المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة في الخطاب الرومنسي



عاشق سدوم
03-04-2009, 04:55 PM
على وقع ذكراها مات
كان مصطفى شاردا وهو يعيد على مسامعي قصة حبه لليلى قائلا: أحببتها من صميم الفؤاد أكثر من حب قيس لملهمته .
جاثم في مكاني وأنا أضاهي الميت في تسمره بلا حراك ، لا أستطيع نسيان مفرق الشعر من رأسها ، إنها بيضاء تشوب بياضها صفرة مثل بيض النعام ناهيك عما يذيبني من كمد فيها إنها قامتها الجميلة مثل الناي، ونحرها وخديها الورديين ، سلام عليك أيتها العينين العسليتين .
كان يصفها ودمع عينيه لا يتوقف، لقد ذكرني " بامرئ القيس بن حجر بن عمرو الكندي"الذي كان يعشق ابنة عمه حين قال:
ففاضت دموع العين مني صبابة # على النحر حتى بل دمعي محملي
لم أشأ مقاطعته أو حتى التخفيف عنه قليلا فتركته يكمل قائلا بصوت أشبه بالنواح: شعرها جميل وأسود منساب على كتفيها مثل انسياب الملائكة عن سدرة المنتهى ، وصوتها البديع الذي فاق بكثير صوت المزامار والمزاهر وهي يعزف عليها في آن واحد ، جعلاني أطلب اللجوء إلى الخلاء مع قطيع غنمي، فأستظل بظل شجرة ونظل مع السكينة نعكف معا على تذكر حبيب باكيين لفراقه حين عزم الرحيل عنا ، لا أقل شأنا عن عنترة بن شداد حين قال :

إن كنت أزمعت الفراق # فإنما زمت ركابكم بليل مظلم
تارة أحلم وأنا مستيقظ أني إلى جنبها وأننا في صقلية نتجول منشدين أحلى كلمات الشعر والغزل لبعضنا ، وتارة أرى نفسي معها ونحن في بلاد دجلة والفرات ساهرين الليل من أجل معاينة سقوط النجم .
كانت أحلام يقظة ما خلفت غير الكآبة والانطواء على الذات، فما عاد يحلو لي الطعام ولا الشراب ، أستعين بمصفاري لعلي أخرج من هذه الغمرة العمياء بيد أنها خطب عظيم لم ينفع معه دواء الطبيب ، ثم كيف للمصفار أن تخفف عني وهي الأخرى تشكو من الألحان الحزينة التي تخرج منها ؟
كانت عيناها مثل السيل العارم لا يكاد يتوقف الدمع منها حين ما ودعتني .
سامحيني إن لم أكبح سيل الدموع من عينيك أيتها العبرة ، فأنا كذلك لي عينان إحداها مفتار والأخرى عوار، فما عدت أدري عن هذا الأمر الجلد شيء، فحتى الملوان ما عادا يرحماني حيث أن الليل يثقل على فؤادي بغسقه والنهار يزيد من كمدي بفيئه، أنا هنا بعد أن أصبحت أزورا مجروح القلب من طرف الحبيب وهو لا يدري، أنا هنا لأكشف ما لم أستطع أن أكشفه من قبل ، أنا فوق الآكام أعيد على مسامعها أنشودة حب ما تغنى بها شاعر من قبل؛ سامحيني يا ليلى إن لم أكاشفك بالعشق فحفيف الرياح صار يخالط ألحان مصفاري متآمرين علي قائلين: يا أيها المنكسر تكشف للآكام سر عشقك لابنة أسيادك ، فقلت يا مصفاري ويا حفيف الرياح ما استطعت أن أصارح سيدتي بأن ما يجوب داخلي هي نار الحب أحترق بها، فأنا عبد أسود ما عليه إلا السمع والطاعة وهي ابنة الأسياد تحن إلى راعيهم وتشفق عليه، فإن سمحت لنفسها بأن تحادثني وتجالسني بعيدا عن فظاظة السادات وجفائهم فهذا لا يعني أن شباك الحب التي نصبتها قد أوقعت بصيد ثمين، بل القيثارة التي تعزف عليها ألحان الرأفة بأسود مثل دجى الليل هي من سحرتني ، وكأني لست العبد المأمور لها، ألحانها كانت أعذب من ألحان "زرياب "، قيثارتها هذه كانت عبارة عن قصة شاعر اسمه "عنترة بن شداد" وحبه "لعبلة بن مالك" وكأن "ليلى" تحاول أن تكاشفني بأن حب العبد لابنة أسياده والظفر بها ليس ضربا من المستحيل؛ بعيني المدرار أرى طيف الحبيب باكيا على أيام الوصال.
سكت مصطفى للحظة وصار يقول : أمكتوم علينا يا "قيس يا بن الملوح" أن يعشق كلانا ولا يظفر بمن يعشق؟أهواك أنا يا ابنة الأسياد أكثر من أي شيء في الوجود ، يا ليلى إن الليل وإن أرخى سدول ظلامه علي فما الهموم الأخرى صارت تجد طريقها في التأثير في أكثر مما أثر في فراقك ، أحيي القفار النائية وأقول لها سلام عليك يا أرض الخلاء ، إن بعدك عن الناس ليس كبعد ليلى عني ، فأنت قد استطعت أن أصل آكامك مع ناقتي وقطيع المعز وما استطعت أن أصل إلى ليلى ، ثم كيف المزار وقد تربعت بعيدا عن حياة البدو مع من اختاره أباها زوجا صالحا وليس عبدا طالحا كما يرى ، أجل تزوجت ليلى ورحلت بعيدا عني كما لو كانت زهرة جميلة ذبلت ولم يعد لها وجود ، لقد ودعتني حين رحيلها وداع الحبيبة لحبيبها قائلة سأتذكرك مدى الحياة .
كانت في لحظاتها تلك مثل المرضع التي فقدت رضيعها ، تبكي لأنها وكما أعتقد تزوجت بمن لم يختره قلبها وكأنها تشعر بأنها لن تراني مجددا، بكيت في تلك اللحظة بكاءا شديدا مع أني أدري أن جزعي لفراقها لا يصد ولا يبدي، واليوم أنظر إلى كل مكان يرتقب أن يجمعنا فلا أجد فيه إلا ذكريات محال أن تمحمى من بالي، لا أدري عن مشاعري شيئ ؟ ففي كل لحظة وفي كل هنيهة أعاني في أسري هذا من شيئين أحلاهما مر، فأولهما سلاسل العشق والغرام المكبل بها، وثانيهما السجان المؤول ؛ لاوجود لليلى في كل مكان ، تماما مثل " الحارث بن حلزة" حين قال :
لا أرى من عهدت فيها فأبكي الى# يوم دلها وما يحير البكاء
سجين عن ملاقاتها وكأن الموت هي من أخذتها مني بيد أن المنية لا تتربص إلا بي ، ففي كثير من الأحيان أراها حولي جيئة وذهاب، إنه مبعوث الله عزرائيل يعلنني أنها حانت ساعة الوداع ، فكم من مرة أراه يتجول على هيئة رجل في رداء أبيض؟ يا ليلى إني وإن كنت أجيد نظم القوافي لقلت فيك شعرا فاق شعر" قيس بن الملوح" و"ابن زيدون" في الجمالية، والآن يا أيتها الآكام اشهدي أني عانيت كثيرا مثلما عان "بيهس" من مقتل إخوته.
لا تحزني أيتها الآكام لوداعي فقد قال من يحيي ويميت: " وكل نفس ذائقة الموت".
وإن كانت سكرة الموت تتخبط به مثل السكير فقد لفظ وبشكل جميل هذه الآية القرآنية وهي آخر ما ختم به مصطفى قصة حبه لليلى ليغادر بعدها إلى الأبد تاركا سره لي ، فأنا هي الآكام التي كان يسرد عليها ما عاناه من فراق ليلى له، رحل مصطفى تاركا ناقة كان يعزها كثيرا، ثم قطيعا من المعز هو لأسياده ، وبعد أيام بحث عن مصطفى ليجدوه جيفة نتنة إضافة إلى الناقة وقطيع المعز اللذين لم يطرأ عليهما شيئ ، فردم مصطفى في إحدى أكماتي ثم انصرف عنه الجميع متعجبين لموته المفاجئ ؛ ناقة مصطفى رجعت إلى الأكمة التي ردم فيها، لتحكم على نفسها بالبقاء هناك، أي جاثية قرب قبر صاحبها وكأنها تطالب باللحاق به إنها ناقة بلية ابتلت بالإخلاص لصاحبها حتى الممات، لقد ماتت ناقة مصطفى
بعد عام من كل هذا أصبحت البلية عظاما نخرة وقبر مصطفى استوى مع الأرض إلى جنب تلك العظام ، وفي الأكمة الأخرى مصفار مصطفى وقد أتى عليها النمل الأبيض، وبهذا أكون أنا هي الآكام التي كان لها شرف احتضان نهاية قصة حب مأثرة جدا هي : قبر مصطفى ومصفاره وناقته.