المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القطار الخجول..



ساخر جدا
10-03-2009, 02:35 AM
القطار الخجول..

أطلق القطار إنذاره الأخير لتلك النوعية من الناس التي تجد دائما صعوبة في الانضباط فتتأخر دونما قصد عن مواعيد حياتها.. فمنها من تأخذه إغفاءة قصيرة على مقعد الانتظار تكون سببا في أن يطول انتظاره.. ومنها من يقطع لتوه التذكرة وما أن يضعها في جيبه حتى يخيل إليه أنه ورث المحطة ومن فيها وأن القطار لن يستطيع الطيران بدونه.. وما أن يدوي الصفير المزعج في أذنيه الكبيرتين حتى يندفع كالعداء المحترف نحو أقرب العربات إلى أصابعه الغليظة..

امتلأت العربة الأخيرة بالركاب الذين سرت بينهم عدوى البهجة والانشراح.. كان يوما بديعا وكانت القهقهات المتفرقة تجاهد لتطغى على هدير القطار.. كان يوما مشرقا طال انتظاره بعد أسبوع طويل من العواصف والأمطار.. فداعب الهواء المنعش النفوس المتعطشة للبهجة والانشراح.. وفي ركن منزو من تلك العربة جلس ذلك الشاب الذي بدا من تجهم وجهه أنه لا يشارك الركاب في احتفالهم بزرقة السماء.. كان ينظر باستغراب إلى ذلك الخليط العجيب من البشر ومخلفات سعادته من أسنان صفراء كانت تضيء بين الحين والآخر كضوء باهت في سماء العربة..

ورغم تجهمه لم يكن حزينا كما أوحى بذلك مظهره.. بل على العكس تماما كان أقرب إلى الانشراح منه إلى الانقباض.. وربما كان للهضاب الخضراء الجميلة التي تمرح مسابقة القطار دور في سريان تلك القشعريرة اللذيذة في جسده كلما داعبت الطبيعة المبتسمة عينيه المرتبكتين..

كان بوده أن يقهقه بلا قيود كالآخرين ولكن شيئا ما أقوى منه كان يحظر عليه مثل تلك الحيوية الطاغية فأكتفي بمراقبة مخلفاتها كعادته..

كان شابا في الثلاثينيات من عمره متوسط الطول متناسق الجسم وسيم الطلعة يمتلك الكثير من مفاتيح القلوب ولكنه كان خجولا إلى أبعد الحدود.. كان خجله القوي يذيقه طعم ازدراء الآخرين وتلاعبهم بوجوده ويضيع عليه الكثير من فرص الحياة.. كان يدفعه إلى الانفجار في وجه الضعف والاستكانة كالقنبلة ثم لا يلبث أن يعود إلى حظيرة الاستسلام مطأطأ رأسه قانعا بقدره الجبان.. كان عاجزا عن مجرد الحديث بعبارات مترابطة تثبت وجوده وتبعد عنه نظرات الشك والازدراء.. كان عاجزا عن التدقيق في عيني محدثه المتذاكي الذي يبحث بحرص الذئب عن منفذ ينفذ منه إلى عالمه البريء..

كان القطار في تلك اللحظات يشق طريقه وسط الهضاب الخضراء المزهرة كطائر فاردا جناحيه على الطريق.. فشرد ببصره عبر الزجاج.. كان يفكر في ضعفه المهين وفي أعماقه كانت جملة اعتاد عليها تتردد برتابة "لست جبانا.. لست جبانا".. أنا على استعداد لمواجهة أسد في معركة دامية فكيف أعجز عن محاورة فتاة رقيقة في معركة لا أنياب فيها ولا دماء.. ولنفرض أن الأمور ساءت ألن أكون المنتصر في أية معركة عضلية محتملة.. مهلا.. كيف أفكر هكذا.. أدار عينيه في غضب إلى الوجه الذي يقابله وكانت الصاعقة.. ففي مقابله كانت تجلس أجمل فتاة شاهدها في حياته.. حول عينيه عنها بسرعة البرق وهمس لنفسه:

- يا لسخرية الأقدار.. فتاة مثل هذه تجلس في مقابل فأر مثلي.. مهلا.. لم لا أعاود النظر إلى وجهها الجميل.. ما الذي يمنعني.. كم أنا جبان خسيس.. سأنظر إليها وإن انقلب القطار بمن فيه.. أدار عينيه بإصرار إلى وجهها الصغير.. كان كمن يدير مقود شاحنة عالقة في كثيب وسط الصحراء.. وكانت المفاجأة أن الفتاة تحملق فيه بشرود كسمكة ميتة وعلامات القبول تشع من عينيها المتوهجتين.. حول عينيه عنها بسرعة وهو يتمتم:

- المسكينة تنظر إلي أنا.. يا للمهزلة.. سأحاول أن أتسلى بأي بشيء وإلا فقدت وعيي فقد بدأت النوبة تنتابني.. أولا العرق الغزير ثم تيبس الحلق ثم الرجفة وينتهي الحفل بالإغماء.. إن أناملي تهتز بشدة.. سأتسلى قليلا بهؤلاء الركاب الأغبياء وإلا سقط رأسي بين ركبي.. بالمناسبة لقد خف الضجيج.. آه.. يبدو أن نصفهم قد نام أما النصف الآخر فبين النوم والحياة.. ولكن لماذا أشغل نفسي بهم.. لأدعهم وشأنهم وأفكر في المصيبة التي تجلس أمامي.. لم لا أحدثها.. هيا دع الجبن جانبا وتحدث إليها.. اسألها مثلا كم الساعة ولكن تبا إني أحمل في معصمي أكبر ساعة في الوجود.. سأسألها عن اسمها ولكن ماذا لو ردت بغضب "ليس من شأنك".. من المؤكد أنها ستكون نهاية العالم.. سأحدثها عن الجو الجميل الذي يحتضننا.. ولكن ماذا لو فطنت للحيلة السخيفة.. هيا.. فكر قليلا ولا تكن مثل أولئك الأغبياء الذين يغازلون كالبهائم دونما تفكير أو تقدير.. والأعجب أنهم غالبا ما ينجحون..

سأتأكد من صلاحية الأرضية للهجوم من يدري قد تكون الفتاة نائمة أو مكشرة عن أنيابها.. رفع عينيه في حذر إلى وجهها الصغير وكانت المفاجأة.. لا زالت تسلط عليه أضواء عينيها كشاحنة مبهورة.. كان الإعجاب يشع من حدقتيهما الواسعتين ليغمر العربة كلها.. كان واضحا أنها تنفخ فيه روح المبادرة فأدار عينيه عنها وهو يرتجف بقوة كعصفور بلا مأوى في يوم مطير..

- ها قد تأكدنا من أن أي سؤال مهما بلغت تفاهته سيلقى ترحيبا لديها.. ولكن دلائل الخذلان قد بدأت تظهر.. ها قد بدأ الخرس ينسج خيوطه حول شفتي المرتعشتين.. إن قدماي لم تعودا تحملاني .. يبدو أنني بدأت أفقد وعيي.. أتمنى فقط أن لا أقفز من هذه النافذة المفتوحة.. هيا .. لأسيطر على أعصابي.. لأثبت لنفسي وللجميع أنني لست تافها مثل الكثيرين.. سأكلمها وليكن ما يكون.. يا إلهي إن النوبة تشتد.. إنني أختنق.. دقات قلبي أصبحت أسرع من القطار.. سأكلمها ولتكن ميتة شريفة خير من حياة في مستنقع الذل والهوان.. أدار عينيه بإصرار إلى وجهها.. ولكن:

- اللعينة لا زالت تلتهمني بعينيها الجميلتين.. ليتها تحولهما عني قليلا لأتمكن من التقاط أنفاسي..

جاهد لتحريك شفتيه المتقلصتين ولكن بلا فائدة.. كانت الفتاة قد رسمت على وجهها ابتسامة مشجعة.. ولكن المسكين أطبق فمه كتمساح محظوظ وأدار عينيه عنها وهو يتمتم:

- اللعينة لقد قضت بابتسامتها على ما تبقي من شجاعتي.. لم أعد أستطيع تحريك فمي فكيف بلساني المحنط في تابوت السكون..

بدأ القطار في تلك اللحظات يخفف من سرعته استعدادا لمعانقة المحطة التي تستقبله بالأحضان.. تمتم بارتباك.. ها قد وصل القطار إلى مثواه.. كم أنا محظوظ.. لو بقيت في هذه الأجواء الرومانسية المكهربة دقيقة واحدة لحدث ما لا تحمد عقباه..

كان القطار في تلك اللحظات يستعد للتوقف فهب واقفا كمن لدغته عقرب.. وبسرعة وارتباك خطف حقيبته دون أن ينظر إلى الفتاة المندهشة وخرج يتعثر في أذياله وما أن أصبح خارجا حتى أحس بقوة تدفعه إلى النظر عبر الزجاج إلى حيث تجلس صاحبته.. وكانت المفاجأة.. لم تتحرك من مكانها قيد أنملة.. والتقت العيون.. وهذه المرة شعر برغبة جامحة في الإمعان في عينيها.. كان حزن عميق يرتسم داخلهما.. حزن وحسرة حلا محل الأمل والسعادة الذين كانا يفيضان منهما قبل قليل.. خيل إليه أن الفتاة تشفق عليه فحول عينيه عنها بحزن وهو يهرول مبتعدا.. وما أن أصبح خارج المحطة حتى غمغم:

- كم هي نبيلة .. لقد أشفقت علي بدل أن تلعنني مثل الأخريات.. حقا إنني استحق الشفقة والرحمة.. واللعنة..

تسمر في مكانه فجأة وهو يغمغم بإصرار:

- هذه المرة لن تكون مثل الأخريات.. هذه المرة سأعود إليها وسأضع يدي في يديها.. هذه المرة سأحبها رغم أنف العالم الكبير..

قفل راجعا وكاد أن يعدو وهو يتجه نحو العربة القابعة فوق الرصيف.. كان يحس بحماسة غريبة تدب في أعماقه وبقوة غريبة تحمله على جناحيها.. غمغم وهو يلهث من فرط الانفعال:

- سأجدها.. قلبي يحدثني أنني سأجدها.. هذه المرة لن تمنعني أية قوة من الاقتراب منها والتحدث إليها والحياة معها..

وصل في تلك اللحظة إلى العربة فألقى نظرة متلهفة إلى داخلها.. كانت خاوية لا أثر للحياة فيها.. هرول بذعر في كل الاتجاهات قبل أن تقوده قدماه إلى الصالة ومنها إلى الشارع الفسيح.. ولكن بلا فائدة.. ضاعت الحبيبة.. قلّب عينيه بأسى في بحر البشر المتلاطم أمامه.. ضاعت إلى الأبد.. لن أجدها ولن أتعرف عليها ولن أحبها.. ضاعت في الزحام كما ضعت قبلها في الخجل..

تمنى في تلك اللحظة لو يجد مكانا منعزلا ليذرف فيه دموع الحسرة والعجز ولكن ذلك كان سابع المستحيلات.. وضع يديه باستسلام في جيوبه و ألقى رأسه على صدره وغاص في ذلك البحر البشري العجاج تاركا خلفه ذكرى يوم جميل ورحلة جميلة وفتاة أجمل كان يفترض أن تكون إلى جانبه يمرحان معا ويسعدان معا ويحبان معا.. لولا الخجل..



النهاية..

ملاحظة: لعلها شطحة من شطحاتي.. وأكررها ثانية.. لا يجوز للشاب فعل ما لا يرضي الله بل عليه الحرص على أن تكون خطواته تؤدي إلى طاعة الله.. لقد كتبت هذه القصة في القطار بين الدار البيضاء والرباط (1998) في أمسية جميلة وصدقوني لم تكن أمامي فتاة جميلة.. أردت أن أعبر عن الخجل بطريقتي الخاصة (حينها قال لي أحد معارفي في تلك المدينة: صدقني لقد ظننتك بطل القصة، فأضحكتني كلماته وأظنها ستضحككم بعد قراءة القصة) والآن بعد كل تلك المدة هاأنذا أعرض هذه القصة لسبب واحد هو أنها عمل من أعمالي لم أرد له أن يبقى طي النسيان.. ولكن الحقيقة هي أن الشاب أو الشابة يجب أن يتقوا الله فهذه الدنيا في الأخير دار غرور..

محمدسالم
10-03-2009, 04:53 AM
أستاذي ساخر جدا:
استمتعت بقراءة قصتك الجميلة و بتعليقك الأجمل عليها..

لمام أحمد
10-03-2009, 08:11 AM
أخي ساخر جدا ،

استمعتُ كثيراً بقراءتك هنا .. شكراً لك .

ساخر جدا
13-03-2009, 12:05 AM
بارك الله فيكم عل الردود الجميلة................. ....