المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حزن أم حسرة



this is me
26-02-2009, 07:10 AM
في غرفة مظلمة، يمد محمود يده فلا يكاد يراها، يتحرك ببطء حتى لا يبعثر السًّفرة التي انتهى للتو من تهيئتها قبل انقطاع التيار الكهربائي، ذلك الانقطاع الذي لا يأتي أحياءَ هذه المدينة إلا بغتة، الشيء الذي يوحي بأن ساكني هذا الركن من الكرة الأرضية يدفعون من جيوبهم مقابل الظلام،لا الكهرباء.
تتزاحم أفكاره كأنها تريد الخروج من غرفته المظلمة، تسيطر عليه فكرة يوم سداد فاتورة الظلام التي يعيش الآن في مركز حدثها، و الكيفية التي سيدفعها بها و لماذا يدفعها أساسا.ذاك هو ثالوث الصحافة التي مارسها مصادفة لتسديد حاجياته، تعلم أبجدياتها على عجل و حمل أوراقه و آلة تسجيل و التحق في قسم التقارير الإخبارية بصحيفة مغمورة.كان يحلم أن يمارس وظيفة يحترف فيها الصمت أكثر من الثرثرة، لكن رياح الألسن تجري بما لا تشتهي الآذان.
تتزاحم قدماه مع مكونات السفرة و هو يسير ببطء محاولا تفادي وجبة عشائه، تقع قدمه فيها، يهوي إلى الأرضية كيلا يزيد الجراح،يقع ثوبه في الماء الذي كان يخطط أن يشرب منه و يغسل يديه بعد الأكل، لكن ما حدث على المسرح يفرض عليه أن ينتظر مباغتة النور ليرى كم تبقى منه للشرب، إذ أن يداه قد لا تتسخان كي يغسلهما.
ليست المرة الأولى التي يجرب فيها محمود حظه العاثر، لقد اشتعل الرأس منه شيبا و هو يبحث لنفسه عن استقرار، من غير أن يجد إلا ما يعكر حلمه.

في طفولته كانت أمه تسأله:
-حين تكبر يا محمود، ما ذا ستشتغل..؟
فيرد:
-يا أمي سأشتغل دكتورا لأعالجك من غير حقن،أو أشتغل بائع أدوية، و أبيع الحبوب و "السيروهات" فقط، إني أكره الحقن يا أماه..!

كبر محمود، لكن الحلم مات فتيا و دفن، كان عليه أن يجتاز امتحان الولاءات و إيجاد من سيساعده على تحقيقه، لكن الجو الأسري الذي ترعرع فيه كان أكبر العقبات،
أبٌ و أم كادحان، الأم لا تجد أصعب من تسيير ميزانية سرابية تبدأ يومها بفؤاد فارغ على مستقبل أبنائها الضبابي، و تنهيه بما يأتي به أبٌ يغدو خالي الوفاض، و يروح بما يكفي بالكاد لكي يبقي أفراد أسرته الصغيرة من ضمن لائحة الأحياء بصعوبة، قراباته لا يبدو أنهم موجودون في هذا الحيز، جلب أسرته هربا من زحف الظروف القاسية إلى أحياء الصفيح حيث يعيش إخوة الفاقة، أقوى رابطة تربطهم هي تشبثهم بالحياة حيث تنعدم فرصها.
و حين ودع الأب تلك القساوة لم يجد محمود -ابنه البكر- بُدًّا من اتخاذ سبيله سربا في بحر من مسؤلية أتته بغتة كانقطاع كهرباء ذاك المنزل البسيط الذي بناه بشِق الجيوب على مراحل غطت معظم حياته المهنية مجازا، و الذي ودَّع فيه أمـه قبل أن ترى الضباب ينقشع عن مستقبله و مستقبله إخوته.
يبدو أنه قد لا يمارس من أدوار الأبوة إلا ما رسمته له الأقدار من مسؤليته تلك تجاه إخوته مستثمرا تعثره في نجاحاتهم، و معاناته في بلوغهم الأدوار النهائية لسباق ينتهي بالنسبة إليه حيث يبدأ بالنسبة إليهم هم.
كان يتمنى لو أن زحف القساوة على أهله و رحلتهم تلك تأخرا قليلا لكي يتمكن من ممارسة أبوته في غير إخوته، أو تأخرت كثيرا كي ينعم بليل تضيئه النجوم و نور الأقمار من غير أن يُـفرض عليه دفع أي فاتورة سواء كانت فاتورة ظلام أم فاتورة إخوة.
غارق هو في أفكاره -كغرقه في الظلمة- يستعرض حاجته و شوقه إلى والديه، و يحس بضعفه و وحدته، لتنهمر دموع لا يتمكن من تحديد العامل الرئيس الذي تسبب في هطولها ، أهو حزن على أموات رحلوا أم حسرة على أحياء لا يدري متى يطرقون حياته بغتة، أم ضباب من ذالك و ذالك..!

el mahi
26-02-2009, 12:06 PM
الفاضل
this is me

شكرا لك علي هذا المقال الرائع

اسمتعتُ بالقراءة


شئ ما جعلني اتذكر ابيات "ابو علي القالي" عندما باع كتاب "الجمهرة"


أنستُ بها عشرين حولاً وبعتها = وقد طال وجدي بعدها وحنيني
وماكـان ظـني أنــني سأبــيـعها =ولو خلدتني في السجون ديونـي
ولكن لضعـف وافتـقار وصبـية = صغـار عـليهم تستهـل شـؤوني
فقـلت ولم أمـلك سـوابـق عـبرة ٍ = مقـالـة َ مكـويّ الفـؤاد حــزيـن ِ
وقد تـُخرج الحاجـات_ يا أمَّ مـالكٍ_ = كـرائـم َ من رب بهـن ضنـيـن

mariem
26-02-2009, 02:35 PM
الحزن والحسرة هما فقط وعي حادٌّ لمأزق الوجود البشري، والبوحُ من خلالهما يعتمد في الأساس على ذاكرة خصبةٍ تعرف كيف تجوب متاهات التخيل الكثيفة لتستنطق التفاصيلَ الصغيرة وتتقن تسجيل الصورة الحرفية.
وشأنُ النص السردي الجيدِ دائما أن يتولى تلكَ المهمة مبتعدا -بالضرورة- عن السطحية المفرطة والترميز الموغل

شخصيا لم ألاحظ شيئا يستدعي التقويم، وددتُ فقط تعديلَ :
- كان عليه أن يجتاز امتحان الولاءات و إيجاد من سيساعده على تحقيقه إلى كان عليه اجتياز امتحان الولاءات و إيجاد من سيساعده على تحقيقه ..
اجعلهما جُملتان مَصْدَريتان كلتاهُما أو فعليتان معاً من أجل تناسق الفقرةِ فقط
- أم ضباب من ذلك و ذلك..! إلى أم ضباب من الاثنين

أستاذ ثيس أحسنتم، سردٌ سهل ممتنع .. وأسلوب رائجٌ له من القراء كثيرْ :)

this is me
04-03-2009, 12:43 AM
الاستاذ الماحي،
الروعة في حضورك، فابق بالقرب أخي الكريم.

this is me
04-03-2009, 01:00 AM
الفاضلة مريم:

ملاحظاتك وجيهة جدا ، و بالتأكيد أني سوف أستفيد منها في المستقبل إن شاء الله،
لك شكري..!

الهمام
04-03-2009, 06:18 PM
تعتبر القصة ميدانا رحبا لنقد الظواهر الاجتماعية نقدا ذاتيا نجريه على ألسنة شخص نعالج فيها جانبا من جوانب حياته المفترضة ,أو نحاول من خلاله أن نسلط الضوء على زاوية من زوايا نفسه .
القصة القصيرة في موريتانيا بملامحها النقدية الجديدة تعتبر وليدة ومازالت بحاجة إلى صقل وزيادة خبرة من كتابها كما أننا بحاجة ملحة إلى نقاد يحسنون ذلك الفن الجميل كي نتقدم فيه خطوات إلى الأمام .


أعجبتني جدا قصتك القصيرة وحلقت عاليا مع صورها الأدبية الرائعة والتي تنبئ عنك أديبا يمتلك زمام الخيال الأدبي يحاول أن يشق طريقه ليستخدم تلك الملكة ليشكل بها لوحات فنية تعكس واقعنا الذي نعيشه لترينا ذلك الواقع في قوالب فنية ولغوية رصينة كما تفضلت تماما .


لدي ملاحظة واحدة فقط - لو سمحت لي بها- تتعلق بصياغة إحدى الجمل التي أجريتها على لسان بطل القصة
يقول مخاطبا امه حينما سألته عن طموحه المستقبلي :
-يا أمي سأشتغل دكتورا لأعالجك من غير حقن,
هلا قال : -يا أمي سأكون دكتورا لأعالجك من غير حقن,
أو : -يا أمي سأشتغل في مجال الطب لأعالجك من غير حقن,
فقد أحسست أن الجلمة بتلك الصياغة نميل إلى العامية أكثر مما تميل إلى الفصحى

قد لا أكون على صواب في صياغتي المفترضة

لذلك أشكرك جدا على هذه القصة الرائعة