المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سري للغاية ح3 (حديث الزنزانات العربية)



ابن زيدون
03-10-2005, 12:48 PM
..عندما أوشكت السيارة على دخول المكان،طلب منا ?تحت تهديد السلاح والضرب والركل والانبطاح على أرضية العربة، ثم وضع الجلادون أحذيتهم الثقيلة فوق رقابنا. بعد ذلك بدأت حفلة التشريفة ( وهي تقريبا متشابهة في معظم سجون الوطن العربي ) فانهالوا علينا بالصفع المتواصل والضرب بأعقاب البنادق حتى دخلنا في حالة اعياء شديد أعقبه إغماء. تم وضعي في مكان عال وأنا معصوب العينين، وقيل لي بأنه صدر الحكم علي بالاعدام وينبغي أداء الشهادة.
وبعد لحظات انتظار كأنها الدهر وعم صمت ثقيل على المكان وانتظرت أن يتدلى حبل المشنقة حول عنقي لينهي المهزلة فالموت في بعض اللحظات يكون الخيار الأفضل. يقول السجين بعد أن انتهت المسرحية
:( وجدت نفسي في نزانة مع عدد كبير من المهتمين بالعمل السياسي مفترشين الأرض المتسخة بالزيوت وأجساد الجميع مضرجة بالدماء والعرق.طلبوا منا الوقوف حتى اليوم التالي. كان الأمر شاقا وكنا نتحايل بعد انشغال الحراس بالجلوس بالتناوب ، وكم كان ليلا طويلا وحزينا).
(في منتصف الليل دوى طرق متواصل على باب الزنزانة وأمرنا بعصب أعيننا والوقوف على الحائط وقام أحد السجانين بقراءة أسماء معتقلين،
ثم تم ترحيلهم إلى المجهول. وفي اليوم التالي بشرنا الجلادون بأن رفاقنا تم اعدامهم بمعسكر الشجرة وعلينا أن نستعد لدورنا).
قالت الزنزانة الأولى: الغريب أن قضاء الحاجة يرتبط لدى الجلادين بمزيد من التعذيب والحط من الكرامة، لذا ففي حكاية عضو الحزب الشيوعي في بيوت الأشباح السودانية يسمح للسجين بالذهاب مرة واحدة سريعة مع طرق متواصل على باب دور المياه لتشتيت الذهن، حتى أن أحدهم رفضوا خروجه من الزنزانة فاضطر زملاؤه لمساعدته واحضروا كيس بلاستيك ليقضي فيه حاجته. نفس الأمر ينسحب على سجن تزمامارت المغربي الذي وصف فيه أحمد المرزوقي الزنزانة رقم عشرة، وحكى عن زميل له قضى عامين كاملين على ظهره لا يتحرك، ويقضي حاجته، ويلتصق البراز بجسده ثم يتجمد مع ملابسه، وتصبح الرائحة كريهة لدرجة تعذيب أنوف من يقتربون من زنزاته، وتصل حدة مهانته إلى أقصى ما يمكن أن لا يستوعيه الشيطان نفسه. وفي سجن تدمر السوري كان يسمح للسجين بدقيقتين فقط لقضاء حاجته وسط ضرب مبرح، فإنعصته بطنه وطلبت الانتظار ثوان أخرى فقد الحد المسموح به وعليه الانتظار ليوم آخر. سألتها الزنزانة الثانية عن رأيها في تصنيف الجلادين وهل هم ينتمون دائما إلى فئة بعينها؟ ?ردت الأولى بثقة اليقين قائلة: لقد علمتنا تجارب السنوات الطويلة، وخبراتنا مع كل سجون العالم العربي وهي أكثر
عددا من المعاهد العلمية ومراكز البحوث والمكتبات أن لا جنسية أو دين أو مذهب، فالجلاد يمكن أن يصل إلى أشرس درجات السادية وهو مسلم
أو مسيحي أو يهودي، ناصري أو ساداتي أو مباركي أو شيوعي أو يساري أو وفدي أو من الاخوان المسلمين، شيعي أو سني او كردي أو بهائي أو قادياني أو لا ديني، مؤمن أو ملحد أو لا علاقة له بأي تيار ديني أو سياسي أو اجتماعي أو فكري، متعلم أو مثقف أو أمي أو موغل في الجهل. السلطة هي التي تحدد زبانيتها، فيتحول الانسان الذي كرمه الله ونعمه وأسبع عليه ظاهر الخير وباطنه إلى ذئب أشر، وحيوان مفترس، وإبليس يملك قدرة فائقة على إيذاء وإيلام وتعذيب الآخرين. والجلادون لا علاقة لهم بالجنسية والبلد والمذهب والموقع والمكان وأكثر المتحضرين والمتمدنين يتحولون بين ليلة وأخرى إلى جلادين تم انتزاع قلوبهم من صدورهم واستبدلت بها جمرات خبيثة من نار جهنم. عندما دخل الخمير الحمر العاصمة الكمبودية بنوم بنه تحولوا إلى وحوش كاسرة قضت على ثلث عدد السكانحتى أن من كان يرتدي نظارة طبية قد تنم عن اهتمامه بالثقافة يتم ذبحه فورا، وتمكن بول بوت بسهولة ويسر من العثور على جلادين من أبناء شعبه. الفاشية الايطالية لم تكن تفرق بين التعذيب في سجون ايطاليا أو في سجون مستعمرتها الليبية من الناحية الأخرى للبحر المتوسط، والنازيون في ألمانيا الهتلرية تحولوا أيضا إلى وحوش كاسرة تحرق، وتعذب، وتقطع الأطراف، وتبيد قرى بأكملها. لجنود الأمريكيون الذين يدافعون عن حقوق المواطنة في بلادهم، ويحترمون الدستور، ويلتهبون حماسا لقضاء واجب الاقتراع في مجتمع ديمقراطي يتحولون أيضا إلى شياطين مردة، وقتلة قساة، وساديين يتعاملون بنفس القدر من الوحشية مع أطفال في فيتنام، ومع سجناء معصوبي الأعين في جوانتانامو الكوبية، ومع معتقلين عراقيين حتى أن شهادة جندي كانت
تؤكد أنهم كانوا يتبولون على وجوه المعتقلين العراقيين، ويمكن لأحدهم أن يلعب في طائرته ويدمر قرية أفغانية فوق رؤوس أهلها الحفاة العراة والجوعى. الحياة في السجون التي يصبح الموت معها تمنيات لا قبل لأحد من السجناء بمتعة الوصول إليها ولو قضى سنوات يستجدي ملك الموت أن يقبض روحه متشابهة إلى حد كبير، ونشوة اللذة المحرمة
في التعذيب لدى سجان جلف وأحمق وغليظ القلب في معتقل أردني أو سوري أو تونسي أو جزائري أو مصري أو ليبي أو موريتاني لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بفكر تعتنقه السلطة، فالاخوان المسلمون في سجون مصر في نهاية الستينيات تعرضوا لما ?عرض له زملاؤهم في السجون السورية في أوائل الثمانينيات، لكن المعتقلين الشيوعيين في بيوت الأشباح السودانية ذاقوا أمر العذاب على أيدي الجبهة الاسلامية،
وجنرالات الجيش في السودان يملكون قلوبا لا تقل قيد شعرة في قسوتها عن القلوب التي تضمها صدور الاسلاميين والوطنيين والمستقلين وغيرهم. كل علماء العالم الاسلامي لم يستطيعوا أن يلينوا قلب الملك الراحل الحسن الثاني فكان يشتهي لحظات يومية يتأمل فيها عبيده المغاربة وهم يصرخون من العذاب اليومي في معتقلات المملكة الممتدة من الأطلسي إلى الحدود الجزائرية. قاطعتها الزنزانة الثانية مستفسرة عن سبب عدم ذكر صاحبتها للسجون البعثية في عهد طاغية العراقالأسير والتي حول فيها العراق إلى جمهورية رعب حقيقية، وصدرت عشرات الكتب تشرح بتفصيل أدق التفاصيل داخل وخارج مائتي سجن ومعتقل اختفى في جوفها أو في مقابر جماعية قريبة ربع مليون مواطن وسط صمت عربي ودولي واسلامي مخز ومؤسف كأنه تواطؤ ضمني مع شيطان بغداد! ردت الأولى بزفرة كادت تقتلع عشرات السجناء داخلها وتلقيهم في فناء السجن الرهيب: لأن سجون ومعتقلات جمهورية الرعب العراقية حالةتستحق أن أتفرغ لك عنها، وأقص عليك من أنباء تقشعر لها جلود الغلاظ أنفسهم، وتنشطر قلوبهم ولو كانت من حجارة صخرية لا تلين ولا تنكسر. سارعت الثانية طالبة منها تأجيل الحديث عن جمهورية الرعب وسألتها عما تعرفه عن سجن ( فتح ) اليمني؟ قالت الزنزانة الأولى: لقد دك الرئيس اليمني علي عبد الله صالح أسوار السجن في 20 يوليو عام 1994 والذي أقامته بريطانيا بين جبلين ليكون معسكرا فحوله الثوريون الذين أطاحوا بأول رئيس يمني جنوبي ( قحطان الشعبي ) إلى سجن وأودعوا فيه علي عبد العليم أول رئيس لمحكمة الشعب بعد الاستقلال كأول سجين سياسي. إنه سجن تم تدريب سجانيه على أيدي المخابرات الألمانية الشرقية ( آنئذ)، وتعرف الرفاق اليمنيون على طرق ( ستازي )،أي مخابرات ألمانيا الديمقراطية في طرق التعذيب وشهد بعد ذلك أكثر فتراته ظلمة ووحشية عندما زجالرفاق بأنصار الرئيس علي ناصر محمد. ثم أردفت قائلة:ولكن تظل السجون المغربية هي الأكثر عطاءلأقلام سجنائها الذين حالفهم الحظ ولم يتواروا تحت ترابها أو في سراديب الرهبة المعجونة بأنين الموجوعين، فهناك ( السجن المركزي ) في القنيطرة، و ( وسجن لعلو ) في الرباط، و ( معتقل درب مولاي الشريف ) و( تزمامارت) الواقع في الراشيدية.
ثم أكملت: لا أستطيع أن أتذكر الآن كل من ?التفاصيل الدقيقة لما كان يحدث داخل السجون المغربية فقد أصبحت أنا الزنزانة مثل السجناء والسجانين ندور في عجلة مثبتة على ظهر حمار معصوب العينين. إنني استمتع أحيانا برفاهية النسيان التي يفتش عنها كل سجين، ويتمناها بعد أول ليلة في تشريفة السجن. في كتاب ( تلك العتمة الباهرة ) للطاهر بن جلون وهي حكايات مستوحاة من معتقلين في سجن تزمامارت وصف للجحيم الأرضي بكل سفالته وعنفوانه وقسوته وغلظته. لم تتركها الزنزانة الثانية تكمل حديثها وحاولت أن تشاركها في مداعبة الذاكرة وقالت: لعلك نسيت ( السجينة ) لمالكة أوفقير و ( حدائق الملك) لفاطمة أوفقير، وماذا عن يوميات جواد أمديدش وهي ذكريات سوداء في معتقل مولاي الشريف بالدار البيضاء؟ قالت الزنزانة الأولى وكأنها حسمت موضوع القسوة لصالح مكان آخر: لقد تذكرت الآن بيوت أشباح تنافس السجون السودانية والمغربيةوالسورية وهي التي أقامها الرئيس زين العابدين بن علي، فإذا كانت المخابرات العراقية في عهد الشيطان الأسير صدام حسين اعتقلت وعذبت امرأة لأنها خفضت صوت المذياع خلال إذاعة خطبة للطاغية، واعتقلت طالبا في الجامعة لأن ورقة سقطت منه على الأرض فاعتبرتها استخبارات قصي صدام حسين إشارة للمعارضة، وإذا كانت المخابرات السورية عذبت مواطنا سأل بأدب استرقاقي جم عن سبب التحقيق معه، فإن الملك الحسن الثاني قام بتعنيف وتأنيب مالكة أوفقير لأنها غطت جسدها شبه العاري عندما مر الملك أمامها وهي في حمام السباحة واعتبرها إهانة، أما أجهزة أمن الرئيس التونسي فقد اعتقلت عشرين مواطنا تصفحوا، ربما عن غير قصد، مواقع إسلامية على شبكة الانترنيت، واعتقلوا مواطنا لأنه كان يضيء غرفته عند صلاة الفجر لعدة أيام متوالية مما يعني أن نداء الدين في قلبه قد يجعل منه متطرفا يهدد نظام الحكم. محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو النرويج
http://www.TAERALSHMAL84.com
Taeralshmal@gawab.com
Fax:0047+22492563
Oslo Norway