المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الهدف أولا .. العقرب



عباس الحساني
27-03-2009, 11:40 AM
الهدف أولا .. العقرب !
لم يكن سهلا أمام العقرب أن يعبر الى الجهة الأخرى من النهر .. حاول اصطياد الفرصة السانحة لكنه أسقط في نفسه بما يفكر فيه .كان كل تفكيره أن يحقق الهدف فأخفى سلاحه أولا ثــم تقدم مراوغــا نحـو الصخرة الممتدة من الضفة وتطلع في مـا حوله !.فكر قليلا ..تراجــع ..ثم نزل متأوها فلـم يجد ما يمده بأمل ..أتوقفت الحياة ؟ مــا لهؤلاء الذين كـانوا يصفونه بالغباء والحمق والخديعة ؟ أنا في هذه الحلبة مستعد للمنازلة .
اشتد به الغضب وانتفخت أوداجه ونظر الى سلاحه بتثبت قادح .ها اني مستعد للمنازلة ..ولمــا استنفد الوقت وضاقت بـه الحيلة دق الأرض برجله ثم رفعها باحتقار : ما أجبن هؤلاء !
تأمل ما حوله فلم يكن مــا يثير الانتباه واثارة الحقـد فقد انتصر على ذاته وهو يتهادى متبخترا بقوته وشجاعته واقتنع أنه القوي ولا شك . وحدق مرة أخرى في عبور النهر .
عاد يحدث نفسه :
من الجنون أن ألقي بنفسي في هذا النهر .سأنتظر أي شيء يكون لي جسرا للوصول الى هدفي فثمة عدو لي في الضفــة الأخرى .اليوم يعرف الجميع مقدار قوتي وجبروتي ..لكن استخـدام القوة بهـــذا التهــور يؤدي الى الجنون ..ربـما أتعرض للنقد والتجريــح ، ولغـة العصر لا تــدع أحــدا دون أن تستعرض مـا في منهجيتـه في حسم الموقف . وتأمــل وخطط في دقائق أسلوب المغامرة . وأجرى حساباتـــه فاذا هي تنزوي بأرقــام غير متوازنة ..آه ، مــا الذي أصاب ذاكرتي ؟ ان قوة المبدأ التي تتوقد في موقفي من الوجود لا يترك مجالا للشك والنكوص والخذلان ..فلا بد من أضـع الحقيقة وأعامل اصطلاحها بعدالـــة القضية التي أدفعــها بمنظور الحكمة والشجاعة والقدرة على التجاوز . ولكن لا سبيل الى ذلك بمجابهة القوة بالقوة أبــدا الا اذا تطلب الموقــف ذلك واتهمــت بالجــبن والخوف .نعـــم، فالتحقق في هــذا المبدأ لا يعطي نتائج محسومة لصالحي الا بالحيلة والخداع وكما قيل الحرب خدعة .فلمــاذا لا أتمسك بها .. لطالما تعلمت أن استكناه الواقع والمباغتة قـد يحقق الانتصار ،أو أرجىء ذلك باستغلال الحكمة والمراوغة واستقطــاب عنصر المفاجأة في نهاية المطــاف سيخلق في عدوي الخوف والذعر من المستقبل .آه ، ان تفكيري يحكـم ذاتي فلأقطــع الطريق على محاور العدو الغاشم .
فاسعفيني أيتها السماء أن أضع روحي طلقة التحدي ..ففي هدفي ما أطمح اليه .ولشد ما يقنعني مقدار ما أمتلك من قوى خارقة .
ظل العقرب يسترسل بتأن وروية ..آه ، وجدتها.. ولعلع بحمته في كل اتجاه : وجدتها ..يا للكارثة ! وجدتها ..صبرا ..آه .
هدأت نفسه ثم انزوى الى الظل يتأمل حساباتــه ويعيدها برشــاد ..وقال بأحرف متقطعة الأنفاس : الحكمة ضالة المؤمن . سأراوغ هذا العدو بذكاء .وانسل بعد أن أخفى حمته نحو الحافة فأبصــر ضفدعة غمرها الطين وأخرجت رأسها متأملة هذا الكون الفسيــح المترامي الأطراف،لا تفكر في الحياة كفيلسوف كئيب ! تقدم اليها وحياها واستلطفها بحكمة الثعلب فقالت باستنكار :
أخشى أن تلدغني أيها العقرب! أنا لا آمنك على نفسي فـقد تعلمت من أمثالك الدروس والعبر لكن العقرب استغرق في الضحك والاستغفال :
عزيزتي .. لو كنت أعرف أنك ألمقت تجاهي لسارعت اليك قبل أن يوشى بي .ايــه ..ان أكثر الأصدقــاء اليوم لا يرغبون بالمحبــة والعون ..انهم يثيرون الفتن والانزلاق في الظل .
قاطعته الضفدعة : أيــها المـــاكر .أنا لا أفهم في البلاغـة والحكمة ..أنا ، ربما أكون حمقاء لو استمعت اليك . أرجوك دعني أسبت في بيتي . فضحك العقرب : أيتـها المسكينة ..ألك بيت ؟ قالــت وهي تزم لسانها بسرعة ربما التقطت ذبابة بليدة :
على قدر الحال ! ايه ،ماذا تريد ؟!
قال بعد أن كسب الجولة الأولى وهو يحاور نفسه :
هذه أول الأغبياء .اذن، حسنا أفعل !
أريد أن أعبر النهر الى الضفة الأخرى طبعا .. فقاطعته بانزواء ونقت تحت الماء ورفعت رأسها :ومـا الذي تبتغيه ؟ قــال مراوغا : شظف العيش وقساوة الحياة ..حاولت أن أكسب رزقي بشرف لكن الجدب كان يستحوذ على كل شيء . فاعذريني أيتها الأديبــة الحبيــبة أن أقول لك تعالي معي وعيشي كما تشائين . فقاطعــته على الفور : ان عيشي محدود مثل البيض في الجراب المعدود ،ولن أتعب فيه فدعني قانعة برزقي وحياتي . هيا اصعد ولك أخشى أن تغــدر بي وتلدغني فسأموت وتموت أنت . فأشار اليها : هيا وهو يردد في نفسهويسخر منها :أيتها الغبية..! واندفعــت المسكينة وهــي تحمل موتـــها في ذاتها حتى توسطت النهر .
كان منظر الماء المنساب والهواء اللطيف والظلال الوارفة على صفحة النهر أغرى به في تأمل عجيب فتراجع بذاكرته الى جولاتــه وتمكنه من الغلبة في كل منازلة .فانحنى على ظهرها وتراجع قليلا بعــد أن وضع على عينيه غشاوة فاندفعت حمتــه بشدة واخترقـــت جلدهــا فنقت :آه ..آه..أيــها اللعين !كنـــت متأكدة أنك تفعل هــذا ولكن حمقي وسذاجتـي أذهبا تعقلي فلـــم أعد أعرف كيف أتصرف مـــع مجنون غادر . فصرخ بها :
أدركت الآن أن عظمة الانتصار هو شرف لا يحد ..خذيها مرة أخرى . فارتعشت الضفدعة وسقطت آخر دمعة من عينيها الذابلتين وأطبقت أجفانها .. ونقــت آخر الأمـــر قبل أن يسحبـها المـــاء الى الأعماق قائلة بخفوت : أرأيت ؟ قتلـــت نفسي وقتلت نفسك أيـها الأخرق اللعين ! رد عليها بأسف شديد : أيتــها العزيزة ، أعتــذر أشد الاعتذار ! فليس لي سلطان على طبعـي ..آه، انقذيني أيتـــها السماء ..لا أريـــد أن أموت ..لا..لا.وران الصمت ومــا زال النــهر ينساب في هدوء كيوم ولادته .

عباس الحساني

عباس الحساني
28-03-2009, 06:21 PM
الأستاذ الفاضل محمدسالم المحترم .السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..قد يثير شكا في هذا الموضوع ما صدر به بكلمة ( منقول ) فهل فيه تناص مثلا ؟لقد كتب هذا النص في 23-6-1999ولم تكن هناك شبكات الاتصال العالمية أبدا ويتعذر النشرمن هذا النوع الرمزي لظروف سياسية مغلقة ؛ لذا ففي هذا الانفتاح ما يسر لنا تقديم ما يسر القارىء ويؤكد حقيقة مركزية ذات نطاق محدود .أما الكلمة فقد شغلت أكثر مساحة من التفكير مما يلفت النظر الى فحواها .مع تقديري واعتزازي بكم .
أخوكم :الحساني