المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كالليل في سغب الجسد/خليل ياسين



محمدسالم
18-03-2009, 02:56 PM
هذه القصة القصيرة وردت بريد الموقع ننشرها هنا كما هي:




مقال بعنوان
كالليل في سغب الجسد
اهداء: الى زياد خداشكالليل في سغب الجسد
بقلم: خليل ياسين
الاهداء: الى الكاتب زياد خداش

اعطنيها قالت ودارت ظهرها وتمثلت لي كسابحة ماهرة وغاصت بين امواج الرمل وبدأت تجذّف بعينيها لازاحة الرمل وانا مندهش صامت صارخ لا ادري كيف اوقف المذبحة.
العاصفة تهب من هنا من الشمال وانا في الوسط ، انت في الطرف الجنوبي قالت ، قلت وانت ايضاً.
وانصرفنا نشرب القهوة نرجسا يتقطر منه الضباب على حافة المخيم .
انا وانت من بنينا الواح الزنك والخشب العتيق حين هربنا في الليل من قرية الزيب جارة البحر ، قلت ، قالت انني احبها تلك التي ضيعت عقدها من ستين عاما ونيف .
الم تجد احدا من الذين تركناهم خلفنا بين حقول الذرة وقطع البطيخ هناك؟ قلت : انك تهذين ، هذه البلدة مشهورة بالسمك بانواعه وما دخل البطيخ بذلك ؟ انه اخضر اخضر، هذا ما اتذكره منها ، لانني احتفظ باللون اكثر ما احتفظ بالصورة ، فاللون حد من حدود العقل المترامية ، وانطلقنا زحفا تارة وهرولة اطوار الى ان وقفنا على شرفة تطل على واد سحيق وبدانا نعزف على اوتار القيظ القادم من شمس تموز ،وحدقنا في المكان معا كاننا جسد واحد ، كم هو الوقت الان ؟ سالت انا ، فقالت: الحادية والعشرين بالتقويم الارضي لكن السماء لها تقويم آخر لا نعرفه ، الواحدة والعشرين! فالوقت ليل اذاً ، وجعنا ، يا الهي كم هو مؤلم الجوع في الليل ، وكان الوقت برداً، اعطني كوبا من الشاي التبتي الساخن لاشرب لعلي اسكن جوعي وادفأ، ولكن كيف تدفا وانت على حافة الموت او السكون ؟ اعطني اي شيء فانا ليس لي من امل غيرك في هذا المكان ، قالت ليس معي شيء سوى الصبر اذا اردت اتقاسمه معك ، صبر ، وهل خلقت هذه الكلمة كي تكون من نصيبي انا ؟ انا والصبر جارتان يدخلان الليل ناقوسا يدق لكي يصير الانتظار له طعم اللقاء، قلت : وما دخل اللقاء بهذا فانا مهموم وجائع ، وضائع بين السهل والوادي الذي اراه الان كما يرى المأسور ثقبا يقوده الى هواء ، وانتم يا ايها الواقفون هناك تحت الشجر تقطعون السنابل ترتبونها ضمة ضمة وتقذفون بها بفوضى عارمة ، ما الذي جاء بكم الى هنا في هذا الوقت قلت لنفسي ومشيت، وبقيت امشي الى ان طالعني زوال دابة سوداء فوقفت ارتجف، وكان امتحان مجازي لي، ما الذي يمكن ان افعله اكثر مما فعله الزير سالم في الاسد او عنترة العبسي بالضبع حين عاركه فعرك الضبع وقتله وحمله مقتولا على اكتافه حتى مضارب العرب.
اقتربت من تلك الزوالة فلم اجد شيئا سوى زوال، خفت مجددا من ان اكون في هذه اللحظات اتعرض لكمين من كائن يراني ولا اراه.
ولما غفوت للحظة رايت كان مائدة نزلت علي من السماء ففرحت، وحين مددت يدي لاقطف من ثمار تلك المائدة هزني صوتا جاء من بعيد فقمت واذا بصارخ يقول: ايها الجياع انتم ملح الارض، فطوبى لكم وانتم تصبرون، وطوبى لكم وانتم تحلمون، وطوبى لكم وانتم تحفرون قبوركم باظفار جائعة.
قرناء ، هكذا خلقوا ، الجوع والخوف والعتمة ، لماذا تشعرين بالخوف من الظلام ؟ قلت : قالت لانني ارى اشياء لا اراه في النور ، قلت وما دخل العتمة والخوف بالجوع ، قالت: كأنهما توئم روح واحدة فالجائع يرى ما لا يراه غيره ، يرى غولا ياكله ومن يحب صباح مساء والذي يعيش في العتمة يخلق اشياء وتكبر ويعرفها جيداً لانه هو الذي يصنعها والخائف ايضاً.
قلت وما السغب والليل والجسد ؟ قالت : هو كل ما ذكرت وازيد ، وما الزيادة قلت : قالت: الضياع الذي احس به منذ ستين عاما حين غادرتنا الزيب وغاصت في البحر تبحث فيه عمن بناها ولم تجده لغاية الان؟ فقلت : اذاً انا انتظر بالسغب والليل والجسد حتى تعود الزيب جارة للبحر وراية للشمال كما كانت دليلا للصيادين القاصدين بلاد الجليل وما تلاها....
نظرت اليّ بطرف عينها وقالت: اذاً ربما نلتقي غداً او بعده او بعده.......هناك


- الزيب قرية فلسطينية قضاء عكا تقع على البحر مباشرة