هذه أول مرة يصطدم الزوج بمسؤولية البيت فيوفر له غذاء مثلا والقيام بالشؤون الأخرى ..عليه اذن ،أن يفعل كثيرا من الأمور التي لا يفكر بها ..وهاهي الأشياء تتراكم بشكل عشوائي ..الملابس والأواني والبيت وينظف ما يستوجبه الواقع.أحس أول مرة أن المرأة هي جزء مكمل للرجل بل هي محور العالم ..كل المسؤوليات تقع على كاهلها والرجل خارج الدار تحتضنه دائرة العمل بوقت هو أكثرمما يحتضنه بيته .لقد انسلت الى سمعه ضحكات ولديه وصياحهما وعراكهما ولعبهما ..الفرحة التي كانت تغمر البيت قد ذهبت وتركت خلفها سحابة من الهموم والاكتئاب .اذن ،عليه أن ينتظر . تحولت الحرية التي يرسمها في ذهنه الى قيد، الحياة بدون المرأة عبث وضياع ..سوف يعالج الأمر بحكمة وترو .ألقى بنفسه في الفراش فثمة صراع داخلي يهدد وجوده مجموعة من الأفكار التي قذفها يوما ما وهو يلعن حياة المتزوجين الذين دخلوا هذا القفص ولم يستطيعوا الخروج منه .. انه الآن يفكر، أتعبه التفكير وعاد يتناول قليلا من الشاي البارد بعد أن وضعه على النار حين تركته زوجته .أحس أن ثمة خطأ لابد أن يحتويه بأناة وتعقل الا أن الشيطان كان بالمرصاد فوسوس اليه بشكل حثيث : أين كبرياؤك يا رجل ؟! أخذته سنة من تأمل وصرخ من أعماق نفسه: عليها اللعنة ..فالبيت الذي خرجت منه ،لابد أن تدخله بمحض ارادتها وحاجتها ..سألقنها درسا لا تنساه .ضحك الشيطان كثيرا لهذا القرار وها هو يحاول أن يهمز فيه ..سوف أمهلها بعض الوقت واحتقنت نفسه بمشاعر غاضبة . وردد في حذر : كل النساء على هذه الشاكلة ..لابد أن يكون لي موقف حاد سوف أضع حدا لهذا التصرف السيء ..وهمس الشيطان في أذنه : لو حاولت أن تطلقها وتتزوج غيرها ربما تكون سعيدا ..ها أتحب الشقاء؟ وانتبه صارخا : لا،لا. لابد أن أحرق كبدها بورقة تفصلني عنها .كيف أتعامل مع امرأة جاهلة تنكد علي صفو حياتي ؟ فلتذهب الى الجحيم .واندس مرة أخرى منقلبا على جنبه في الفراش حين غشيه النعاس . أما المرأة فقد هدأت نفسها في بيت والدها لكنها أحست أول مرة أنها ضيف ثقيل ، عليها أن تغادر المكان مهما كلف الأمر .واذ التقاها الشيطان ساخرا يهمس في روعها : عليها أن تلقن زوجها درسا لا ينساه .. فالزوج الذي لا يحترم زوجته لا يستحق عطفها ورعايتها ..وليكن ما يكون .ورددت: سوف أبقى يومين أو ثلاثة حتى يقدر قيمتي ربما يهزه محبة أولاده في الأقل ولو أنني لا أحبذ الافتراق عنه .وهمز الشيطان مرة أخرى : وأين كبرياؤك ياامرأة ؟وانتفضت المرأة جاهدة : سيكون لي معه شأن آخر ..الويل له مني .
وعقبت : ايه ، هو يتحمل كل المتاعب .. ثم اندست بحديث صديقة لها زارتها في بيت والدها ،لم يتعد حدود الغيبة والنميمة والقول الباطل . واعترضها العقل : عليها أن تصلح شأنها في زوجها ..أنه لأمر تافه جدا أن تحطم كيان أسرتها بيديها .. وقاطعه الشيطان : هذا أمر لا يحتمله مهذب رشيد فكيف تبني سعادتها اذا لم يقدر موقفها ،عليها أن تدرك أن الحب وحده لا يضمن بلوغ الراحة ما لم يكن الاحترام عصب هذه الأسرة ..توقف العقل محرجا وأيقظها بفكرة العودة الى البيت فأنبها الشيطان على قبول هذه الفكرة الخبيثة التي دارت في رأسها الآن فصرخت : وأين كبريائي؟عليه أن يأتي ذليلا طائعا ،معتذرا عن الاساءة اليها . استمر الصراع محتدما بينهما ثلاثة أشهر فاشتاق كل واحد منهما الى الآخر ولكن كيف يكون الوفاق .. ؟! كان الأب يحب ابنته كثيرا فهي الكبرى لكن التفكك العائلي هذا يحرمه الشرع .اذن ، ينبغي أن يضع حدا له ولو على حساب كرامة ابنته فما حدث لهما هو تجربة حياتية تتلخص في أهمية الطرف الآخر ..وليس من الصعب أن يتدارس الموضوع بعقلانية أرحب .. واعترضه الشيطان على تصرفه هذا قائلا له : أتضحي بكرامة ابنتك ؟ فصرخ الأب بحذر : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ! فولى هاربا ..واستدعى فلذة كبده وقال لها يجب اصلاح ذات البين ولا يحق للمرأة أن تغادر بيت زوجها بدون اذنه أو تقضي ليلتها دون أذنه وأنت مؤمنة تخافين الله ..فكوني عاقلة يا عزيزتي .. أطرقت قليلا ثم قالت له باستلطاف :اذا كنت مخطئة ،فلماذا لا يأتي ليصلح ما في الأمر .قال الأب مستنكرا: انه يحبك وتركك تشعرين بالنار التي تأكل قلبه ..انه يحب أولاده ولا يستغني عنكم فماذا ترين ؟ردت بابتسامة طافية : كما ترى يا أبي !
أسرع الأب الى زوج ابنته فرحا وفي رأسه ثمة أفكار لا تقبل التجاوز أو فرض حكم ما ..واستقبله صهره بصدر رحيب وعانقه محييا اياه: يا عم ، الشمس في بيتي .وقاطعه عمه مستلطفا : اذن، كيف تركتها تخرج من البيت ؟! قال الرجل معتذرا : لم أكن أتصور أن الموضوع يصل الى هذا الحد الجارح ..أنا حاضر ياعم ! قال بابتسامة ورضى: تأتي معي الى البيت وتأخذ بخاطر زوجتك وتقبل أولادك .. هيا معي البيت لنتاول وجبة الغذاء التي أعدتها عمتك . رد صهره ضاحكا : أدجاج أم سمك ؟! قال عمه : أي شيء تحب يا عزيزي ؟ خرج الاثنان متعانقين وهما يتحادثان كعهدهما السابق والتأم الصدع ما بينهما وقال الأب لابنته : ياعزيزتي ..اليوم أحب أن تقسمي الدجاجة على مرامك ونحن بما تضعين راضون ..وامتدت يد ناعمة لكنها واثقة من عمل كلفت به وقاطعها أبوها قائلا: اذا وزعت شيئا فاذكري الحكمة فيه . قالت كما تحب ياوالدي .
انتظر الجميع بفارغ الصبر وعيونهم تحدق بالأصابع الطرية التي اندفعت بشدة تنم عن مقدرة المرأة في التصرف وادارة شؤون البيت وقالت : الرأس لك يا أبي فأنت رأس كل خير .وضحك الجميع وقال زوجها :انظر ياعم أنها تعرف أين يكون الرأس فحدقته قليلا ثم ابتسمت قائلة : لو كنت كذلك لعرفت أين يكون الرأس يا حبيبي ؟! فقاطعها زوجها : لعنة الله على الشيطان . ثم عقبت : الجناحان للأولاد يا أبه ! فهما اللذان أستعين بهما عندما يصيبنا العجز أو المرض . أجاب الأب : أصبت يا عزيزتي . وقطعت الفخذين قائلة : هذا لك وهذا وهذا لأمي ..فأنتما الساعيان لأصلاح ما بيننا .قال الأب :أصبت يا عزيزتي .ثم قامت وقعدت جنب زوجها وقالت : الصدر وما عليه لنا .فضحك الجميع وقالوا :أحسنت يا أم علي ! وتوادعوا بعد العصر حيث غمرتهم الفرحة وعمت البيت البهجة والسرور . أما الأبوان فاستمرا بالضحك والابتهاج ثم قال أبو علي : البيت الذي لا أولاد فيه لا تدخله الملائكة .وقاطعته زوجته بضحكة طويلة :الآن عرفت دخول الملائكة .رد أبو علي : سحابة صيف ..لا عليك ياعزيزتي فأنت النعمة التي لا أنساها ..ثم اندسا في الفراش .وتوقف الشيطان بالباب ثم قال في نفسه : أيها الخبيثان قد انتصرتما علي ولكنني سوف أتحين الفرصة الأخرى فانتظراني وولى هاربا فقد أدرك أن قوة الرجل بعقله وايمانه والمرأة بحسن تبعلها كفيل برعاية الأسرة .وما هو الا خبث عارض .
عباس الحساني
*قصة سمعتها أيام طفولتي فحفظتها.