المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا "مقاطع"



عائشة
24-05-2006, 06:42 AM
سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا

«مقاطع»


محمود درويش

يجيئون، أبوابنا البحر، فاجأنا مطر.

لا إله سوى الله. فاجأنا

مطر ورصاص. هنا الأرض سجادة، والحقائب غربة!

يجيئون، فلتترجّل كواكب تأتي بلا موعد. والظهور التي استندت للخناجر مضطرة للسقوط

وماذا حدث؟

أنت لا تعرف اليوم. لا لون. لا صوت.

لا طعم ,لا شكل.. يولد سرحان، يكبر سرحان، يشرب خمرا ويسكر. يرسم قاتله، ويمزق صورته. ثم يقتله حين يأخذ شكلا أخيرا

ويرتاح سرحان

سرحان! هل أنت قاتل؟

ويكتب سرحان شيئا على كم معطفه، ثمّ تهرب

ذاكرة من ملف الجريمة.. تهرب.. تأخذ

منقار طائر.

وتأكل حبة قمح بمرج بن عامر

وسرحان متّهم بالسكوت، وسرحان قاتل

وما كان حبّا

يدان تقولان شيئا، وتنطفئان

قيود تلد

سجون تلد

مناف تلد

ونلتف باسمك

ما كان حبّا

يدان تقولان شيئا.. وتنطفئان

ونعرف، كنا شعوبا وصرنا حجارة

ونعرف كنت بلادا وصرت دخان

ونعرف أشياء أكثر

نعرف، لكنّ كل القيود القديمة

تصير أساور ورد

تصير بكارة

في المنافي الجديدة

ونلتف باسمك

ما كان حبّا

يدان تقولان شيئا وتنطفئان.

وسرحان يكذب حين يقول رضعت حليبك، سرحان

من نسل تذكرة، وتربى بمطبخ باخرة لم تلامس

مياهك. ما اسمك؟

ـ نسيت.

وما اسم أبيك؟

ـ نسيت

وأمك؟

ـ نسيت

وهل نمت ليلة أمس؟

ـ لقد نمت دهرا

حلمت؟

ـ كثيرا

بماذا؟

ـ بأشياء لم أرها في حياتي

وصاح بهم فجأة:

ـ لماذا أكلتم خضارا مهربة من حقول أريحا؟

ـ لماذا شربتم زيوتا مهرّبة من جراح المسيح؟

وسرحان متّهم بالشذوذ عن القاعدة

رأينا أصابعه تستغيث. وكان يقيس السماء بأغلاله

زرقة البحر يزجرها الشرطيّ، يعاونه خادم آسيويّ،

بلاد تغيّر سكانها، والنجوم حصى

وكان يغنّي مضى جيلنا وانقضى.

مضى جيلنا وانقضى.

وتناسل فينا الغزاة تكاثر فينا الطغاة. دم كالمياه.

وليس تجفّفه غير سورة عم وقبعة الشرطيّ

وخادمه الآسيوي. وكان يقيس الزمان بأغلاله

سألناه: سرحان عم تساءلت؟

قال: اذهبوا، فذهبنا

إلى الأمهات اللواتي تزوّجن أعداءنا.

وكنّ ينادين شيئا شبيها بأسمائنا.

فيأتي الصدى حرسا

ينادين قمحا

فيأتي الصدى حرسا

ينادين عدلا

فيأتي الصدى حرسا.

ينادين يافا

قيأتي الصدى حرسا

ومن يومها، كفت الأمهات عن الصلوات وصرنا

نقيس السماء بأغلالنا

وسرحان يضحك في مطبخ الباخرة

يعانق سائحة، والطريق بعيد عن القدس والناصرة

وسرحان متّهم بالضياع والعدميّة

وكلّ البلاد بعيدة.

شوارع أخرى اختفت من مدينته (أخبرته الأغاني

وعزلته ليلة العيد أن له غرفة في مكان)

ورائحة البن جغرافيا

وما شرّدوك.. وما قتلوك.

أبوك احتمى بالنصوص، وجاء اللصوص

ولست شريدا.. ولست شهيدا.. وأمك باعت

ضفائرها للسنابل والأمنيات: وفوق سواعدنا

فارس لا يسلم (وشم عميق). وفوق أصابعنا

كرمة لا تهاجر (وشم عميق)

خطى الشهداء تبيد الغزاة

(نشيد قديم)

ونافذتان على البحر يا وطني تحذفان المنافي.. وأرجع

(حلم قديم ـ جديد)

شوارع أخرى اختفت من مدينته (أخبرته الأغاني

وعزلته ليلة العيد أن له غرفة في مكان.

و(رائحة البن جغرافيا

ورائحة البن يد

ورائحة البن صوت ينادي.. ويأخذ

رائحة البن صوت ومئذنة (ذات يوم تعود).

ورائحة البن ناي تزغرد فيه مياه المزاريب ينكمش

الماء يوما ويبقى الصدى.

وسرحان يحمل أرصفة ونوادي ومكتب حجز التذاكر

سرحان يعرف أكثر من لغة وفتاة. ويحمل تأشيرة

لدخول المحيط وتأشيرة للخروج ولكنّ سرحان

قطرة دم تفتش عن جبهة نزفتها.. وسرحان

قطرة دم تفتّش عن جثة نسيتها.. وأين؟

ولست شريدا.. ولست شهيدا

ورائحة البن جغرافيا.

وسرحان يشرب قهوته.

ويضيع

هنا القدس.

يا امرأة من حليب البلابل كيف أعانق ظلي

وأبقى؟

خلقت هنا.. وتنام هناك

مدينة لا تنام وأسماؤها لا تدوم. بيوت تغيّر

سكانها. والنجوم حصى.

وخمس نوافذ أخرى، وعشر نوافذ أخرى تغادر

حائط

وتسكن ذاكرة.. والسفينة تمضي.


** منقول عن صحيفة الشرق الأوسط، المنتدى الثقافي الأربعاء 24 مايو أيار 2006م.

الشنقيطـي
24-05-2006, 06:50 AM
السلام عليكم ورحمة الله
بارك الله فيك أختي الفاضلة

abdallahi_e
24-05-2006, 06:23 PM
ماهذا النقاء يا عائشة..

مررت وكان لا بد من المرور

شكرا على كل هذه الروعة ..

تحياتى

أحمد الحسن
25-05-2006, 01:57 PM
الفاضلة عائشة

سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا هي نفس الحكاية هنا وهنالك مع فروق بسيطة في التفاصيل تعددت الشخوص والحكاية هي ذاتها

تشرد سرحان عبر المنافي حاملا وطنه أينما حل وتشرد داخل الوطن لا فرق

عائشة
27-05-2006, 02:24 PM
الأخوة الأكارم الشنقيطي، عبد الله، أحمد الحسن، وبقية المتصفحين الذين لم يوقعوا انطباعاتهم.. سعيدة جداً لأن المشاركة المنقولة أعجبتكم، ولو أني كنت متأكدة من ذلك سلفاً،،، فمن ذا الذي لا يحب محمود درويش!!!!

الأخ عبد الله،، سعيدة بثناءك وواجب علي أن أقول بأن متابعتي للمنتدى جزء كبير منها يعود الفضل فيه لما تطبعه يداك ،، أشكرك


الأخ الفاضل أحمد الحسن،، صحيح نفس الحكاية عن التشرد هنا وهناك
لكنها تأخذ كل المعنى عندما يكون التشرد عن فلسطين... أشكرك على مرورك وعلى كل المعاني القيمة التي تطبعها يداك في أرجاء المنتدى..


القارئ العزيز الذي لم يعلق على الموضوع,,, أتمنى أن تعبر عن رأيك في المرة القادمة