المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الطريق المسدود



عائشه
12-02-2009, 05:54 PM
كانت الساعة في حوالي الثانية عشرة من ظهر أحد أيام رمضان وكانت شمس سبتمبر الساطعة تحرق وجهي بشدة وأنا أتوجه الي ناصية الشارع لأقف بإنتظار تاكسي يقلني إلي وجهتي ما إن وصلت حتي كانت سيارة تاكسي تقل إمرأتين تتوقف بجانبي ويسألني السائق عن الوجهة التي أقصد وفتح الباب الخلفي بسرعة بمجرد أن أخبرته بوجهتي وفوجئت بالمرأتين تستعجلاني للركوب : أسرعي اسرعي اركبي إنه قادم قادم ركبت وأغلقت الباب بحركة سريعة لاإرادية وإلتفت إليهما كانت فتاتين حديثتي السن جدا تجلس إحداهما بجانبي مع طفلين يبدوان بين الثالثة والخامسة من العمر في حين جلست الإخري في المقعد الأمامي وتسائلت من هو القادم والتفت إلي الخلف والسيارة تنطلق بنا لأشاهد رجلا في حدود الخميسن من العمر يبدو مسالما عكس ماتوقعت يجري وراء السيارة ويشير بيده بقوة ويصرخ بالسائق ليتوقف إلتفت مجددا إلي الفتاة الجالسة بجانبي يتملكني الفضول والتعجب : هل هذا والدك لم تجبني وأجابتني الأمامية : إنه زوجها , استغربت الأمر تبدو في الخامسة أو السادسة عشر بيضاء متوسطه الجمال ولا يناسبها كزوج وتبدو خائفة لم يعجبني الأمر وسألتها بنبرة استغراب لماذا تهربين بهذا الشكل يا أختي نحن في رمضان وأتقي الله في زوجك ثم سألت الأخرى : هل أنت أختها أجابتني : لا, أنا صديقتها ,كانت الفتاة تردد جملة واحدة : كنت أعرف أنه سيتبعنا .. كنت أعرف أنه سيتبعنا ..وبدا في وجهها التردد والخوف وحين أحست الصديقة بترددها بدأت تهاجمها : وما ذا لو تبعنا أنت ضعيفة الشخصية ومسلوبة الإرادة معه وإتضحت الصورة في رأسي : فتاة لاهية تدفع صديقتها لمغامرة ما إلتفت للخلف كان الرجل الخمسيني يتوجه الي البقالة بعد أن يأس من لحاقنا أثار شفقتي وقررت التدخل فالتفتت إليها وقلت بصوت وضعت فيه ما أملك من حزم وتصميم : إنزلي من السيارة مع أطفالك ودعك من المشاكل ثم نظرت إلي الفتاة الأخري قائلة : دعي الفتاة ترجع لبيتها ولا تسببي لها مشاكل وقمت كخطوة اخيرة بأمر السائق أيضا بالتوقف إلتفت الأخير إليها بنظرة متسائلة بإنتظار رأيها وكانت فيما يبدو قد حسمت أمرها بالرجوع ربما قبل تدخلي فقالت أخيرا : توقف بي هنا .. سأعود , توقف السائق وأبدا إستعداده لإرجاعها وكنا قد إبتعدنا عشرات الأمتار أجابته لا سأعود وحدي ونزلت بطفليها وسارت بخطوات هادئة يتبعها طفلاها ....... تأملتها وهي تعود أدراجها وتسير بخطي متثاقلة بموازاة الشارع الذي بدا أطول من المعتاد .. كانت كالمتمرد المهزوم ....وانطلقنا مجددا تلك الأخري لا زالت تغيظني إلتفت إليها لائمة : لماذا فعلت ما فعلت وأين كنت ذاهبة بها أجابت بإستهتار : تلك الوضيعة صديقتي وكانت جارتي قبل أن تتزوج من الكهل حارس الشركه و كنت فقط أريد أن أدلها علي شغالة تسكن بجانبنا لتأخذها , بدا سببا واهيا لم يقنعني وبدأت بنصحها :ما فعلتيه غلطا لقد كدت أن تتسببي لصديقتك بمشكلة مع زوجها و..توقفت عن سيل النصائح الذي كنت بدأته فالمغامرة لا تبدو مبالية به بل قاطعتني وهي تفتش الكاسيتات الموجودة لدي السائق : كنت أريد مساعدتها ولكنها لا تستحق تعبي إنها حتي لم تسقني يالها من بخيلة ويبدو أن السائق الشاب كان مستمتعا بالقصة وبدأ يسألها : قلت أنه زوجها ؟ وأضاف بلهجة خبيثة ياله من كهل !! وأطلق ضحكة صاخبة ثم إلتفت إليها وتأملها بنظرة فاحصة وكانت الفتاة ذات جمال لم يستطع سوء هيئتها إخفاءه سألها مبتسما : لم تسقك ؟ جئتها غير صائمة ولم تسقك ؟ يالها من بخيلة !!وأردف قائلا ماذا تريدين أن تسمعي من الموسيقي أجابته أريد أغاني عربية شبابية حديثة فكم أكره الموسيقي القديمة ... تمتمت بداخلي يالك من فتاة وقحة وكأنك لم تحاولي منذ لحظات فقط تحطيم هدوء وسكينة عائلة مسكينة ما ذنب الكهل المسكين الصائم الذي بدلا من أن يأخذ قيلولته دفعتيه إلي الشارع يجري وراء زوجته الصغيرة وطفليه المسكينين ... عدت برأسي للوراء وتركتهما لحديثهما المسهب عن ذوق كليها في الموسيقي وقد تناسيا تماما أمر الفتاة وكأنها قصة إنتهت وفقدت نكهة الإثارة
رجعت بفكري إلي الأسرة التي تركنا خلفنا لا زلت تحت تأثير الصورتين صورة الكهل يجري وراء السيارة وصورة الفتاة تعود متثاقلة الخطي يتبعها طفلاها وبدأت أتخيل مشاعرها المهزومة بعد فشل حركة التمرد التي خاضتها بغير إرادتها وتساءلت ساخرة (عن مدي نفوذ الأطراف الخارجية في حركات التمرد حين يكون بغير إرادة حقيقية !! ..
أخذت أتخيل حياتها مع الكهل الحارس الفقير وتساءلت في نفسي أي ظروف تلك التي دفعت الفتاة اليافعة بالزواج ومن ثم البقاء للإنجاب من كهل معدم أو شبه معدم !! ولماذا حاولت الهرب ....يبدو أنها رأت للحظات في صديقتها صورة من ماضيها الجميل وبصيص أمل للعيش ولو للحظات هناك حين كانتا صديقتين تملأهما الأحلام والأمنيات البريئة ...لكن لا شك أن المسكينة أدركت أن المغامرة فاشلة والعودة لعالم صديقتها مستحيل فهي لم تعد طفلة كما كانت ولم تعد حرة التصرف فهناك سلطة عليا يمثلها الكهل بعقله وشخصيته المتحكمة , هناك المجتمع الرافض للتمرد (الذي كنت أمثله )...وهناك أيضا بثوبها تتعلق يدان صغيرتان ....

محمد ولد عبدو
14-02-2009, 11:02 AM
يبدو أنك تتحدثين عن رمضان الماضي ،

الحقيقة أن الفتاة كانت تملك أكثر من خيار ولم تكن بحاجة إلى ثورة بتحفيز من زمن آخر ،
كانت إحدى خيارتها التعامل مع زمنها بطريقة جيدة وتغييره ليتناسب مع هواها دون أن تخرج عن سلطة الكهل اللذي أصلا "مايلوح فيه ماه التريكة " ،
ليس أبدا ماقامت به من تراجع ضعف شخصية إن لم يكن عكس ذالك ، هذه السيدة هي بطلتي ـ رغم صغر سنها ـ

لكن الذي نجهله أن علينا تغيير الزمان لصالحنا بدون خسائر ، لا يوجد شر ولا خير مطلقين ولا يوجد واقع مثالي يحت ، والطريق ليس مسدودا ابدا ولكن نحن نراه كذالك ، ولن يكون إلا كذالك مالم نره بالعكس .

شكرا على القصة الجميلة ، وكل رمضان ـ ساخن ـ وأنت بخير .

باكثير
15-02-2009, 08:21 PM
صور واقعية امتلأت بها"سينما المجتمع الموريتاني"
أسباب سيكلوجية(نفسية) وأخرى اجتماعية أَسست لهذه السينما وساهمت في بنائها
عندما تكون" هي"إحدى"الممثلات"في هذه السينما فليس أمامها سوى أمرين:الاستسلام أو التمرد
وفي كلا الحالتين هي ملزمة ب"عقد احتكار"سبق وأن وقعته منذ ولادتها مع "المجتمع"و"العادات والتقاليد".
فإنسان منذ ولادته هو"محتكر"من قبل"المجتمع والعادات والتقاليد"هو اذن لن يحيى ب"حرية"ليشعر أنه إنسان . لأن فاقد الشئ لا يعطيه.
المتألقة عايشة شكرا لأنك ساهمت بكل ابداع في اخراج جزء من "سينما المجتمع الموريتاني"
وما زلنا ننتظر مزيدا من الابداع والاخراج